ابرز مفارقات العدوان على غزة: الصاروخ الذي قصف حيفا “صناعة سورية”!.. ولم نتوقع ضرب مطار تل ابيب بهذه السرعة.. ترى ما هي مفاجآة المقاومة التالية؟

العدوان الاسرائيلي الوحشي على قطاع غزة يدخل يومه الخامس، ولا يوجد اي مؤشر على ان المقاومة التي تدافع عن القطاع، وتتصدى لهذا العدوان بضرب عمق الاحتلال الاسرائيلي ضعفت او تراخت رغم الطلعات الجوية الاسرائيلية وارتفاع عدد الشهداء الى ما فوق المئة شهيد حتى الآن.

هذه المرة، وعكس العدوانين السابقين (الرصاص المصبوب وعامود السحاب) لم تطلب فصائل المقاومة اي وساطة عربية، او دولية لانهاء الحرب، وخاصة من قبل السلطات المصرية التي تعتبرها طرفا مباشرا في هذا العدوان، وكل ما طلبته هو فتح معبر رفح لنقل الجرحى لعلاجهم في المستشفيات المصرية وعلى نفقة الشعب الفلسطيني ومساعدات اهل الخير، وما اكثرهم ولله الحمد، فهل هذا كثير وهل الجرحى يشكلون خطرا على الامن المصري من اسرتهم في المستشفيات بحيث لم يسمح الا بنقل عشرة منهم فقط؟.

هناك ثلاثة تطورات رئيسية فرضت نفسها على خريطة الاحداث في هذه الحرب:

*الاول: وصول اربعة صواريخ اطلقتها فصائل المقاومة على مطار اللد في تل ابيب للمرة الاولى في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، الامر الذي ادى الى اطلاق صفارات الانذار وتعطيل حركة الملاحة الجوية لعشر دقائق، وتوجيه حركة “حماس″ التي اطلقتها انذارا لشركات الطيران العالمية بوقف رحلاتها ايثارا للسلامة، ووقع هذا الاختراق مزلزل على خمسة ملايين اسرائيلي حتما، ومصدر رعب لشركات الطيران التي تضع امن ركابها على رأس اولوياتها.

*الثاني: اصابة جنديين اسرائيليين كانا في سيارة جيب عسكرية مدرعة قرب الحدود مع القطاع بصاروخ مضاد للدروع مما يعني ان اي اجتياح بري للقطاع سيواجه بمقاومة شرسة، وربما هذا ما يفسر تردد بنيامين نتنياهو وقادته العسكريين في الاسراع بتنفيذ تهديداتهم في هذا الصدد، تحسبا لخسائر كثيرة، وخوفا من العواقب.

*الثالث: الحالة المعنوية العالية جدا لاهل القطاع، واعراب معظم من التقت بهم الفضائيات الاجنبية قبل العربية في مواجهة هذا العدوان، بينما يحدث العكس في اوساط الاسرائيليين وكشفت استطلاعات رأي اسرائيلية ان نسبة تأييد حزب “ميرتس″ الذي يعارض الحرب والاستيطان تضاعفت في الايام الاربعة الاخيرة، واتفاق معظم المحللين العسكريين والسياسيين على ان نتنياهو سيكون اكبر ضحية لهذه الحرب، ومعارضة نصف الاسرائليين تقريبا لاي حرب برية.

*الرابع: اطلاق صاروخ من جنوب لبنان على منطقة الجليل تضامنا مع قطاع غزة، وهذا قد يكون بداية الغيث، وصافرة انذار وحتى لو لم يكن، فانه ابلغ رسالة تضامن واطيبها الى قلب المقاومين في القطاع.

***

المسؤولون العسكريون الاسرائيليون يتحدثون عن حرب طويلة، ويؤكدون ان لديهم “بنوك اهداف” لن يتوقفوا حتى يقضون عليها، ويتبجح نتنياهو بالقول بان قادة حركة “حماس″ يحتمون بالدروع البشرية، فما هي بنوك الاهداف هذه: مليونا انسان مدني اعزل يشكل الاطفال نسبة ستين في المئة في اكثر مناطق العالم اكتظاظا باللحوم البشرية؟ وهل يريد من قادة “حماس″ ان يقفوا في ساحة الجندي المجهول في قلب غزة ويلوحون للطائرات الاسرائيلية من اجل الالتفاف اليهم وقصفهم بصواريخها؟

نعم اهل غزة تحولوا الى دروعا بشرية لحماية بيوتهم المتهالكة من القصف الاسرائيلي، فاحدى العائلات برجالها واطفالها ونسائها صعدت فعلا الى سطح بيتها في تحد للطائرات الاسرائيلية وعلى امل ان لا تقصف البيت، لكن الطيارين الاسرائيليين ممثلي الحضارة “الانسانية” الغربية لم يرف لهم جفن، ولم توجد اي مشاعر رحمة في قلوبهم، وقصفوا المبنى والعائلة واستشهد جميع افرادها.

لم اسمع شخصيا، وانا اقضي الليل والنهار اسير “الروموت كونترول” متنقلا بين المحطات العربية والاجنبية، فلسطينية او فلسطيني يناشد “الزعماء” العرب لنجدتهم، او يطلب المساعدة المالية او العسكرية منهم او حكوماتهم، لان اهل القطاع اصحاب انفة وكبرياء اولا ويدركون جيدا ان هؤلاء مجرد “نواطير”، ولا يتحركون الا باوامر امريكية ايضا، ومن اجل قتل روح المقاومة والكرامة والتضحية في نفوس المواطنين البسطاء، فعندما تقول لهم الادارة الامريكية ارسلوا المليارات والاسلحة واشعلوا نار الفتنة في سورية يلبون النداء فورا، وعندما توجههم الى العراق يهرولون باموالهم وفضائياتهم دون اي تلكؤ، اما عندما يتعلق الامر بفلسطين والاقصى والمحاصرين في غزة والقدس المحتلة فانهم يديرون وجوههم الى الناحية الاخرى.

القاسم المشترك بين القادة الاسرائيليين والغالبية الساحقة من نظرائهم العرب هو كيفية القضاء على روح المقاومة وقيمها في اسرع وقت ممكن، حتى ينعم الطرفان بالهدوء والسكينة وبما يتيح لهم اكمال مسيرة التطبيع، والتمتع بالثروات التي في حوزتهم واقامة المشاريع الاقتصادية المشتركة، ودون ان يعكر حياتهم “شعارات” المقاومة والكرامة والعزة “المزعجة”، وهي المفردات التي حذفت من قواميس معظمهم منذ زمن طويل.

السيد مشير المصري الناطق باسم حركة المقاومة الاسلامية “حماس″ قال في مقابلة تلفزيونية مساء الخميس ان الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني اليوم هو الصاروخ المبارك الذي وصل الى قلب حيفا.

نتفق مع السيد المصري في هذا الكلام الموزون بالذهب لانه يعبر عن ضمير كل انسان عربي ومسلم في شهر التضحية والفداء، ولكن المفارقة التي نامل ان يكون السيد المصري واعيا لها، ان هذا الصاروخ من طراز320 ـ M الذي يصل مداه الى 160 كليومترا من “صناعة سورية”، وانا انقل هذه المعلومة عن العدد الاخير (ص 44) من مجلة “الايكونوميست” البريطانية التي تصدر في لندن وليس من دمشق!

***

مفارقات هذه الحرب عديدة عرفنا بعضها وسنعرف الكثير في المستقبل القريب بعد انقشاع غبارها، وما يمكن ان نقوله ونختم به ان الانتصار في الحروب مسألة نسبية، فانتصار المقاومة في العراق جبّ الانتصار العسكري الامريكي والغاه وحوله الى هزيمة، ومن هذا المعيار وعلى اساسه نحكم مسبقا بان انتصار المقاومة الفلسطينية في صمودها وبقائها، تماما مثلما فعلت في كل المواجهات السابقة مع الاسرائيليين، وما نزول اربعة ملايين الى الملاجيء وذوي صفارات الانذار في القدس وتل ابيب وحيفا وديمونة الا اجمل معزوفة تطرب اذان المقاومين مطلقي هذه الصواريخ، خاصة عندما تتناغم مع آذان صلاة المغرب ايذانا بالافطار بعد يوم طويل من الصيام، كرد على الطائرات الامريكية الصنع من طراز “اف 16″ التي تلقي بحممها على الاطفال والرضع، والصائمين العابدين.

للمرة الالف نقول انها “حرب ارادات” والفوز فيها لصاحب الارادة الاقوى، وليس السلاح الاقوى، ولعمري ان ارادة اهل قطاع غزة اقوى واصلب من جبال الهملايا، انهم رجال في زمن عزّ فيه الرجال.

انها “حرب الرعب” في غزة.. وستكسبها فصائل المقاومة وصواريخها حتما.. ومطار تل ابيب هو المحطة القادمة بعد قصف حيفا.. وعيب ان يستمر اغلاق معبر رفح في وجه الجرحى يا حاكم مصر

ما يجري في قطاع غزة حاليا هي حرب من نوع مختلف بعض الشيء عن معظم الحروب السابقة، عنوانها “حرب الرعب”، ويبدو ان فصائل المقاومة تكسبها حتى الآن، فالصواريخ التي اطلقتها ووصلت الى تل ابيب وحيفا والغلاف الاستيطاني حول القدس المحتلة، ومحاولة الانزال البحري قرب عسقلان لاقتحام قاعدة بحرية اسرائيلية، وتفجير نفق قرب معبر كرم ابو سالم كلها مؤشرات تؤكد هذه الحقيقة.

حالة الذعر تسود اوساط المستوطنين الاسرائيليين الذين تمتعوا بحال من الهدوء رفعت معدل الدخل الفردي في اسرائيل الى مستويات قياسية تقترب الى الاربعين الف دولار سنويا، بينما ليس لها الا القليل من الاثر في اوساط ابناء قطاع غزة رغم غارات طائرات “اف 16″ التي بلغت اكثر من 200 غارة القت خلالها 400 طن من المتفجرات.

مساء امس اتصلت بالصديق فريح ابو مدين وزير العدل الفلسطيني الاسبق ضمن مجموعة من الاصدقاء الآخرين لاستطلاع الاحوال وردود الفعل على الغارات الاسرائيلية فقال لي ان المقاهي مليئة بالناس الذين يتابعون مباراة البرازيل والمانيا في كأس العالم، بينما القذائف الاسرائيلية تسقط بالقرب منهم ولا يعيرونها اي اهتمام.

***

هذا الشعب الذي يخرج من اجتياح اسرائيلي ليدخل في آخر، ومن حصار اقتصادي وسياسي خانق انتظارا لآخر اكثر شدة، لا يمكن ان يهزم، فهذا قدره، واختاره العلي القدير لكي يكون ممثلا لهذه الامة، وسدا لها في مواجهة هذا العدو الدموي المتغطرس، ولن يهرب من هذه المهمة مطلقا، ولن يتخلى عن قدره ودوره، وهو المؤمن الشجاع.

بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي يبحث عن تهدئة، بل يستجدي الوسطاء من اجل الوصل اليها رغم كل جعجعته وتهديداته، بينما يبحث ابناء القطاع عن كسر لحصار عربي اكثر عنفا وايلاما من الحصار الاسرائيلي، والعيش بكرامة، ولكن دون ان ينسوا المقاومة وحقوقهم المغتصبة في وطنهم وارضهم في الوقت نفسه.

الصواريخ التي بدأنا نحفظ اسماءها، مثلما نحفظ مداها عن ظهر قلب، مثل كلمات اعذب الاغاني الى قلوبنا، من “R160 ” او “ام 75″ الى “فجر 5″ و”البراق”، ستصل حتما الى مطار بن غوريون في قلب تل ابيب، وتعطل الملاحة الجوية الاسرائيلية، ولكن هذه الخطوة ربما تكون مؤجلة الى حين، وورقة “رعب” اخرى يجري استخدامها في الوقت المناسب وهو قادم حتما، فاهل المقاومة يحترمون كلمتهم، ويقولون ويفعلون.

فصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها “حماس″ ليست قوة عظمى، ولا تملك جيوشا جرارة واسلحة نووية وكيماوية، ودبابات “ميركافا” ولا صواريخ “كروز″، ولذلك لن تزيل اسرائيل من الوجود في الحرب الحالية، والانتصار “نسبي” هنا، ويكفي ان جميع رؤساء الوزارات الاسرائيليين جربوا حظهم، وحاولوا هزيمة قطاع غزة، الذي لا تزيد مساحته عن 150 ميلا مربعا، ووقف اطلاق الصواريخ منه وانهاء المقاومة فيه، وفشلوا جميعا، وذهبوا وبقيت الصواريخ، مثلما بقيت المقاومة، بكل جبروتها وقوتها وعزتها، ولن يكون نتنياهو استثناء.

نصف مساحة فلسطين المحتلة باتت تحت رحمة صواريخ المقاومة الفلسطينية على تواضعها، والنصف الثاني في الطريق، والمفاجآت واردة، ولن يخشى ابناء القطاع ورجال مقاومته تهديدات نتنياهو بالحرب البرية، بل لا نبالغ اذا قلنا انهم ينتظرونها ويستعجلونها، فقد خاضوها في الماضي، وسيخوضونها في الحاضر، ويستعدون لها في المستقبل، فطالما استمر الاحتلال ستستمر الحروب باشكالها كافة، والزمن في صالح اصحاب الحق وان طال.

نقولها للمرة الالف انها حرب عض اصابع، وقدرة اهل فلسطين وقطاع غزة بالذات على التحمل اكبر بكثير من قدرة اعدائهم الاسرائيليين، فلتطل الحرب، وسنرى من يصرخ اولا ويستنجد بالوساطات لوقفها، مثلما حصل في حرب “عمود السحاب” في عام 2012، وقبلها “الرصاص المصبوب”، فها هو ايهود اولمرت قائد الاخيرة في السجن، وها هي تسبي ليفني تتلاشى سياسيا.

الفلسطينيون لم يعودوا يعولون على القادة العرب، ولا يتابعون تصريحات السيد نبيل العربي امين عام الجامعة العربية، ولا يرجون خيرا منه او جامعته، او اجتماع وزراء خارجيتها الذي سيعقد في تونس الاسبوع المقبل، ويرون في لاعبي الجزائر الذين اهدوا انجازهم الكروي في مونديال كاس العالم وتبرعوا بمكافأتهم المالية (9 ملايين يورو) لابناء القطاع المحاصر عنوانا للشرف والرجولة والبطولة والتضامن والاخويتين العربية والاسلامية، ويقدرون مبادرتهم الرجولية اكثر من جميع مبادرات الزعماء العرب بما في ذلك مبادرة الهوان المسماه مبادرة السلام العربية.

لم نسمع اي رسالة تضامن من “اصدقاء الشعب الفلسطيني” او دعوة لاجتماعهم او اي حديث عن اسلحة نوعية او غير نوعية، ولم نقرأ عن اي دعوة للجهاد نصرة لاهل غزة من بعض الدعاة وانتم تعرفونهم واحدا واحدا، هل لان حركة “حماس″ متهمة بالانتماء للاخوان المسلمين التي صدر فرمانا باتهامها بالارهاب وخشية من بطش السلطان وقمعه، ولكن نذكرهم جميعا بأن اهل القطاع بشر، وغالبيتهم العظمى ليست من منسوبي “حماس″، والمقاومة “فرض عين” على الجميع مثلما يقولون ولكن في اماكن اخرى فيما يبدو.

المقاومة للاحتلال الاسرائيلي يجب ان تكون فوق كل الخلافات السياسية، وزعيمة لكل المقاومات الاخرى، وتستوجب اسقاط كل الخلافات والحواجز المذهبية والعرقية، والتوحد خلفها، والقتال تحت مظلتها.

***

مصر الشقيقة الكبرى تغلق معبر رفح امام المئات من الجرحى الذين تعجز مستشفيات القطاع الخالية من الادوية والمعدات عن استيعابهم، مثلما تغلقه امام الاطباء وشحنات الادوية القادمة من الاتجاه الآخر تلبية لنداء الواجب، فأين الانسانية والعروبة والاسلام ولا نقول اكثر من ذلك، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

الرئيس عباس يقول سنذهب الى مجلس الامن، وسننضم الى منظمات الامم المتحدة، وسنقدم طلبا الى محكمة الجنايات الدولية، وسندين العدوان، يا رجل افعل شيئا، وتوقف عن استخدام حرف “س″ هذا، احترم دماء الشهداء وانين الجرحى، افعل شيئا يرتقي الى مستوى تاريخ حركة “فتح” المشرف التي تتزعمها وبفضلها وصلت الى هذا المنصب الذي تتربع عليه، ولا تريد مغادرته.

غزة هاشم بن عبد مناف، والقوم الجبارين، ستظل عنوانا للشموخ والصمود والتضحية والمقاومة، ولهذا هي مستهدفة دائما، فشلت كل عمليات التجويع والقتل في تركيعها، وستظل كذلك، ابية رافعة الرأس، ورافعة راية المقاومة، مثلما فعلت لاكثر من ثمانية آلاف عام ونيف، فبقيت وذهب كل الغزاة.

لقطاع غزة رجال يحمونه.. ولن ينجح نتنياهو حيث فشل رابين وشارون.. ووساطة السلطات المصرية غير مقبولة.. وليس للمقاومة ما يمكن ان تخسره

لم نعرف ان قطاع غزة بات دولة عظمى الا بعد ان تابعنا حالة الهلع في اوساط القيادة الاسرائيلية والاستعدادات التي اتخذتها، وتتخذها، تمهيدا لغزوه بريا بعد ان واصلت عمليات قصفه طوال الايام الخمسة الماضية بأحدث الطائرات الامريكية الصنع من طراز “اف 16″، واستدعت اربعين الفا من جنود الاحتياط.

القادة الاسرائيليون يدركون جيدا ان تجارب الاجتياحات والحروب الاسرائيلية السابقة (الرصاص المصبوب 2009 وعامود السحاب 2012) جاءت نتائجها سلبية بالنسبة اليهم سياسيا وعسكريا ولم تحقق اهدافها، ومع التسليم بان الخسائر البشرية في صفوف ابناء القطاع والمدافعين عنه كانت ضخمة.

لا يوجد لدى حركة “حماس″وفصائل المقاومة الاخرى ما يمكن ان تخسره في هذه المواجهة، فالقطاع محاصر ومجوع، من السلطات المصرية والاسرائيلية معا، وقدمت “حماس″ كل المبادرات الممكنة من اجل كسر الحصار بما في ذلك تسليم السلطة الى الرئيس محمود عباس دون شروط، او مقابل، ومع ذلك استمر الحصار ومعه التجويع، ومنع وصول المرتبات لاكثر من اربعين الف موظف من سلطتها للشهر السابع ولا ماء ولا كهرباء ولا دواء، ودون اي رحمة او شفقة او اعتبار لشهر رمضان المبارك.

***

هذا الاصرار على الحاق اكبر حجم من الضرر المعنوي والمعيشي بابناء القطاع سيحولهم الى اسود، وسيجعلهم يستميتون في الدفاع عن عرضهم وكرامتهم في وجه هذا العدوان الاسرائيلي العربي المشترك الذي يستهدفهم، ويسعى الى اذلالهم، ودفعهم للتخلي عن المقاومة المشروعة بالتالي.

لا نعرف ماذا في جعبة حركة “حماس″ و”الجهاد الاسلامي” وباقي منظومة فصائل المقاومة من مفاجآت، ولكن بالقياس الى تجربتي الحرب السابقتين، فان الصواريخ ستصل الى قلب مدينة تل ابيب والقدس المحتلتين، وستدفع بالملايين من الاسرائيليين الى الملاجيء ولن تحميهم “القبة الحديدة”، فقد اطلقت هذه الفصائل مئة صاروخ في اليومين الماضيين نجحت هذه القبة في اعتراض ستين منها بينما نجح الباقي في الوصول الى عسقلان واسدود، والاخيرة مسقط رأس والديّ واسرتي.

واذا كانت هذه “القبة” تعترض بعض الصواريخ فانها حتما لن تمنع “مفاجأة” الانفاق التي يحسب لها الاسرائيليون الف حساب، ويتحدث عسكريوهم عن احتمال امتدادها من القطاع الى العمق الاستيطاني الاسرائيلي، وحركة “حماس″ اكتسبت الخبرة الهندسية في هذا الميدان من “حزب الله” في جنوب لبنان، وكان اول انجاز لها خطف الجندي الاسرائيلي غلعاد شاليط من قاعدته قرب معبر كرم ابو سالم جنوب غرب القطاع.

السلطات المصرية التي تعتبر اسرائيل حليفا استراتيجيا، مثلما اكد رئيس مخابراتها اثناء زيارته السرية لتل ابيب قبل ايام، لا يمكن ان تكون وسيطا مقبولا، ونشك انها يمكن ان تقوم بهذا الدور اساسا، لانها وفي ظل عدائها المستحكم لحركة “حماس″ بسبب “اخوانيتها” ودعمها للرئيس المعزول محمد مرسي، تتمنى ان يغرق القطاع ومن فيه في البحر ولا ينجو احدا، طالما انها ستتخلص من حماس وحكمها وتلتقي في هذه التمنيات مع اسحق رابين وقادة اسرائيل الحاليين، ومات رابين ولم تحقق امنياته، وسيموت غيره وستبقى غزة صامدة مقاومة ومتحدية.

فهذه السلطات دمرت جميع الانفاق، وبعضها كان يستخدم في تهريب الاسلحة الحديثة والمتطورة الى فصائل المقاومة لتمكينها من الدفاع عن نفسها نيابة عن الامة في مواجهة اي عدوان اسرائيلي، واغلقت معبر رفح، وما زالت، المنفذ الوحيد لاكثر من مليوني مسلم عربي منذ بداية العام وحتى كتابة هذه السطور، وان فتح فلساعات تعد على اصابع اليد الواحدة ولحالات طارئة، وسط كم هائل من الاهانات والاذلال للعابرين.

لم ار او اسمع في حياتي ممارسة مثل هذا النوع من التعذيب النفسي والسادي في اي معابر حدودية اخرى غير قطاع غزة ومعبر رفح، ولا اعرف ماذا فعل هؤلاء للنظام المصري الحالي حتى يعامل بمثل هذه الطريقة ومن قبل اناس من المفترض انهم من اشقائه وابناء عقيدته، غالبيتهم حركة “حماس″ التي يعلن الحرب عليها.

انتقدت الرئيس حسني مبارك وسياساته لاكثر من ثلاثين عاما، وما زلت، وسأظل، ولكن هذا النظام لم يدمر نفقا واحدا، وابقى على المعبر مفتوحا وسمح بمرور الاسلحة والمعدات العسكرية والاموال لاهل القطاع دون توقف، وانتقادي له كان بسبب ظلمه واضطهاده لشعبه وعلاقاته مع اسرائيل وتقزيم مصر ودورها، وهي العلاقات التي يستمر فيها النظام الحالي ويعززها ويوقع اتفاقات غاز معها تمتد لاكثر من عشرين عاما.

حركة “حماس″ يجب ان لا تقبل الانخراط او التعاون مع اي وساطة مصرية الا اذا رفعت السلطات المصرية الحصار عنها، وفتحت معبر رفح طوال العام دون اغلاق، وعاملت ابناء القطاع كبشر، والشيء نفسه يجب ان يطبق على حكومة نتنياهو فلا تهدئة من اجل التهدئة، وليتفضلوا ويحتلوا القطاع، وسيذوقون العلقم الممزوج بالدم الذي دفع رابين مكرها الى مائدة المفاوضات، وجعل ارييل شارون يهرب بقواته ومستوطنيه مقرا بالهزيمة من طرف واحد ليموت مقهورا فاقد الوعي في غرفة العناية المركزة.

نتنياهو يهدد بتدمير البنى التحتية لفصائل المقاومة في القطاع، ما هي هذه البنى التحتية، ناطحات سحاب، ام مفاعلات نووية، او مصانع لانتاج الطائرات والدبابات والمدافع الثقيلة، ام محطة الكهرباء اليتيمة المعطلة بسبب نقص الوقود لتشغيلها بسبب الحصار، ام معامل تنقية مياه المجاري التي اكلها الصدأ وحل البحر مكانها مكرها؟

نسأل نتنياهو: ما هي خططه للقطاع بعد الغزو، ونحن نعرف انه لن يجرؤ على البقاء في القطاع، ومن سيحكمه في حال القضاء المفترض على حركة “حماس″؟ هل سيستطيع الرئيس عباس ان يملأ هذا الفراغ، وهل سيكرر تجربة السلطة وقوات امنها الفاسدة في القطاع مجددا؟ وهل سيجد من يرحب به، فليجرب هو الآخر وسنرى.

***

لدي اهل واقارب في القطاع، وبعضهم ينتمون الى حركة “حماس″ والبعض الآخر لحركة “فتح” والبعض الثالث موزعين على حركة “الجهاد” وفصائل اخرى، والشيء الوحيد الذي يجمع عليه هؤلاء دون تردد هو نجاح شرطة “حماس″ في فرض الامن وحكم القانون، وكانوا يخشون ان تؤدي المصالحة الى عودة السلطة والفساد والفوضى الامنية.

نتنياهو سيفتح على نفسه وعلى الجار المصري جحر ثعابين اسمه الفوضى، وسيحول قطاع غزة فعلا الى جنوب لبنان، فليس هناك اصعب من حكم القطاع والسيطرة على شبابه المتعطش للمقاومة والشهادة.

نشك في ان ينجح نتنياهو هذه المرة فيما فشل فيه كل من سبقوه، اي القضاء على المقاومة، فهذه مزروعة في جينات كل انسان فلسطيني وتتوارثها الاجيال، والوحدة الوطنية الفلسطينية التي تتعاظم حاليا في مختلف الاراضي المحتلة وتنعكس في انتفاضة ثالثة هي الحاضنة لهذه المقاومة “المقدسة” وليس التنسيق الامني وفق قاموس الرئيس عباس ومفرداته المكروهة.

الشعب الفلسطيني يثور من اجل كرامته ويقدم الشهداء ويتصدى للعدوان في غزة، والرئيس عباس يخاطب مؤتمر “للسلام” في القدس المحتلة تنظمه صحيفة اسرائيلية.

التنسيق الامني “المقدس″ لم يسمح لعباس الذهاب الى القدس المحتلة لتعزية اسرة الشهيد محمد ابو خضير بئس هذا التنسيق.

اهل القطاع سيدافعون عن انفسهم بشجاعة وبطولة، ولا ينتظرون احدا يهب لمساعداتهم ونجدتهم ويرصد المليارات لتسليحهم بأوامر امريكية، فليس لديهم اي خيار آخر في ظل هذا التغول الاسرائيلي والتواطؤ العربي المخجل، وسيخرجون رافعي الرأس من رماد اي عدوان اسرائيلي جديد مثلما فعلوا في كل “العدوانات” السابقة، ولن يخذلهم الله جل وعلى وهم الصائمون المؤمنون المتعبدون في شهر التضحية المبارك.

السعودية انتظرت هجوم “الدولة الاسلامية” من الشمال فجاءها من الجنوب.. وتحالفها مع الاعداء في ايران وسورية والعراق هل بات وشيكا؟

قبل عشرة ايام اصدر العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز توجيها “باتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لحماية مكتسبات الوطن واراضيه”، في ضوء الاحداث الجارية في المنطقة، وخاصة العراق، في ظل سيطرة جماعات مسلحة (الدولة الاسلامية) على مدن شمال وشرق العراق، واضاف في رسالة شديدة اللهجة “لن نسمح لشرذمة من الارهابيين اتخذوا هذا الدين لباسا يواري مصالحهم الشخصية ليرعبوا المسلمين الآمنين”.

بعد يومين من هذا التوجيه اصدر مراسيم بتعيين الامير بندر بن سلطان مبعوثا خاصا له، والامير خالد بن بندر رئيسا لجهاز الاستخبارات العامة، واعلن حالة الطوارىء في صفوف القوات السعودية، وحشد 30 الف جندي على حدود المملكة مع العراق التي تمتد لاكثر من 800 كيلومتر.

الخطر لم يات الى المملكة من الشمال، حتى الآن على الاقل، وانما من الجنوب، ومن اليمن بالذات عندما قام ستة اشخاص ينتمون الى تنظيم “القاعدة” باقتحام معبر الوديعة الحدودي، يوم الجمعة الماضي، بعد ان قتلوا جنديا واستولوا على سيارة الامن التي كانت بحوزته، واحتلوا مبنى المباحث العامة في مدينة شرورة القريبة، وقاتلوا حتى نفذت قنابلهم وذخائرهم وفضل اثنان منهم تفجير نفسيهما باحزمة ناسفة على ان يستسلما لقوات الامن التي حاصرتهما، فكانت الحصيلة مقتل اربعة من رجال الامن وخمسة من المهاجمين واسر سادس بعد اصابته.

***

هجوم معبر الوديعة تزامن مع الذكرى الهجرية الخامسة لمحاولة الاغتيال الفاشلة لوزير الداخلية الحالي الامير محمد بن نايف عندما ادعى عبد الله عسيري عضو تنظيم القاعدة المطلوب للاجهزة الامنية انه تائب ويريد العودة الى المملكة، وحين استقبله الامير محمد بن نايف في قصره بعد ان ارسل له طائرة خاصة فجر نفسه حيث كانت القنبلة مزروعة في احشائه، حسب الرواية الرسمية، فقتل بينما اصيب الامير باصابة خفيفة.

المملكة العربية السعودية التي حاولت ابعاد ثورات الربيع العربي واعمال العنف والاحتجاجات المرافقة لها عن حدودها من خلال دعم المعارضات المسلحة بالمال والسلاح مثلما هو حادث في اليمن العراق وسورية ومصر وليبيا (بدرجة اقل) وجدت نفسها محاصرة بخطر اكبر شمالا وجنوبا ويتمثل في تنظيم “الدولة الاسلامية” الذي ورث ايديولوجية تنظيم “القاعدة” وممارساته واهدافه، واعلن قيام دولة الخلافة بزعامة ابو بكر البغدادي في منطقة تمتد حدودها المؤقتة لتشمل الشام والعراق والمملكة العربية السعودية ودول الخليج والمغرب العربي.

القيادة السعودية كانت تتحوط من الخطر الايراني “الشيعي”، وتقيم التحالفات الدولية، وتنفق حوالي 130 مليار دولار على اسلحة حديثة من اجل مواجهته وحماية حدودها، لتجد نفسها تواجه خطرا “سنيا”، ربما يشكل تهديدا اكبر متمثلا في التنظيم الجديد القديم الذي يتوسع بسرعة مفاجئة.

اللافت ان استراتيجية “الدولة الاسلامية” تقوم بالدرجة الاولى على الاستيلاء على المعابر الحدودية وازالتها، خاصة بين سورية والعراق، والعراق والاردن، وكان من المفترض التوجه نحو المعبر الحدودي السعودي العراقي في عرعر ورفحاء بعد سحب السيد نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي 2350 جنديا من الحدود السعودية لتعزيز امن العاصمة، في خطوة فسرها البعض على انها دعوة غير مباشرة لتنظيم “الدولة الاسلامية” للاستيلاء على هذه الحدود وتورط المملكة في الصراع الامر الذي دفع الاخيرة لارسال 30 الف جندي من قبيل الاحتياط لحمايتها.

انشغال السعودية بامنها الداخلي وحماية حدودها ادى الى انسحابها تدريجيا واعلاميا وعسكريا من ملف الازمة السورية الذي كانت تجلس في مقعد القيادة فيه وتؤسس وتمول جبهات اسلامية تقاتل من اجل اسقاط النظام السوري، الامر الذي يؤكد الثغرات الكبيرة في الاستراتيجية السعودية تجاه هذا الملف وغيره، وسوء التقدير لتطورات الاوضاع في المنطقة.

الاولويات الغربية في سورية والعراق تغيرت بسرعة لافتة، فلم يعد اسقاط النظام السوري احداها، بل مواجهة الجماعات الاسلامية المتشددة وحماية المملكة العربية السعودية والاردن من اخطار اجتياحاتها باعتبارها الهدف القريب لهذه الجماعات.

الدولة الاسلامية تشكل خطرا على المملكة لسببين اساسيين، الاول عدم اعتراف هذه الدولة بنظامها وشرعيته، رغم تطبيقه الشريعة الاسلامية، ووجود ثأر لدى قادة هذا التنظيم تجاه المملكة لان الطائرات الامريكية بدون طيار التي تقصف تجمعات القاعدة في اليمن تنطلق من قاعدة سرية في منطقة شرورة السعودية التي هاجمتها “خلية معبر الوديعة” القريبة من الربع الخالي، اما الثاني فهو وجود اكثر من ثلاثة آلاف سعودي يقاتلون حايا في صفوف قوات “الدولة”، وقجدموا البيعة لزعيمها، وضعف هذا العدد في اليمن يقاتل تحت فرع تنظيم “القاعدة” في الجزيرة العربية بقيادة ناصر الوحيشي، وتفيد المعلومات شبه المؤكدة ان احتمالات انضمام هذا الفرع للدولة الاسلامية وتقديم البيعة لزعيمها باتت كبيرة جدا.

كيف ستواجه القيادة السعودية هذا الخطر الذي يحيط بها شمالا وجنوبا، ويحاول اختراقها في العمق (اكتشاف خلية في ايار (مايو) الماضي تضم 62 شخصا نسبة كبيرة منهم من السعوديين وتنتمي للدولة الاسلامية وكانت تخطط لهجمات ضد اهداف سعودية واجنبية؟).

من المفارقة ان خيارات السعودية في هذا المضمار صعبة ومكلفة في الوقت نفسه ويمكن اختصارها في نقطتين:

*الاول: ان تدخل في تحالف عسكري وسياسي وامني مع ايران والعراق وسورية، وهم اعداؤها اللدودون، وتكوين جبهة قوية معهم لمواجهة هذا الخطر.

*ثانيا: ان تقرر الاعتماد على الذات، وترفض الانخراط في هذا التحالف، وتحاول فتح قنوات اتصال مع هذا التنظيم، وتقديم الدعم له، المالي والعسكري، على اساس النظرية التي تقول عدو عدوي حليفي.

وربما تكون عملية رد الاعتبار للامير بندر بن سلطان وتثبيته في موقعه كأمين عام لمجلس الامن الوطني الذي يراسه الملك مؤشر في هذا الصدد، اي احتمال التواصل مع هذه الدولة.

***

الخيار الاول على صعوبته يظل الاكثر ترجيحا والاقل كلفة بالنسبة الى المملكة وقيادتها، لسبب بسيط لان هناك اجماعا اقليميا ودوليا على حتمية القضاء على تنظيم الدولة باعتباره تنظيما “ارهابيا” تتفق عليه وتلتقي فيه الولايات المتحدة وروسيا، اي ان خطر هذا التنظيم وشدة مراس مقاتليه وتشدده العقائدي ودمويته بات عامل توحيد لكل الاعداء في المنطقة تحت مظلة الخوف منه.

الاطاحة بالسيد نوري المالكي، وتشكيل حكومة توافق جديدة تضم السنة والاكراد الى جانب الشيعة، وفي اطار تفاهم على الرئاستين الاخريين (الجمهورية والبرلمان) يمكن ان يوفر الغطاء لانضمام السعودية الى هذا التحالف، وما تقديمها 500 مليون دولار كهبة لمساعدة العراقيين الا عوبون او مقدمة في هذا الخصوص.

السياسة لعبة خطرة، ولا نقول قذرة فقط، وكل شيء جاهز فيها، ولهذا لن نستغرب وصول الرئيس الايراني حسن روحاني الى الرياض في اي لحظة، ولا نستبعد ان يفعل الرئيس بشار الاسد الشيء نفسه، ولكن بعد فترة قد تطول او تقصر، فأمن الدول والانظمة يتقدم على كل الاعتبارات والمبادىء، فلا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، والايام المقبلة حافلة بالمفاجآت قد تثير العديد من علامات الاستفهام لغرابتها.

البغدادي يضع المعارضة السورية امام اربع خيارات احلاها علقم.. وتسليحها لم يعد من اولويات امريكا الا بشروط

تهديد 11 مجموعة مقاتلة في شمال سورية وشرقها الاربعاء بالقاء السلاح وسحب مقاتليها “ما لم تقم المعارضة السورية الممثلة في الائتلاف الوطني بتزويدها بالاسلحة خلال اسبوع لمواجهة هجوم تنظيم الدولة الاسلامية الجهادي يكشف عن اختلاط الاوراق وحالة الارتباك التي تعيشها هذه المعارضة هذه الايام لمصلحة تقدم النظام السوري وتعزز مواقفه، وهو النظام الذي جاءت هذه المعارضة لاسقاطه.

المجموعات المقاتلة هذه، وحسب ما جاء في بيان رسمي صدر عنها، تتحرك في شريط يمتد من حلب حتى دير الزور، ومن بينها “لواء الجهاد في سبيل الله” و”تجمع كتائب منبج و”الجبهة الشرقية احرار سورية” وتنبع اهميتها في تواجدها في مناطق تحت سيطرة الدولة الاسلامية بشكل شبه تام، وحالها ربما يلخص بصورة اقرب الى الدقة المعضلة التي تعيشها معظم الفصائل الاخرى.

لا نعرف ما اذا كان الائتلاف الوطني الذي هددته هذه المجموعات بالقاء سلاحها اذا لم يزودها بمطالبها في غضون اسبوع سيلبي طلبها بالسرعة المطلوبة او لا، ولكن ما نعرفه انه يعاني هو نفسه من انقسامات حادة، ويعقد اجتماعات مكثفة في اسطنبول لانتخاب رئيس جديد له بعد انتهاء مدة رئيسه الحالي احمد الجربا، دون ان يوفق في هذه المهمة حتى كتابة هذه السطور، ووسط فتور دولي وعربي تجاهه ناهيك عن فتور الشعب السوري في الداخل وفي المنافي ومخيمات اللجوء.

ويبدو واضحا من خلال هذا البيان، وما ورد فيه، ان اولوية الكثير من الجماعات المسلحة المعارضة للنظام السوري باتت محصورة في قتال الدولة الاسلامية وليس اسقاط النظام السوري، وهذا انحراف خطير عن الاهداف التي انطلقت من اجلها المعارضة وتسلحت وحظيت بالدعمين العربي والدولي، ورفعت من سقف توقعات ملايين السوريين في “التغيير الديمقراطي” الذي كانوا يحلمون به.

الفقرة الاهم في البيان التي تحذر “من ان ثورتنا ثورة شعبنا واهلنا، الثورة التي خسرنا لاجلها دماء شبابنا واطفالنا، تعيش حالة من الخطر بسبب تنظيم البغدادي خصوصا بعد اعلانه عن الخلافة” ونقول الفقرة الاهم لانها تحدد دون اي لبس او غموض ان الخطر على الثورة السورية لم يعد النظام الحاكم في دمشق وانما تنظيم الدولة الاسلامية الذي يجب مواجهته والقضاء عليه اولا، وتطلب السلاح لتحقيق هذه المهمة الامر الذي يضع جماعات المعارضة هذه والنظام في خندق واحد، وهذا تحول خطير لم يكن متوقعا حتى في الاحلام، اكثر الاحلام تفاؤلا!

لا نعتقد ان الائتلاف الوطني السوري المعارض قادر على تلبية مطالب هذه الجبهات المقاتلة المنضوية تحت خيمته، ليس لانه لا يملك مثل هذه الاسلحة، وانما لتجاوز الاحداث وتطوراتها كليا له ودوره الوظيفي، وتراجع اهميته لحدوث انقلاب في المعادلات ليس على الساحة السورية فقط وانما في منطقة الشرق الاوسط بأسرها منذ صعود قوة الدولة الاسلامية وتحقيقها انتصارات كبيرة في العراق ابرزها الاستيلاء على محافظة نينوى ومعظم منطقة الانبار.

وحتى لو افترضنا ان الائتلاف الوطني لبى طلب هذه المجموعات وزودها بالاسلحة المطلوبة فهل ستنجح فيما فشل فيه الجيش العراقي الذي يزيد تعداده عن 900 الف جندي، وجرى انفاق عشرات المليارات من الدولارات على تدريبه وتسليحه من قبل الولايات المتحدة الامريكية، وهو الجيش الذي انهار في غضون ساعات امام قوات هذه الدولة الاسلامية الافتراضية في الموصل وغيرها ولم يفلح في استعادة ولو مدينة واحدة استولت عليها؟

العراق يشهد حاليا حالة طوارىء دولية واقليمية غير مسبوقة، تنعكس في عملية تجييش وتعبئة عسكرية تنخرط فيها كل الاضاد المتصارعة في المنطقة، فها هي واشنطن وموسكو وايران في سباق محموم لارسال الطائرات الحديثة والقديمة الى الجيش العراقي، واطنان من العتاد الحربي لتمكينه من القضاء على خطر الدولة الاسلامية “داعش” في اسرع وقت ممكن، ولا نعتقد انه في ظل هذا السباق سيكون هناك مكان، في الوقت الراهن على الاقل، لتسليح المعارضة السورية بأسلحة نوعية لاسقاط النظام السوري، ولكن يمكن ان يتم هذا التسليح لحروب اخرى غير حرب اسقاط النظام.

المعارضة السورية المسلحة تواجه هذه الايام ازمة وجودية، ولم تعد موضع ثقة حلفائها، وهي باتت وبسبب الخطر الكبير الذي تمثله الدولة الاسلامية، امام اربع خيارات رئيسية:

*الاول: الانضمام الى الدولة الاسلامية وتقديم البيعة لاميرها ابو بكر البغدادي على غرار ما فعل قائد تنظيم جبهة النصرة في منطقة البوكمال الحدودية واتباعه.

*الثاني: المصالحة مع النظام السوري على غرار ما حصل في مدينة حمص والعديد من بلدات ريف دمشق، والانضمام اليه والقتال ضمن صفوفه ضد الدولة الاسلامية.

*الثالث: التحول الى “صحوات امريكية” تنسق مع حكومة السيد نوري المالكي او من يخلفه لقتال الدولة الاسلامية وفي هذه الحالة ستحظى بدعم مالي وتسليح نوعي مباشر من واشنطن دون اللجوء الى الوسطاء والسماسرة.

*الرابع: ان تلقي سلاحها وتعلن انتهاء مهمتها، والبحث عن لجوء سياسي او انساني آمن في الدول التي مولتها وسلحتها (السعودية وقطر) وهذا مشكوك فيه، او في تركيا والدول الغربية الاخرى.

ندرك جيدا انها خيارات صعبة، وتبدو مفاجئة وصادمة، ولكن من كان يتوقع ان تقلب الدولة الاسلامية كل الموازين في المنطقة وتستولي مع حلفائها على معظم شمال العراق ووسطه وتعلن دولة الخلافة في اقل من اسبوعين؟

لا شيء يمكن ان يكون مفاجئا هذه الايام.

الفلسطينيون لا بواكي لهم.. هذا اكدته مواجهة تلفزيونية في ظل الانهيار العربي.. واهل غزة سيردون العدوان ولن يستنجدوا بالنيتو واسلحة امريكا النوعية

لا نحتاج الى الكثير من العناء كي نستنتج قرب العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة “انتقاما” لخطف المستوطنين الثلاثة وقتلهم، فيكفي متابعة محطات التلفزة الغربية، وليس الاسرائيلية فقط، وما تتضمنه من مهرجانات حزن وتضخيم للحادث، وسكب الدموع، لنتوقع الاسوأ، فلم يعد العراق او سورية او اعلان دولة الخلافة الاسلامية الخبر المهم، وانما هؤلاء الاسرائيليين الثلاثة “الذين قتلوا بدم بارد”.

قضيت طوال اليوم متنقلا بين محطات التلفزة البريطانية، واذهلني حجم التغطية لجنازات المستوطنين الثلاثة وتهديدات المتحدثين العسكريين الاسرائيليين بالانتقام والتأكيد على ان حركة “حماس″ ستدفع ثمنا باهظا، واقامتهم شبه الدائمة في مقرات هذه المحطات، ومن بينهم السفير الاسرائيلي وطاقمه، ولم ار سفيرا عربيا واحدا دون اي استثناء.

***

في برنامج “غلوبال” الشهير الذي تبثه “بي بي سي” العالمية سألني المقدم عما اذا كان من حق الجيش الاسرائيلي الانتقام لمقتل “الفتيان” الثلاثة على ايدي خلية تابعة لحركة “حماس″؟

قلت له اولا كيف عرفت السلطات الاسرائيلية ان “حماس″ هي التي تقف خلف هذه العملية، قال انها اجهزة استخباراتهم، وهم يقولون انهم يملكون الادلة القوية في هذا الصدد، قلت اذا كانوا يملكون هذه الاجهزة الاستخبارية الجبارة فلماذا لم يكتشفوا الخاطفين ومكان اخفاء المخطوفين طوال الاسبوعين الماضيين وهم الذين يدعون انهم يعرفون كل مليمترا في الاراضي المحتلة؟

ذهبت الى ما هو ابعد من ذلك وقلت للمقدم لماذا لم تر الجانب الآخر من الصورة، الم تقولوا في تقريركم الذي سبق الحوار ان ستة من الفلسطينيين قتلوا (استشهدوا) برصاص القوات الاسرائيلية، انا اسأل وبكل براءة، هل رأينا جنازة واحدة لهؤلاء على شاشة محطتكم او اي محطة بريطانية او امريكية اخرى اليس هؤلاء بشرا ايضا لهم اهل واطفال وزوجات وأباء وامهات؟ نقطة اخرى وردت في تقريركم وتحدثت عن نسف منزلين لمتهمين (اثنين) واحد من عائلة القواسمي وآخر من عائلة ابو عيشة، اتهما بالاقدام على عملية الخطف هذه، سؤالي هو هل جرى تقديم هؤلاء الى المحاكمة، في هذه الدولة الحضارية الديمقراطية صاحبة القضاء المستقل الوحيد في المنطقة، وادينوا بتنفيذ عملية الخطف هذه حتى يتم نسف بيوتهم، وماذا عن اطفالهم واسرتهم، وما ذنب هؤلاء، واي عدالة هذه؟

ندرك جيدا ان مهمتنا صعبة مع مقارعة اعلام منحاز للعدوان الاسرائيلي، ويضع الاسرائيليين في مكانة اقرب الى “القداسة” بينما لا يعير اي اهتمام لنا او ضحايانا، ولكن علينا ان نستمر في المحاولة، ونطرق كل الابواب، مهما آلمنا الطرق، من اجل ايصال الحقيقة، خاصة ان قطاعا عريضا من الرأي العام بدأ يسمع ويتجاوب مع الحقائق التي كانت محجوبة عنه.

لا نملك بلورة سحرية للتنبؤ لاستقراء الاحداث المقبلة، لكن عندما يدعو افيغدور ليبرمان وزير الخارجية الاسرائيلي الى شن عملية عسكرية في قطاع غزة مشابهة لعملية السور الواقي التي قادها رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون عام 2002، فلا نستغرب ان نستيقظ صباح الغد وصور الدبابات الاسرائيلية تقتحم قطاع غزة، وطائرات امريكية الصنع من طراز اف 16 تقصف البيوت الفلسطينية المتهالكة من الجو وتقتل المئات ان لم يكن الآلاف من الابرياء، مثلما فعلت في عدوان عام 2008، فالجنرالات الاسرائيليون يشعرون بهزيمة مهينة بعد فشلهم في منع عملية خطف المستوطنين الثلاثة اولا، والعثور على مكانهم ثانيا، وانقاذ حياتهم ثالثا، والهزيمة على يد من؟ مجموعة صغيرة من الشبان خططوا لهذه العملية جيدا، وربما لا يجدون قوت يومهم.

حركة “حماس″ المحاصرة في قطاع غزة، ومعها مليونا فلسطيني لا يجدون الماء ناهيك عن الطعام في هذا الشهر الفضيل، لا يملكون صواريخ مضادة للطائرات، ولا اخرى مضادة للدروع، ولكنهم يملكون ايمانا قويا بالنصر، ويتطلعون الى الشهادة ويتمنونها وهم صائمون ساجدون في شهر التضحية والمعاناة والتقرب الى الله.

***

في العدوان الاسرائيلي الاخير على قطاع غزة لم يرفع المدافعون عنه الرايات البيضاء استسلاما لعدم توازن القوى وانعدام الاسلحة، وانما اطلقوا مئات الصواريخ التي هطلت كالمطر على تل ابيب ووصلت الى محيط القدس، ودفعت اكثر من اربعة ملايين مستوطن اسرائيلي في تل ابيب وغيرها للهرولة بجزع ورعب الى الملاجيء في اقل من سبع دقائق من انطلاق صفارات الانذار، فالادارة اقوى من كل الجيوش والاسلحة الحديثة، انهم القلة المؤمنة التي ستهزم الكثرة الكافرة باذن الله.

نتنياهو المعزول والمهمش ربما يستغل حالة الانهيار العربي الراهنة لارتكاب مجازر جديدة في القطاع والضفة الغربية ايضا، ولكنه ومستوطنيه هم الذين سيدفعون ثمنا باهظا لاي عدوان على امل كسر عزلته الاقليمية والدولية، ففي ارض الاسراء والمعراج رجال من قوم الجبارين.

لن يستجدي رجال القطاع والضفة الاسلحة النوعية من الولايات المتحدة ولا الصواريخ المضادة للطائرات، ليس لانهم لن يحصلوا عليها (وهل حصل عليها غيرهم؟) وانما لانهم سلموا امرهم للخالق جل وعلى وهو قطعا لن يخذلهم، واعتمدوا على انفسهم، وليس على الانظمة العربية المتواطئة، فلم تدعم هذه الانظمة احدا الا وانهزم.

الاردن والسعودية الاكثر رعبا من الدولة الاسلامية “داعش” وحالة الطوارىء السياسية والعسكرية لمواجهتها غير مضمونة النجاح.. وبديل المالكي غير جاهز

تعيش المنطقة العربية بأسرها حالة طوارىء هذه الايام بسبب التمرد الذي يقوده تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام والخطر الذي يمكن ان يلحقه بالانظمة القائمة واستمرارها والحدود التي نشأت بناء على اتفاقات سايكس بيكو، فهذا تنظيم ليس عابرا للحدود فقط وانما مدمر لها ايضا.

فبعد الخطاب الذي القاه العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز السبت واكد فيه ان المملكة ترفض “الارهاب” باشكاله وصوره كافة، وان بلاده ماضية في “مواجهة ومحاربة كل اشكال هذه الآفة التي تلبست بنصرة تعاليم الدين الاسلامي والاسلام منها براء”، ها هو العاهل الاردني يحذر بدوره من خطورة استمرار الازمة الحالية في العراق على المنطقة، داعيا الى عملية سياسية تشارك فيها جميع مكونات الشعب العراقي دون استثناء.

السعودية والاردن هما الاكثر قلقا ورعبا من ظاهرة “الدولة الاسلامية” هذه وتقدمها العسكري السريع، وحالة الاعجاب التي تحظى بها في اوساط بعض الشباب الاسلامي المحبط، فلم يكن من قبيل الصدفة ان يرأس العاهل السعودي اجتماعا لمجلس الامن الوطني السعودي، الذي لم يسمع به احد منذ سنوات فور عودته من اجازته السنوية في المغرب، وان يعلن حالة الطوارىء القصوى في صفوف قواته، وتعزيز من هو موجود منها على الحدود مع العراق والاردن للتصدي لهذا الخطر، ولم يكن من قبيل الصدفة ايضا ان تتخذ السلطات الاردنية الاجراءات نفسها بعد ان احتلت قوات الدولة الاسلامية “داعش” معبر طريبيل الحدودي.

***

خطورة ظاهرة “داعش” هذه لانها تنمو وتقوى بسرعة في اتجاهين، الاول على الارض حيث تتوسع بشكل محسوب داخل العراق، والثاني عملية التجنيد المكثفة التي تقوم بها هذه الايام في اوساط الشباب في مختلف انحاء العالم الاسلامي يساعدها في هذا الامر وجود حوالي ملياري دولار في خزائنها حصلت عليها من البنوك العراقية وتبرعات من انصارها في دول الخليج خاصة، وما اكثرهم هذه الايام.

ما يميز تنظيم الدولة الاسلامية عن باقي الجماعات الجهادية والسلفية الاخرى انه مفتوح لكل المسلمين دون اي استثناء، لانه تنظيم عابر للحدود ولا يعترف بها اساسا ويعتبرها ظاهرة “وثنية”، وقال السيد ابو محمد العدناني الناطف باسمه الاحد “فما بعد ازالة هذه الحدود، حدود الذل وكسر هذا الصنم، صنم الوثنية الا خلافة ان شاء الله تحقيقا لا تعليقا وعد الله”.

تقرير امريكي اعده رجل الاستخبارات البريطاني السابق ريتشارد باريت لمركز “سوفان غروب” للدراسات الاستراتيجية في نيويورك اكد ان 12 الف جهادي اسلامي دخلوا الى الارض السورية عبر تركيا والاردن خلال السنوات الثلاث الماضية انضم معظمهم الى الدولة الاسلامية (داعش)، وهو عدد تجاوز عدد الذين وفدوا الى افغانستان خلال احتلالها من قبل القوات السوفيتية الذي استمر عشر سنوات، واوضح التقرير ان هؤلاء جاءوا من 81 دولة، من ضمنهم ثلاثة آلاف تونسي والعدد نفسه من السعودية، والفان من دول الاتحاد الاوروبي.

ما يرعب دول الجوارين السوري والعراقي من هذا التنظيم ليس فقط اعداد مقاتليه والتصفيات الدموية الوحشية المقصودة لاعدائه (اعدامات ميدانية لجنود عراقيين ومن تنظيمات اخرى)، وانما ايضا التكتيكات العسكرية المتقدمة التي يتبعها، والمستويات القتالية العالية لمنتسبيه، وعندما نقول مقصودة، فاننا نعني انه يستخدم هذه القسوة والدموية متعمدا لبث الرعب في نفوس خصومه وهي نظرية “الصدمة والرعب” المتبعة في بداية الدولة العباسية وتقدمها.

توقع الكثيرون في اوساط المؤسسة العسكرية العراقية الرسمية ان تواصل جحافل التنظيم زحفها الى بغداد بعد ان اصبحت على بعد 60 كيلومترا منها، واستعدوا لها جيدا، ولكنها فاجأت هؤلاء بالتوجه غربا نحو الحدود الاردنية والسورية واقتربت من الحدود السعودية في الجنوب الغربي واستولت على المعابر الحدودية، ويعود ذلك الى وجود ضباط كبار من الجيش العراقي السابق في صفوفها ويقودون معاركها كأعضاء فيها.

مواجهة هذا التحالف المتمرد من قبل الدولة المذعورة من نجاحاته، تسير في اتجاهين رئيسيين:

*الاول: التوصل الى عملية سياسية متكاملة في العراق تطيح بالسيد نوري المالكي رئيس الوزراء والمتهم بخلق هذه الظاهرة المتمردة وتعزيزها، وتشكيل وزارة جديدة غير طائفية ولا تتبع سياسات الاقصاء والتهميش، ولكن العملية السياسية تواجه صعوبات في الوسط الشيعي ملخصها كيفية استبدال السيد المالكي بشخصية تشكل نقيضه، وصعوبات اكبر في الوسط السني لايجاد شخصية تترأس البرلمان خلفا للسيد اسامة النجيفي وتكون محل توافق، واخرى لرئاسة الدولة خلفا للسيد جلال الطالباني المريض فالاكراد لم يتفقوا حتى الآن على مرشح توافقي لهذا المنصب.

*الثاني: الاستعانة بالقدرات الجوية الامريكية من طائرات بطيار او بدونه، واجواء العراق تزدحم حاليا بهذه الطائرات وكأن القوات الامريكية لم تنسحب من العراق مطلقا وعاد العراق تحت الاحتلال وبشروط امريكية اسوأ، وبمباركة ايرانية سعودية عراقية، وسبحان مجمع الاعداء على قلب امريكي واحد!

الخوف على الاردن هو الاكبر لان ظروفه الداخلية وتوسع قتاله على عدة جبهات (سورية والعراق)، وتراكم الديون عليه، وتفاقم الازمة الاقتصادية، وازدياد اتساع الفجوة بين الفقراء المعدمين والاثرياء، كلها عوامل تبرر هذا الخوف، فنسبة البطالة في اوساط الشباب تزيد عن 30 بالمئة، والتعاطف مع تنظيم الدولة الاسلامية يتزايد، ومدينة معان واعلام (داعش) التي تملآ اجواءها واستمرار تمردها، احد ابرز الادلة في هذا الصدد.

***

الاردن يواجه هذه “الظاهرة الداعشية”، حسب توصيفاته، بعدة طرق سياسية مثل استخدام بعض المرجعيات السلفية المعادية لها، اي للدولة الاسلامية، مثل الشيح ابو محمد المقدسي احد اساتذة ابو مصعب الزرقاوي اول من بذر بذورها (الدولة) في العراق، والشيخ اسامة شحادة مؤلف كتاب (المشكلة مع الشيعة) الذي يعادي التنظيم (داعش) ويعتبره اكثر خطرا على السنة من الخطر الايراني، فالشيخ المقدسي ومعه الشيخ عمر ابو عمر (ابو قتادة) (جرى تبرئته من قبل محكمة اردنية قبل ثلاثة ايام من التهم الموجهه اليه) انحازا الى جبهة “النصرة” ضد “الدولة الاسلامية” اثناء الخلاف الصدامي الدموي بينهما، وكانا خلف رسالة الدكتور ايمن الظواهري الذي طالب فيها الشيخ ابو بكر البغدادي بالقتال في العراق فقط وسحب منه تمثيل “القاعدة” بعد رفضه، ويحظى هؤلاء الدعاة حاليا باهتمام خاص من قبل الاعلام الرسمي والخاص للتعبير عن وجهة نظرهم المعادية لفكر وممارسات تنظيم الدولة في محاولة لابعاء الشباب عنها.

لا نعرف ما اذا كانت الاجراءات الامنية الاخيرة التي اتخذتها السلطات الاردنية ستكون فاعلة ومؤثرة ايضا في الحد من خطر تنظيم “الدولة الاسلامية” ووصوله الى الاردن، ومن بينها اشتراط حصول اي عراقي يريد القدوم الى البلاد على تأشيرة دخول مسبقة من السفارة الاردنية.

ما نعرفه ان “داعش” لا تحتاج الى “فيزا” لدخول الاردن وقبله سورية لانها بكل بساطة تحتل المعابر الحدودية وتدمرها، وترفض الاعتراف بوجودها اساسا!

السعودية وايران تتحالفان لتصفية “الدولة الاسلامية” تحت مظلة امريكية.. فما هو الثمن الذي سيقبضه الاسد مقابل تعاونه.. وهل تحالفه مع “داعش” وارد؟

التحرك الدبلوماسي المكوكي الذي يقوم به حاليا جون كيري وزير الخارجية الامريكي في المنطقة وكانت مدينة جدة محطته الاخيرة حيث التقى العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز يبدو انه حقق تفاهما يقوم على ثلاث نقاط اساسية يمكن استخلاصها من قراءة معمقة للتصريحات المتوفرة حولها:

*الاولى: الاطاحة بالسيد نوري المالكي من رئاسة الوزارة في العراق باتت شبه مؤكدة، تلبية لشرط سعودي خليجي اردني، ومباركة المرجع الشيعي الاعلى السيد علي السيستاني الذي طالب بالاتفاق على الرئاسات العراقية الثلاث (رئاسة الدولة والوزراء والبرلمان) قبل انعقاد البرلمان والبدء في المشاورات لتشكيل الحكومة الجديدة في الاول من الشهر المقبل، دون اي اشارة للسيد المالكي، وتخلي السيد مقتدى الصدر عنه، وحديث السيد الحكيم عن بدائل على الطاولة.

*الثانية: تحويل الجيش السوري الحر الى “قوات صحوات” جديدة لمحاربة تنظيم الدولة الاسلامية على الارض العراقية اولا والسورية لاحقا، ورصد 500 مليون دولار من قبل الادارة الامريكية لتدريبه وتسليحه اول مؤشر في هذا الخصوص.

*الثالثة: بدء الضربات العسكرية الامريكية بطائرات، بطيار او بدونه، لتصفية تنظيم الدولة الاسلامية (داعش)، ومحاولة انهاء سيطرتها على الانبار والموصل وتكريت والفلوجة والمعابر الحدودية بين العراق وسورية، وبين العراق والاردن، ومنع اقتراب قوات التنظيم من الحدود السعودية والاردنية التي تعتبر خط احمر امريكي.

***

اللاعبون الاساسيون في الازمتين السورية والعراقية يختلفون على كل شيء، ولكنهم يتفقون على امر واحد وهو محاربة “الدولة الاسلامية” التي تمثل خطرا “ارهابيا” في نظرهم يجب استئصاله من جذوره قبل ان يقوى اكثر ويصبح خطرا لا يمكن السيطرة عليه.

وعندما نشير الى اللاعبين الاساسيين فاننا نقصد امريكا، وايران، والمملكة العربية السعودية، والاردن، والامارات، وربما سورية ايضا، علاوة على اسرائيل التي عرضت خدماتها في هذا الخصوص على لسان وزير خارجيتها افيغدور ليبرمان، ولكن هذا العرض لم يحظ بأي ترحيب في العلن على الاقل، والله اعلم بالبواطن.

السيد المالكي كان يشكل العقبة الرئيسية التي تحول دون التوصل الى اتفاق يجمع هذه الاضداد، ويبدو ان زيارة الوزير جون كيري الى بغداد واربيل وقبلهما عمان، واخيرا مدينة جدة قد ازالت هذه العقبة من الطريق الذي بات مفتوحا الآن لبدء الضربات الجوية الامريكية المكثفة.

اما على الارض، فاننا قد نشهد تحالف صحوات قديم سيتم احياؤه، وآخر جديد في طور البناء والتدريب والتسليح، ونقصد بذلك الجيش السوري الحر، وقد حدث تطوران في هذا الاتجاه:

*الاول: التكليف الرسمي الذي صدر من الوزير كيري للسيد احمد الجربا رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض اثناء لقاء الاثنين في مطار جدة الدولي صباح الجمعة، حيث قال كيري للجربا “لدينا الكثير لنتحدث عنه فيما يتعلق بالمعارضة المعتدلة في سورية التي لديها القدرة ان تكون لاعبا مهما في صد وجود الدولة الاسلامية في العراق والشام”، واشارته الى ان السيد الجربا “يمثل عشيرة يمتد وجودها الى العراق وهو يعرف اناسا هناك وستكون وجهة نظره ووجهة نظر المعارضة السورية مهمة جدا للمضي قدما”.

الوزير كيري يتحدث هنا عن قبيلة “شمر” التي يقدر عدد ابنائها بسبعة ملايين شخص بعضهم يعتنق المذهب الشيعي والآخر السني، وينتشرون في المربع العراقي السوري السعودي الاردني، ويريد كيري ان تدعم هذه القبيلة المخطط الامريكي الاقليمي الجديد للقضاء على ما يسمونه تنظيم “داعش”، مقابل وعود بالدعم وتشكيل حكومة غير طائفية في العراق تنهي ممارسات الاقصاء والتهميش.

*الثاني: اصدار السيد الجربا قرارا يلغي بموجبه قرار آخر للسيد احمد طعمة رئيس الحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف القاضي باقالة العميد عبد الاله البشير رئيس هيئة اركان الجيش السوري الحر، واعضاء مجلس القيادة العسكرية، واحالتهم جميعا للتحقيق بتهم عديدة بينها “الفساد”.

واعتبار قرار السيد طعمة لاغيا لانه ليس من صلاحياته اتخاذه، حسب القانون الاساسي للائتلاف.

السؤال المطروح الآن وبقوة هو حول احتمالات نجاح هذا “التحالف الاضداد” في تحقيق اهدافه وابرزها “اجتثاث” الدولة الاسلامية والقضاء عليها في سورية والعراق معا؟

هناك احتمالان رئيسيان في هذا الصدد:

*الاول: ان ينجح هذا التحالف في مهمته فعلا بسبب اهمية وقوة الدول المنخرطة فيه سياسيا وعسكريا وماليا ووضع الولايات المتحدة كل ثقلها العسكري والمالي خلفه، ولكن هل سيستمر هذا التحالف متماسكا بعد تحقيق هذا النجاح ولا ينقسم على نفسه، ام ان هناك تصورا لتسوية سياسية محتملة بين طرفيه الاساسيين اي السعودية وايران برعاية امريكية للملفين السوري والعراقي خاصة؟

*الثاني: ان يفشل هذا التحالف في مهمته بسبب قوة الدولة الاسلامية، والتفاف جماهيري سني حولها بسبب الكراهية للتدخل الامريكي، وضعف الارضية العقائدية والسياسية التي يقف عليها التحالف المضاد، وتقلص فرص احياء نظام الصجوات مجددا لتغير الظروف المحلية العراقية، وغضب العشائر العراقية من الخذلان الامريكي لهم.

من الصعب ترجيح كفة اي من الاحتمالين، وخاصة الاول الذي يتحدث عن فرص النجاح، لان الجيش الحر الذي سيكون رأس الحربة في قتال “الدولة الاسلامية” على الارض خسر اكثر من مرة في ميادين القتال امام قوات “الدولة الاسلامية”، والخلافات بين قيادته تمزق صفوفه، والخمسمائة مليون دولار التي رصدتها الولايات المتحدة لتدريبه وتسليحه ليست بالمبلغ الكبير والفاعل، لان دولا عربية خليجية مثل المملكة العربية السعودية وقطر دفعت اضعاف هذا المبلغ دون ان ترى تغييرات جذرية على الارض، واي تقدم حاسم في جبهات القتال السورية، والا لما صمد النظام ثلاث سنوات واستطاع استعادة مناطق عديدة في الاشهر الاخيرة، خاصة في القلمون وحمص وكسب وبعض قرى ريف دمشق والقصير.

الحروب لا تسير دائما وفق “المانيول” او المخطط المرسوم لها، فالمفاجآت واردة، فمن كان يتوقع الصدامات الدموية بين تنظيمين يمثلان القاعدة (النصرة والدولة) على الارض السورية، ومن كان يتصور سقوط الموصل التي يتواجد فيها اربع فرق (30 الف جندي تقريبا) خلال ساعات امام زحف تحالف الدولة الاسلامية والعشائر وقوات البعث؟

***

القضاء على “الدولة الاسلامية” قد لا يكون بالسهولة التي يتصورها الوزير كيري وحلفاؤه، لانها قوية اولا، وتتواجد في مدن كبرى بين ملايين السكان المدنيين ثانيا، مما يضع محظورات كبيرة امام القصف الجوي، ومن هنا لا نستبعد ان تكون هذه المهمة مكلفة بشريا ومعنويا وسياسيا وقد تستغرق وقتا طويلا يسمح بطفو التناقضات بين هذا التحالف على السطح.

اخيرا ماذا سيكون موقف الرئيس السوري بشار الاسد ونظامه في سورية، وهل سيكون جزءا من التحالف الجديد بشكل، مباشر او غير مباشر، ومقابل اي ثمن؟ بقاؤه في السلطة مثلا، ورفع الحصار عنه واعادة تاهيله وعودته الى المجتمع الدولي والجامعة العربية من البوابة الرئيسية؟

لن نفاجأ، ولا شيء مفاجيء هذه الايام، اذا ما تحالف النظام السوري مع “الدولة الاسلامية” ودعمها، ووضع خلافاته جانبا معها، ولو بشكل مؤقت، اذا احس ان الخطوة المقبلة، بعد القضاء عليها، اي الدولة الاسلامية، هو استدارة هذا التحالف للاطاحة به، على اساس نظرية اكلت يوم اؤكل الثور الابيض؟ او مثلما حدث مع الرئيس الراحل صدام حسين بعد انتهاء الحرب مع ايران.

المنطقة كلها تدخل مرحلة تحالفات ومخططات غريبة ولذلك علينا ان نتوقع الكثير من المفاجآت، من بينها تغيير في المعادلات السياسية والعسكرية في الاسابيع والاشهر، وربما السنوات القادمة، فابعاد النظام الروسي عن هذا الحراك الامريكي، وغموض النظام السوري، عنصران اساسيان قد يفسدان الطبخة او يحرقانها قبل ان تنضج!

البرازاني يمهد لاعلان الاستقلال.. والدولة الاسلامية تحقق نصرا معنويا “بمبايعة” فصيل من “النصرة” لها.. ترى ما هي المفاجأة الصاعقة المقبلة؟

عبد الباري عطوان

قليلة هي المرات التي اتفقنا فيها مع السيد نيجرفان بارازاني رئيس وزراء كردستان العراق والمواقف السياسية التي تتخذها حكومته، لكن تصريحاته التي ادلى بها قبل يومين لهيئة الاذاعة البريطانية “بي بي سي” وقال فيها “انه من شبه المستحيل ان يعود العراق كما كان بعد احتلال الموصل” تجعلنا نتفق معه، ولكن لاسباب مختلفة كليا.

السيد البرازاني يريد تقسيم العراق على اسس كونفدرالية وليس فيدرالية، مثلما يريد اقامة اقليم سني في منطقة الانبار وجوارها، وبما يضفي الشرعية على الخطوة الكردية المقبلة وهي اعلان استقلال كردستان واقامة دولة على ارضها.

من تابع التصريحات التي ادلى بها السيد مسعود البرازاني رئيس الاقليم بعد لقائه مع جون كيري وزير الخارجية الامريكي يستطيع التوصل الى حقيقة هذه التوجهات دون اي عناء، خاصة عندما اكد على ضرورة التعامل مع جذور الازمة وليس نتائجها، مشددا على “ضرورة الاعتراف بالعراق الجديد على الصعيدين الامني والسياسي”.

الواقع الجديد الذي كرره السيد “البرازاني الرئيس″ اكثر من مرة في هذه التصريحات هو بقاء مدينة كركوك المختلطة تحت سيطرة قوات “البشمرغة” التابعة للاقليم الكردستاني، بعد الاستيلاء عليها نتيجة لهرب قوات الجيش العراقي امام تقدم قوات الدولة الاسلامية في محافظة نينوى قبل عشرة ايام.

فعندما تبدأ حكومة كردستان العراق تصدير النفط المستخرج من آبار كركوك الى اسرائيل عبر ميناء جيهان التركي دون اذن او موافقة الحكومة المركزية في بغداد فهذه اكبر خطوة على طريق “الاستقلال” وادارة الظهر للعرب، شيعة كانوا او سنة.

***

العراق ينحدر بسرعة نحو الاسوأ، ونعني بالاسوأ هو المزيد من الفوضى، والاحتراب الطائفي والعرقي، وهناك عدة عوامل يمكن ان تكون مسؤولة عن هذه النبوءة المشؤومة التي تتكرر حاليا على السنة الكثير من المراقبين.

*الاول: وصول 300 مستشار عسكري امريكي الى العراق، وتخلي السيد المالكي عن مواقفه السابقة التي اثارت الاعجاب، لمنحهم حصانة من اي مقاضاة او مساءلة في حال ارتكابهم اي جرائم او تجاوزات على الارض العراقية.

*الثاني: مبايعة عدد كبير من مقاتلي فصيل تابع لجبهة “النصرة” يتواجدون على الجانب من الحدود مع العراق في مدينة البوكمال الدولة الاسلامية في العراق والشام التي كانوا يقاتلونها حتى ايام قليلة خلت، وهذه سابقة تنطوي على معان عديدة في ظل سحب اوباما ثقته بالمعارضة السورية المعتدلة واعترافه بعدم قدرتها على اسقاط النظام.

*الثالث: تمسك السيد المالكي برئاسته للوزراء في اي حكومة عراقية قادمة، ورفضه لحكومة “انقاذ وطني” يطالب بتشكيلها اكثر من فصيل من الطائفتين السنية والشيعية، كأحد المخارج من الازمة الحالية باعتبارها، اي حكومة الانقاذ، انقلاب يهدف الى القضاء على التجربة الديمقراطية الفتية في العراق، على حد قوله.

السيد المالكي ارتكب خطأ استراتيجيا عندما استدعى القوات الامريكية للتدخل لانقاذ حكومته في مواجهة تحالف الدولة الاسلامية، ويرتكب خطأ اكبر بمعارضة حكومة الانقاذ الوطني تحت ذريعة كونها محاولة للقضاء على الدستور والتجربة الديمقراطية، فاين هو هذا الدستور ومتى التزم به ونصوصه، واين هي هذه التجربة الديمقراطية التي جرى تجاوزها في العراق لاكثر من ثماني سنوات، واستبدالها بديكتاتورية التهميش والاقصاء التي تعتبر سبب كل المشاكل والازمات الحالية التي تواجهها البلاد.

فوز السيد المالكي بالعدد الاكبر من المقاعد البرلمانية في الانتخابات الاخيرة لا تؤهلة لتشكيل الحكومة العراقية للمرة الثالثة، لان مقاعده التي يبلغ عددها 95 مقعدا اقل من ثلث مقاعد البرلمان وتعدادها 328 مقعدا، مضافا الى ذلك ان تحالف دولة القانون الذي يتزعمه السيد المالكي لم يفز بالعدد الاكبر من المقاعد في الانتخابات قبل الاخيرة عام 2010 (تقدم عليه تكتل العراقية السني الشيعي العلماني الذي يتزعمه الدكتور اياد علاوي)، ومع ذلك وبدعم من السفير الامريكي السابق زلماي خليل زادة، وبالتنسيق مع ايران جرى كسر هذه القاعدة لفرضه رئيسا للحكومة.

البرلمان العراقي سيجتمع يوم الفاتح من تموز (يوليو) اي بعد اسبوع تقريبا، وربما يكون اختيار رئيس وزراء جديد غير السيد المالكي يحظى بدعم النسبة المطلوبة من النواب من مختلف الطوائف والاعراف هو المخرج من هذه الازمة، وبطريقة ديمقراطية دستورية، ولكن هذا المخرج يظل غير مضمون النجاح اذا استمرت الدولة الاسلامية بالتوسع على الارض، واصر الاكراد على سياساتهم الانفصالية والمضي قدما في خطوات الاستقلال وتوثيق العلاقة مع اسرائيل.

كلما طال امد الازمة كلما ازدادت الدولة الاسلامية وتحالفها قوة، فانضمام فصيل من “النصرة” المعادية لها مؤشر على احتمال تكرار هذه السابقة واغراء فصائل اخرى بالسير على الطريق نفسه، خاصة ان شباب الجماعات الاخرى ينظرون باعجاب شديد للدولة وانتصاراتها، سواء من منطلق الكراهية المذهبية لحكومة السيد المالكي، او لحلفائها في طهران والاسباب معروفة ولا داعي لتكرارها.

وتقدر مصادر غربية احتياطات الدولة الاسلامية المالية باكثر من ملياري دولار، مما يجعله قادرا على دفع ما يعادل 600 دولار شهريا لكل مقاتل ينضم الى صفوفه، حتى لو وصل العدد الى اكثر من ستين الف مقاتل.

***

زيارة كيري الى العراق جاءت متأخرة جدا، وعدد المستشارين الذين ارسلتهم حكومته لحماية المنطقة الخضراء وتقديم استشارات لقوات السيد المالكي من الصعب ان تحل المشكلة التي جاءت من اجلها وربما تخلق مشاكل اكبر من حيث تذكير قطاع عريض من العراقيين بالاحتلال الامريكي الذي يعتبر منبع كل الشرور في العراق، وعلى رأسها التقسيم الطائفي والعرقي.

الادارة الامريكية لن تكرر تجربتها الدموية في العراق، ولن تنجح في تكوين قوات “صحوات” اخرى مثل تلك التي شكلها الجنرال بترايوس في عام 2006 ورفض المالكي استيعابها في الجيش العراقي من منطلق الطائفية وعدم الثقة فيها، مثلما رفض التعايش مع مكونات العراق المذهبية والعرقية الاخرى، والدولة الاسلامية التي ادى انتصارها في الشمال العراقي الى توحيد معظم ابناء الطائفة السنية حولها لن يتم القضاء عليها بسهولة حتى لو اتحد الشرق والغرب ضدها طالما استمرت التوجهات الحكومية الاقصائية على حالها.

العراق ذاهب الى صيغة دولة الطوائف، وامراء الحرب، وفرض سياسات الامر الواقع، ولهذا نحن امام ازمة اكثر تعقيدا.

ابو بكر البغدادي “القرش” زعيم الدولة الاسلامية يحاكي “قدوته”

الملا عمر زعيم حركة طالبان، ويسير على نهجه وخطواته من حيث البعد عن الاضواء وعدم الظهور في العلن، واذا كانت امريكا، واكثر من مئة الف من قواتها عجزت عن هزيمة الاخير (الملا عمر) وحركته على مدى 13 عاما، فهل ستنجح في هزيمة الدولة الاسلامية وزعيمها بثلاثمائة مستشار وعدد من الطائرات بدون طيار “درونز″؟ الاجابة مكتوبة على الحائط!

هل الاردن الهدف الجديد لـ”الدولة الاسلامية” وحلفائها؟ وكيف ستدير هذه الدولة المعابر التي سيطرت عليها؟ نصيحة للسلطات الاردنية نتمنى عليها قبولها

عندما وصفنا تساقط المدن والقرى والمعابر الحدودية امام قوات تحالف قوات الدولة الاسلامية في العراق والشام بانه تسونامي يجتاح المنطقة ويغير معادلاتها اتهمنا البعض بالمبالغة، وتضخيم قوة هذا التحالف ودولته، ولكن مواصلة هذه القوات زحفها وتعاظم مكاسبها على الارض، وحالة الرعب السائدة بسببها يثبت كم كنا “متحفظين” في وصفنا هذا.

جميع المعابر الحدودية بين العراق وسورية، وبين العراق والاردن باتت كلها تحت سيطرة الدولة الاسلامية ورجالها، وهي دولة لا تعترف بهذه الحدود اساسا ولن تكون لها “وزارة داخلية” او بالاحرى “ادارة للجوازات” لها اختامها وقوانينها واجراءاتها المتعلقة بالدخول والخروج، ونشك انها ستصدر جوازات سفر، ولكن قوائمها السوداء للممنوعين والمطلوبين قد تكون اطول من نظيراتها الاخرى، فلا مكان لمن يختلف معها او يخرج عن طاعتها.

رقعة الدولة الاسلامية تتسع بما يؤكد انها عابرة للحدود والجنسيات، وسط حالة من الارتباك غير مسبوقة، تتساوى فيها الدول العظمى والدول الصغرى، حيث القاسم المشترك هو العجز حتى الآن على الاقل.

سيطرة قوات تحالف “الدولة الاسلامية” على محافظتي نينوى والانبار ومدن اخرى بالسرعة التي تمت فيها كانت مفاجأة صاعقة ولكنها متوقعة، لان الجيش العراقي الرسمي الذي ولد من حاضنة الفساد لا يملك الدوافع الوطنية او الاخلاقية، للقتال وبالتالي الموت من اجل حكومة طائفية النهج واقصائية الممارسة، ويظل السؤال الذي يطرح نفسه بقوة على السنة الكثير من الزعماء والمسؤولين “المذعورين” في المنطقة وخارجها هو اين تكون المفاجأة المقبلة؟

***

زيارة جون كيري وزير الخارجية الامريكي الخاطفة الى عمان، وتصريحات رئيسه باراك اوباما لمحطة “سي ان ان” التي حذر فيها من امكانية توسع “الدولة الاسلامية” باتجاه الاردن، وزعزعة امنه واستقراره ربما تجيبان عن الجزء الاكبر من هذا السؤال.

الاردن الآن في قلب شاشة رادار تنظيم “الدولة الاسلامية”، وخوف الرئيس اوباما وقلقه ليس على الاردن وامنه واستقراره، وانما على اسرائيل وامنها واستقرارها، ومن يقول غير ذلك يغالط نفسه فمتى اهتمت امريكا بالعرب والمسلمين؟

وربما يفيد التذكير هنا ان ابو مصعب الزرقاوي هو القائد المؤسس لتنظيم الدولة الاسلامية في العراق، وهو الذي وضع الاطر الرئيسية لايديولوجيتها الحالية، والتعاطي دون رحمة او هوادة مع خصومها، ويتضح هذا بكل جلاء في الفيديوهات والاشرطة التي تعرض حاليا على شبكة “يوتيوب”، وهي اشرطة تتطابق في معظمها بنظيراتها التي كان يبثها في حينها زعيمها الزرقاوي لبث الرعب في قلوب خصومه واعدائه.

ولعل الشريط الذي ظهر فيه احد نشطاء الدولة الاسلامية على شبكة “اليوتيوب” مرتديا حزاما ناسفا، ويمزق جواز سفر اردنيا ويهدد السلطات الاردنية بالمفخخات والاحزمة الناسفة ينطوي على معان كثيرة في هذا الصدد.

ادبيات “الدولة الاسلامية” ومواقعها على وسائل التواصل الاجتماعي لا تعكس اي ود للاردن وحكومته، وتردد في اكثر من شريط ومقالة دور هذه الحكومة في اغتيال “الشيخ” ابو مصعب الزرقاوي من حيث تقديم المعلومات الاستخبارية للقوات الامريكية حول تصريحاته والمكان الذي أوى اليه ليلة الاعدام، وهذا امر يجب ان يبعث على القلق، قلق السلطات الاردنية طبعا.

الاردن يعيش وضعا صعبا، ويسير وسط حقل الغام شديدة الانفجار، فهو محاط بجبهات ودول فاشلة يسيطر عليها الجهاديون وتسودها الفوضى، ونسبة كبيرة من هؤلاء من ابناء الاردن، بعضهم جرى تشجيعهم بشكل رسمي غير مباشر، وتسهيل مرورهم، للانضمام الى خيمة “الدولة الاسلامية” او “جبهة النصرة” في ذروة الحماس العربي الرسمي والشعبي لدعم الجماعات الجهادية في سورية والعراق وليبيا، فهل نسينا الفتاوى التي صدرت عن مرجعيات جهادية معروفة تحرض على الجهاد؟

فهناك الجبهة السورية، وهناك الجبهة العراقية، ولا ننسى جبهة سيناء، وقبل هذا وذاك الجبهة الفلسطينية التي قد نفاجأ قريبا جدا بالاعلان عن فتح فرع للدولة الاسلامية فيها، في ظل تصاعد السخط على السلطة الفلسطينية ورئيسها وتصريحاته المخجلة عن “قداسة” التنسيق الامني مع اسرائيل، فالاردن يظل واحة استقرار في وسط هذه المحيط المضطرب.

خطورة “الدولة الاسلامية” لا تنحصر في ايديولوجيتها الاسلامية المتشددة وحرص جنودها على الشهادة اكثرمن حرصهم على الحياة، مثلما يؤكدون في كل ادبياتهم، وانما في ضعف الآخرين الذين يقفون في الخندق المواجه لها واختلال بوصلتهم او بعضهم الوطنية، ورأينا انهيار القوات العراقية المدربة والمسلحة بشكل جيد امام زحفها مثل انهيار احجار الدينمو، البلدة تلو البلدة، والمدينة تلو المدينة، والمحافظة تلو الاخرى.

الاردن واوضاعه الاقتصادية المتردية، وحالة الاحباط التي تسود معظم اوساطه الشبابية، والميول المتصاعدة الى التشدد الاسلامي في صفوفهم، وهو يشاهد الاذلال الاسرائيلي وتغوله على بعد كيلومترات في الارضي المحتلة، كلها عوامل تشكل تربة خصبة لتنظيمات مثل “الدولة الاسلامية”، وقاعدة جذب لشبابه للانضمام الى صفوفها.

افتقاد تنظيم “القاعدة” الام للدعم المادي بسبب تجفيف الموارد والمنابع والبعد الجغرافي عن الحاضنة العربية حيث مركز الثقل، وتحالف معظم اجهزة الاستخبارات العربية والعالمية ضده، كلها ساهمت في شل حركته بطريقة او باخرى، ولكن تنظيم الدولة الاسلامية وريثه الشرعي استطاع سد غالبية هذه الثغرات، من حيث تحقيق الاكتفاء الذاتي ماليا (استولت على 500 مليون دولار من بنوك الموصل وحدها) والاكتفاء الذاتي عسكريا عندما قدم له الجيش العراقي الهارب من المدن الشمالية هدية ضخمة من الاسلحة والعتاد الحربي الحديث جدا تركها في مخازنه، وبهذين الاكتفائين بات اكثر قدرة على تجنيد الآلاف من الشباب الى صفوفه، وافادت تقارير اخبارية غربية غير مؤكدة انه يدفع 600 دولار للمجند الواحد، رغم ان الرغبة في الشهادة هي الاولوية وقمة المنى لهؤلاء المتطوعين.

***

صحيح ان الاردن يملك جيشا قويا واجهزة امنية متطورة، ولكن الصحيح ايضا ان الاخطار المحيطة به من كل الجهات تبدو اكبر من قدراته وامكانياته، بل وقدرات وامكانيات دول عظمى، اذا وضعنا في الاعتبار وجود اكثر من مليون لاجيء سوري على ارضه، ونصف مليون لاجيء عراقي، وذوبان حواجزه الحدودية مع الدول المحيطة مثل سورية والعراق لاول مرة منذ اتفاقات “سايكس بيكو”.

فاذا كانت الدول الاوروبية تتحدث حاليا عن كشف مخططات لتنفيذ العائدين من سورية اعمال عنف وتفجير في بعض بلدانها، مثل مفجر الكنيس اليهودي في بروكسل، فانه من الاولى ان يقلق الاردن الاكثر قربا.

السلطات الاردنية تتحدث عن حضانة الجبهة الداخلية الاردنية، وتؤكد انها ستواصل فتح معبر “طريبيل” الحدودي مع العراق رغم سيطرة قوات تحالف “الدولة الاسلامية” عليه، وارسلت تعزيزات كافية، عسكرية وامنية، الى الحدود المواجهة اي اختراقات، في محاولة لطمئنة الرأي العام، وهذه خطوات مهمة، ولكن هذا لا يعني ان الاردن غير مستهدف وكل الاحتمالات والمفاجآت غير مستبعدة، ولذلك فان الحذر والقلق له مبرراته.

لا نعتقد ان السلطات الاردنية تقبل نصائحنا او غيرنا، لكننا لن نتردد في القول ان اي محاولة امريكية لجر الاردن الى الدخول في تحالف لحماية امن اسرائيل الذي هو محور الاهتمام الاكبر للغرب حاليا، ستكون نتائجه كارثية جدا، ونكتفي بهذا القدر.