سورية: تدخل امريكي مرفوض

بعد خمسة اشهر من انطلاقة فعاليات الانتفاضة الشعبية المطالبة بالتغيير الديمقراطي، مازال المشهد السوري على حاله، مئات الآلاف من المحتجين ينزلون الى الشوارع رافعين شعارات تطالب بسقوط النظام، بينما تقوم قوات الامن في المقابل باطلاق النار لتفريق الاحتجاجات، مما يؤدي الى سقوط العشرات من الشهداء.

رهان السلطات السورية على 'تعب' الشعب او استسلامه بسبب شراسة الحلول الامنية، وتزايد اعداد ضحاياه، نتيجة لتغولها، ثبت فشله، فمن الواضح ومن خلال التصاعد المطرد في اعداد الضحايا اسبوعياً، ان الشعب لم يتعب، ولم يرفع الراية البيضاء، ومستعد للسير في الطريق نفسه مهما تضخم حجم التضحيات.
مدينة 'حماة' التي شهدت المجزرة الاكثر بشاعة في التاريخ السوري بمختلف حقباته، استعادت زمام المبادرة، واصبحت الميدان الرئيسي للمواجهة بين الشعب والسلطات الحاكمة، وينعكس ذلك بوضوح من خلال نزول نصف مليون انسان كل يوم جمعة في ميادينها، وشوارعها الرئيسية، للمطالبة بالتغيير الديمقراطي.
حدثان رئيسيان يمكن ان يحدثا انقلاباً رئيسياً في المشهد السوري، الاول: زيارة سفيري الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا للمدينة 'حماة' يوم امس بهدف التضامن مع المحتجين والاتصال بقادتهم حسبما جاء في البيان الرسمي الامريكي. الثاني: اغتيال 'مغني الثورة' ابراهيم قاشوش مثلما يطلق عليه في المدينة، بطريقة بشعة باستئصال حنجرته، والقذف بجثته في نهر العاصي.
السلطات السورية اتهمت السفير الامريكي روبرت فورد بتقويض جهود الحكومة السورية الرامية الى نزع فتيل الاحتجاجات، وقالت الدكتورة بثينة شعبان الناطقة باسم الرئيس بشار الاسد ان المستر فورد اجرى اتصالات واقام صلات مع المسلحين، ووصفت هذه الزيارة التي قالت انها غير مرخصة بانها 'تنتهك الاعراف الدبلوماسية'.
الدكتورة شعبان استخدمت تعبير 'غير المرخصة' في الاشارة الى زيارة السفير الامريكي لمدينة حماة، ربما للتفريق بينها وبين زيارة سابقة قام بها السفير الامريكي الى جانب عدد من السفراء الاجانب الآخرين الى مدينة جسر الشغور قرب الحدود التركية، بدعوة من الحكومة السورية للتعرف على حقيقة الاوضاع فيها، وخاصة وجود مسلحين متطرفين اطلقوا النار على قوات الامن وقتلوا العشرات منها.
' ' '
السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة، هو حول اسباب عدم منع قوات الامن السورية للسفيرين الامريكي والفرنسي من زيارة المدينة، وانتهاك الاعراف الدبلوماسية بالتالي، فالامن السوري يعرف 'دبيب النملة'، ومن غير المنطقي القول بانه لم يعلم مسبقاً بهذه الزيارة، واذا لم يكن يعلم فعلاً فانها كارثة وان كنا نشك في ذلك.
التقليد المتبع في العرف الدبلوماسي، هو استدعاء الدولة المضيفة لاي سفير يخترق القواعد والقوانين، ويخرج عن مهامه المحددة له وفق المعاهدات الدولية بشأن العمل الدبلوماسي، وخاصة التدخل في الشؤون الداخلية، يتم استدعاؤه وتوبيخه، وقد يلحق ذلك ابعاده من البلاد، في غضون مدة محددة، غالباً ما تكون ساعات، عقاباً له.
لا نعرف ما اذا كانت السلطات السورية ستذهب الى هذا الحد في تعاطيها مع اختراق السفيرين الامريكي والفرنسي، ام انها ستكتفي بانتقاداتها الاعلامية لهما، تجنباً لازمة دبلوماسية قد تنشأ مع حكومتيهما، خاصة انها بذلت جهداً كبيراً لعودتهما الى دمشق، وفي حالة السفير الامريكي على وجه التحديد.
الانتفاضة الشعبية الديمقراطية السورية ليست بحاجة الى تضامن السفير الامريكي معها لانها قامت بشكل عفوي، ورداً على ممارسات ديكتاتورية قمعية اذلت اجهزتها الامنية الشعب السوري وصادرت حرياته وحقوقه المشروعة في التعبير والمشاركة في الحكم في اطار مؤسسات تنفيذية وتشريعية منتخبة عبر صناديق اقتراع في انتخابات حرة ونزيهة.
بمعنى آخر، هذه الانتفاضة لم تكن بايعاز من امريكا او تحريض من فرنسا، وكان المفجر لها إقدام قوات الامن في مدينة درعا على اعتقال اطفال صغار، وتعذيبهم، واهانة ابائهم لانهم كتبوا شعاراً على حائط يطالب باسقاط النظام.
السفيران الامريكي والفرنسي الحقا ضرراً كبيراً بهذه الانتفاضة الشعبية العفوية بزيارتهما الى مدينة حماة، واظهار التضامن مع اهلها، وقدما في الوقت نفسه هدية ثمينة للسلطات السورية يمكن ان تستخدمها ضد الانتفاضة وقيادتها، وقد بدأت عمليات 'التوظيف' لها بالايحاء بان قوى خارجية وامريكا على وجه التحديد، تقف خلف هذه الانتفاضة.
الشعب السوري، بشقيه في الداخل والخارج اكد دائماً على رفضه اي تدخل خارجي في شؤون ثورته، وقاطعت الغالبية الساحقة من جماعات المعارضة السورية في الخارج المؤتمـــــر الذي اشرف على تنظيمه برنارد هنري ليفي الفيلسوف الفرنسي المدافع الاشرس عن اسرائيل وسياساتها العدوانية وجرائم حربها ضد الفلسطينيين في قطاع غزة واللبنانيين في جنوب لبنان.
' ' '
من الواضح، وبعد احتجاجات امس، ان فرصة الحوار التي طرحتها السلطات السورية على شخصيات وفعاليات المعارضة الداخلية، قد تبخرت ووصلت الى طريق مسدود حتى قبل ان تبدأ الخطوات العملية لتطبيقها على الارض. فالهوة واسعة بين السلطة والمعارضة، بل وتزداد اتساعاً جمعة بعد اخرى مما يعني ان الامور تتجه وبسرعة نحو المزيد من التأزم، فالمعارضة في غالبيتها الساحقة مصرة على شعارها بحتمية تغيير النظام، والنظام متمسك بالحلول الامنية، اعتقاداً منه انها الطريق الوحيد للوصول الى بر الامان والبقاء بالتالي. 
الحوار يحتاج الى تهيئة مناخات الثقة بين جميع الاطراف حتى يبدأ ويعطي ثماره امناً واستقراراً وشراكة ديمقراطية حقيقية، ولا نعتقد ان هذه المناخات موجودة الآن، او ان اياً من الطرفين يسعيان لايجادها، وان كان النظام يتحمل المسؤولية الاكبر في هذا المضمار.
فكيف يمكن ان ينجح هذا الحوار عندما نشاهد 'مطرب الثورة' ابراهيم قاشوش وقد اغتيل بهذه الطريقة البشعة التي توحي بان النظام غير مستعد لتحمل حنجرته واغانيه الانتقادية، وكيف يمكن ان يثمر هذا الحوار مناخات للثقة، واحد رجالات النظام ينهال ضرباً ولكماً على احد المشاركين في لقاء سميراميس للمعارضة وامام عدسات التلفزة لانه هتف باسقاط النظام.
الشعب يطلق اسم 'لا للحوار' كشعار لاحتجاجات يوم امس، والنظام يواصل استخدام حلوله الامنية بالشراسة نفسها، والسفيران الفرنسي والامريكي يحاولان ركوب الانتفاضة دون ان يطلب منهما احد اي تضامن او مساندة، فالخلاصة التي يمكن التوصل اليها هي القول بان ايام سورية المقبلة صعبة واكثر دموية، وهذا امر مؤلم بكل المقاييس.
 

الثورة المصرية في خطر

الكتابة عن مصر كانت سهلة ميسرة في عهد الرئيس حسني مبارك، الامور واضحة نظام فاسد مستبد محاط بمافيا من رجال الاعمال، ومدعوم امريكيا واسرائيليا، ويشكل العمود الفقري لمحور الاعتدال المنحاز لعملية سلام مسمومة، الآن اختلفت الصورة كلياً بعد سقوط هذا النظام على أيدي شباب الثورة، واصبحت رمادية يحتاج المرء الى بلورة سحرية لكي يتحسس طريقه وسط تعقيداتها.

بمعنى آخر كنا نعرف ما يريده النظام السابق ونستقرئ سياساته وخطواته، ونتحسس مواقفه من القضايا جميعاً تقريباً، ونعلم عن ظهر قلب انه مرتهن لامريكا، ولكن يستعصي علينا فهم النظام الحالي بل وبعض القوى المصرية الرئيسية، فكيف نفهم الحوار الحالي او بالاحرى الغزل المتصاعد بين حركة الاخوان المسلمين والولايات المتحدة الامريكية، والاجتماعات واللقاءات المتواصلة بين الجانبين.
وما دمنا نتحدث عن حركة الاخوان، كيف نفسر اعلانها مقاطعة المظاهرة المليونية التي ستنطلق يوم غد الجمعة في ميدان التحرير وسط القاهرة احتجاجاً على المحاكمات العسكرية للمدنيين، وسوء ادارة المجلس العسكري الحاكم لعملية الانتقال السياسي الى الديمقراطية التي يشرف عليها، ثم تتراجع عن هذه المقاطعة قبل يومين من انطلاق الاحتجاج لتؤكد مجدداً مشاركتها فيها.
هناك الكثير من علامات الاستفهام حول موقف العسكر من قضايا عديدة، ابرزها طريقة التعاطي مع محاكمات رموز النظام السابق، والرئيس حسني مبارك على وجه الخصوص، فحتى هذه اللحظة لا احد يعرف طبيعة حالته الصحية، ونوع السرطان الذي يعاني منه… في البداية قالوا ان حالته المرضية على درجة من السوء بحيث لا تسمح بمثوله امام المحكمة لمواجهة قضايا القتل والفساد الموجهة اليه، الآن وبعد مرور ستة اشهر على نجاح الثورة مازال الوضع على حاله، الرئيس ينعم باقامة طيبة، ورعاية 'صحية' من درجة خمس نجوم، وكذلك حال ولديه ومعظم وزرائه ومساعديه الذين افسدوا البلاد والعباد.
' ' '
ندرك صعوبة الاوضاع في مصر، والاقتصادية منها على وجه الخصوص، مثلما ندرك ان هناك عجــــزاً مالــياً مقداره 13مليار دولار نتيــجـــة حـــالة الشلل التي اصابت الاقتصـــاد المصري، وضربت الموسم السياحي أحد مصادر الدخل الرئيسية للخزانة المصرية، ولكن ما عــــلاقة هذا الأمر ببــــطء المحاكمات مثلاً، وابقاء قادة رجال الامن السابقين المتهمين بقتل المتظاهرين في مواقعهم، بل والافراج عن بعضهم بعد محاكمات مشكوك في نزاهتها، ونوايا قضاتها؟
الثورة تعني التغيير الشامل، وقلع جذور الفساد دون رحمة او شفقة، والتأسيس لنظام جديد يكرس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ويطلق الحريات، ويعيد للمواطن المصري المسحوق كرامته وآدميته بعد سنوات من القمع والاضطهاد ونهب المال العام على يد حفنة من حيتان البزنس لا تشبع من مص دماء الفقراء والمحرومين.
المؤسسة العسكرية المصرية الممثلة بالجيش حازت احترام الجميع عندما انحازت الى الشعب، وحسمت الامور لمصلحة شباب الثورة عندما امرت الرئيس مبارك بالرحيل عن السلطة، وبدأت في اعتقال رموز الفساد الواحد تلو الآخر بمن في ذلك نجلاه ووضع كبيرهم الذي علمهم السحر تحت الاقامة الجبرية في احد المستشفيات والتحقيق معه من على سرير المرض.
ولكن مع تراجع المؤسسة عن تلبية مطالب الثورة والثوار كاملة، والدفع بعجلة التغيير بالسرعة المطلوبة بات الكثيرون يفقدون حماسهم السابق ويتراجعون عن تأييدها المطلق، وما احتجاجات الغد المليونية الا احد وجوه التعبير الشعبي الصادق على فقدان هذا الحماس.
' ' '
اندلاع الاشتباكات في القاهـــــرة يوم الاثنين الماضي احتجاجا على قرار المحكمة بالافـــراج بكفالة مالـــية عن ســـبعة من رجال الامن متهمـــين بقـــتل متظاهرين في السويس اثناء اندلاع فعاليات الثورة، ثم محـــاولة اقتحام مئات المتظاهـــرين لمبنى مديــــرية امن الســويس احتجــــاجا على رفـــض المحكمة طلب استـــئناف تقدمت به النيابة العامة للطعن في قرار الافراج عن الضباط السبعة، هما ابرز بوادر التوتر، واهتزاز صورة المؤسسة العسكرية في اذهان المواطنين، والتراجع التدريجي لشعبيتها في الشارع المصري.
ما نخشاه، ونتخــــوف منه، ان تكون المؤسسة العسكرية المصــــرية تراجعـــت عن مواقفها السابقة التي اتخذتها في بداية الثورة، من حيث تبني سياسات تمثل النقيـــض لسياسات النظام السابق بسبب الضغوط التي تمارس عليها من قبل الولايات المتحدة الامريكية وبعض الدول العربية النفطية الثرية.
فاللافت ان الدول الغربية، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، تستخدم ورقة القروض والمساعدات المالية لتركيع الثورة المصرية، وحرفها عن اهدافها الوطنية الشريفة، واعادة مصر الى عصر الظلمات الذي عاشته لاكثر من اربعين عاما تحت حكم النظام المخلوع ورجالاته.
الثورة المصرية انطلقت من اجل انهاء عصر التبعية ووقف كل ممارسات الاستجداء لفتات الموائد الامريكية والعربية.. الثورة نجحت لان الشعب المصري يريد فجرا جديدا من الكرامة والقرار الوطني المستقل وبما يؤدي الى اعادة الريادة والقيادة لبلاده في محيطها العربي والافريقي، ويبدو ان محاولات عكس هذا التوجه المشرف بدأت تعطي ثمارها في اكثر من اتجاه، ابرزها التراجع عن المضي قدما في العلاقات مع ايران تحت تأثير الضغوط السعودية في وقت يوجه وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل دعوة رسمية لنظيره الايراني لزيارة الرياض للبحث في كيفية تحسين العلاقات بين البلدين.
' ' '
تمسك مصر باستقلالية قرارها، والخط الوطني الذي اتبعته فيما يتعلق بالقضايا العربية المصيرية، ونصرة شعب فلسطين على وجه الخصوص، هي التي ستجبر امريكا والدول الغنية على مساعدتها ماليا، واحترام خيارات شعبها وقيادتها، اما اساليب التذلل تحت عناوين الواقعية والبراغماتية فستعطي نتائج عكسية تماما.
في ظل هذه المواقف الرمادية للمجلس الاعلى للقوات المسلحة تأتي اعتصامات واحتجاجات يوم غد الجمعة من قبل شباب الثورة خطوة منطقية بل وحتمية لاصــــلاح الاعوجاج الذي بدأ يطل برأسه في مسيرة الثورة المصرية.
استمرار الاحتجاجات الشعبية هو بوليصة التأمين الاقوى والانجع لمنع انحراف الثورة المصرية عن اهدافها، وتكريس كل معاني الوفاء لدماء الثوار الذين قدموا ارواحهم من اجل انجاحها لتوفير حاضر افضل للشعب المصري الكادح، ومستقبل اكثر اشراقا لاجياله القادمة.
 

المعارضة السورية واختراق ليفي

برنارد ليفي كاتب وفيلسوف صهيوني فرنسي يتباهى بصداقاته مع القادة الاسرائيليين، والمتهمين بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين خاصة مثل بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء، وايهود باراك وزير دفاعه، ويعتبر حركة 'حماس' المنتخبة من الشعب الفلسطيني حركة 'ارهابية'، ويدافع بشراسة عن الاستيطان الاسرائيلي في الاراضي المحتلة، والعدوان الدموي على قطاع غزة.

المستر ليفي نصّب نفسه أبا روحيا للثورات العربية، رغم ان الثورة الوحيدة التي رحبت به وفتحت له ابواب قلبها وعاصمتها بنغازي، هي الثورة الليبية، بينما رفضته وترفضه كل الثورات الاخرى، بما في ذلك ثورة الشعب التونسي المجيدة الرائدة التي اطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي الديكتاتوري، فلم يسمح له ثوار تونس، الذين يعرفونه جيدا، ويصرّون على فرض محاربة التطبيع واشكاله كافة مع اسرائيل، كبند في الدستور الجديد، لم يسمحوا له بان يطأ تراب بلادهم الطاهر.
بعد ان افسد المستر ليفي الثورة الليبية، ونقل باسم مجلسها الوطني الانتقالي رسالة الى بنيامين نتنياهو تتضمن عرضا ضمنيا بالاعتراف والتطبيع، ها هو يحاول افساد الانتفاضة السورية وتلويثها من خلال ركوب موجتها، والترويج لمؤتمر يعقد حول سورية في باريس، بحضور عدد من رؤساء الوزراء ووزراء خارجية فرنسا السابقين، وبعض المعارضين السوريين، خاصة من اعضاء اللجنة التنفيذية لمؤتمر انطاليا،. وقد احسن عدد كبير من هؤلاء المعارضين صنعا عندما تنبهوا الى خطورة هذه المصيدة وقرروا مقاطعة هذا المؤتمر المشبوه. فليفي هذا من اشد الداعين لتدخل حلف الناتو لدعم الثورات العربية تحت ذرائع عديدة.
العداء في سورية لاسرائيل الغاصبة المحتلة تاريخي متأصل، بل هو ثقافة محورية، يلتقي حولها اهل الحكم والمعارضة معا، والدعم السوري للمقاومة، سواء كانت فلسطينية او لبنانية، يأتي تجسيدا صادقا ومتجذرا لقناعات الشعب السوري بكل فئاته وطبقاته وطوائفه وقومياته، ولا فضل لاي نظام فيه.
' ' '
ومن هنا، فإن اي شخص يشارك في مؤتمر ليفي هذا سيتهم بانه من المنفذين لأجندات خارجية لا تريد الخير لسورية، حكومة ومعارضة، بل لا تريد خيرا للعرب والمسلمين معا. فهذه الشخصية التي تعتبر الجيش الاسرائيلي الذي يحتل الارض العربية في فلسطين والجولان ولبنان، هو الاكثر انسانية في العالم، ويدافع بشراسة عن استخدام قنابل الفوسفور الابيض لقتل اطفال غزة ومدنييها، لا يمكن ان يضع مصلحة سورية وشعبها وانتفاضتها المشروعة طلبا للحرية والكرامة، على قمة اهتماماته. 
توقيت تحرك المستر ليفي يفضح اهداف مؤتمره هذا، مثلما يفضح انتماءات وهويات كل الذين قبلوا دعوته للمشاركة، فهؤلاء يسعون لتأسيس 'كونترا' سورية، ويخططون للاستعانة بقوات حلف الناتو لتدمير بلدهم، ووضعها تحت الوصاية الاستعمارية مجددا لعشرات السنوات القادمة. فليس صدفة ان يتزامن انعقاد هذا المؤتمر مع صدور القرار الظني المتعلق بمحكمة رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، بعد تأجيل متعمد استمر لأكثر من سبعة اشهر، وبهدف اشعال نيران فتنة طائفية ومذهبية في لبنان تمتد الى سورية لاحقا.
الشعب السوري، في الحكم او المعارضة، في الداخل او الخارج، يجب ان يكون على درجة كبيرة من الوعي بالمؤامرات الخارجية التي تحاك له في غرف اجهزة الاستخبارات المغلقة، لتدمير انتفاضته، وتمزيق وحدته الوطنية والترابية، وبما يخدم في نهاية المطاف الاحتلال الاسرائيلي، والمخطط الامريكي في الهيمنة ونهب الثروات العربية.
إننا امام محاولات شرسة لتفتيت صفوف المعارضة السورية، وخلق البلبلة في أوساطها، من خلال إغراقها في 'حرب المؤتمرات' واتهامات 'التخوين'، والمواجهات السياسية والاعلامية، ومن المؤسف ان بعض المحسوبين كذباً على هذه المعارضة يساهمون في انجاح هذه المخططات، وبسوء نية في معظم الاحيان.
سورية هي لكل ابنائها، ولكن ليس من ابنائها من يضطهد الآخر ويهين كرامته، ويسلبه حقوقه المشروعة، ويصادر حرياته، ويمارس التمييز على اساس الطائفة او العرق او المذهب. كما انه ليس من ابنائها من يستعين بالعناصر الصهيونية، او ينادي بالتدخل الاجنبي.
' ' '
الشخصيات السورية المعارضة والمستقلة التي عقدت مؤتمرها في فندق سميراميس في دمشق، وكسرت حاجز الخوف، وتبنت مطالب الانتفاضة كاملة، وطالبت بالتغيير الديمقراطي، وأدانت بقوة مجازر الامن والجيش، وترحمت على الشهداء، وشددت على انسحاب الجيش من المدن والقرى والنجوع، هذه شخصيات شجاعة قالت 'لا' قوية في وجه الديكتاتورية وادواتها القمعية، وكان مؤلماً بالنسبة الينا ان تواجه بحملات تشكيك وهي التي سجنت وعذبت، من قبل اناس لم يعرفوا السجن والتعذيب.
التفريق بين اهل الداخل والخارج هو الخطيئة الكبرى التي نرى ارهاصاتها حالياً، من خلال ممارسات بعض المندسين في اوساط المعارضة السورية في الخارج خاصة، فالخارج امتداد شرعي للداخل السوري، والطرفان يكملان اركان المشهد السوري.
الانتفاضة الشعبية السورية المباركة التي قدمت نحو 1500 شهيد حتى الآن، بدأت تعطي ثمارها في حصار النظام، وانزاله من عليائه، واجباره على الاستماع الى مطالب الشعب في التغيـــير، وهو الذي مارس البطش لأكثر من أربعين عاماً ضد أي صوت حر يرتفع مطالباً بلقمة خبز مغمّسة بالكرامة.
الحوار المطلوب حالياً هو بين اطياف المعارضة السورية نفسها لتوحـــيد صفوفها، وأول خطـــوة على هذا الطــــريق التـــرفع عن كل اشكال تضـــخم 'الانا'، واقصـــاء الآخر، والتشكــيك بأهدافه ونواياه. فكيف يمكن ان تؤسس المعارضة للبديل الديمقراطي، وبما يرتقي لتضحيات الشهداء، والكثير من قياداتها ترفض الفكر الآخر، او الشخص الآخر، او المؤتمر الآخر؟
سورية تقترب كثيراً جداً من فجر التغيير الحقيقي، فالنظام يزداد ضعفاً كلما ارتفع عدد ضحايا حلوله الامنية الدموية، والمعارضة تزداد قوة ومناعة كلما تحلت بالعقلانية والتواضع، وابتعدت عن اشكال التشنج كافة، ووضعت مصلحة سورية التي هي للجميع، فوق جميع الاعتبارات الاخرى.
لفظ برنارد هنري ليفي ومؤتمراته، هو خطوة كبيرة نحو الوصول الى هذا الهدف، وافشال كل المخططات التي تريد حرف الثورات العربية عن اهدافها، وتحويلها الى حروب اهلية طائفية او قبلية او مناطقية، وصولاً الى التغيير المسيطَر عليه غربياً، على حد وصف طوني بلير، المنظر الاكبر للاستعمار الجديد، وصديق اسرائيل الحميم.
 

الشيخ رائد صلاح ‘ارهابيا’؟

اعتقال الشيخ رائد صلاح من قبـــل قوات الامن البريطـــانية بعد دخوله بطريقة مشروعة تلبية لدعوة من قبل برلمانيين بريطانيين للمشاركة في ندوة سياسية، هو احد ابشع انواع المكارثية، واحياء لمحاكم التفتيش الاوروبية الديكتاتورية التي تنتمي الى عصر الظلمات والتخلف الفكري.

الشيخ رائد صلاح لم يدخل بريطانيا متزنرا بحزام ناسف، ولم يخف متفجرات تحت قبعته، كما انه لا يعتنق فكر تنظيم 'القاعدة' وايديولوجيته، وانما دخلها كرجل صاحب رسالة سلمية، وداعية للتعايش بين الاديان والثقافات، اسلحته الحجة والمنطق والفكر المستنير.
تيريزا ماي وزيرة الداخلية البريطانية التي اتخذت حكومتها قرار الاعتقال، ومن ثم الابعاد لا تقف على اي ارضية قانونية، وانما تخضع في موقفها هذا لابتزاز جماعات ضغط يهودية صهيونية، تريد تحويل بريطانيا الى جمهورية موز، وتشوه صورة مؤسساتها الديمقراطية، وبرلمانها الاعرق الذي كان الشيخ رائد صلاح سيحاضر في احدى قاعاته، وبحضور عدد من نوابه.
فكيف تبرر حكومة المحافظين الائتلافية منع رجل مسالم لم يدن في البلد الاكثر عنصرية في العالم الذي يحمل جنسيته، وسمح له بالمغادرة، وهي التي تتدخل عسكريا في ليبيا، وتقتل صواريخها وطـــائراتها عشرات المدنيين تحت شعار الحرية وحقوق الانسان وترسيخ قيم العدالة والديمقراطية؟
انها حكومة اكثر اسرائيلية من اسرائيل نفسها، وتمارس قمع الحريات التعبيرية والانسانية ضد كل صاحب حق يريد التعبير عن مظالم شعبه بالطرق الحضارية الديمقراطية، ويدخل الدول من ابوابها وليس متسللا في شاحنة او بجواز سفر مزور.
الشيخ رائد صلاح يتحدث باسم اصحاب الارض الشرعيين الذين اغتصب اليهود الهاربون من القمع والمحارق الاوروبية ارضهم وطردوا وهجروا الغالبية العظمى منهم، اما من تبقى، وهم يمثلون خمس عدد سكان الدولة الجديدة العنصرية فيواجهون اقسى انواع التمييز والتفرقة، ويعاملون كمواطنين من الدرجة العاشرة في دولة تتباهى زورا وبهتانا بانها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة.
كنا نتمنى لو ان الحكومة البريطانية قد اعتقلت ايهود باراك وزير الدفاع الاسرائيلي الذي ارتكب جرائم حرب في قطاع غزة، واصدر اوامره باستخدام قنابل الفوسفور الابيض ضد ابنائها العزل المحاصرين، او بنيامين نتنياهو وافراد حكومته الذين ارتكبوا مجزرة السفينة مرمرة في عرض البحر المتوسط في المياه الدولية، ولكنها لم تفعل ولن تفعل، لان هؤلاء يمثلون دولة تعامل من الغرب المتحضر الديمقراطي كما لو انها فوق كل القوانين، ويتمتع ارهابيوها بالحصانة مهما ارتكبوا من جرائم او مجازر.
' ' '
كيف يمكن ان يكون الشيخ رائد صلاح معاديا للسامية وهو وكافة ابناء الشعب الفلسطيني اكبر ضحايا السامية. الشيخ رائد صلاح لم يقتل اسرائيليا ولم يلق حجرا على اي يهودي داخل اسرائيل او خارجها، بل لم يؤذ احدا طوال حياته، فكيف يعامل بهذه الطريقة العنصرية المهينة استجابة لجماعات تريد كتم الصوت الآخر، ومصادرة حرية التعبير في دولة تقول انها قبلة الرأي الآخر والقيم الديمقراطية.
هذا الرجل الوقور القادم من رحم المعاناة، المؤمن بدينه، المدافع عن عقيدته مثال الصبر والجلد في وجه الظلم والاضطهاد، لا يستحق مثل هذه المعاملة ذات الطابع العنصري الاقصائي، ومن حكومة تمثل الدولة التي تسببت في نكبة الشعب الفلسطيني، وحرمانه من ارضه ووطنه، وتشريده في مختلف انحاء المعمورة دون ان يرتكب اي ذنب، تكفيراً عن خطاياها في الصمت على محرقة اليهود في المانيا النازية.
لا نستغرب مثل هذا الموقف العنصري من حكومة يرأسها ديفيد كاميرون أحد الاعضاء البارزين في جمعية انصار اسرائيل في البرلمان البريطاني، ومن حزب المحافظين ان يتباهى بان ثمانين في المئة من نوابه اعضاء في هذه الجمعية، وعلى رأس هؤلاء وليام هيغ وزير الخارجية الذي يفتخر بانه انضم الى اللوبي المؤيد لاسرائيل عندما كان عمره لا يتجاوز الخمسة عشر عاماً.
انها احدى حلقات 'الاسلاموفوبيا' او المعاداة للاسلام التي تجتاح اوروبا، وبريطانيا على وجه الخصوص، هذه الايام، وتجعل من المسلمين الاعداء الجدد بعد انهيار امبراطورية الشر السوفييتية، فاذا كنت مسلماً فانك ارهابي، وعليك ان تثبت العكس.. انه امر مؤسف بكل المقاييس.
' ' '
ولعل ما هو أخطر من ذلك اتهام كل شخص ينتقد اسرائيل ومجازرها ضد العرب والمسلمين بانه معاد للسامية، ويجب مطاردته واغتيال شخصيته، ومنعه من التعبير عن وجهة نظره، بغض النظر عن دينه او جنسيته، فاسرائيل كيان مقدس، ويهودها هم الملائكة الذين يحرم توجيه اي نقد اليهم، وشاهدنا كيف كتب نيكولا ساركوزي رسالة الى الجندي الاسرائيلي غلعاد شاليط الاسير لدى حركة 'حماس' بينما لم يعر اي اهتمام لعشرة آلاف اسير فلسطيني معظمهم من المدنيين، وبينهم نساء وأطفال.
نلوم انفسنا كعرب ومسلمين قبل ان نلوم بريطانيا وفرنسا وكل حكومات الغرب المتحضر على هذه المعاملة الاحتقارية لنا، والخنوع الكامل للابتزاز الاسرائيلي، فنحن الذين نملك البترول والارصدة، ونحن الذين نستثمر اكثر من ثلاثة تريليونات دولار، ونشتري صفقات اسلحة بمئات المليارات من الدولارات لانقاذ الاقتصادات الغربية من الافلاس، ومع ذلك لا نملك ذرة من التأثير لوقف هذا الهوان والذل اللذين نتعرض لهما على أيدي الحكومات الغربية واللوبيات الصهيونية المتحكمة فيها.
تضامننا الكامل مع الشيخ رائد صلاح، ونقدم شكرنا له في الوقت نفسه، لانه فضح اكذوبة ادعاءات الحكومة البريطانية حول الحرية واحترام حقوق الانسان، وكشف لنا الوجه الاستعماري البشع والقبيح الذي تحاول اخفاءه بلبس قناع الديمقراطية الزائف.
الاعتقال ليس جديداً على هذا الشيخ المجاهد من اجل قضية شعبه ومطالبه في العدالة والمساواة واستعادة حقوقه المشروعة، فقد قضى حياته متنقلاً من زنزانة الى اخرى، ولم يهرب مطلقاً، وهو المريض المتقدم في السن، اعتقاله وسام فخر جديد نضيفه الى اوسمة اخرى عديدة، وهو لن يكون الوسام الأخير على أي حال.
 
 

ساركوزي و’المقدس شاليط’

ان يبعث الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي برسالة الى الجندي الاسرائيلي الاسير جلعاد شاليط يعرب فيها عن تضامنه معه، ويؤكد له فيها ان فرنسا التي يحمل جنسيتها لن تتخلى عنه، فهذه خطوة انسانية لا يمكن التقليل من اهميتها، ولكن من حقنا ان نناقشها من جميع جوانبها، لنكشف حجم النفاق والانحياز السافر الذي يمكن ان تعكسه ممارسات اسرائيل العدوانية في الاراضي العربية المحتلة.

بداية يجب الاشارة الى ان شاليط لم يكن انسانا مدنيا تعرض للخطف على حين غرة، وانما هو جندي في جيش احتلال لا يتورع عن قتل المدنيين الابرياء، ولا نستغرب ان يكون شاليط نفسه قد شارك في عمليات القتل هذه بدم بارد اسوة بزملائه الآخرين، وتنفيذا لاوامر قيادته التي بعثت به الى كرم ابو سالم المحتل قرب مدينة رفح.
الرئيس ساركوزي يؤكد في هذه الرسالة ايضا مدى حرصه على المواطنين الفرنسيين حتى لو كانوا من مزدوجي الجنسية، وهذا امر جميل ايضا، ولكن من حقنا ان نسأل، ونطلب الجواب ايضا، عما اذا كان الرئيس الفرنسي قد بعث برسائل مماثلة الى المعتقلين الفرنسيين من اصول جزائرية او مغربية او تونسية او افريقية في سجن غوانتانامو مثلا، او في سجون اوروبية وآسيوية، وهؤلاء في معظمهم مدنيون؟
فلماذا فقط يتعاطف المستر ساركـــــوزي مع الجندي الاسرائيلي شاليط، ويؤكد انه لن يتخلى عنه، بينما لم يظهر مــــثل هذا التــــعاطف مع اي فرنسي آخر، وبالطريقة نفسها، خاصة ان اسرائيل تعتقل مواطناً فرنسياً من اصل فلسطيني ايضا ولم يتلق اي رسالة من رئيسه الفرنسي، هل هذا لانه عربي مسلم، ولان سجانيه ومعذبيه هم من الاسرائيليين الذين هم فوق القانون الدولي، وكل القوانين السماوية والوضعية مهما اقترفوا من جرائم وارهاب؟
لا نريد ان نذّكر الرئيس ساركوزي باكثر من عشرة آلاف اسير فلسطيني يقبعون في سجون الاحتلال الاسرائيلي وبينهم سيدات واطفال، وبعضهم يقبع خلف القضبان منذ اكثر من ثلاثين عاما، والبعض الآخر لم يعرف غير السجن الذي ولد فيه عندما دخلت اليه امه المناضلة وهي حامل.
' ' '
كنا نتمنى ان يُظهر المستر ساركوزي هذه المشاعر الانسانية الفياضة والجياشة عندما كانت الطائرات الاسرائيلية تقصف الابرياء في قطاع غزة في كانون الاول (ديسمبر) عام 2008 بقنابل الفوسفور الابيض، لتحرق اجساد اكثر من 1400 فلسطيني اعزل وتدمر 60 الف منزل فوق رؤوس اصحابها، ولا نستبعد ان يكون شاليط هو احد المشاركين في هذا القصف.
لم يذهب المستر ساركوزي في حينها الى مجلس الامن الدولي لاستصدار قرار لفرض منطقة حظر جوي فوق قطاع غزة لمنع المذبحة الاسرائيلية
ضد المدنيين الفلسطينيين، او منطقة حظر جوي أخرى فوق جنوب لبنان، او الضاحية الجنوبية، في بيروت عندما قصفتها الطائرات الاسرائيلية لأكثر من ثلاثين يوماً، وارتكبت خلالها مجزرة بلدة قانا نفسها التي ارتكبت فيها مجزرتها الاولى قبل ذلك بعشر سنوات.
الرئيس ساركوزي يعتبر العزلة المفروضة على شاليط في سجنه منذ خمس سنوات 'انتهاكاً لجميع قواعد القانون الدولي وابسط المبادئ الانسانية' ولكنه لم يقل من الذي اطال مدة هذه العزلة، اليست الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة من حكومة شارون الى حكومة اولمرت وانتهاء بحكومة نتنياهو صديق ساركوزي الحميم التي اخلّت اكثر من مرة باتفاقات للافراج عنه في اللحظات الاخيرة تحت حجج وذرائع متعددة، وتصريحات والد شاليط تشهد على ذلك.
ثم كيف يعتبر الرئيس ساركوزي عزلة جندي اسير تحت القضبان انتهاكاً للقانون الدولي، بينما عزلة مليوني فلسطيني في ظل حصار قاتل ظالم لأكثر من خمس سنوات ليس كذلك.. هل هذه هي الانسانية وقيم العدالة ومبادئ الثورة الفرنسية العظيمة التي يفاخر بها ويتباهى؟
' ' '
شاليط ليس اسير درجة اولى ممتازة وأسرانا درجة سياحية، ولا هو أقدس من الفرنسي العربي الاصل صلاح حموري المتهم بمحاولة اغتيال الحاخام اليميني العنصري المتطرف عوفاديا يوسف الذي اعتبر العرب حشرات يجب سحقها، وتمنى وباء يفني العرب الفلسطينيين جميعاً، ويمثل حزبه بالعديد من المقاعد في الكنيست (البرلمان) الاسرائيلي، ويشارك في حكومة نتنياهو التي تعرقل كل اتفاقات الافراج عن شاليط.
فالانسانية الفرنسية هذه لم تعر هذا الشاب العربي اي اهتمام، ولم تسأل عنه حكومته وترعاه بالشكل المطلوب الا قبل شهر عندما زار آلان جوبيه وزير الخارجية الفرنسي والديه للتغطية على زيارته لاسرة شاليط، وبعد ان قذف اهل قطاع غزة سلفه الوزيرة ميشال اليو ماري بالاحذية والبيض الفاسد، بعد زيارتها لوالدي شاليط، وتجاهلها لأكثر من عشرة آلاف اسير فلسطيني، وكانوا، اي سكان القطاع المحاصرون، محقين في ذلك تماماً. 
مللنا من هذا النفاق السافر.. مللنا من هذه الازدواجية والانحياز السافر لساركوزي وحكومته لجرائم دولة العدوان والارهاب الاسرائيلية وحان الوقت لتمزيق اقنعة 'الانسانية الكاذبة' هذه حتى تظهر الوجوه على حقيقتها.
 

انتصار طالبان.. درس لعرب امريكا

يقول الكاتب البريطاني الشهير جورج اورويل ان اقصر الطرق لانهاء الحرب هو خسارتها ولذلك فان اعلان الرئيس الامريكي باراك اوباما سحب 33 الف جندي من قواته في افغانستان في غضون عام هو اعتراف صريح بالهزيمة، ومحاولة يائسة لتقليص الخسائر.

الرئيس اوباما الذي اعتبر انجاز المهمة في افغانستان هو قمة اولويات ادارته، وحدد ثلاثة اهداف لهذه المهمة في خطابه الذي اعلن فيه زيادة القوات الامريكية في افغانستان ثلاثين الف جندي، الاول: بناء الامة والدولة الافغانية وتنصيب رئيس كفء في قمتها، وتعزيزها بمؤسسات منتخبة وتدريب قوات امن على اسس حديثة. الثاني: محاربة تنظيم القاعدة. الثالث: وقف تقدم حركة طلبان عسكريا على الارض.
معظم هذه الاهداف لم يتم تحقيقها. فالدولة الافغانية موجودة فقط في ربع مدينة كابول العاصمة، والقوات الامنية التي جرى انفاق ما يقرب من ستة مليارات دولار على تدريبها لا تستطيع توفير الحماية لرئيس البلاد حامد كرزاي الذي يوكل هذه المهمة لقوات المارينز الامريكية، تسعون في المئة من عناصرها مساطيل من ادمان المخدرات، اما حركة طالبان فتواصل تقدمها وتوسع رقعة نفوذها، بحيث صارت تسيطر على اكثر من ثلثي الاراضي الافغانية حاليا.
اما الحرب على تنظيم 'القاعدة' فقد كانت في المكان الخطأ اذا وضعنا في اعتبارنا انها ركن اساسي من اركان الحرب على الارهاب، فوجود 'القاعدة' في افغانستان كان محدودا في السنوات الاخيرة، ومعظم مقاتليها انتقلوا الى فروعها الاخرى في اليمن والصومال والمغرب الاسلامي والعراق، لان حركة طالبان لم تعد بحاجة الى خدماتهم اولا ولان مطاردة القوات الامريكية لهم من خلال الطائرات بدون طيار في منطقة وزيرستان الحدودية، باتت تعطي نتائج عكسية لانها تقتل مدنيين معظمهم من الاطفال، الامر الذي دفع كرزاي الى التهديد بالاستقالة فورا اذا واصلت هذه الطائرات قتلها للابرياء.
الرئيس اوباما اتخذ قرار سحب القوات الامريكية من افغانستان على وجه السرعة لاسباب داخلية وليس لانـــه انجــز المهمة في افغانستان، فهذه الحرب الى جانب نظيرتها في العراق كلفت امريكا اكثر من تريليون دولار حتى الآن ككلفة اجمالية، وبمعدل سبعة مليارات دولار شــهريا في افغانستان وحدها، والرأي العام الامريكي بات يعارضها، ويمكن ان تتحول الى قضية محورية في انتخابات الرئاسة التي تبدأ حملاتها رسميا في الخريف المقبل.
اغتيال الشيخ اسامة بن لادن زعيم تنظيم 'القاعدة' قبل شهرين في مخبئه في بلدة ابوت اباد الباكستانية، والغموض الذي احاط به، استخدم كذريعة لاعلان الانسحاب من قبل ادارة اوباما، رغم الروايات العديدة التي تقول انه قد يكون اغتيل قبل اعوام، او انه جرى اعتقاله حيا وما زال يخضع للتحقيق، فقليلون يصدقون الرواية الامريكية حول اغتياله ومن ثم القاء جثمانه في بحر العرب. واحد المصورين البريطانيين الذي زار منزل بن لادن قال انه لم يشهد اي علامة على اطلاق نار او حدوث معارك داخل المنزل، ويرجح ان الرواية مفبركة، والا لماذا لم نسمع او نقرأ اي رواية اخرى محايدة او مستقلة.
ادارة الرئيس اوباما اعترفت انها انخرطت في مفاوضات مع حركة طالبان بهدف 'اشراكها' في الحكم في مرحلة ما بعد الانسحاب، وكشف وزير الخارجية البريطاني وليم هيغ عن اتصالات بريطانية مماثلة في هذا الاطار. ولكن الهدف الحقيقي ليس اشراك طالبان في الحكم، وانما تأمين انسحاب آمن لقوات حلف الناتو ومن ثم تسليمها الحكم.
' ' '
الحرب في افغانستان التي استمرت عشر سنوات وبهدف حلق لحى الرجال الافغان، وتحرير المرأة، واقامة دولة ديمقراطية حديثة، ستنتهي بتسليم البلاد مجددا الى حركة طالبان التي جاءت القوات الامريكية للاطاحة بها، وازالة حكمها من الوجود. فما الذي حدث بالضبط حتى تغير الادارة الامريكية رأيها وترفع الراية البيضاء استسلاما بهذه الطريقة المهينة والمذلة؟
انها المقاومة، وعدم التسليم بالحلول الوسط، والاصرار على النصر مهما كلف الامر من تضحيات، فحركة طالبان اعادت تجميع صفوفها، وحشد اكبر عدد ممكن من الافغان في حربها لاخراج الاستعمار الغربي من اراضيها، والتفت حول قيادة متواضعة لا تظهر على شاشات التلفزة، وتبتعد كليا عن الاضواء، وتعيش على الخبز الجاف والشاي وبعض الارز مع خضار محلية مطبوخة بصلصة الطماطم.
عملاء قوات الناتو في افغانستان الذين صدقوا الروايات الامريكية حول الديمقراطية والرخاء وتحويل كابول الى سان فرانسيسكو بدأوا يبحثون عن مستقبل لهم في المنافي الغربية، اما مساطيل قوات الشرطة والجيش فاختار بعضهم ان يهرول للانضمام الى قوات طالبـــان والقتـــال في صفوفها في مواجهة 'اعمامهم' الغربيين الذين دربوهم وسلحوهم.
لا نعرف ما الذي سيكون عليه مصير حامد كرزاي، وان كنا سنتكهن بانه سيعود الى الولايات المتحدة وطنه الثاني، وحامل جنسيته للاستمتاع بتقاعد مريح مدعوم بثروة مالية لا بأس بها، فأيامه في افغانستان باتت معدودة بالاضافة الى كونها محفوفة بالمخاطر.
' ' '
هذا الانتصار الافغاني الطالباني هو درس للعرب، درس لعرب الناتو الذين يراهن بعضهم على تدخل حلف الناتو لانقاذ ربيعهم، ودعم طموحاتهم الديمقراطية المشروعة (نحن مع الثورة وضد الاستعانة بالتدخل الاجنبي ومثلنا الاعلى الثورتان التونسية والمصرية)، مثلما هو درس للقيادة الفلسطينية وكل الذين يعارضون الكفاح المسلح، بل والعصيان المدني لتأمين استمرار الرواتب والحفاظ على بطاقات 'في.آي.بي'.
حركة طالبان، ونحن لسنا من المعجبين بايديولوجيتها او تطرفها الديني، قاتلت حلف الناتو بزعامة الولايات المتحدة ومشاركة قوات اكثر من ثلاثين دولة لمدة عشر سنوات دون كلل او ملل، ولم يقل قائدها الملا عمر انه يقاوم الدولة الاعظم في التاريخ ولذلك من الصعب هزيمتها والانتصار عليها بالتالي ولا بد من البحث عن حلول سلمية، بل قال انه سيقاتل حتى خروج آخر جندي اجنبي من ارضه.
 
 

شهداء الناتو.. لا بواكي عليهم

تصاعدت في الايام الاخيرة اعداد ضحايا قصف طائرات حلف الناتو من المدنيين في العاصمة الليبية طرابلس وضواحيها وسط صمت عربي مريب، وتواطؤ واضح من الامم المتحدة ومنظمات غربية لحقوق الانسان.

بالامس اعلنت السلطات الليبية عن استشهاد العشرات في قصف صاروخي لمدينة زليطن، وقالت ان هناك صعوبات كبيرة في الوصول الى الجرحى والقتلى بسبب كثافة غارات الطائرات الحربية.
قيادة الحلف اعترفت يوم الاحد الماضي بمقتل تسعة اشخاص، خمسة منهم من اسرة واحدة، بينهم ثلاثة اطفال، عن طريق الخطأ اثر انحراف الصواريخ عن هدفها، وتدمير عمارة مجاورة له نتيجة خلل ما في البرمجة، وقدمت اعتذارها لاسر الضحايا على لسان راسمونسن امين عام الحلف الذي وعد باجراء تحقيقات.
بعد هذا الاعتذار بيومين، اغارت الطائرات مرة اخرى على منزل السيد الخويلدي الحميدي عضو مجلس قيادة الثورة واحد المقربين من الزعيم معمر القذافي، في بلدة صرمان شمال طرابلس، وادى القصف الى استشهاد 19 شخصا، بينهم عشرة من احفاده، وزوجة ابنه، وخادمة مغربية.
ولا يفوتنا التذكير بان القصف لم يتوقف على مدى الشهرين الماضيين لاهداف مدنية وعسكرية وموانئ ومطارات مدنية، ومرافق عامة، كان من ابرز ضحاياها سيف العرب نجل الزعيم معمر القذافي واربعة من احفاده قتلوا نياما عند قصف منزلهم في قاعدة باب العزيزية العسكرية.
الصحافيون الغربيون الذين زاروا المستشفى الذي نقل اليه ضحايا الغارة على منزل السيد الحميدي ذكروا تفاصيل تقشعر لها الابدان عن اشلاء لاطفال كان من الصعب التعرف على هوياتهم، والشيء نفسه يقال ايضا عن جثامين نساء كن في المنزل ساعة القصف.
القنوات الفضائية العربية التي تفننت في بث صور جثامين شهداء قصف كتائب القذافي في مصراتة وبنغازي والبريقة، واعادتها بطريقة مبالغ فيها، لم تنقل لنا اياً من صور جثامين شهداء قصف حلف الناتو حتى لا يتعاطف معهم احد، وحتى تكتمل عملية التعتيم على حقائق الاوضاع في ليبيا، وبما يصب في مصلحة الثوار في نهاية المطاف.
الفضائية الليبية لم تبث صور الجثامين ايضا، ليس تعففا او من منطلق الانسانية والحفاظ على الذوق العام، واتباع المعايير المهنية، وانما لانها غير موجودة، فقد قرر وزراء الاعلام العرب طردها، وهي البائسة، من القمر الصناعي العربي 'عربسات'، واكملت طائرات الناتو المهمة، وهي التي تمثل دولا تحاضر علينا في الديمقراطية واحترام الرأي الآخر، بقصف المحطة وتدميرها وتعطيل بثها.
' ' '
شهداء طرابلس وزليطن وصرمان وباب العزيزية لا بواكي عليهم، لان قتلهم بصواريخ طائرات الاباتشي، او 'اف15' الامريكية، او الـ'يوروفايتر' الفرنسية، و'التورنيدو' البريطانية امر مشروع، فطالما انهم ليسوا في مناطق الحظر الجوي المشمولة بقرار مجلس الامن الدولي رقم 1973 فقتلهم حلال، وسفك دمائهم مشروع، والتعاطف معهم، او حتى التعزية بهم ممنوعان لانهما سيعتبران تأييدا للديكتاتورية والقمع والفساد.
كل شهداء هذه الفتنة التي نرى تفاصيلها في ليبيا منذ اربعة اشهر، سواء كانوا في طرابلس او مصراتة او الزاوية او بنغازي، وسواء قتلوا على يد كتائب القذافي الدموية المتوحشة، او من قبل حلف الناتو ومرتزقته، كل هؤلاء اهلنا واشقاؤنا نبكي عليهم ونترحم على ارواحهم دون اي تفرقة او انحياز، فكلهم عرب ومسلمون وليبيون ايضا.
حلف الناتو خرج عن تفويض قرار مجلس الامن الدولي، ويمارس حاليا عملية تدمير لليبيا وبناها التحتية، تماما مثلما فعل في العراق فهذه الاهداف المدنية، بل وحتى العسكرية، التي تقصفها طائرات الحلف هي ملك للشعب الليبي وليس للعقيد معمر القذافي وأبنائه.
أذكر ان برنامج 'مواجهة' الذي كان يقدمه الزميل جاسم العزاوي في قناة 'أبوظبي' قبل وأد توجهها العروبي وتحويلها الى قناة منوعات، استضافني في احدى حلقاته، وكان خصمي متحدثاً باسم الخارجية البريطانية، وكان الموضوع بناء الرئيس الراحل صدام حسين قصوراً ايام الحصار، وأراد الضيف البريطاني ان يحرجني بالقول ان الرئيس صدام يبني هذه القصور بينما الشعب العراقي يتضور جوعاً. فقلت له انني لست من مؤيدي بناء القصور، بل اكرهها، ولكن هذه القصور ليست ملكاً لصدام، وانما للشعب العراقي، ولن يأخذها معه الى قبره، وها هي قصور ملوك اسرة محمد علي تعود للشعب المصري، بل ها هي الاهرامات التي بناها ملوك الفراعنة مقابر لهم، تدر المليارات كعوائد سياحية الى الشعب المصري.
معمر القذافي رغم كل ما يقال عن فساده واسرته لم يبن قصوراً، بل لم يبن اي شيء مفيد للشعب الليبي غير بناء مجدٍ واهٍ له، بما في ذلك قاعدة العزيزية التي دمرها قصف الناتو، ولكن ما يجري تدميره حالياً من مبان وسفن تجارية ومطارات هي أصول ليبية جرى بناؤها من أموال الشعب الليبي.
شعرت بالصدمة، واقولها بحزن، عندما شاهدت فرانكو فراتيني وزير خارجية ايطاليا، وليس اياً من الزعماء او المسؤولين العرب، يطالب بوقف فوري لهجمات حلف الناتو، لوقف الكارثة الانسانية التي تنتج عنها، لحقن الدماء، وفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الطبية والانسانية للسكان المدنيين في طرابلس ومصراتة والزاوية وزليطن والبريقة، لان الوضع الانساني في هذه المدن، وبسبب القصف المستمر بات مأساوياً، ولان وقف اطلاق النار سيمنع تقسيم ليبيا.
عزائي ان السيد عمرو موسى امين عام الجامعة العربية اصيب بصحوة ضمير، وان جاءت متأخرة، وكفر عن خطيئته بتأييد غير مشروط للتدخل الغربي العسكري في ليبيا، عندما عبر عن ندمه، وتراجعه عن هذا الموقف المخجل، واعلان معارضته للقصف الجوي الغربي، وذلك في حديث ادلى به لصحيفة 'الغارديان' البريطانية ونشرته في عددها الصادر امس.
السيد موسى قال ايضاً في هذه التصريحات التي لم تنقلها اية فضائية عربية ايضاً، انه لا يستطيع ان يرى اطفال ليبيا يذبحون بصواريخ الناتو، ولهذا يطالب بوقف فوري لاطلاق النار تحت اشراف دولي، يظل خلالها العقيد القذافي على رأس السلطة، ثم تلي ذلك فترة انتقالية تمهد للوصول الى تفاهم دولي حول مستقبل ليبيا.
' ' '
مطالب فراتيني والسيد موسى قوبلت بالرفض الفوري من قبل ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا، وآلان جوبيه وزير خارجية فرنسا، فالأول قال ان اعمال الناتو العسكرية ستستمر في ليبيا حتى تحقيق اهدافها وايده الثاني دون اي تحفظ، مما يعني استمرار آلة القتل الجهنمية هذه الى ما لا نهاية.
أهداف الناتو واضحة وعلى رأسها تغيير النظام في ليبيا، ورهن ثرواتها لعقود وربما لقرون قادمة، فالنفط الليبي هو الذي سيغطي تكاليف هذه الحرب وعمليات اعادة اعمار ما جرى تدميره عمداً. فالناتو ليس مؤسسة خيرية، وانقاذ اهل بنغازي من مجازر القذافي وكتائبه لم يكن على قمة اجندات الحلف عندما فرض الحظر الجوي، رغم نبل هذا الهدف واهميته الانسانية.
غارات الناتو تعكس حالة من التغول التي تعيشها القيادات السياسية المؤيدة لها، خاصة بعد ان فشلت حتى الآن، ورغم مرور شهرين، في تحقيق اهدافها. وابرزها اغتيال العقيد القذافي، وهذا ما يفسر الاصرار على تكثيف هذه الغارات في الفترة الاخيرة، رغم معارضة القادة العسكريين البريطانيين والفرنسيين، وتصاعد اصوات المعارضين للحرب في الاوساط الاوروبية.
ولعل أخطر ما يخشاه الغربيون هو ما كشف عنه ديريك دينسي خبير الارهاب الفرنسي المشهور في دراسة اعدها مع مجموعة باحثين آخرين وكشف فيها عن معلومات موثقة حول حصول تنظيم 'القاعدة' في المغرب الاسلامي على صواريخ 'سام 6' المضادة للطائرات وذخائر ومتفجرات استولى عليها مهربون وباعوها لمن يملك المال.
نترحم على أرواح جميع شهداء ليبيا دون اي استثناء ونطالب بحقن دماء الاطفال والمدنيين العزل في اسرع وقت ممكن، بوقف كامل لاطلاق النار من جميع الاطراف، والبحث عن حلول سياسية لهذه الحرب الاهلية الدامية، تقود الى دولة ديمقراطية تسودها العدالة والمساواة، وحكم القانون، وتحول دون تقسيم البلاد او تفتيتها.
 
 

خطاب الاسد الثالث

بين خطاب الرئيس بشار الاسد الذي ألقاه في مجلس الشعب، وخطابه الذي القاه امس على مدرج جامعة دمشق فترة زمنية تمتد الى شهرين سقط خلالها 1500 شهيد، وآلاف الجرحى، وهروب اكثر من عشرة آلاف مواطن سوري الى الجانب الآخر من الحدود التركية للنجاة بارواحهم.

ما يمكن استخلاصه، وللوهلة الاولى، ان الحلول الامنية التي اتبعتها السلطات السورية في قتل المحتجين او اكبر عدد منهم، للسيطرة على الاوضاع، لم تحقق اهدافها، بل اعطت نتائج عكسية تماما، من حيث اتساع دائرة الاحتجاجات، ومشاركة اعداد اكبر فيها جمعة بعد جمعة.
خطاب الرئيس بشار الاسد الذي انتظرناه طويلا ومعنا كل السوريين وبعض العرب، لم يقدم جديدا ملموسا، او بالاحرى 'خريطة طريق' للخروج من المأزق الدموي الراهن الذي تعيش فصوله البلاد جمعة بعد اخرى، وكل ما تضمنه مجموعة جديدة من الوعود بالاصلاح، وحديث مطول عن المؤامرة.
الرئيس بشار حصر الازمة في مجموعة صغيرة من المخربين، وحملهم مسؤولية ما يحدث من اعمال عنف وصدامات مع قوات الامن وحرق المباني والمؤسسات العامة، وهذا تبسيط من الصعب ان يقنع غالبية الشعب التي تتابع ما يجري في بلادها بالصوت والصورة عبر الفضائيات العربية والاجنبية بأدق التفاصيل.
منذ بداية الازمة، قبل اربعة شهور، والرئيس بشار يتحدث عن تشكيل لجان، واحدة لتعديل الدستور، وثانية لوضع قانون للانتخابات، وثالثة للاعلام، ورابعة لمكافحة الفساد، وجميع هذه اللجان ما زالت تعمل، وتدرس، وتمحص، ولم نر النتائج على الارض حتى الآن.
مكافحة الفساد لا تحتاج الى لجنة، فرموز الفساد معروفة للرئيس بشار مثلما هي معروفة لاصغر طفل في سورية، فاذا كانت هناك نوايا فعلا لمحاسبتها، فان الامر لا يستغرق ساعات، فمثلما تعطى الاوامر للاجهزة الامنية باطلاق النار على المتظاهرين، ويتم التنفيذ فورا، يمكن ان تقوم بالشيء نفسه لاعتقال الفاسدين وتقديمهم الى محاكم عادلة مثلما شاهدنا ما حدث لنظرائهم في تونس ومصر.
الفساد موجود في بطانة الحكم السوري، مثلما كان موجودا في بطانة الحكم المصري، والشعب في سورية لا يمكن ان يصدق اي وعود بمحاربة الفساد الا عندما يرى رموزه خلف القضبان، ولا نعتقد ان مثل هذا الامر بات وشيكا في سورية. والدليل على ذلك ان السيد رامي مخلوف احد رموز الفساد والمحسوبية في سورية انتقل برمشة عين من كونه حوتا كبيرا يسيطر على مفاصل البزنس في سورية (60 ' من حجم الاعمال والشركات) بدعم من النظام، الى فاعل خير، يكرس ما تبقى من حياته للاعمال الخيرية.
' ' '
نصدق السيد مخلوف لو انه اعلن التبرع بالمليارات التي جناها على مدى السنوات العشر الماضية (عمره 41 عاما) الى الشعب السوري، ومشاريع توفير الوظائف لملايين العاطلين من اعماله، ومكافحة الفقر في الريف، تماما مثلما فعل بيل غيتس الملياردير الامريكي الذي كون ثروته بطرق مشروعة، وتبرع بثلاثين مليار دولار (اكثر من نصفها) لفقراء العالم الثالث، والشيء نفسه فعله ابن جلدته الملياردير الآخر وارين بافيت.
الشعب السوري لا يريد تخفيض اسعار المازوت ومواد البناء، وانما ديمقراطية ومحاسبة وعدالة اجتماعية، وانهاء كل انواع التمييز في الوظائف والمراكز، والمشاركة في تقرير مصيره من خلال مؤسسات منتخبة، واعلام حر، وخدمات تعليمية وصحية ترتقي الى الحد الادنى من المواصفات المتبعة ليس في العالم المتقدم فحسب وانما حتى في دول في العالم الثالث.
من يريد اصدار قانون للاعلام يؤسس لمرحلة جديدة من المهنية والحريات التعبيرية، يبادر فوراً لادخال اصلاحات في المؤسسات الاعلامية الحالية لتأكيد نواياه في هذا الصدد، وخاصة في محطات الاذاعة والتلفزة، ولا نرى اي مؤشر يوحي بتغييرات حقيقية مقنعة في هذا المضمار.
الرئيس بشار يقول في خطابه انه لا حل مع اناس يحملون السلاح، هذا كلام جميل، دعونا نقلب الآية ونقول ان الشعب قد لا يقبل الحوار مع من يطلقون عليه النار ويقتلون العشرات من ابنائه كل اسبوع، الامر الذي يجعلنا ندخل في دوامة من العنف يصعب بل يستحيل الخروج منها.
الحوار حتى ينجح يجب ان يسبقه قرار او هدنة من السلطة السورية، يتوقف خلالها اطلاق النار لمدة اسبوع او اسبوعين، لتوفير المناخات اللازمة، واعادة بعض الثقة، واعطاء المقابر اجازة من الجنازات شبه اليومية، في اكثر من مدينة او قرية على طول سورية وعرضها.
' ' '
توقفت كثيراً عند اعتراف الرئيس الاسد بان الازمة يمكن ان تمتد شهوراً او سنوات، ولذلك يجب ان يعمل الشعب على اعادة الامور الى وضعها الطبيعي، هذا الاعتراف، او هذه النبوءة، تعني ان الاصلاحات الموعودة ستتباطأ وقد تؤجل، وان اللجوء للحلول الامنية سيستمر، فالانتفاضة بدأت بسبب القمع الامني، وانتهاك حقوق الانسان، واهدار كرامته، واللجوء الى القوة لتركيع كل محتج باعتباره مخرباً وخارجاً عن النظام والقانون.
وتوقفت اكثر عند تساؤلات كثيرة طرحها الرئيس بشار في الخطاب، ابرزها دوره ومساهمته كفرد، وطبيعة النموذج الاقتصادي الذي يجب ان تتبناه سورية، اشتراكياً كان او رأسمالياً، فهل يعقل ان سورية حتى هذه اللحظة لا تعرف النظام الاقتصادي الذي يصلح لها، وهي التي تمتلك العقول الكبيرة في الوطن والمهجر، ثم من المسؤول عن هذا القصور؟
في الغرب يقيسون مدى أهمية اي خطاب للمسؤولين الكبار، وخاصة من يتربعون على قمة الهرم، بمعيار 'القيمة الاخبارية' ، واعترف انني كصحافي بحثت عن هذه القيمة الاخبارية في خطاب الرئيس بشار الثالث فلم أجد الا القليل، وهذا في رأيي مسؤولية من وضعوا النص وخيبوا آمال الكثيرين الذين كانوا ينتظرونه، ونحن منهم.
اعترف بانني شخصياً شعرت بالاهانة عندما شاهدت السيد رجب طيب أردوغان يرسل كتاباً الى الرئيس بشار ليستخرج من ثناياه مخرجاً من الازمة، وبلغت الاهانة ذروتها عندما سمعت السيد أردوغان يمهله اسبوعاً لتطبيق الاصلاحات مهدداً ومتوعداً في حال عدم التنفيذ. ولعل الرئيس بشار كان يرد عليه عندما قال انه لا ينتظر دروساً من احد بل سيعطي دروساً للآخرين.
لا نعرف طبيعة الدروس التي ستعطى للآخرين، هل هي تلك التي تمارسها اجهزة الامن في التصدي لمحتجين لا يملكون غير الحناجر واللافتات التي تهتف بالاصلاح، ام في التحجر الاقتصادي، واستفحال الفساد والمحسوبية باعتراف الرئيس بشار نفسه.
أردوغان يعطي الدروس ليس فقط للرئيس بشار وانما لجميع القادة العرب دون استثناء، لانه قدم نموذجاً فريداً في الديمقراطية والاصلاحات السياسية عبر صناديق الاقتراع، وفاز بثلاث ولايات متتالية بسبب نقله تركيا وفي اقل من عشر سنوات من كونها دولة متخلفة مدينة فاسدة منهارة اقتصادياً الى سادس اقوى اقتصاد في اوروبا، والسادس عشر على مستوى العالم وبنسبة نمو تصل الى ثمانية في المئة سنوياً.
عندما يحقق الرئيس بشار او اي زعيم عربي آخر هذه الانجازات او نصفها فاننا والآخرين على استعداد لتلقي الدروس منه مرفوقة بالشكر والامتنان اما قبل ذلك فلا وألف لا.
 

شبح حروب طائفية

الاشتباكات الدموية الطائفية التي وقعت يوم الجمعة الماضي في مدينة طرابلس شمال لبنان بين محتجين سنة معارضين للنظام السوري، وآخرين علويين مؤيدين له ربما تكون نموذجاً مصغراً لصدامات اكبر ستقع في اكثر من بلد عربي، بداية من سورية نفسها اذا استمرت حالة الاصطفاف والتحشيد الطائفي المتصاعدة في المنطقة بأسرها.

من الطبيعي ان تكثر التكهنات، ومعها الاتهامات لهذا الطرف او ذاك بالوقوف خلف الصدامات، واشعال فتيلها، فلبنان بلد الطوائف وتقسيماتها ومحاصصاتها المثبتة في الدستور والمنعكسة بشكل سافر في مؤسساته الرسمية مثل البرلمان والحكومة والوظائف الرئيسية في الدولة والمؤسسة العسكرية، ولكن الخطورة هنا تكمن في ان الفتنة الطائفية هذه اذا بدأت تعطي ثمارها على شكل صدامات ثأرية على أرضية الحقد الطائفي، ربما تشعل فتيل حروب أهلية في اكثر من بلد عربي.
الانتفاضة الشعبية في سورية اظهرت وعياً مسؤولاً بهذه المصيدة، وضرورة تجنبها، بكل وسيلة ممكنة، عندما حرصت على سلمية احتجاجاتها اولاً، والتأكيد على الوحدة الوطنية ثانياً، والابتعاد عن التقسيمات الطائفية ثالثاً، وتجسدت النقطتان الثانية والثالثة في اطلاق اسم المناضل السوري العلوي الكبير صالح العلي على احتجاجات يوم الجمعة الماضي التي انطلقت في اكثر من مدينة سورية، وسقط اثناءها اكثر من عشرين شهيداً برصاص قوات الامن.
من يزور منطقة الخليج العربي هذه الايام يجد ان القضية الاساسية المطروحة في المجالس الخاصة هي قضية الفرز الطائفي، فأبناء الطائفة السنية يكنون حقداً على ابناء الطائفة الشيعية، وابناء الطائفة الشيعية يجمعون صفوفهم، ويحشدون قواهم في المقابل تحسباً لأي طارئ.
أحداث العراق، وطائفية الحكم الحالي، وتراجع مكانة ابناء الطائفة السنية، كلها لعبت دوراً مهماً في توفير الذخيرة لبعض الجهات المتطرفة سنياً للتحشيد ضد الشيعة، استناداً إلى التغلغل الايراني في العراق، وجاءت انتفاضة البحرين، التي كان معظم المشاركين فيها من ابناء الطائفة الشيعية الذين يعانون من بعض التمييز في المعاملة من قبل السلطات لتزيد بل تضاعف من حالة الاستقطاب الطائفي في المنطقة.
طرفان يقفان بقوة على رأس هذا الاصطفاف، المملكة العربية السعودية التي تعتبر نفسها المرجعية الاساسية للطائفة السنية، وايران التي تنصب نفسها المدافع الاول، والمسؤول عن ابناء الطائفة الشيعية في المنطقة العربية بأسرها.
' ' '
بينما ارسلت السلطات السعودية اكثر من 1500 جندي بعتادهم العسكري الكامل الى البحرين لدعم النظام في مواجهة منتفضي ميدان اللؤلؤة تحت عنوان قوات درع الجزيرة، الامر الذي دفع العاهل البحريني لاستخدام القوة لانهاء الاعتصام في الميدان المذكور، وقتل وجرح واعتقال العشرات في هذه العملية. انتصرت كل من ايران وحكومة المالكي في العراق وحزب الله في لبنان للانتفاضة، وادانت القمع الرسمي لها وما زالت.
الحكومة السعودية التزمت الصمت الكامل تجاه ثورات شعبية اصلاحية مثل الثورتين السورية والليبية، ووقفت بقوة ضد الانتفاضة البحرينية، بينما ايدت ايران بقـــوة الثورات في تونس ومصـــر وليبيا ولم تحرك ساكــنا تجاه الـــثورة الشعبـــية الاصلاحـــية في سورية، وعارضتها وانتقدت المواقف الرسمية والشعبية اللامبالية تجاه انتفاضة البحرين.
المقاومة العربية تباينت مواقفها تجاه الثورات العربية ايضا، واصيبت بطريقة او باخرى بفيروس الاستقطابات الطائفية في المنطقة العربية. حزب الله اللبناني لم يتردد لحظة في تأييد النظام السوري، وتبنى طروحاته بشأن المؤامرة الخارجية التي تستهدفه، بينما وقعت كل من حركتي 'حماس' و'الجهاد' الفلسطينيتين وقياداتهما المقيمة في دمشق في حرج كبير للغاية سببه ان الحركتين محسوبتان على معسكر المقاومة والممانعة، وتتلقيان دعما سياسيا وعسكريا وماليا من ايران وحماية من سورية ولكنهما كحركتين سنيتين في الاساس لا تستطيعان معارضة الانتفاضات الشعبية التي تلعب بعض الحركات الاسلامية، والاخوان المسلمون خاصة، دورا كبيرا فيها، وخاصة في سورية.
موقف حركتي 'حماس' و'الجهاد' الاسلامي صعب ولا تحسدان عليه، وقيادتهما تسير فوق خيط رفيع للغاية، ولا بد انها تصلي ليل نهار من اجل الخروج من المأزق الذي تعيشه بانتصار هذا الطرف او ذاك وفي اسرع وقت ممكن للتخلص من الضغوط النفسية والسياسية التي تعيش في ظلها حاليا.
' ' '
حزب الله اللبناني خسر كثيرا من الثورات العربية، والسورية منها بالذات، والخسارة هنا لا تنحصر فقط في شعبيته الضخمة التي كونها بعد انتصاره الكبير والمشرف في مواجهة العدوان الاسرائيلي في تموز (يوليو) عام 2006 حيث تحل بعد ايام ذكراه الخامسة، وانما شملت ايضا ادبياته كحركة مقاومة من المفترض ان تنتصر، دون تمييز، للمطالب الاصلاحية في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية من قبل قطاع عريض من ابناء الشعب السوري. ومن المؤكد ان حركات المقاومة الفلسطينية قد تكون الخاسر الثاني، لان موقفها على الحياد وقد لا يطول، وستجد نفسها ملزمة بالوقوف في هذا المعسكر او ذاك.
انها حالة استقطاب طائفي مقلقة، في ظل غياب كامل لمشاريع قومية او اسلامية تترفع عن التقسيمات الطائفية وتعزز المواطنة في ظل مجتمع مدني متحضر.
المقلق اكثر ان حالة التغول الطائفي في المنطقة تدعم بحشد كبير من القنوات التلفزيونية الطائفية تمثل طرفي المعادلة، وتمارس التحريض ليل نهار في هذا الاتجاه او ذاك، وترصد لها عشرات الملايين من الدولارات، ومعظم هذه الملايين اما ايرانية او خليجية.
الولايات المتحدة الامريكية التي تريد احتواء الثورات العربية وحرفها عن مسارها، وتفريغها من مضمونها لا تعارض، وهي العلمانية، مثل هذا الاستقطاب، بل تشجعه ان لم تكن تقف خلفه بطريقة او باخرى، وعلينا ان نتذكر انها اول من ادخل المحاصصة الطائفية الى المنطقة من البوابة العراقية، ومجلس الحكم في العراق على وجه الخصوص.
ما نخشاه في ظل تمترس الديكتاتوريات في الحكم، ورفضها الاصلاح الحقيقي، ولجوئها الى الحلول الامنية، او استعانة بعض الثورات في المقابل بالتدخل الخارجي العسكري، ان تنجرف المنطقة الى حروب اهلية او على اساس مناطقي تؤدي الى المزيد من التقسيم والتفتيت.
 

دروس سورية في الديمقراطية

جميل ان يكون الرئيس السوري بشار الأسد اول المهنئين لنظيره اللبناني ميشال سليمان بمناسبة تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة بعد مشاورات استمرت خمسة أشهر، ولكن ما هو اجمل من ذلك، ان يحدث العكس، أي ان نقرأ، في يوم ما، نأمل ان يكون قريباً، ان الرئيس اللبناني يبادر بالاتصال بنظيره السوري لتهنئته بتشكيل حكومة سورية تنبثق عن تجربة ديمقراطية حقيقية، وانتخابات حرة نزيهة في ظل تعددية حزبية كاملة.

هل هذا التمني هو نوع من الحلم.. الاجابة نعم، نقولها وفي حلقنا الكثير من المرارة، فما يجري على ارض سورية من اعمال قتل للمحتجين سواء على أيدي الجيش ودباباته وطائراته العمودية، او رجال الأمن الذين يطلقون النار بهدف القتل لا يوحي بان التغيير الديمقراطي بات قريباً، او حتى ممكنا في سورية.
فالأخبار الوحيدة القادمة الينا من سورية هذه الأيام لا تحمل الا اعداد القتلى والجرحى المتزايدة جمعة بعد اخرى، وتحركات الدبابات للسيطرة على هذه البلدة أو تلك، والمقابر الجماعية المكتشفة هناك او هنا، وتضارب التقديرات حول عدد اللاجئين الى الأراضي التركية من منطقة جسر الشغور وضواحي ادلب هرباً من القتل والدمار.
كيف يمكن ان يتفاءل المرء بقرب حدوث الاصلاح الديمقراطي في سورية او بعده، والدكتور فاروق ابو الشامات رئيس لجنة وضع قانون للأحزاب في البلاد يعترف في حديث لصحيفة 'الثورة' بانه لا توجد ثقافة سياسية، ولا مشاركة للمواطنين في الحياة السياسية، ولذلك فإن من صميم عمل اللجنة هو 'الارتقاء بالاحزاب لتصبح رافعة قوية قادرة على تعبئة جهود، ومكونات المجتمع، بهدف مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وصياغة مشروع قانون جديد لتأسيس احزاب سياسية وطنية تسهم بتوطيد عملية الاصلاح السياسي وتعزيز صرح الديمقراطية والتعددية السياسية'.
قرأت تصريحات الدكتور ابو الشامات اكثر من مرة لعلي افهم ما يريده، او ما تريد لجنته التوصل اليه، ولكن عجزت عن ذلك، ولا يضيرني الاعتراف علناً بجهلي في فك طلاسم لغته وتصريحاته هذه، غير انها محاولة لكسب المزيد من الوقت من خلال الايهام بان هناك تحركاً نحو الاصلاح الديمقراطي، اي اننا نسمع جعجعة دون ان نرى طحناً.
' ' '
الدكتور ابو الشامات محق في قوله انه لا توجد ثقافة سياسية أو ديمقراطية تعددية لدى الشعب السوري، فكيف سيتعرف على مثل هذه الثقافة وهو الذي عاش تحت نظام الحزب الواحد وهيمنته لأكثر من اربعين عاماً كان محظوراً عليه خلالها ممارسة اي نشاط سياسي او حزبي، وان فعل فإنه يتعرض للاعتقال بتهم عديدة اقلها التعاون مع قوى اجنبية لتخريب امن الوطن وزعزعة استقراره.
ومن الغريب ان الدكتور ابو الشامات يقول ان من ابرز مهام لجنته، حسب ما جاء في تصريحاته، هو تعليم الشعب ثقافة الديمقراطية والتعددية السياسية، للارتقاء بمستواه في هذا الصدد، ثم بعد ذلك يمكن اجراء الاصلاحات ووضع القوانين التي تسمح بالتعددية السياسية والانتخابات الديمقراطية بالتالي.
المشكلة هنا، ان الذين سيتولون تعليم الشعب السوري ثقافة الديمقراطية والتعددية هم انفسهم بحاجة الى دورات في هذا الصدد، لانهم يتساوون مع الشعب في الجهل المفترض بمثل هذا العلم، واذا جادلوا بعدم صحة ذلك، فإن اقصى سقف لهم في هذا المضمار هو أحزاب الجبهة الوطنية، وهي احزاب منقرضة، تضم ديناصورات ينتمون في معظمهم الى مرحلة الحرب الباردة، واصيبت بعدوى التوريث، اي توريث الزعامة، بحيث باتت هذه الزعامة تنتقل في بعض الحالات، من الزوج الى الزوجة، او من الاب الى الابن وهكذا.
الديمقراطية ليست علماً يدرس في الجامعات والمدارس، وانما هي مطلب شعبي حتمي، تماماً مثل الخبز والماء والهواء لا يمكن ان تستقيم حياة الامم بدونها. فجميع الشعوب التي انتقلت من الانظمة الشمولية الى الديمقراطية، لم تنخرط في دورات تثقيف ديمقراطي تنظمها مؤسسات ولدت من رحم الديكتاتورية والقمع.
هناك تجارب ديمقراطية عديدة بعضها غربي وبعضها الآخر عالمثالثي، يمكن الاستفادة منها، ومن القوانين الحزبية والتعددية المنبثقة عنها لتسريع عملية التغيير استجابة لمطالب الشعب، ولحقن الدماء، ولكن لا بد من توفر النوايا الصادقة مسبقاً، ولا نعتقد ان تشكيل لجان تتفرع عنها لجان اخرى، وعقد اجتماعات تلو الاخرى، يصب في هذه المحصلة.
النظام في سورية يعيش حالة من العناد غير مسبوقة، فهو يرفض تقديم اي تنازلات ديمقراطية حقيقية تحت ضغط الاحتجاجات حتى لا يظهر بمظهر الضعيف، وهذا خطأ كبير قد يؤدي الى نتائج كارثية على المدى البعيد.
صحيح ان الحلول الامنية حققت بعض النجاحات في تقليص حدة الاحتجاجات، وهذا امر لا يبعث على الفخر، فالانسان الاعزل الضعيف الذي ينزل الى الشارع للتعبير عن مطالبه المشروعة في الاصلاح، لا يمكن ان يهزم الدبابات التي تطلق القذائف عليه، او جماعات 'الشبيحة' المدربة على القتل والتعذيب لكل من يختلف مع النظام.
' ' '
ربما تشعر القيادة السورية بالاطمئنان لعدم حدوث تدخل عسكري خارجي على غرار ما حدث في ليبيا او العراق، وهو اطمئنان في محله لان الشعب السوري في معظمه يعارض مثل هذا التدخل، ويصر على سلمية انتفاضته، واستقرار بلده ووحدته الوطنية، وهذا الحرص يجب ان يقابل بالتقدير لا بالرصاص.
الغرب لا يجرؤ على التدخل عسكرياً في سورية ليس لان روسيا والصين ستستخدمان 'الفيتو' في مجلس الامن، ولا لان تدخلاته السابقة في العراق وافغانستان منيت بالفشل والخسائر الضخمة مادياً وبشرياً، وانما لان هذا الغرب يدرك جيداً ان الغالبية العظمى من السوريين سيتصدون له، مثلما تصدوا لكل تدخل مماثل وقدموا آلاف الشهداء.
ما نخشى منه ونحذر، ان يعمي هذا الاطمئنان، المرتكز على انتصارات صغيرة، حققتها الحلول الامنية، القيادة السورية عن رؤية المستقبل بعين متفحصة، تقرأ الأخطار المحتملة قراءة صحيحة، فنحن لا نريد ان تتحول سورية الى بورما او كوريا شمالية اخرى، بل دولة عصرية تقود المشروع النهضوي العربي.
من المؤلم ان النظام السوري، بالاعتماد كلياً على الحلول الامنية الدموية، وتأجيل الحلول السياسية، ومعاداة كل من ينتقد نهجه هذا، وآخرهم السيد رجب طيب أردوغان، بالصورة التي نشاهدها من خلال الهجمات المكثفة عليه شخصياً وعلى تركيا، وهو الذي كان حتى اشهر معدودة الحليف والصديق الاوثق لسورية، يجر سورية الى مستقبل مجهول، مفتوح على جميع الاحتمالات، وابرزها الحرب الأهلية، خاصة في هذا الوقت الذي تتصاعد فيه عمليات التجييش والحشد الطائفي والتدخلات الخارجية التي لا تريد خيراً لسورية وللأمة العربية بأسرها.
فكل ما نتمناه ان يعطي الرئيس بشار الشعب السوري ما يتمتع به حلفاؤه في لبنان من حريات وديمقراطية وحقوق انسان، والمشاركة في ادارة شــــــؤون بلادهم من خلال برلمان ومؤسسات منتخبة، وتنافس شريف بيــن الحكومة والمعارضة. او ان يتبنى النموذج التركي الديمقراطي الذي رفع تركيا الى مصاف الدول الاكثر تقدما ومكانة في العالم وجعلها سادس اكبر اقتصاد في اوروبا