خطف العقيد القذافي؟

اثناء حرب 'تحرير' الكويت عام 1991 عندما هاجمت الطائرات الحربية العراق، وارتكبت مجزرة دموية في حق القوات المنسحبة، علاوة على ذبح عشرات وربما مئات الآلاف في قصف استمر اربعين يوما باوامر من شوارسكوف، كنت اشارك في برنامج في التلفزيون البريطاني باللغة الانكليزية، فلم تكن هناك قنوات عربية مثل 'الجزيرة' او 'العربية'.

وانا في طريق عودتي الى المنزل، روى لي سائق التاكسي، وهو انكليزي، رواية ملخصها ان اجهزة المخابرات البريطانية (ام.آي.6) زارته وعائلته في منزلهم الريفي فجأة، وسألت اذا كان والدهم، المهندس المعماري المشهور قد ترك اوراقا او خرائط تتعلق بقصر الملك غازي في بغداد. وسبب السؤال هو معرفة ما اذا كانت هناك انفاق، او سراديب، تحت القصر يمكن استخدامها في حال حدوث هجوم.
السائق قال للزوار، ولكن ما علاقة قصر الملك غازي بالوضع الراهن في العراق، الاجابة جاءت بانه من المحتمل ان يكون الرئيس صدام حسين يستخدم القصر كملجأ، او كوسيلة للتخفي من طائرات التجسس التي تلاحقه بهدف اغتياله.
تذكرت هذه الرواية، من هذا السائق الذي رواها لكي استفيد منها في مشاركاتي التلفزيونية، وكان معارضا للمشروع العدواني الامريكي ضد العراق (عاصفة الصحراء) وانا اتابع الموضوع الليبي وتطوراته وتعقيداته الراهنة، وحالة الجمود التي دخلها اخيرا.
بداية اود التأكيد بانني لا اقارن بين العراق وليبيا، فالعراق كان يخوض حربا ضد قوات احتلال وغزو اجنبيين، اما العقيد معمر القذافي فيقاتل شعبه او الجزء الاكبر منه، الذي يرفض حكمه الديكتاتوري وجرائمه في تدمير بلاده وتبديد ثرواتها، وتحويلها الى مزرعة له ولابنائه وحفنة من المحيطين به.
قوات حلف الناتو التي تدخلت لحماية الثوار في الحرب الاهلية الدائرة حاليا في ليبيا، وأصرّ على انها حرب اهلية، لان الثوار مسلحون وثورتهم ليست سلمية، ومن اجل تغيير النظام في ليبيا، بدأت تصل الى طريق شبه مسدود، فقصفها بالصواريخ والطائرات الذي دخل اسبوعه الرابع لم ينجح في اطاحة النظام، ولم يؤد الى انهياره في الوقت نفسه، وهناك توقعات عديدة ابرزها من قبل آلان جوبيه وزير الخارجية الفرنسي بان الحرب ستطول، ولرئيس المخابرات الالماني بان فرص الثوار ضئيلة في اطاحة نظام القذافي.
' ' '
هناك خياران امام هذه القوات حسب تقديرات الخبراء العسكريين في الغرب:
الاول: ارسال قوات غزو ارضية مدرعة تحتل المدن الليبية الواحدة تلو الاخرى حتى تصل العاصمة طرابلس، وتقتحم قاعدة باب العزيزية حيث من المفترض ان العقيد الليبي ورجاله المقربين يقيمون فيها.
الثاني: ان تلجأ الى ارسال قوات كوماندوز لخطف الزعيم الليبي، او قتله، تماما مثلما فعلت وحدات فرنسية خاصة في ساحل العاج، حيث اختطفت الرئيس غباغبو الذي خسر الانتخابات البرلمانية الاخيرة في بلاده، واصر على البقاء في منصبه بالقوة، ورفض تسليم الحكم الى منافسه الفائز الحسن وتارا.
هناك جدل كبير في اوساط حلف الناتو حول مسألة غزو ليبيا بسبب مخاطرها والنتائج التي يمكن ان تترتب عليها، مضافا الى ذلك ان هذا الغزو يحتاج الى قرار جديد من مجلس الامن الدولي وهو امر متعذر حاليا بسبب رفض روسيا والصين خاصة، تغيير النظام بالقوة لاسباب اقتصادية بحتة.
والاهم من ذلك ان قوات حلف الناتو تقاتل منذ عشر سنوات في افغانستان ولم تستطع الانتصار على حركة 'طالبان'، وخسائرها البشرية تتفاقم يوميا، اما خسائرها المادية فتبلغ حوالي سبعة مليارات دولار في الشهر، وهي نفقات باهظة للغاية في ظل الازمة الاقتصادية الطاحنة التي تعيشها الدول الغربية.
اما بالنسبة الى الخيار الثاني اي خيار الخطف، وهو المرجح في رأينا، فانه اقل كلفة وربما يكون الحل الامثل، ولكن هناك صعوبات كبـــيرة تقـــف في طريقـــه، ابرزها ان العقيد القذافي واجه حصارا استمر عدة سنوات من قبل الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، وكان يتوقع الخطف والقتل في اي لحظة، وتعرض بيـــته في قاعدة باب العزيزية الى غارة جوية امريكية بهدف اغتياله، واستتشهدت فيها ابنته مع ثمانية آخرين تقريبا.
بمعنى آخر، العقيد الليبي حول قاعدة العزيزية الى غابة من الانفاق والسراديب السرية كاجراء احتياطي، وهذا امر متوقع من زعيم تعرض لمحاولات اغتيال، وهناك من يقول ان بعض هذه الانفاق والمخابئ اقيمت للاحتماء من اي هجوم بالقنابل النووية.
انشقاق موسى كوسا رئيس جهاز الاستخبارات ووزير الخارجية الليبي السابق، وهروبه الى بريطانيا ربما يوفر معلومات قيمة للتحالف الغربي حول تحركات العقيد القذافي واسرته، وانفاقه السرية، فالرجل اي السيد كوسا عمل في خدمته لاكثر من ثلاثين عاما، وتعرض لاستجواب استمر اياما من قبل المخابرات البريطانية وبالتنسيق مع نظيرتيها الامريكية والفرنسية. وبعد انتهاء هذا الاستجواب غادر السيد كوسا الى الدوحة حيث جرى منحه اللجوء السياسي.
من المرجح ان يتم استخدام هذه المعلومات ليس في اي محاولة مستقبلية للخطف، وانما في حال صدور القرار بارسال قوات ارضية الى ليبيا، وهو امر غير مستبعد، خاصة في ظل الحديث عن استخدام هذه القوات في عمليات انسانية. وترددت انباء في بريطانيا عن احتمال ارسال قوات مرتزقة مثلما ورد في صحيفة 'ديلي ميل' البريطانية القريبة من الحكومة.
ارسال قوات كوماندوز لخطف العقيد الليبي ليس عملية سهلة ايضاً، لانه مطلوب اولاً تحديد مكانه بدقة متناهية، من خلال معلومات لا يرقى اليها الشك، ومن اشخاص في دائرته الصغيرة المحيطة به، او استطلاع جوي متواصل. مضافاً الى ذلك ان المخابرات الامريكية لم تنجح حتى الآن في اعتقال او قتل الشيخ اسامة بن لادن زعيم تنظيم 'القاعدة' او نائبه الدكتور ايمن الظواهري. واحتاجت ما يقرب العامين لاعتقال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وهو الاعتقال الذي جاء نتيجة خيانة احد اقرب المقربين منه.
' ' '
العقيد معمر القذافي ليس مثل زعيمي تنظيم 'القاعدة'، وان كان اخطر على شعبه منهما، لان استمراره في الحكم يعني استشهاد آلاف الابرياء من الليبيين سواء كانوا من انصاره او من انصار الثورة الليبية ضده، فكل هؤلاء ليبيون وبشر وضحايا بالنسبة الينا، وهم اهلنا ومن ابناء ديننا وعقيدتنا.
اننا نشعر بالاسف لان الجهود العسكرية تتقدم على الجهود الدبلوماسية في هذه الازمة، الامر الذي سيؤدي الى استمرار حمام الدم الراهن في مدينة مصراتة على وجه الخصوص. والأغرب من ذلك اننا لا نرى اي وساطة عربية، بل صمتاً مطبقاً بما في ذلك جامعة الدول العربية التي قدمت غطاء شرعياً للتدخل الاجنبي في الازمة الليبية.
نتفق مع الكثيرين في القول بان العقيد القذافي هو السبب الرئيسي في حدوث هذا التدخل الذي جاء لحماية ابناء بنغازي من المجزرة التي كان يعد لها لافنائهم، وهو الحاقد على هذه المدينة وأهلها، ولكن ما نريد قوله الآن، ان الغرض من فرض الحظر الجوي قد تحقق، اي حماية المدنيين، وحان الوقت لتسوية سلمية تحقن دماء الليبيين وتوقف حمامات الدم الراهنة.
القذافي يجب ان يرحل لا يخالجنا اي شك في هذا المطلب، ولكن من يجب ان يرحل معه ايضاً ليس فقط ابناؤه وانما ايضاً الذين خطفوا ثورة الشباب الليبي السلمية، وكانوا يشكلون كتيبة الاعداد لتدخل قوات الناتو وهم معروفون واحداً واحداً. فمن حولوا الثورة الليبية من سلمية مدنية الى تمرد مسلح اجرموا في حق هذه الثورة ويجب ان يحاسبوا ايضاً من قبل الشعب الليبي.
 
 

من يريد ان يصبح ديكتاتورا؟

النهاية المزرية التي انتهى اليه حكم الانظمة الديكتاتورية العربية في اكثر من دولة عربية بفضل الثورات الشعبية المباركة ستجعل من الصعب على اي ديكتاتور قادم، او راهن، الاستمتاع بالحكم بالطرق التقليدية المتعارف عليها، مثل سرقة المال العام، والاستعانة بالبطانة الفاسدة، والاعتماد على تغول الاجهزة الامنية، ومصادرة الحريات.

نشعر بمعاناة السيدة سوزان مبارك حرم الرئيس المصري المخلوع، ولكن لا نتعاطف معها، وهي تتنقل بين مستشفى شرم الشيخ، حيث يخضع زوجها للتحقيق حول امواله وتجاوزاته، وبين نجليها اللذين يقبعان حاليا في زنزانة عادية جدا في سجن طرة، حيث لا مكيفات، ولا تلفزيون، ولا صحف، فقط مروحة بدائية معلقة في السقف.
المليارات مجمدة في البنوك الاوروبية، وحتى ما جرى تهريبه منها في الربع ساعة الاخير من عمر الحكم من الصعب الوصول اليها، وكيف يتأتى ذلك واصحابها خلف القضبان يواجهون اتهامات بالسلب والنهب وسرقة المال العام، وفوق كل هذا وذاك التواطؤ في عمليات قتل اكثر من مئتي شاب من ثوار ميدان التحرير وباقي المدن المصرية الاخرى.
امبراطورية الرعب والفساد المصرية انهارت مثل بيت العنكبوت، وجاءت الضربة القاصمة بصدور قرار المحكمة بحل الحزب الحاكم (الحزب الوطني) ومصادرة جميع اصوله وممتلكاته، واغلاق فروعه في مختلف انحاء مصر، بعد اعتقال معظم قياداته ورموزه بتهم متعددة وعلى رأسهم احمد عز وصفوت الشريف.
الثورة الشبابية المصرية، ووعي قادتها كانا خلف هذه الانجازات جميعا، من خلال الضغط بسلاح التظاهر على المجلس الاعلى للقوات المسلحة، للتسريع بمحاكمة كل رموز الفساد والديكتاتورية، امام محاكم مدنية عادلة.
ولعل حال العقيد الليبي معمر القذافي واسرته اكثر سوءا من الرئيس حسني مبارك واسرته، فرغم حكمه الذي امتد اكثر من اربعين عاما، والمليارات التي انفقها في افريقيا وانحاء عديدة من العالم لتلميع صورته، ونظامه الدموي، لم يجد صديقا واحدا يدافع عنه، والاهم من ذلك ان الغالبية الساحقة من شعبه الذي تطاول عليه، بالفاظ نابية لا تليق حتى باولاد الشوارع (مثل نعتهم بالجرذان والمقملين) تطالب بمحاكمته بارتكاب جرائم حرب ضد الانسانية، بالنظر الى قتله الآلاف في هجومه على مصراتة والزاوية ودرنة وباقي المدن الليبية.
' ' '
العقيد القذافي لا يجد دولة تقبله واسرته، ورجاله الخلص قفزوا من سفينته الغارقة، وامواله التي هربها الى المصارف الامريكية والاوروبية (اكثر من خمسين مليار دولار) اعتقادا منه انها في مأمن، باتت مجمدة ولن يرى دولارا واحدا منها، وهي الاموال التي حرم الشعب الليبي منها من اجل ان يصرفها على ملوك افريقيا ونصابيها.
واذا انتقلنا الى الرئيس اليمني علي عبدالله صالح فان ايامه باتت معدودة، وهو يحاول بكل الطرق والوسائل تأمين خروج مشرف له ولافراد اسرته، والخروج المشرف هنا يعني عدم مطاردته قضائيا من قبل من سيتولون الحكم من بعده بتهم عديدة، ابرزها اطلاق قناصيه النار على المتظاهرين في ميدان التغيير وقتل العشرات منهم.
من المؤكد ان الرئيس اليمني سيجد الصحبة الطيبة عندما ينتقل وافراد اسرته الى مدينة جدة قريبا، حيث الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، وربما ينضم اليه آخرون قريبا، فالولايات المتحدة تبحث حاليا عن مكان لاستضافة الزعيم الليبي الذي قال البيان الثلاثي لقادة العالم الغربي (اوباما وساركوزي وكاميرون) انه ليس له مكان في الحكم ولا في ليبيا.
' ' '
الرئيس بن علي غادر تونس ومعه ما تيسر من الاموال والذهب، ولكن كيف يصرف هذه الأموال، او ما لم يجمد منها، وهو سجين قصر فاخر لا يستطيع مغادرته، ويسمع يومياً عن مظاهرات ينظمها ابناء الثورة في تونس امام السفارات السعودية تطالب بتسليمه لكي يمثل امام العدالة، لمحاسبته واعادة اموال الشعب التي في حوزته.
لا نعرف اذا كان هؤلاء يشاهدون المحطات الفضائية العربية والاجنبية ويتابعون اللعنات التي تنصب عليهم من ابناء شعوبهم، ولكن ما نعرفه انهم قطعاً يعيشون حالة من الاكتئاب وانعدام الوزن، بعد ان جرى نزع الملك منهم بطريقة مهينة وغير مسبوقة وسريعة جداً. فالعروش تساقطت وستتساقط امام تسونامي غضب الشعوب.
لا لم ننس سورية، ولا نظامها الديكتاتوري، حيث يصارع الرئيس بشار الاسد بين نصائح حرسه القديم باستمرار التمسك بالاساليب القمعية الدموية لاخماد ثورة القاع المتفجرة، وبين تمنيات الكثيرين الذين يريدون تجاوبه مع مطالب شعبه المشروعة في الاصلاح، وبرز هذا التردد واضحاً في خطابه الذي ألقاه امام مجلس الوزراء الجديد حيث كرر وعوده السابقة بانهاء حالة الطوارئ في غضون اسبوع، واعتماد قانون جديد للاعلام.
' ' '
الحديث عن مؤامرات خارجية تستهدف سورية لم يعد يقنع الكثيرين، او يقلل من عزائم المطالبين بالاصلاح، ولا بد للرئيس بشار هذا الطبيب الرقيق المتعلم في الغرب ان يتساءل بينه وبين نفسه عن حظه العاثر الذي اوقعه في هذه الورطة، فربما كان الخيار الآخر، اي ممارسة طب العيون في لندن، او حتى اي مدينة سورية اخرى، اكثر اماناً وراحة بال من وراثة حكم شعب من الاسود الغاضبة.
الانظمة الديكتاتورية العربية لم تدمر شعوبها، وتكسر كرامتها، وتنهب ثرواتها، وتقدم نموذجاً في القمع ومصادرة الحريات فحسب، وانما دمرت نفسها ايضاً، وعجلت بنهايتها بطرق مذلة مثل تلك التي نراها في اكثر من عاصمة عربية.
البدائل التي تطل برأسها من رحم الثورات الغاضبة ستكون مختلفة حتماً، مختلفة في تعاطيها مع الشعب، لانه هو الذي اختارها لكي تخدم مصالحه، وتعيد اليه كرامته، وتنهض بمقدراته، وتقوده الى مستقبل مشرق تتطلع اليه، وتقدم أرواحها من اجل تحقيقه.
الشعوب العربية تريد حكماً رشيداً يستند الى الحريات والديمقراطية واحترام حقوق الانسان والشفافية والمحاسبة، بعد ان عانت من البطالة والفساد والحكم الابدي، والورثة الفاسدين.
بأي حق يتحدث السيد سيف الاسلام القذافي ويهدد الشعب الليبي بالقتل والضرب بالاحذية، وبأي حق يقود اشقاؤه كتائب تقصف الابرياء وتروع الاطفال والمدنيين، وبأي حق يتصرف جمال مبارك كامبراطور يعين الوزراء والسفراء، وبأي حق يتهيأ احمد علي عبد الله صالح لحكم اليمن، وما هي المميزات التي تجعلهم فوق كل ابناء الشعب؟
نجلا الرئيس المصري يجب ان يحمدا الله كثيراً انهما انتهيا في زنزانة بسجن طرة سيئ الذكر موئل القتلة والمجرمين، فهي تشكل حماية لهما وكل رموز فساد حكم ابيهما من غضبة الشعب، ونتمنى ان يتعلم الزعيم الليبي وابناؤه من هذه النهاية، ويستوعبوا دروسها قبل فوات الاوان.
 

سورية.. القمع ليس حلا

'جمعة الاصرار' التي تجسدت يوم امس في مظاهرات احتجاجية صاخبة في مختلف المدن السورية اكدت حدوث متغيرات اساسية عدة، سواء في صفوف الشعب، او في اروقة النظام الحاكم في سورية، يمكن ان تؤشر لهوية، بل ونوعية التطورات المقبلة في البلاد، والسيناريوهات المتوقعة بالنسبة الى مستقبلها.

السوريون المشاركون في الهبة الاحتجاجية هذه، اظهروا حرصاً واضحاً على تخلصهم من عقدة الخوف، وانهم لا يقلون عزيمة وتصميماً عن الشعوب العربية المنتفضة الاخرى، على اسماع اصواتهم، واثبات شجاعتهم، ومواصلة الحراك السياسي والاحتجاجي حتى نيل جميع مطالبهم في الاصلاح والتغيير كاملة.
النظام السوري في المقابل وصل الى قناعة راسخة بان اللجوء الى القتل بهدف الترهيب، وبث الرعب، ربما يعطي نتائج اخطر بكثير من التعاطي الأقل عنفا مع المحتجين، خاصة بعد ان تبين امام العالم بأسره تمسكهم بالوسائل السلمية، وعدم الانجرار الى دوامة العنف الطائفي، التي حاول البعض اغراقهم فيها.
فما حدث في كل من درعا وبانياس وجبلة وحمص من عمليات قتل لم يتكرر بالوتيرة نفسها يوم امس، وشاهدنا اجهزة النظام تستخدم، وللمرة الاولى تقريباً، خراطيم المياه لتفريق المتظاهرين، وليس الرصاص الحي، باستثناء بعض الحالات المحدودة.
اختفت فجأة عصابات 'الشبيحة' من الشوارع، واختفى معها 'المندسون' الذين كانوا يطلقون النار عشوائياً، كما اننا لم نسمع مطلقاً عن مقتل رجال أمن بالعشرات مثلما سمعنا في الايام الماضية، الامر الذي يلقي بظلال الشك على كل الروايات التي جرى ضخها عبر وسائل الاعلام الرسمية في هذا الشأن.
الأمر المؤكد ان مراجعة شاملة حدثت لنهج الافراط في استخدام القوة من قبل قوات الامن ضد المتظاهرين السوريين، خرجت من خلالها القيادة السياسية بحصيلة مفادها ان سفك الدماء يؤدي حتماً الى تأجيج الاحتجاجات لا تخفيف حدتها، وان الجنازات هي دائماً مهرجانات تعبئة وتحشيد من اجل الثأر والانتقام.
ولعل النقطة الأهم التي دفعت القيادة السياسية السورية الى التعاطي 'السلمي' مع مظاهرات الأمس هو خوفها من التدخل الخارجي، الاقليمي، او الدولي، خاصة بعد بيان الخارجية الامريكية الذي تحدث عن وجود معلومات تؤكد ارسال ايران قوات لدعم النظام السوري في مواجهة الاحتجاجات.
لا نعتقد ان النظام السوري بحاجة الى مساعدة ايران، او غيرها، لقمع المتظاهرين المنتفضين، فلديه فائض من الاجهزة القادرة على اداء هذه المهمة، يمكن تصديره الى دول الجوار، والهدف من هذا التسريب الامريكي هو تحذير النظام من عواقب تكرار تجربة النظام الليبي المؤسفة في هذا المضمار.
' ' '
يراودنا أمل ضعيف باقتناع القيادة السياسية في سورية في فشل الحلول الامنية للازمة المتفاقمة في البلاد، وهي الحلول التي اتبعتها طوال الاربعين عاماً الماضية، فلم يفلح اي نظام سياسي استخدم هذه الحلول سواء كان في الغرب او الشرق بما في ذلك امريكا (في العراق وافغانستان) وبريطانيا (في ايرلندا)، وصربيا (في كوسوفو والبوسنة) ناهيك عن مصر وتونس والقائمة تطول.
حتى التهديد بورقة 'الفتنة الطائفية' سواء من قوى خارجية او داخلية في سورية، لم تعط اكلها، فمظاهرات 'جمعة الاصرار' اكدت على قوة الوحدة الوطنية والتلاحم بين مختلف الطوائف والاعراق، بل سمعنا العديد من الشعارات التي تحرص على التعايش، وتؤكد عليه، كرد واضح وجلي على هذه 'الفزاعة'.
المجتمع السوري تسامى دائماً على الاعتبارات الطائفية، وتجاوز كل افرازاتها، بل وذهب الى ما هو ابعد من الاقليمية او المناطقية، عندما 'صدّر' الافكار القومية الى مختلف انحاء المنطقة العربية، وفتح اراضيه لكل انسان عربي بغض النظر عن دينه او مذهبه او قوميته. وهذا ما يفسر استقبال اكثر من مليون ونصف المليون عراقي تدفقوا الى سورية هربا من الحرب الاهلية الطائفية في بلادهم، او حوالي ربع مليون فلسطيني قبلهم، وجدوا جميعا حرارة الاستقبال، وكرم الضيافة، والمعاملة على قدم المساواة مع ابناء البلاد، دون اي تمنن.
الرئيس بشار الاسد التقى عددا كبيرا من قادة العشائر ووجوه المناطق، وتحاور معها بكل صراحة وبقلب مفتوح، وتعهد بتلبية جميع مطالبهم المحلية (المناطقية) بمن في ذلك وجهاء مدينتي درعا وبانياس، ولكنه كرر وعوده بالاصلاح على مستوى الدولة.
هذه الخطوة جيدة، وان كنا نعتقد انها جاءت متأخرة ومنقوصة في الوقت نفسه، فما يريده الشعب السوري هو البدء فورا في الاصلاح والمصالحة الوطنية في الوقت نفسه، فالفجوة بين النظام والشعب تتسع بشكل متسارع مع كل قطرة دم تسفكها قوات الامن، وكنا نتمنى لو ان الرئيس السوري الشاب اعتذر، وهو المسؤول الاول، لاهالي الشهداء والجرحى، وفي خطاب عام، وما زال هناك بعض الوقت لانقاذ ما يمكن انقاذه.
الخطأ الاكبر الذي ارتكبه النظام وعلى مدى السنوات العشر الاخيرة انه لم ينقل البلاد وشعبها من مرحلة حكم الرئيس الراحل حافظ الاسد الى حكم نجله بشار من خلال اصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية جذرية، وما نراه اليوم من هبات شعبية غاضبة هو التجسيد الحقيقي له، فما كان يصلح قبل اربعين او عشرين عاما من استخدام للقمع وادواته لا يمكن ان يصلح اليوم، فالزمن تغير، والشعب تغير ولكن النظام لم يتغير، بل استعصى على التغيير بفضل سيطرة الحرس القديم ونهجه الامني المتخلف.
' ' '
الانتفاضة الشعبية السورية تدخل اليوم اسبوعها الخامس، ومن المحزن ان النظام لم يقدم تنازلا واحدا، ولم يتجاوب مع اي مطلب من مطالب المتظاهرين، وما زال يدرس الغاء حالة الطوارئ، وقانون التعددية الحزبية، وقانون الاعلام الجديد، والغاء المادة الثامنة من الدستور التي تؤكد هيمنة حزب البعث.
كيف يقبل بالتعددية السياسية وهو يعتقل كل رأي مخالف، وكيف يسمح بقانون جديد للاعلام يكرس الحريات التعبيرية وهو يقيل رئيسة تحرير صحيفة رسمية (تشرين) لانها طالبت بالتحقيق في تجاوزات قوات الامن لتوجيهات الرئيس واطلاق النار على المتظاهرين، ولم يشفع لها تأكيدها على تربية اولادها على حب الرئيس بشار الاسد؟
حتى الحكومة الجديدة التي شكلها السيد عادل سفر جاءت مخيبة للآمال، فقد ضمت نصف الوزراء السابقين، ولم تضم وزيرا واحدا من المعارضة الشبابية، او الشخصيات الوطنية، وهي حكومة تذكرنا بحكومة اللواء احمد شفيق التي شكلها الرئيس حسني مبارك قبل رحيله.
السوريون يريدون ان يكونوا احرارا، وان يستعيدوا كرامتهم وعزة أنفسهم، في ظل اصلاحات تكرس الديمقراطية والعدالة والمساواة، وحكم القانون، واعلى سقف ممكن من الحريات، والتحرك في هذا الاتجاه بدأ ومن الصعب ان يتوقف او حتى يتباطأ، والامور لن تعود الى الوراء مطلقا، وما زالت هناك فرصة ولو ضئيلة للانقاذ، وان كنا لسنا متفائلين كثيرا باستغلالها من قبل القيادة السياسية في البلاد.
الشعب السوري شعب كريم يحمل في عروقه جينات الحضارة والريادة، ولن يتوقف في منتصف الطريق، ومن يقول غير ذلك لا يعرف هذا الشعب، ولم يقرأ تاريخه، والايام بيننا.
 

مبارك معتقل.. اللهم لا شماتة

المفاجآت تتواصل في مصر الثورة.. نحن امام لحظات تاريخية تستحق الوقوف امامها اجلالاً واحتراماً، لحظات تاريخية غير مسبوقة في منطقة عربية ابتليت بالديكتاتوريات والحكومات البوليسية القمعية.

نحن لا نعرف، ونحن نتابع التطورات المتتالية عما اذا كنا نعيش حلماً، ام اننا نشاهد الحقيقة بام اعيننا، فمن كان يصدق انه سيأتي هذا اليوم الذي نرى فيه الرئيس حسني مبارك ونجليه جمال وعلاء خلف القضبان ومعهم كل رموز المرحلة السيئة التي تواصلت فصولها المرعبة طوال الثلاثين عاماً الماضية.
نستطيع ان نقول الآن، وبكل ثقة، ان الثورة المصرية المباركة اكملت انتصارها، وقطعت كل الشك باليقين، وفتحت صفحة جديدة ناصعة ومشرفة، ليس في تاريخ مصر فقط وانما المنطقة باسرها.
شهداء مصر الابرار الذين سقطوا برصاص القمع في ميدان التحرير، او شوارع المدن المصرية الاخرى، ايام الثورة المجيدة او قبلها، سينامون الآن قريري الاعين، وكذلك ذووهم، فالعدالة انتصرت لهم من الطاغية واولاده وادوات فساده وقمعه. 
نهاية بشعة هي نهاية الرئيس مبارك وابنائه، نهاية بشعة لكل الذين فتكوا بالشعب المصري، وسرقوا عرق ابنائه الكادحين المعدمين، نهاية لمرحلة تقزمت فيها مصر ودورها ومكانتها، نهاية بشعة للسماسرة الذين باعوا شرف الانسان المصري وكرامته وثرواته للاعداء مقابل حفنة من الذهب والفضة.
نحن امام معجزة حضارية في بلد تجمدت نهضته الحضارية الممتدة لأكثر من سبعة آلاف عام بفعل الفاسدين والتجار ومنعدمي الضمير. لم يذهب زوار الفجر الى الرئيس مبارك واسرته، ولا الى اعضاء البطانة الفاسدة، بل شاهدنا اجراءات قضائية تحتكم الى حكم القانون في دولة اهين فيها القانون وقضاته لسنوات طويلة.
لم نشاهد جثة الرئيس مبارك تسحل في الشوارع او صفوت الشريف او احمد عز او حبيب العادلي او زكريا عزمي، ومعهم الصبيان المدللان علاء وجمال يضربون بالاحذية، او يتعرضون للتعذيب خلف القضبان مثلما كانوا يفعلون بخصومهم، بل شاهدنا اسلوبا حضاريا في التحقيق وسط اجراءات قانونية عادلة وفي حضور محامين، دون اي شماتة او رغبة في الانتقام.
لم يمثل الرئيس مبارك ونجلاه وبطانته امام محاكم خاصة او عسكرية، وانما امام محاكم مدنية، وقضاة مدنيين، على قدم المساواة، مثله مثل جميع ابناء الشعب.
حسني مبارك لم تحاكمه محكمة طائفية ثأرية منبثقة من رحم الاحتلال، وبدعم من الغزاة الامريكيين، وانما تحاكمه محكمة الثورة الشعبية المنبثقة من رحم ميدان التحرير رمز عزة الشعب المصري وكرامته.
' ' '
لا نعرف كيف سيتعاطى نجلا الرئيس وهما يقبعان خلف القضبان في سجن طرة مع اركان حكم ابيهم مثل صفوت الشريف واحمد نظيف وحبيب العادلي، وقد سقطوا جميعا من عليائهم، وباتوا رقما او ارقاما مثل بقية المساجين المدانين بجرائم ارتكبوها في حق بلادهم واهلهم، ولكن ما نعرفه هو انهم اصبحوا متساوين في كل شيء، ولم يعد هناك رئيس او مرؤوس، ولا حملة مباخر، ولا صحافة تعزف يوميا معلقات النفاق، ولا طعام خاص يأتي خصيصا للنسل المقدس من مطاعم فرنسا الفاخرة.
اللهم لا شماتة.. هذا هو لسان حال كل اهل الضحايا الشهداء الذين ضحوا بدمائهم وارواحـــهم، من اجل هــذه اللحظـــــات التاريخــــية، من اجــــل بزوغ نجم مصر الجديدة، وانسانها الجديد، من وسط ركام القهر والاستعباد.
اللهم لا شماتة.. فهذا هو الرئيس مبارك المريض قيد الحراسة في سريره في المستشفى، وسيدته الاولى تمثل امام القضاة مدانة في ذمتها المالية ومتهمة باهدار اموال الشعب.
ماذا ستفيد عشرات المليارات التي نهبوها من اموال الشعب الفقير الذي يعيش اربعون مليونا من ابنائه تحت خط الفقر وباقل من دولارين في اليوم؟ هل فكر الرئيس وابناؤه وخبراء النهب والسلب والقمع في حكومته، انهم سيعيشون هذا اليوم الذين سيتساوون فيه مع كل المجرمين واللصوص والبلطجية خلف القضبان، وملياراتهم بعيدة جدا عنهم، يأكلون العدس والفول، ورغيف الخبز المعجون بالحصى والرمل وهو الرغيف نفسه الذي اجبروا الشعب على أكله في ذروة بطشهم وغرور قوتهم؟
الاموال المسروقة ستعود الى الشعب المصري صاحبها الحقيقي، ولكن ما يستحيل اعادته هو الارواح الطاهرة، لشباب مؤمن، ازهقها هؤلاء، وبالرصاص الحي، اثناء محاولاتهم مصادرة ارادة الشعب بالقوة، واطالة امد اقامتهم جاثمين على صدره، لامتصاص المزيد من عرقه ودمائه.
' ' '
انها العدالة التي انتظرناها، والشعب المصري معنا طويلا.. بل طويلا جدا، وها هي تأتي الينا في انصع صورها واشكالها، لتؤسس لفجر جديد سيمتد نوره الذهبي حتما الى المنطقة العربية بأسرها.
انه درس لكل الطغاة العرب ورجالاتهم قادة وافرادا في الاجهزة القمعية، وامبراطوريات فسادهم. درس لا نعتقد انهم سيستوعبونه ومفرداته البسيطة الواضحة السهلة على الفهم فنهايتهم لن تكون افضل من عميدهم حسني مبارك ونسله الفاسد، بل ربما تكون اسوأ كثيرا، حيث لن تنفعهم ملياراتهم ولا اجهزتهم القمعية، ولا صحافتهم واعلامهم المنافق حين يستعيد الشعب كرامته وقوته وتدنو لحظة الحساب. فلا حصانة للقمعيين والقتلة وسارقي اموال الشعوب وثرواتها بعد اليوم.
نكتب بعاطفة، وهذا حقنا، بل هــــذا واجبنا، فقـــــد انتــــظرنا هذا الانجاز العظيم والمشرف اكثر من اربعين عاما، وحان الوقت لكي نحتفل به، بل ونتبادل التهاني، انها ايام مـجــــيدة، هنيئا لنا ولكم وللامة بأسرها بمقدمها.
 

BBC عبد الباري عطوان يفضح بشار الأسد بسيطرته على الحكم خلال 5 دقائق

BBC عبد الباري عطوان يفضح بشار الأسد بسيطرته على الحكم خلال 5 دقائق

مبارك عندما يدافع عن نزاهته

خرج الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك عن صمته يوم امس عندما بعث بحديث صوتي مسجل من 'منفاه' في منتجع شرم الشيخ الى محطة 'العربية' الفضائية اكد فيه انه ضحية لحملات ظالمة، وادعاءات باطلة، تستهدف الاساءة الى سمعته، والطعن في نزاهته ومواقفه، وتاريخه العسكري والسياسي.

قبل تفنيد المغالطات العديدة التي تضمنها الشريط، فان المرء يتساءل عن اختيار الرئيس مبارك لمحطة فضائية غير مصرية للرد على ما سماه بالحملات الظالمة هذه، فهناك العديد من القنوات المصرية، الخاصة والعامة التي يمكن ارسال الشريط اليها، ولا نعتقد ان ايا منها سترفض بثه، ولكن اللجوء الى محطة غير رسمية ربما يصب في خانة الاتهامات التي توجه اليه، ونظامه، بـ'احتقار' المؤسسات الاعلامية المصرية والكفاءات العاملة فيها.
الرئيس مبارك ما زال يتصرف بطرق العنجهية التي احترفها طوال الاعوام الثلاثين التي تربع خلالها واسرته على عرش البلاد، ويتعامل مع الشعب المصري وطلائعه الثورية، كما لو انه شعب من الجهلة والقاصرين، وليس شعباً عظيماً استطاع ان يفجر ثورة ترتقي الى مستوى الثورات التي غيرت مجرى التاريخ، وكانت في قمة الحضارية والانضباط والابداع جعلها تحظى باحترام العالم بأسره.
عندما يقول الرئيس مبارك انه لا يملك، وزوجته، ارصدة او ممتلكات خارج مصر، فانه لا يخدع احدا غير نفسه، ليس لان هذا الكلام مجاف للحقيقة فقط، وانما لانه يصدر في المكان الخطأ، والزمن الخطأ، فمثل هذه الاقوال يجب ان تقال في النيابة العامة اثناء الاستجواب، او امام القضاء في حال احالة القضية اليه.
' ' '
فهناك بلاغات بالفساد واهدار المال العام والتربح مرفوعة امام النيابة العامة ضد الرئيس المخلوع واسرته، واصدار مثل هذا الشريط الصوتي يحتم على المجلس العسكري الاعلى الاسراع في التعاطي مع هذه البلاغات وفق الطرق القانونية المرعية.
الرئيس مبارك لا يملك سمعة جيدة للاساءة اليها، ولا نزاهة يمكن الطعن فيها، فقد حول مصر الى مزرعة له ولاولاده والبطانة الفاسدة المحيطة به، ومارس كل انواع البطش والقتل والتعذيب في حق مئات الآلاف من ابناء مصر الشرفاء طوال عهده الدموي الفاسد.
لا نعتقد ان البيانات الرسمية التي صدرت عن الحكومات البريطانية والفرنسية والامريكية بتجميد ارصدة الرئيس مبارك واسرته كانت كاذبة، وتهدف الى التشهير به واسرته، ولا يمكن ان تكون العقارات الفخمة المسجلة باسم نجليه في افخم احياء لندن هي من قبيل الادعاءات الباطلة مثلما يقول في شريطه الصوتي المسجل المليء بالافتراءات.
التدقيق في اللغة التي استخدمها الرئيس المخلوع يظهر بوضوح انه لم ينف وجود ثروات ضخمة مسجلة باسم نجليه في الخارج، وان هذا النفي اقتصر عليه وزوجته، وهذا يؤكد التفسير الذي يقول بان العائلة الحاكمة اوكلت الى نجله جمال، باعتباره متخصصا في ادارة الثروات، ادارة ثروة العائلة باسمه واسم شقيقه علاء. ثم لم يقل لنا الرئيس في تسجيله الصوتي من اين له القصر الفخم وملحقاته الذي يقيم فيه حاليا في شرم الشيخ، ثم لماذا صمت شهرين كاملين منذ اطاحته ليخرج الآن وينفي هذه الاتهامات.
لعل ابرز هذه الافتراءات قوله بانه 'آثر' التخلي عن منصبه كرئيس للجمهورية واضعا مصلحة الوطن وابنائه فوق كل اعتبار، فالحقيقة انه تمسك بالسلطة حتى اللحظة الاخيرة، وارسل بلطجيته ورجال امنه لقتل المئات من الثوار المنتفضين ضد نظامه في ميدان التحرير وسط القاهرة وشوارع المدن المصرية الاخرى، وعندما أدرك ان المؤسسة العسكرية المصرية الوطنية لفظته، وتخلت عنه، وانحازت لصالح الشعب فعلا، قرر الرحيل على أمل العودة في 'ثورة' مضادة يخطط لها بعض بقايا رجالاته.
الرئيس مبارك لم يعرف مصلحة الوطن مطلقاً حتى يضعها فوق كل اعتباراته، فقد 'قزّم' مصر ودورها، واضعف مكانتها، واطلق يد حيتان الفساد لنهب ثرواتها، وتجويع ابنائها الفقراء البسطاء المحرومين، وعرّض امنها القــــومي للخطر عنــــدما جعله رهينة للامن القومي الاسرائيلي بل حامياً له.
فها هم رجالاته 'النزيهون طاهرو الايادي والجيوب' يقبعون خلف القضبان ابتداء من حبيب العادلي وزير داخليته الثقة الذي اتسم عهده بالبطش والتعذيب واغتصاب الحرائر، ومروراً باحمد عز ولي نعمته والمزور الاشهر لارادة الجماهير وانتهاء بزكريا عزمي كاتم اسراره، واحمد نظيف رئيس وزرائه الذي ثبت ان لا علاقة له بالنظافة مطلقاً، والقائمة تطول فشتان بين حرصه على مصر وحرص الملك فاروق الذي غادر البلاد دون اراقة نقطة دم واحدة، وقضى ما تبقى من حياته في فندق متواضع جداً في جزيرة كابري الايطالية يتعيش على صدقات الاسرة الحاكمة السعودية.
' ' '
واين نزاهته المزعومة هذه بالمقارنة مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي مات فقيراً معدماً ولم يكن في حسابه غير مئات الجنيهات المصرية، بينما لم يترك لابنائه وبناته قصوراً او شققاً فخمة لا في مصر ولا خارجها.
يعترف الرئيس المخلوع بان جميع امواله وعقاراته وارصدته في بنوك مصرية، كلام جميل، وهل المبالغ الموجودة في هذه البنوك قليلة وهي التي تزيد عن مئة وخمسين مليون دولار فهل هذا المبلغ بسيط، وجرى توفيره من معاشه كرئيس للجمهورية علاوة على حساب آخر بمئتي مليون دولار كحساب لمكتبة الاسكندرية يديره وزوجته ولا يعرف عنه مدير المكتبة شيئاً؟
من طعن في سمعة مصر، وشهر بها وجامعاتها ومستشفياتها وكرامتها، هو الذي سمح لزوجة ابنه بالسفر الى لندن لوضع مولدتها في احد مستشفياتها، ولاكتساب جنسيتها، وكأن مستشفيات مصر الخاصة والعامة، واطباءها المتميزين، لا يستطيعون او غير مؤهلين، لهذه المهمة البسيطة، وكأن حمل جنسيتها التي تجسد سبعة آلاف سنة حضارة تلحق العار بـ'ولي عهد مصر' وابنته اذا ما حملتها.
كنا نعتقد ان ثوار ميدان التحرير قد بالغوا في اعتصاماتهم الاسبوعية، وتسرعوا في الضغط على المجلس العسكري الاعلى لتقديم الرئيس مبارك واسرته الى العدالة للدفاع عن انفسهم امام جرائم القتل والسلب التي ارتكبوها، ولكن بعد عودة الرئيس المخلوع الى النشاط السياسي، ومواصلة اساليب الكذب والتضليل بتنا على قناعة راسخة بان الثورة المصرية المباركة مهددة بالخطف والاجهاض من قبل ثورة مضادة يخطط لها بقايا العهد البائد الفاسد بمساعدة بعض الدول الخارجية، وعلى رأسها اسرائيل، التي كانت من اكبر الخائفين بل المرتعدين من جراء انتصارها المشرف.
ختاماً نقول ان الرد القوي والمنتظر على افتراءات الرئيس مبارك هذه هو تعيين نائب عام جديد، وهيئة قضائية مستقلة مشكلة من شخصيات معروفة بحيادها للنظر في ما قد يكون اكبر عملية نهب وسرقة في العصر الحديث لثروات بلد يعيش اربعون مليوناً من ابنائه تحت خط الفقر اي اقل من دولارين في اليوم.
 
 

ارهاب اسرائيلي في السودان

نشعر بالخزي والعار في كل مرة تقدم فيها اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية على انتهاك حرمة اي عاصمة عربية، وتنفذ عملية اغتيال، او تنسف مواقع حيوية عربية، لانه من المفترض ان هناك اجهزة امنية، تخصص لها ميزانيات بعشرات الملايين من الدولارات، مهمتها التصدي لمثل هذه الاختراقات واحباطها، بل وشن هجمات انتقامية مضادة، وهذا لم يحدث حتى الآن.

ما حدث قبل يومين في السودان، عندما اقدمت طائرات اسرائيلية على اطلاق صواريخها على سيارة اجرة قرب مطار بورسودان، وحرقتها ومن في داخلها، يجسد حال الهوان التي تعيشها الانظمة العربية واجهزتها الامنية، فمن المفترض ان تكون المطارات العربية محصنة، بحكم وضعيتها الحساسة، ولكن يبدو ان لا حصانة لاي هدف عربي امام تغول 'الموساد' الاسرائيلي، واستباحته للامن والكرامة العربيين.
الروايات متضاربة حول ما حدث في بورسودان، إحداها تقول ان العملية هذه كانت تستهدف المجاهد اسماعيل الاشقر احد قادة حركة 'حماس' العسكريين، وخليفة الشهيد محمود المبحوح الذي اغتالته مجموعة تابعة للموساد في امارة دبي قبل عامين تقريبا، ولكن الخطأ جاء بسبب فشل استخباراتي واضح في تحديد هوية السيارة المستهدفة وراكبيها بعناية فائقة، وهو فشل راجع لعدم وجود عملاء على الارض.
السؤال الذي يطرح نفسه هو عن اسباب عدم رصد الرادارات السودانية للطائرة التي نفذت هذه الجريمة وفي مثل هذه المنطقة الحساسة، حيث لا يتوقف هبوط الطائرات وصعودها في المطار المستهدف، وهل من المعقول ان هذه الامة التي تملك عوائد نفطية تزيد عن 500 مليار دولار سنويا، وعقولاً فنية وعسكرية جبارة، غير قادرة على سد هذه الثغرات الامنية؟
طائرات اسرائيلية تغير على دير الزور في شمال شرق سورية وتقصف مفاعلاً نووياً قيد الانشاء وتعود ادراجها دون ان يرصدها او يطاردها احد. وخلايا استخباراتية تنسف حافلة للحرس الثوري الايراني في قلب مدينة دمشق، واخرى تغتال الشهيد عماد مغنية، وثالثة الشهيد محمد سليمان في شرفة منزله في اللاذقية، وفي كل مرة يأتي الرد بحتمية الانتقام في الزمان والمكان الملائمين.
الحكومة السودانية اتهمت اسرائيل رسميا بالوقوف خلف هذا العمل الارهابي، وهددت بالانتقام هذه المرة دفاعا عن كرامتها، وانتهــاك سيادتها، وهو تهديد لم يصدر عندما اغارت الطائرات الاسرائيلية على قافلة شمال الميناء نفسه ادعت انها تحمل اسلحة ايرانية في طريقها الى قطاع غزة عبر صحراء سيناء، الامر الذي قد يعني ان الكيل السوداني قد طفح وان الرئيس عمر البشير المعروف بعناده في الحق قد ينفذ تهديده هذا، او هكذا يأمل العديد من المواطنين السودانيين انفسهم مثلما جاء على ألسنتهم في مقابلات اذاعية.
' ' '
المصيبة ان العالم الغربي 'المتحضر' الذي يرصد مئات المليارات لمحاربة الارهاب، بل ويخوض حربين في هذا المضمار، احداهما في العراق والثانية في افغانستان، لا يحرك ساكنا تجاه هذا الارهاب الرسمي الاسرائيلي ومخاطره على امن العالم واستقراره، بل ان بريطانيا احدى الدول الاكثر نشاطا وحماسا في هذه الحرب، مررت حكومتها قبل ايام في البرلمان مشروع قانون يعفي مجرمي الحرب الاسرائيليين من اي ملاحقة قانونية امام محاكمها.
اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية تستخدم جوازات سفر بريطانية وكندية وفرنسية والمانية في اغتيال الشهيد المبحوح فيأتي الرد هزيلا على شكل طرد مندوب 'الموساد' في السفارة الاسرائيلية، واغلاق الملف كليا بعد ذلك، وكأن الانتهاك الفاضح لسيادة هذه الدولة او تلك، باستخدام جوازات سفرها جنحة او مخالفة مرور.
مثل هذه المواقف المائعة، بل والمتواطئة مع الارهاب الاسرائيلي هي التي شجعت جهاز 'الموساد' على خطف المهندس ضرار ابو سيسي من قطار متجه الى كييف عاصمة اوكرانيا، وشحنه مخدرا الى تل ابيب ليظهر مكبلا بالاغلال امام إحدى محاكمها ومتهما بتطوير صواريخ حركة 'حماس' وهي تهم نفاها جميعا، واصر على انه مجرد مدير لمحطة كهرباء غزة، ولا ينتمي الى اي فصيل فلسطيني، وهي التي تسببت في اقدام الجهاز نفسه على تنفيذ عمليته الارهابية الاخيرة قرب مطار بورسودان، وربما تشجعه للاقدام على علميات سرية اخرى لا يعلم إلا الله مدى خطورتها.
الفلسطينيون نبذوا 'الارهاب'، وأوقفوا جميع عملياتهم الخارجية التي كانت تستهدف مصالح واهدافاً اسرائيلية في عواصم اوروبية، مثلما كان عليه الحال في السبعينات والثمانينات، واستمعوا الى نصائح المسؤولين الغربيين في ضرورة الكف عن العنف، واللجوء الى الحوار فهو الاجدى للوصول الى نيل حقوقهم المشروعة في اقامة دولة فلسطينية.
ثلاثون عاماً مرت منذ تنفيذ مجموعة فلسطينية 'متطرفة' آخر هجوم ضد اهداف اسرائيلية في اوروبا، وثمانية عشر عاماً اكتملت منذ توقيع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقات اوسلو، والنتيجة تضاعف عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية، والقدس المحتلة، وبلوغه نصف مليون مستوطن، وتوقف كامل للمفاوضات وعملية السلام بالتالي.
حركات المقاومة الاسلامية الفلسطينية مثل 'حماس' و'الجهاد الاسلامي' و'لجان المقاومة الشعبية' رفضت الانجرار الى كل الاستفزازات الاسرائيلية، ونقل المعركة الى خارج الاراضي المحتلة، رغم تعرض قياداتها، وخاصة حركة حماس (المبحوح) والجهاد (فتحي الشقاقي) للاغتيال من قبل الموساد في دول اوروبية او حليفة لأوروبا.
ماذا لو خرج فصيل فلسطيني متطرف وقرر الانتقام بتنفيذ عملية هجومية ضد هدف اسرائيلي، سفارة او شخصية زائرة، في لندن او باريس او نيويورك او برلين، وكيف سيكون رد فعل الحكومة المعنية او اجهزة الاعلام؟
اليكم تلخيصاً موجزاً للمشهد: اجتماع طارئ للحكومة المعنية، اعلان حالة الطوارئ في صفوف الاجهزة الامنية، استضافة السفير الاسرائيلي في كل نشرات الاخبار التلفزيونية والاذاعية والبرامج الحوارية المهمة وغير المهمة للحديث عن الارهاب الفلسطيني الذي يستهدف ليس فقط امن اسرائيل وانما اليهود في مختلف انحاء العالم، فالحكومة الاسرائيلية تصر على اعتراف العرب بهويتها اليهودية وانها دولة لكل يهود العالم.
في اليوم التالي سيحتل خبر الهجوم العناوين الرئيسية لكل الصحف اليومية واسعة الانتشار، بافتتاحيات تتحدث عن عودة الارهاب الفلسطيني في اخطر صوره واشكاله، وتحميل الفلسطينيين بالتالي مسؤولية انهيار العملية السلمية لنزوعهم نحو 'الارهاب' ضد الدولة اليهودية المسالمة.
' ' '
الاسرائيليون الذين يمارسون الارهاب في بورسودان، والخطف في اوكرانيا، والاغتيال في دبي، لم يتحملوا وجود موقع على 'فيس بوك' يطالب بانتفاضة سلمية في الاراضي المحتلة ضد الاستيطان الاسرائيلي، ومسؤوليته في عرقلة بل وقتل عملية السلام، وبذلوا جهوداً ضخمة لاغلاقه ونجحوا في ذلك، واليوم تقدم مجموعة من المحامين اليهود على رفع دعوى قضائية ضد القاضي غولدستون الذي تراجع بشكل مخجل عن 'تقريره المشهور' حول جرائم الحرب الاسرائيلية في قطاع غزة، بتهمة الاضرار بسمعة دولة اسرائيل.
ان اعمال الارهاب الاسرائيلية هذه تشكل تهديداً خطراً للامن في معظم انحاء العالم الغربي، وتهديد امن المواطن وامن العواصم، لانها تقدم العذر والحجة والذخيرة للجماعات المتطرفة التي تتبنى العنف والارهاب للاقدام على اعمال انتقامية كرد على هذا الارهاب الرسمي السافر.
العرب تقدموا بمبادرة سلام، وحاربوا الارهاب بشراسة، واعترفت حكومات عديدة باسرائيل وحقها في العيش واقامت علاقات دبلوماسية وتجارية معها، فكوفئ العرب، حكومات وشعوباً، بالاهانات والاذلال ليس فقط برفض مبادرتهم السلمية، وانما بالعمليات الارهابية في قلب مدنهم وسيادتهم الوطنية.
 
 

التطبيع المصري الايراني

من يتابع توجهات العهد الجديد في مصر يكتشف لأول وهلة انها تركز بالدرجة الاولى على مصلحة البلاد الامنية والاستراتيجية، وبما يعيد اليها دورها الذي تقزم في عهد الرئيس المعزول حسني مبارك، على الصعيدين الاقليمي والدولي.

العنوان الابرز هو الاستقلالية المطلقة والابتعاد عن سياسة المحاور، وعدم التصرف بطريقة 'ذيلية' للولايات المتحدة الامريكية، ودول الخليج، والمملكة العربية السعودية على وجه التحديد، وهذا ما يفسر ابتعادها الكامل عن الازمة البحرينية، وسعيها لتطبيع العلاقات مع كل من سورية وايران.
الدكتور نبيل العربي مهندس السياسة الخارجية المصرية الجديدة فاجأ الجميع، والولايات المتحدة ودول الخليج خاصة، عندما استقبل بالأمس السيد مجتبي أماني مدير مكتب رعاية المصالح الايرانية في القاهرة، واعلن في اعقاب اللقاء الذي تم في مقر وزارة الخارجية، ان الاتصالات الجارية حالياً بين القاهرة وطهران هدفها تطبيع العلاقات، لان 'مصر الثورة' تريد اقامة علاقات طبيعية مع كل دول العالم. وقال انه قبل دعوة من وزير الخارجية الايراني لزيارة طهران.
من الواضح ان العهد المصري الجديد يسير على النهج نفسه الذي سارت عليه 'تركيا اردوغان' اي تطبيع العلاقات مع جميع الجيران على اساس 'عداء صفر' معها، وتغليب المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، واللجوء الى سياسة الحوار لتسوية كل النزاعات القديمة.
وجاء الدليل الأبرز على هذه السياسة المصرية الجديدة في عدة تطورات رئيسية يمكن حصرها في النقاط التالية:
أولا: الزيارة السرية التي قام بها اللواء مراد موافي رئيس جهاز المخابرات المصرية الجديد الذي خلف عمر سليمان لسورية، ولقاؤه مع مسؤولين سوريين كبار لبحث ميادين التنسيق الامني والاستراتيجي بين البلدين في ملفات عدة.
ثانيا: السماح لعدد من قيادات حركة 'حماس' في قطاع غزة بالمرور عبر مطار القاهرة الى دمشق للمرة الاولى منذ اشهر وفي كسر واضح للحصار الذي فرضه نظام الرئيس المخلوع الذي كان يشترط توقيع الحركة على ورقة المصالحة الفلسطينية للسماح لهم بمغادرة القطاع المحاصر اسرائيلياً.
ثالثا: الموافقة على مرور سفن حربية ايرانية عبر قناة السويس في طريقها الى ميناء اللاذقية السوري والعودة دون اي مضايقات رغم الاحتجاجات الاسرائيلية والامريكية.
رابعا: تخفيف اللهجة العدائية تجاه حزب الله وحلفائه في لبنان، واستبدالها بتوجهات اكثر ودية، والابتعاد في الوقت نفسه عن تحالف الرابع عشر من آذار بزعامة السيد سعد الحريري رئيس الوزراء السابق.
خامسا: اختيار السيد عصام شرف رئيس الوزراء المصري الجديد السودان كأول دولة يزورها بعد توليه مهام منصبه، مما يؤكد ان حوض نهر النيل يشكل اولوية بالنسبة الى العهد الجديد، ويتقدم على الاولويات السابقة وخاصة امن منطقة الخليج.
***
اللافت ان هذا الانفتاح المصري تجاه ايران يتزامن مع تصعيد خليجي اعلامي وسياسي ضدها، ومن يطالع الحملات الاعلامية السعودية على ايران هذه الايام يعتقد ان الحرب باتت وشيكة، خاصة بعد التصريحات التي ادلى بها السيد احمدي نجاد رئيس ايران التي طالب فيها المملكة العربية السعودية بالاعتذار عن وجودها 'المتغطرس' في البحرين.
صحيح ان ايران ارتكبت خطأ كبيرا عندما تدخلت بصورة سافرة وغير مقبولة في شأن البحرين وهو شأن عربي صرف، ولكن المسؤولين الايرانيين يبررون هذا التدخل بانه جاء مثل نظيره السعودي الذي تمثل بارسال 1500 جندي الى البحرين في اطار قوات درع الجزيرة.
ان اقامة علاقات طبيعية بين القاهرة وطهران لا تعني خروج الاولى مما كان يسمى بمحور 'الاعتدال' العربي المعارض لايران وسورية وحزب الله وحماس فحسب، وانما سيمنح السياسات الايرانية في العالم العربي صك الشرعية الذي كان ينقصها، وسيحدث ثغرة كبيرة في التحشيد والاستقطاب الجاري حاليا في المنطقة، وتقوده دول خليجية على اسس طائفية، اي تقسيم المنطقة الى معسكرين الاول سني والآخر شيعي، وهو الاستقطاب الذي نرى ارهاصاته في لبنان واخيرا في البحرين.
مصر تتغير بسرعة، ولكن دول الخليج في المقابل ترفض ان تتغير، وما زالت تصر على اتباع السياسات القديمة وآلياتها، وهذا خطأ استراتيجي كبير للغاية يكشف عن قصور في الرؤية والقراءة الصحيحة للتحولات المتسارعة في الخريطة الاقليمية، بل والخرائط الدولية.
الولايات المتحدة الامريكية بدأت تعترف بهذه المتغيرات وتتكيف معها، ويتضح ذلك من اعلانها بالامس انهاء عملياتها العسكرية في ليبيا، وتأكيد وزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون على عدم وجود اي نوايا لدى حكومتها للتدخل عسكريا في سورية لمساندة الانتفاضة الديمقراطية فيها على غرار ما فعلت في ليبيا، ومطالبتها، اي السيدة كلينتون، الرئيس اليمني علي عبدالله صالح بتسليم السلطة ومغادرة البلاد. في تخل واضح عن اقرب حلفائها والعمود الفقري في حربها ضد تنظيم 'القاعدة'.
الرئيس الامريكي باراك اوباما لا يريد ان يلعب دور 'الحارس' لدول الخليج او اسرائيل، ويخوض حروبا لتغيير انظمة لا ترضى عنها زعامات هذه الدول بسبب عقدة الخوف المسيطرة عليها، فقد جرب سلفه جورج دبليو بوش لعب هذا الدور وورط بلاده في حربين، الاولى في العراق والثانية في افغانستان، فجاءت النتائج كارثية على مختلف الصعد. الرئيس الامريكي جعل معركته الاساسية في الداخل الامريكي ولتحسين الاقتصاد بالذات، لايمانه محقا انه السلم الوحيد الذي سيوصله الى الفوز بمدة رئاسية ثانية، اما رمال الشرق الاوسط المتحركة فهي الوصفة السحرية المضمونة للخسارة.
نحن بصدد خريطة سياسية واستراتيجية جديدة للشرق الاوسط بسبب التوجهات الوطنية والقومية للسياسة الخارجية المصرية المنبثقة من ميدان التحرير، وثورة الشعب المصري ضد نظام قمعي ديكتاتوري متغول في الفساد. ومن المؤسف ان دولا خليجية حاولت وقف عجلة التاريخ بتحريضها الادارة الامريكية على التدخل بكل الطرق والوسائل لمنع سقوط هذا النظام، وتعهدت بفتح خزائنها لدعم هذا التوجه غير المقدس المعادي لطموحات الشعوب في الديمقراطية والعدالة والشفافية والعيش الكريم.
* * *
الصحوة المصرية التي نلهث لمتابعة افرازاتها الوطنية التي انتظرناها لاكثر من اربعين عاما، ستغير وجه المنطقة، لانها اعادت رسم سلم الاولويات الاستراتيجية، وجعلت عدم الرضوخ للاذلال الاسرائيلي على قمته، بعد ان كانت ايران هي العدو الاول، وبتحريض امريكي ـ اسرائيلي ـ خليجي نقولها وفي فمنا مرارة العلقم.
مثل هذه السياسات الارتجالية التي تبناها النظام المصري المخلوع هي التي قدمت العراق على طبق من ذهب لايران، واجهضت حرب الكرامة العربية في فلسطين، وقسمت العرب الى محاور بين الاعتدال والممانعة، وجعلت من كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية السابقة السيدة التي تأمر فينحني زعماء كبار امامها طاعة واجلالا.
ايران استحوذت منا على العراق، مثلما احتوت حركات المقاومة، والقضية الفلسطينية ومقدساتها، بينما عرب الاعتدال منشغلون في تقديم المبادرات والتنازلات، وها هي 'مصر الجديدة' تنهض من وسط ركام الاذلال، وتحاول استعادة الدور العربي الضائع بطريقة ذكية تنطوي على الكثير من الكرامة وعزة النفس، وعلى اسس ديمقراطية بعيدا عن اساليب التسول والتذلل السابقة وهذا هو الاهم.. فهل تسمع بقايا دول محور الاعتدال وترى هذا التحول؟
 
 

رجال صدام.. ورجال القذافي

اذا أراد الانسان، اي انسان، الحكم على 'نظام ما' فان عليه ان ينظر الى رجاله، أو بالاحرى نوعية البطانة المحيطة به، ومدى جديتها او اخلاصها، او وفائها سواء للبلد او لرأس النظام او الاثنين معا، خاصة في المنعطفات الصعبة، ومن المؤكد ان الحكم سيأتي اقرب الى الصحة، ان لم يكن صحيحا تماما.

نقول هذا الكلام، ونحن نتابع مسلسل انفضاض رجال الزعيم الليبي معمر القذافي عنه، وهروبهم من سفينته التي يعتقدون انها على وشك الغرق، ان لم تكن قد غرقت فعلا، فمعظم المسؤولين الكبار الذين اتيحت لهم فرصة مغادرة قاعدة العزيزية العسكرية في طرابلس، تسللوا الى تونس، واستقلوا اول طائرة ترحل بهم الى ملجأ آمن في اوروبا، تاركين 'الزعيم' الذي طالما مجدوه، وتنعموا بعطاياه، وتغنوا بثورته، يقاتل وحده مع ابنائه، وبعض افراد عشيرته، أملا في البقاء على كرسي الحكم لبضع سنوات اخرى.
نجد انفسنا ونحن نتابع مسلسل الهروب الكبير امام معضلة اخلاقية على درجة كبيرة من الخطورة والاهمية، خاصة عندما نجد شخصا في قامة ومكانة السيد موسى كوسا وزير خارجية العقيد معمر القذافي، والرجل الذي يعتبر من اقرب المقربين اليه، ومحل ثقته المطلقة، يحط الرحال في بريطانيا الدولة التي تقود الحملة العسكرية لاطاحة النظام الليبي، بل وربما اغتيال رئيسه اذا تأتى لها ذلك.
السيد موسى كوسا ليس شخصا عاديا، فقد تزعم اللجان الثورية الليبية وهي في اوجها، وتولى قيادة جهاز المخابرات الليبي الذي كان من ابرز مهامه حماية امن النظام اولا، والبلاد ثانيا، ولذلك فان لجوءه الى بريطانيا، وبعد تنسيق مع جهاز مخابراتها الخارجي، امر لا يمكن ان يصدقه عقل. فالرجل متهم بلعب دور في تفجير طائرة لوكربي، والتورط بطريقة او اخرى في اغتيال الشرطية البريطانية ايفون فليتشر امام السفارة الليبية عام 1984 عندما كان سفيرا لبلاده في العاصمة البريطانية، ويعتقد الكثير من ناشطي المعارضة الليبية انه قد يكون، بحكم رئاسته لجهاز المخابرات، له دور مباشر او غير مباشر في عمليات اغتيال طالت العديد من زملائهم في عواصم اوروبية.
الصحف البريطانية افردت الصفحات طوال الايام القليلة الماضية لـ'تعاون' السيد كوسا مع استجوابات مكثفة في مكان مجهول، من قبل الاجهزة الامنية البريطانية، تردد انه قدم خلالها معلومات خطيرة جدا عن النظام الليبي، واسراره العسكرية، والانشطة التي مارستها اجهزته الامنية داخل البلاد وخارجها فيما يتعلق بمطاردة المعارضين وقتلهم، او تسليح الجيش الجمهوري الايرلندي، وربما بعض الفصائل الفلسطينية والعربية الاخرى.
بكلمات اخرى يمكن القول ان الاجهزة الامنية البريطانية ونظيرتيها الفرنسية والامريكية التي تشارك في الاستجواب او تطلع على تفاصيله، تضع يدها على 'كنز ثمين' من المعلومات والاسرار التي لا تقدر بثمن وفي هذا الوقت بالذات، ليس حول ليبيا وامنها فقط، وانما الامن القومي العربي برمته، بل وامن دول عالمية حليفة للعرب مثل فنزويلا وروسيا وكوبا والهند والصين وتركيا وباكستان وغيرها، تعاون جهاز المخابرات الليبي معها على مدى الاربعين عاما الماضية.
' ' '
لا نعتقد انه اقدم على هذه المقامرة الخطرة لانه رجل يؤمن بالديمقراطية، والحريات، وحقوق الانسان، وكل قيم العدالة، والا لكان انشق عن النظام الليبي منذ زمن بعيد، بل ربما لم يختر العمل معه منذ البداية وعلى رأس جهاز يعتبر الاكثر قمعاً، لانه، اي النظام، كان ديكتاتورياً منذ اليوم الاول الذي تسلم فيه الحكم، بعد انقلاب عسكري، على ملك طيب متواضع زاهد في الدنيا قبل 42 عاما، كما لا نعتقد انه يريد الانضمام الى تحالف الثورة والثوار الليبيين الذين يريدون اطاحة نظام الحكم الذي خدمه بـ'اخلاص' لاكثر من ثلاثين عاما.
الزعيم الليبي معمر القذافي يتحمل المسؤولية الكبرى عما حل وسيحل به، من مآس وطعنات في الظهر من اقرب المقربين اليه، ولا تعاطف او شفقة معه او عليه، فهو يستحق ما هو اكثر من ذلك، لانه اختار ان يتعامل مع 'مهرجين'، وحملة المباخر، وجوقة المنافقين، وفضلهم على الشرفاء الاكفاء، وهذا مفهوم ومتوقع على اي حال، فالرجل لم يبن دولة، ولم يقم مؤسسات حكم، ولا بُنى تحتية او فوقية، وتفنن في انتهاك حقوق الانسان، وتلذذ بمصادرة الحريات، وحصر مقدرات البلاد وثرواتها في يد ابنائه وحفنة من اقاربه او افراد قبيلته.
شاهدنا أنظمة عربية ديكتاتورية تترنح تحت حناجر الثوار الشباب وهتافاتهم المجلجلة، وتسقط سقوطا مدويا في نهاية المطاف بعد اعتراف متأخر بأخطائها وخطاياها، ولكن لم نشهد مسؤولا تونسيا أو مصريا، وهذا ليس مدحا، يتخلى عن زعيم، ويقفز من سفينته، ويتعاون مع اعدائه مثلما نرى المسؤولين الليبيين، فقد بقي الجميع في بلدهم وان حاولوا الهرب فبعد سقوط النظام وليس قبله.
نستذكر هنا الزعيم العراقي الراحل صدام حسين، ولا نجادل مطلقا بأنه كان ديكتاتورا، ولكنه كان صاحب مشروع اختلفنا معه او اتفقنا، وأسس بلدا قويا، وقضى على الأمية، وحقق انجازات علمية وتعليمية متقدمة، ارتكب اخطاء نعم.. ولكنه كان رجلا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، ولعل الكثيرين من الذين يخشون من الخطر الايراني حسب اعتقادهم، يتباكون عليه، فقد حارب ايران لثماني سنوات كاملة، وصمد تحت حصار غربي ظالم، ومناطق حظر جوي، ومؤامرات معارضيه العرب (المقصود الأنظمة) والعراقيين لأكثر من 13 عاما صعبة جدا. ولم ينكسر مطلقا ولم يصرخ ولم نسمع او نقرأ ان وزيرا واحدا قفز من سفينته.
أكثر من خمسين من كبار القادة العسكريين والامنيين والوزراء والسفراء ظلوا الى جانبه حتى اللحظة الاخيرة من حكمه، وواجهوا الجوع لاحقا، وبعضهم قاد ويقود المقاومة للاحتلال، وواجهوا احكاما بالاعدام أو السجن المؤبد خلف القضبان، ولم نشاهد أياً منهم، وهم في قفص الاتهام، في محاكمات صورية مزورة، يتراجع في مواقفه، او يدين زعيمه، بل كانوا شرسين في الدفاع عنه، رغم انهم يعرفون جيدا ان هذه الادانة يمكن ان تنقذ اعناقهم من حبل المشنقة.
الامريكان اوفدوا رسلا الى السيد طارق عزيز نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية العراقي الاسبق ليساوموه على اطلاق سراحه مقابل ان يتعاون معهم، وينشق عن رئيسه، ويدين نظام حكمه، ويفشي اسراره، بل حتى لو شهد ضد النائب جورج غالاوي، ولكنه رفض بإباء وشمم وهو المريض المقعد، الذي يعالج من 'موسوعة' من الامراض ويواجه الموت في أي لحظة، بعد ان اقترب من الثمانين من عمره.
الشيء نفسه يقال عن اللواء هاشم سلطان وزير الدفاع وقائد الجيش العراقي الباسل، فقد قاوم الاغراءات الامريكية وما أكثرها وظل وفيا لزعيمه، رافضا ان يدنس شرفه العسكري، وبطولاته في ميادين القتال مع زملائه من الضباط الآخرين بالتعاون مع المحتلين.
حتى الوزراء المدنيون الذين لم يجد الاحتلال ما يدينهم به، وغادروا العراق الى المنافي، لم ينطقوا بأي كلمة تسيء لرئيسهم، او نظامهم، وكان يمكن، لو فعلوا، أن يجنوا الملايين من الدولارات، ولكنهم فضلوا الانزواء بعيدا عن الاضواء، والاكتفاء بقليل القليل، وبما يبقيهم وأسرهم على قيد الحياة.
قابلت اثنين من هؤلاء، الاول السيد محمد سعيد الصحاف وزير الخارجية والاعلام العراقي الاسبق، والثاني الدكتور ناجي صبري الحديثي، الذي خلفه في المنصب كوزير للخارجية حتى احتلال بغداد، الاول في مدينة أبوظبي حيث يعيش حياة هادئة، والثاني في الدوحة حيث عاد الى التدريس في جامعتها، براتب متواضع جدا، وعلمت انه احيل الى التقاعد هذا العام.
الوزيران لم يتحدثا بكلمة سوء عن نظامهم أو زعيمهم، وكان بامكانهما ان يفعلا، فهناك من يتحرق شوقا لذلك، فالنظام انهار، وزعيمه وقف كالجبل امام حبل المشنقة صارخا بالنصر للامة، والعراق العظيم، وقضية فلسطين، أي انه ليس هناك ما يخافان منه، ولكنه الوفاء، هذه العملة النادرة التي لا نجدها حاليا عند معظم المحيطين بالانظمة العربية، جمهورية كانت أو ملكية، بعد أن ضاقت الفروق بينهما في السنوات الاخيرة.
لا أسف على أنظمة اختارت النفاق والمنافقين، ووعاظ السلاطين بطانة لها، فهي على أي حال، وبسبب ممارساتها القمعية، وتغولها في نهب المال العام، لا تستحق غير هؤلاء، بل لا تستطيع ان تحكم بغيرهم، ولا يمكن ان تنتهي بغير النهاية المذلة والمهينة التي نراها حاليا لهؤلاء الذين سقطوا أو من ينتظر.
 

شكرا للتوريث على نعمة الثورات

التقيت في شقة الشاعر الكبير محمود درويش المتواضعة في العاصمة الاردنية عمان (عام 2003) بمجموعة من السياسيين والمثقفين الفلسطينيين القادمين من الاراضي المحتلة، من بينهم السيد نبيل عمرو وزير الاعلام السابق، واحد اقرب المقربين من الرئيس الراحل ياسر عرفات.

احد الحضور انتقد السيد عمرو لانه تخلى عن الرئيس عرفات حسب رأيه، وانضم الى معسكر منافسه في ذلك الوقت، السيد محمود عباس (ابو مازن) الذي 'نحت' له الامريكان والاوروبيون منصب رئيس الوزراء، في خطوة هدفت لتقليص صلاحيات الزعيم الفلسطيني، وتجريده من سلاحي الامن والمال خاصة، بحيث يتحول الى 'مختار' او 'واجهة' سياسية فقط دون اي صلاحيات فعلية.
السيد عمرو رد على هذا الانتقاد بابتسامة خبيثة، وقال: ان سفينة عرفات تغرق، ومن الغباء السياسي الغرق معها، ولذلك قررت القفز الى السفينة الاخرى، وما الضير في ذلك، انها قمة الواقعية والذكاء السياسي في الوقت نفسه. السيد عمرو تعرض لمحاولة اغتــــيال بعدها عيـــنه الرئيس عباس وزيرا للاعلام 'عرفانا وتقديرا' الى ان اختلف معه اخيرا لاسباب يطول شرحها.
تذكرت هذه الواقعة، وانا ارى المسؤولين الليبيين الاكثر ولاء وقربا للزعيم الليبي معمر القذافي يهربون من سفينته، الواحد تلو الآخر، بحثا عن ملاذ آمن، حتى لو ادى ذلك، مثلما هو حال السيد موسى كوسا وزير الخارجية ورئيس اللجان الشعبية، وجهاز المخابرات سابقا، الى تعرضهم لملاحقة قانونية في بريطانيا بتهم قتل وتعذيب، وبعض المسؤولية عن تنفيذ جريمة تفجير الطائرة المدنية الامريكية فوق مقاطعة لوكربي الاسكتلندية، وكأنه يهرب من الرمضاء الى النار.
اللافت ان ثلاثة وزراء خارجية سابقين هم عبد الرحمن شلقم، وعلي عبد السلام التريكي، وثالثهما موسى كوسا استقالوا من مناصبهم في اقل من شهر، والثلاثة يعتبرون من اعمدة النظام وابرز ركائزه، بل واشد المتحمسين لخدمته، وتبني سياساته وشرحها الى العالم بدأب يحسدون عليه، ترى ما هو السر في ذلك؟
' ' '
الاسباب كثيرة، ولكن هناك عاملا لا يمكن تجاهله او القفز فوقه، وهو تغول ابناء الزعيم، وممارستهم كل انواع الاذلال، والاحتقار، لجميع رجالات ابيهم، والعمل بكل الطرق على ابعادهم من دائرة اتخاذ القرار، ومن يجلس مع هؤلاء المستقيلين قبل انشقاقهم او بعده، يجد ان المرارة من تدخلات سيف الاسلام القذافي على وجه الخصوص في عملهم، ولدرجة إفشال جهودهم هي القاسم المشترك لمعاناتهم.
بينما كنت اتناول طعام الغداء في عاصمة اوروبية مع احد السفراء الليبيين جاءه اي السفير اتصال من قبل احد ابناء الزعيم الليبي، ابلغه فيه انه قادم الى العاصمة بعد اربع ساعات، وعليه تأمين عدة اجنحة في احد الفنادق الفخمة، ورهط من السيارات الفارهة لاستقباله في المطار وجوقته، فما كان منه اي السفير الا مغادرة المطعم مهرولا بسرعة والقلق والتذمر باديان على وجهه لتنفيذ الاوامر، والا فالويل والثبور وعظائم الامور، وقال لي من اين لي ان اتدبر كل ذلك في بضع ساعات وفنادق العاصمة مزدحمة بالنزلاء.
السيد شلقم الذي استقال من منصبه كممثل لبلاده في الامم المتحدة وانضم الى الثوار، قال ان سيف الاسلام تدخل اكثر من مرة لافشال جهود ونجاحات دبلوماسية حققها اثناء مفاوضات تعويضات لوكربي، او نزع اسلحة ليبيا النووية والكيماوية، ليعيد التفاوض بنفسه للحصول على سبق النجاح، وليظهر للعالم الغربي انه صاحب القرار النهائي باعتباره ولي العهد والرئيس القادم لليبيا.
اولياء العهود في الجمهوريات الملكية العربية لعبوا دورا كبيرا في تفجير الثورات العربية الحالية المطالبة بالديمقراطية والحريات، مثلما ساهموا بدور كبير في اطاحة حكم آبائهم بالطريقة المهينة، نتيجة استهتارهم، وغرورهم، وانغماسهم في 'البيزنس' وما يتفرع عنه من فساد وصفقات مشبوهة، والتعاطي مع رهط من السماسرة والانتهازيين وقناصي الفرص.
لم نفاجأ بالاخبار التي تحدثت عن 'شجار' السيد علاء مبارك مع شقيقه جمال، واتهامه له بان ممارساته وطموحاته في الحكم هي التي ادت الى هذه النهاية البائسة لوالده واسرته، فقد تصرف السيد جمال مبارك وكأنه الآمر الناهي، يعين الوزراء ويختار السفراء، ويوزع غنائم الفساد على اصدقائه من رجال الاعمال، وبعض الاعلاميين، الامر الذي سبب حالة من الاحتقان في الشارع المصري، انفجرت ثورة مباركة، عنوانها ميدان التحرير، اطاحت بامبراطورية الفساد هذه، واعادت للشعب المصري، بل والامة العربية، الكرامة والريادة.
' ' '
الرئيس اليمني علي عبدالله صالح ظل محبوبا لاكثر من عشرين عاما في اوساط اليمنيين، فقد حقق الوحدة والاستقرار، وسمح بتعددية سياسية محدودة، (هناك من يؤكد ان فضل الوحدة يعود ايضا للسيد علي سالم البيض وزملائه في اليمن الجنوبي وهذا صحيح ايضا) ومجلس نواب منتخب، ولكن مصائبه بدأت تتضخم عندما بدأ يخطط لتوريث الحكم لنجله احمد، وتوزيع المناصب الامنية والعسكرية الكبرى على ابناء اشقائه واصهاره ومعها صفقات 'البيزنس' والتوكيلات التجارية، الامر الذي جعل الكثيرين ينفضون من حوله، واولهم اخوه غير الشقيق علي محسن الاحمر، وابناء الشيخ عبدالله الاحمر شيخ مشايخ قبيلة حاشد. فالسادة صادق وحميّر وحميد وحسين عبدالله الاحمر الذين ورثوا أباهم في الزعامة، يمكن ان يقبلوا بالرئيس صالح في قمة الحكم 'الى حين'، ولكنهم من المستحيل ان يقبلوا بنجله، ويعتبرون انفسهم احق منه بالرئاسة، وهذا ما يفسر انضمامهم الى الثوار في ميدان التغيير وسط العاصمة صنعاء وشق عصا الطاعة على الرئيس ابن قبيلتهم.
ولا تفوتنا الاشارة الى ان الرئيس الراحل صدام حسين، وقع في الخطأ نفسه، عندما اطلق العنان لنجليه قصي وعدي لارتكاب خطايا عديدة ربما بسبب رعونتهما، او حداثة سنهما، اساءت اليه، وشوهت صورته في اذهان البعض من ابناء شعبه، وذكر لي احد المقربين جدا من المرحوم قصي، وهو يقيم حاليا لاجئا في لندن، ان من اسباب سقوط بغداد في زمن اقصر من المتوقع وبالحد الادنى من المقاومة، تعيين قصي قائدا للقوات المكلفة بالدفاع عنها، الامر الذي جعل العديد من الضباط العسكريين الكبار والمحترفين يفقدون الرغبة في القتال. اذ كيف يخضعون لقيادة شاب صغير غير متمرس عسكريا، وهم الذين خاضوا حربا استمرت ثماني سنوات ضد ايران حفاظا على هوية العراق العربية، وولاءً للرئيس، وانتصروا فيها.
ولا ننسى في هذه العجالة التعريج على الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، فقد 'تقلصت اخطاؤه في بداية حكمه، وظل لسنوات يعيش في الظل تقريبا مع الحد الادنى من الفساد والكثير من القمع طبعا، ولم يعرف عنه بذخه، او ترفه، حتى تزوج من السيدة ليلى بن علي، حيث عاث اشقاؤها، او بعضهم، في الارض فسادا، واكلوا الاخضر واليابس مثل الجراد ونهبوا ثروات البلاد، وباتوا يتطلعون لوراثة الحكم، الامر الذي سرع بثورة الشعب التونسي، واعتقد ان الرئيس بن علي كان صادقا عندما قال في خطابه الاخير ان الرسالة وصلت (رسالة الثوار)، واعترف بانه تعرض للخديعة والتضليل من قبل بطانته الفاسدة، ولكنه اعتراف جاء متأخرا، وفي الوقت والتوقيت الخطأ، ولم يمنع سقوطه وحكمه والنهاية المهينة التي انتهى إليها.
ولعل من ابرز المشاكل التي يواجهها الرئيس الشاب بشار الاسد حاليا، الذي يعتبر الوحيد من بين اولياء العهود، الذي نجح في تولي مقاليد الحكم عبر منظومة التوريث، فساد بطانته، او معظم المقربين منه، وتغول الاجهزة الامنية، تحت ذريعة مواجهة المؤامرات الخارجية التي تستهدف سورية، وهي موجودة فعلا، ولكن المبالغة في القمع، واذلال المواطنين، عوامل ساهمت بشكل كبير في تأجيج الشارع السوري، ودفعه لمحاكاة الثورات الاخرى طلبا للاصلاح السياسي والعدالة الاجتماعية.
انها 'لعنة التوريث' التي اصابت الانظمة العربية الديكتاتورية التي اعتقدت لاكثر من ثلاثة عقود انها محصنة امام التغيير الديمقراطي بسبب ضخامة اجهزتها الامنية، ونفاق الاعلام الحكومي الذي ضلل الحاكم، دون ان يخدع المحكومين، بنفاقه، ورموزه المحترفة في هذا المجال بامتياز شديد. وحسنا فعل المجلس الاعلى للقوات المسلحة المصرية بابعاد جميع رؤساء مجالس ادارة وتحرير الصحف القومية المصرية في خطوة تطهيرية مستحقة.
ومن حسن الحظ ان هذه اللعنة كانت 'المفجر' لاندلاع الثورات التي نراها حاليا، ونأمل ان لا تتوقف بسبب عمليات المقاومة اليائسة والشرسة لبعض الحكام الديكتاتوريين للبقاء في السلطة بأي ثمن حتى لو ادى ذلك الى مقتل الآلاف من ابناء شعبهم وتمزيق الوحدة الترابية والديموغرافية لبلادهم.
سألني احد النواب الاوروبيين على هامش محاضرة القيتها حول الثورات العربية بدعوة من البرلمان الاوروبي، عن الفرق بين الاوروبيين والعرب، قلت له ان الفرق بسيط، ولكنه كبير ايضا، يلخص المشهد العربي الراهن ابلغ تلخيص، فالاوروبي يقدم المصلحة على الكرامة، بينما يقدم المواطن العربي الكرامة على المصلحة، انتم تعتبرون انفسكم 'واقعيين' وتعتبروننا عاطفيين، وتتعاملون معنا على اننا 'اغبياء' او 'حالمون' في افضل الاحوال. وختمت المناقشة بالقول ان ثورة الشعوب العربية هذه ليست بسبب البطالة والجوع للقمة الخبز، وانما بسبب الجوع للكرامة وعزة النفس، وهي من المكونات الاساسية للجينات العربية والاسلامية، ولهذا تظل الامة عصية على كل محاولات التطويع والتدجين… النائب الاوروبي هز رأسه ومشى بعيدا، وكذلك فعلت انا.