تفرقة ‘اعلامية’ بين الثورات

سألت الصحافية البريطانية سو اللويد روبرت التي تعمل في محطة تلفزيون 'بي. بي. سي' مسؤولاً سعودياً كبيراً في السفارة السعودية في لندن عما اذا كانت بلاده ستشهد مظاهرات مثل بقية الدول العربية الاخرى. فأجاب بانه لا يستبعد ذلك ولكنه لا يتوقع ان يكون لها اي تأثير، وعندما استفسرت عن اسباب اطمئنــانه الملحوظ والراسخ، قال لها وابتسامة عريضة على وجهه: السبب بسيط وهو انه لن تجرؤ اي قناة عربية او اجنبية على تغطيتها وبث وقائعها مثلما حدث في مصر وتونس ويحدث حالياً في ليبيا.

تذكرت كلام هذا المسؤول السعودي يوم امس، وانا اقلب معظم المحطات التلفزيونية بحثاً عن تقرير او خبر عن مظاهرات احتجاج دعت اليها جهات سعودية معارضة للنظام، او حتى الاستعدادات الامنية المكثفة للتصدي لها في حال قيامها، ولكن دون جدوى، كل ما عثرت عليه هو اخبار مقتضبة جداً، وغير مصورة، عن مظاهرات وقعت في المنطقة الشرقية حيث تتركز الاقلية الشيعية، واصابة ثلاثة اشخاص بجروح نتيجة اطلاق رجال الامن النار على المتظاهرين.
الصحافية البريطانية المذكورة حصلت على تأشيرة دخول الى المملكة لاجراء سلسلة من التحقيقات عن المرأة السعودية، وبعد انتظار دام اكثر من ستة اشهر، وعندما علمت بانباء مظاهرات الهفوف والقطيف في منطقة الاحساء ذهبت الى هناك وصورت هذه المظاهرات، ولكنها فرحة لم تكتمل، فقد هاجمتها مجموعة من رجال الامن وصادرت جميع الافلام، واقتادتها وزميلها المصور رهن الاعتقال الى مدينة الرياض حيث جرى تسفيرهما على أول طائرة مغادرة الى لندن.
هذه الواقعة تؤكد ان هناك 'تفرقة سياسية' في تغطية الثورات في الوطن العربي تمارسها بعض محطات التلفزة العربية والامر هنا يتوقف على اعتبارات عديدة، بعضها يعود الى عامل النفط، والبعض الآخر 'جغرافي'، وثالث له علاقة بامريكا، ورابع 'طائفي' واحيانا يتداخل اكثر من عامل في هذه المسألة.
بمعنى آخر هناك 'ثورات حميدة' واخرى 'خبيثة' في نظر الفضائيات العربية والاجنبية، الاولى تتطلب الدعم المفتوح على الاصعدة كافة، والثانية يجب ان يتم التعتيم عليها، وتطويق فعالياتها، والامتناع عن تقديم اي دعم اعلامي او سياسي لها بكل الطرق والوسائل.
المتظاهرون في البحرين يشتكون مر الشكوى من اهمال الفضائيات العربية لهم، ويقولون انهم يثورون للاسباب نفسها التي ثارت من اجلها الجماهير المصرية والتونسية والليبية. ويتمسكون بالطابع السلمي والحضاري لاحتجاجاتهم، ويطالبون بالاصلاح السياسي. وليس تغيير الحكم، ومع ذلك يواجهون بالاهمال واللامبالاة، واذا حصل خروج عن هذا الوضع، فعلى استحياء شديد.
' ' '
الاشقاء في اليمن يولولون، ويقولون انه اذا كانت ضخامة اعداد المتظاهرين هي التي تغري الفضائيات لتكثيف تغطياتها للثورات، فان الملايين يتظاهرون في صنعاء وعدن، واذا كانت المسألة تتعلق بسيل الدماء، فدماء اليمنيين المحتجين تسيل يومياً، ولا احد يهتم، ويتساءلون عما اذا كان الدم اليمني رخيصاً الى هذه الدرجة في اعين اشقائهم العرب؟
ولعل اغرب الانتقادات جاءت من سلطنة عمان، حيث شهدت البلاد سلسلة من المظاهرات الشبابية المطالبة بالاصلاح، مرفوقة بالكثير من العتب بل والغضب، من تجاهل الفضائيات، والاعلام العربي عامة لمثل هذه المطالب، ويصرخون قائلين بانه اذا كان النفط هو عامل الاهتمام فنحن لدينا شيء منه، واذا كان الفقر والبطالة عاملاً آخر فلدينا منهما الكثير ايضا.
المسألة محيرة فعلا، فنحن امام اهتمام عربي وعالمي غير مسبوق بما يجري في ليبيا، قمة اوروبية تعقد، ويسبقها اجتماع لوزراء خارجية حلف الناتو، واليوم ستشهد جامعة الدول العربية في القاهرة اجتماعا لوزراء الخارجية العرب للمطالبة، من دول الخليج والاردن خاصة، بدعم اي توجه لاقامة مناطق حظر جوي فوق ليبيا، بل والتدخل العسكري الكامل اذا تطلب الامر ذلك، بينما لم نر مثل هذا التحرك عندما كانت قوات الامن المصرية تقتل المحتجين بدم بارد وهم المدنيون العزل، ونظيرتها التونسية تفعل الشيء نفسه.
في ليبيا فساد وديكتاتورية قمعية شرسة، وحاكم اطلق العنان لابنائه وافراد اسرته لتحويل البلاد الى مزرعة خاصة بهم يتصرفون بثرواتها وملياراتها كيفما يشاؤون، ولكن هناك فساداً وبطالة وديكتاتورية اكبر في المملكة العربية السعودية واليمن والعراق، وهي دول شهدت وستشهد مظاهرات احتجاجية، فلماذا الاهتمام بثوراتها يتراجع الى الحدود الدنيا سياسيا واعلاميا؟
فاذا كانت ليبيا مهمة بالنسبة الى الغرب لانتاجها مليوناً ونصف مليون برميل من النفط يوميا معظمه من النوع الخفيف الجيد القريب من الاسواق الاوروبية، فان اليمن فيه ما هو اهم من النفط بالنسبة الى العالم الغربي، ونقصد بذلك تواجد تنظيم 'القاعدة' على ارضه، بحيث بات اليمن الفرع القيادي للتنظيم.
الامر المؤكد ان عمليات التعتيم على هذه الثورات الشعبية اليتيمة لن تعطي ثمارها في حجب الحقائق، والحيلولة دون تحقيق جل اهدافها.
' ' '
نحمد الله ان الثورة المصرية انتصرت، وان عجلة التغيير الديمقراطي تسير فيها بسرعة متصاعدة، وهذا الانتصار سيصب حتما في مصلحة الثورات العربية الاخرى، سواء التي انفجرت فعلا او التي ما زالت تنتظر، ومصر هي نقطة الارتكاز، وهي القاطرة التي ستقود المنطقة الى بر الامان.
الصحوة العربية التي انطلقت من مدينة بوزيد التونسية ووصلت شرارتها الى دول عديدة، تواجه حاليا بصحوة امريكية مضادة، بهدف حرف هذه الثورات عن اهدافها، ومحاولة تدجينها، وهذا ما يفسر الجولة الحالية للسيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الامريكية في المنطقة التي ستبدأ من تونس مرورا ببنغازي وانتهاءً بالقاهرة.
الادارة الامريكية فوجئت بالثورات العربية، وهذا ما يفسر ارتباكها في بادئ الامر، الآن تريد ان تعوض ما فاتها، وتحاول ركوب موجة هذه الثورات، او ما لم ينتصر منها، وتوظيفها في خدمة السياسات الامريكية الداعمة لاسرائيل والمصرة على استمرار تدفق النفط العربي رخيصا الى الغرب.
صحيح انه لا بواكي على شهداء ثورات 'اليتم الاعلامي' في البحرين وسلطنة عمان واليمن والعراق، ولكن الصحيح ايضا، ان عجلة التغيير انطلقت، وارادة الشباب اقوى من ان تتوقف في منتصف الطريق، حتى تحقيق كل مطالبها العادلة.
 
 

الخيار المر بين الاستبداد والاستعمار

بعد أربعين عاماً من الحكم المطلق، واهدار المليارات من الدولارات لدعم صورته في العالم، وعشرات المقابلات التلفزيونية المطولة، وتوزيع ملايين النسخ من الكتاب الأخضر بكل لغات الارض، يجد الزعيم الليبي معمر القذافي نفسه بدون اصدقاء، حيث تخلى عنه الكثيرون بمن في ذلك أقرب مساعديه الذين قرروا الفرار من سفينته الغارقة.

لم أقرأ مقالاً واحداً في اي صحيفة عربية او اجنبية يذكر صاحبها الزعيم الليبي بكلمة طيبة، او يعدد انجازاته، فمن غير المعقول ان لا يكون له انجاز يتيم واحد، فالغالبية الساحقة تتحدث الآن عن ديكتاتوريته، وقمعه لشعبه، وفساد اسرته وبطانته.
نتمنى ان يقدم لنا الزعيم الليبي، او احد مساعديه اجابة قاطعة توضح اسباب هذا الجحود، ونكران الجميل، من قبل اناس كانوا حتى الامس القريب، يتلقون جوائزه، ويلقون المحاضرات في قاعات دارة الكتاب الاخضر، او اروقة معرض طرابلس للكتاب وغيرها من الفعاليات الثقافية والسياسية الاخرى.
الرئيس الراحل صدام حسين، لم يكن ديمقراطياً على الاطلاق، وسجل نظامه على صعيد حقوق الانسان لم يكن وردياً، وغزت قواته دولة اخرى واحتلتها، وحارب دولة جارة لاكثر من ثماني سنوات، ولكن ظل هناك من يقول كلمة حق في صالحه، وشاهدنا عشرات الملايين من المواطنين العرب يتظاهرون في شوارع مدنهم وعواصمهم تعاطفاً معه في مواجهة المؤامرات الامريكية والاسرائيلية ضده.
العقيد معمر القذافي يواجه ثورة شعبية تريد الاطاحة بنظامه، تتحول تدريجياً الى تمرد عسكري يستعد الغرب لدعمه، بطريقة او بأخرى، فهل يا ترى سيؤدي هذا التدخل الغربي، اذا ما وقع، الى تغيير الصورة في اذهان ابناء شعبه، او قطاعات منه، وفي اذهان المواطنين العرب؟
الامر المؤكد ان الزعيم الليبي يتمنى ذلك، بل يراهن عليه، فتارة يحاول استخدام ورقة التخويف بتنظيم 'القاعدة'، وتارة ثانية بالتلويح بورقة الاستعمار الغربي، وثالثه بورقة الفوضى، وهز استقرار المنطقة اذا سقط نظامه، وهو عدم استقرار ربما يصيب اسرائيل.
' ' '
لا نعتقد ان الزعيم الليبي سيجد تعاطفاً شعبياً عربياً، ولكن ما يمكن ان لا نستبعده هو انخفاض مستوى التعاطف الشعبي العربي مع معارضيه في حال حدوث التدخل العسكري الغربي لصالحهم في الازمة الحالية، لانه عندما يكون خيار المواطن العربي بين الاستبداد او الاستعمار الغربي، فان نسبة كبيرة من العرب لن يفضلوا الثاني لاسباب معقدة لها علاقة بتجارب مؤلمة مع هذا الاستعمار مخضبة بدماء ملايين الضحايا، مليون منهم سقطوا مؤخراً في العراق.
الدول الغربية تستعد للتدخل عسكرياً في الازمة الليبية، وهو تدخل بدأ يتسارع مع خسارة قوات الثورة الليبية بعض المدن والمواقع التي سيطرت عليها، واكتساب القوات الموالية للنظام الليبي بعض الثقة بالنفس، وامتصاص حالة الصدمة التي سيطرت عليها، وادت الى ارتباكها في الايام الاولى من الثورة.
الجنرال راسمونسن قائد حلف الناتو كشف بالامس في مؤتمره الصحافي الذي عقده بعد اجتماع مسؤولي حلفه في بروكسل، ان سفنا حربية عديدة تتوجه حاليا الى مياه البحر المتوسط لمراقبة السواحل الليبية وفرض حصار بحري تحت عنوان فرض حظر على وصول اي اسلحة للنظام. بينما تتواجد في المنطقة حاملة طائرات امريكية وثانية في الطريق.
الجنرال حدد ثلاثة امور قبل البدء في اي عمل عسكري ضد النظام الليبي:
الاول: وجود حاجة كبيرة تحتم مثل هذا العمل، اي هزيمة المعارضة، او ارتكاب قوات النظام مجازر بشرية ضد المدنيين.
الثاني: توفر اساس قانوني واضح اي صدور قرار عن مجلس الامن الدولي يؤيد التدخل العسكري.
الثالث: دعم اقليمي قوي، اي من الدول العربية على وجه الخصوص.
المعارضة الليبية لم تهزم، وما زالت تسيطر على مناطق عدة في ليبيا خاصة في المنطقة الشرقية، اما طائرات الزعيم الليبي فلم تقصف تجمعات مدنية بعد، وما يحدث في ليبيا الآن ليس ثورة سلمية مثلما كان عليه الحال في مصر وتونس، او في البحرين واليمن حاليا، وانما حرب بين قوات نظام قمعي وحركة تمرد تقاتل بأسلحة خفيفة وثقيلة بسبب انضمام وحدات من الجيش اليها.
اما اذا اتينا الى العاملين الثاني والثالث، فانه من الصعب صدور قرار عن مجلس الامن الدولي بفرض مناطق حظر جوي، او الاقدام على ضربات عسكرية منتقاة (Sergecal) ضد اهداف ليبـــية، لان روســــيا والصــــين ستصوتان ضـــده باستخدام الفيــــتو، بينما ستعارضه اربع دول اعضاء غير دائمة في مجلس الامن الدولي هي الهند والبرازيل وجنوب افريقيا ولبنان.
العامل الثالث، اي توفر دعم اقليمي للعمل العسكري هو المرجح، فدول مجلس التعاون الخليجي التي تجتمع في الرياض حاليا ستساند العمل العسكري، وستعمل على استصدار قرار من اجتماع وزراء خارجية الدول العربية الطارئ غدا في القاهرة بدعم مناطق الحظر الجوي هذه.
' ' '
الجامعة العربية مقدمة على انقسام خطير ربما يكون اخطر من نظيره الذي حدث اثناء اجتماع القمة الطارئ لبحث احتلال العراق للكويت. فمن المؤكد ان وزراء خارجية الجزائر وسورية والســودان وربما مصر سيعارضون اي تدخل دولي في الازمة الليبية، وقد نرى يوم الاحد المقبل معسكرين، معسكر دول 'المع' وهي دول الخليج مجتمعة ومعها الاردن، ومعسكر دول 'الضد' وهي الجزائر والسودان وسورية ولبنان وربما العراق ايضا (يا للمصادفة).
نحن وباختصار شديد امام حرب قد تطول، وثورة شعبية تتعرض للخطف والتشويه معا، والاعترافات الغربية المتسارعة بالمجلس الوطني الانتقالي الليبي، والزيارة المقبلة للسيدة هيلاري كلينتون لمدينة بنغازي للقاء المعارضة الليبية واللقاءات في واشنطن واوروبا ثم لقاء قائد المجلس القاضي الفاضل مصطفى عبد الجليل قد تضر بهذه الثورة اكثر مما تنفعها.
لا نختلف مع تقديرات الكثيرين في ان نظام العقيد معمر القذافي قد يسقط في نهاية المطاف مع تآكل ما تبقى من شرعيته وازدياد الخناق عليه، ولكن ما نختلف عليه معهم، هو انه ليس ساذجا، وهو قطعا مختلف عن رأسي النظامين المصري والتونسي في عزمه على القتال وعدم الاستسلام بسهولة.
التدخل الغربي المدعوم من قبـــل بعـــض الدول العــــربــــية، يريد اجــــهاض الربيع الديمقراطي العربي، من حيث استخدام النموذج الحالي كفزاعة لتشويه الثورات المقبلة، ووضع العصي في دواليبها، وتكريس المقولة الزائفة التي تربط هذه الثورات بالغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص.
 

اسمحوا لنا ان نختلف معكم

تتزعم دول الخليج العربي، تحركاً لعقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب يوم السبت المقبل لبحث الاوضاع المتدهورة في ليبيا، واستصدار قرار يؤيد فرض حظر جوي لحماية الشعب الليبي من المجازر التي يرتكبها نظام العقيد معمر القذافي.

الدول الخليجية، الى جانب الاردن، حاولت اثناء الاجتماع الاخير لوزراء الخارجية في مقر الجامعة، وبناء على طلب امريكي اوروبي، اصدار بيان واضح يساند الحظر الجوي المذكور، وبادر بعض وزراء خارجيتها باجراء اتصالات مع ايطاليا والمانيا وبريطانيا ودول اخرى اعضاء في حلف الناتو حول كيفية فرض هذا الحظر، وتقديم الوسائل اللوجستية اللازمة في هذا الصدد.
ثلاث دول عربية عارضت مثل هذا التدخل الاجنبي، الاولى سورية والثانية الجزائر، والثالثة مصر لانها تخشى من نتائج عكسية لمثل هذه الخطوة في حال اتخاذها ليس على ليبيا فقط، وانما على المنطقة العربية بأسرها.
لا نجادل مطلقاً بان النظام السوري ديكتاتوري واكثر قمعاً من النظام الليبي الذي يتزعمه العقيد القذافي، ونتفق مع كل الآراء التي تتحدث عن دموية المؤسسة العسكرية الجزائرية التي تحكم البلاد من خلف ستار اسمه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ونقر ونعترف بان النظامين السوري والجزائري لا يريدان تسجيل سابقة المناطق المحظورة هذه خوفاً من ان تطبق عليهما في حال اندلاع ثورات شعبية فيهما تطالب بالتغيير الديمقراطي المشروع.
اما وقد قلنا كل هذا فان من حقنا ان نسأل دول الخليج الشقيقة عن اسباب هذا الحماس لمناطق الحظر الجوي الذي لم نر مثله عندما اجتاحت القوات الاسرائيلية جنوب لبنان لأكثر من 34 يوماً، قصفت خلالها الطائرات الاسرائيلية الضاحية الجنوبية في بيروت وسوتها بالارض، مثلما قصفت كل قرية ومدينة في الجنوب اللبناني.
لنترك الجنوب اللبناني 'الشيعي' حسب بعض هؤلاء، خاصة الذين تمنوا انتصار القوات الاسرائيلية وبسرعة، ونتحدث عن قطاع غزة 'السني' الذي قصفته الطائرات الاسرائيلية لأكثر من ثلاثة اسابيع وارتكبت اثناءها جرائم حرب وثّقها بالصوت والصورة تقرير القاضي اليهودي الجنوب افريقي غولدستون، فلماذا لم نر اجتماعاً لوزراء الخارجية العرب يطالب امريكا والناتو بتحريك الاساطيل وحاملات الطائرات لوقف الغارات الاسرائيلية وحماية المدنيين العزل من قنابل الفوسفور الابيض.
' ' '
الدول الخليجية عقدت صفقات اسلحة حديثة مع الولايات المتحدة بأكثر من 130 مليار دولار تتضمن انظمة دفاعية جوية وصواريخ من مختلف الابعاد والاحجام، وطائرات من طراز 'اف 16'، فلماذا لا ترسل هذه الطائرات وغيرها الى ليبيا لمساعدة الثوار، ووضع حد لوجود نظام القذافي الديكتاتوري المجرم؟
نفهم ان يخافوا من اسرائيل تحت ذريعة انها تملك طائرات حديثة وصواريخ متقدمة وجيشاً قوياً ورؤوساً نووية، وترسانة كيماوية وبيولوجية وفوق هذا وذاك دعماً امريكياً وغربياً، ولكن العقيد القذافي لا يملك جيشاً وطائراته قديمة متهالكة وكذلك اسلحته، وقد هزمه الجيش التشادي الأسوأ تسليحاً وعتاداً، فلماذا الخوف منه بالطريقة التي نراها.
الثوار في ليبيا يملكون اسلحة، وانضمت اليهم قطاعات من الجيش الليبي مدربة، ومن الواجب فتح ترسانات الاسلحة العربية لدعمهم، وليكن التدخل العسكري عربياً صرفاً، وسيكون هذا التدخل سابقة حميدة، وموضع ترحيب العرب اجمعين، ونحن على رأسهم.
ما نريد قوله، دون لف او دوران، اننا سئمنا من الهرولة الى الولايات المتحدة الامريكية واساطيلها وطائرات 'اواكسها' في كل مرة يواجه العرب 'ازمة ما'، بينما هناك ملايين الاطنان من الاسلحة موجودة في المخازن.
التدخل الامريكي العسكري، سواء كان جزئيا او شاملا، سيجهض هذه الثورة الليبية، وسيضع العديد من علامات الاستفهام حول مصداقيتها ونوايا اصحابها، وهذا ما لا نريده ولا نتمناه. وحتى تظل هذه الثورة ابيض من البياض نفسه، نريد ان يكون دعمها عربيا صرفا، لا شبهة امريكية او استعمارية فيه.
ليسمح لنا الاشقاء في المملكة العربية السعودية بان نوجه اليهم سؤالا واضحا، وهو ما اذا كانوا سيقبلون اقامة مناطق حظر جوي في المنطقة الشرقية (الاحساء) في حال اقدم سكانها من الشيعة على ثورة للمطالبة بالمساواة والعدالة اسوة باشقائهم في البحرين، واشتكوا عبر 'السي.ان.ان' و'البي.بي.سي' وتلفزيون 'الحرة' من حدوث مجازر تستهدفهم من قبل الجيش السعودي وطائراته واستعانوا بحلف الناتو او وارسو لحمايتهم؟
أيدنا الثورة الليبية وما زلنا، مثلما ايدنا الثورات المصرية والتونسية واليمنية، وسنقف الى جانب كل ثورة اخرى تطالب بانهاء الديكتاتوريات القمعية، واقامة الحكم الديمقراطي الرشيد على اساس المساواة والعدالة وحكم القانون، واحترام حقوق الانسان كاملة.
نعيد التأكيد للمرة المليون بان نظام العقيد معمر القذافي نظام قمعي ديكتاتوري فاسد حوّل ليبيا الى دولة متخلفة في الميادين كافة، واطلق ابناءه مثل الذئاب الجائعة لنهب ثروات البلاد، وارتكب مجازر دموية مثل مجزرة سجن ابوسليم التي راح ضحيتها اكثر من الف ومئتي انسان، ولكن مهمة حماية الشعب الليبي من هذا النظام الدموي يجب ان تكون عربية لا امريكية او بريطانية.
' ' '
مناطق الحظر الجوي التي اقامتها امريكا وبريطانيا في شمال العراق تحت ذريعة حماية الشعب العراقي وفرت الحماية فعلا، ولكن لبضعة اشهر، لنكتشف بعدها ان الهدف منها لم يكن حماية الشعب العراقي، وانما اضعاف النظام في بغداد تمهيدا للاطاحة به واحتلال العراق.
فلو كانت امريكا حريصة فعلا على الشعب العراقي مثلما ادعت وتدعي، فلماذا قتلت اكثر من مليون عراقي، ويتمت اكثر من اربعة ملايين طفل، ودمرت البلاد كليا، وفتحتها على مصراعيها امام ميليشيات الفساد، ووفرت الملاذ الآمن لتنظيم 'القاعدة'؟
ندرك جيدا ان كلامنا هذا لن يرضي احدا من الحكام العرب، وقد يغضب كل المتحمسين لفرض مناطق الحظر الجوي، ولكن نجد لزاما علينا ان نقولها، وان نبرئ ضمائرنا من جريمة الصمت على خطر كبير قادم الى امتنا، قد يأتي من نافذة مناطق الحظر الجوي هذه.
علمتنا عقيدتنا، ومبادئ امتنا العربية العظيمة، ان الحياة وقفة عز، وانه لا خير فينا ان لم نقلها، ولا خير فيهم ان لم يسمعوها. خيارنا ان نقف مع امتنا وان نحمي ثوراتها، وثقتنا كبيرة في الشعب الليبي البطل لتحقيق الانتصار على نظام الطاغية، وازالته من الحكم وكل بطانته الفاسدة، دون اي مساعدة خارجية، تماما مثل اشقائه في مصر وتونس.
 

التدخل زاحف الى ليبيا للأسف

لا يخامرني أدنى شك بان الزعيم الليبي معمر القذافي يفرك يديه فرحا، وهو يتابع انباء العملية البريطانية العسكرية المخجلة شرق مدينة بنغازي وانتهت باعتقال تسعة اشخاص بينهم ضابط كبير في المخابرات كانوا في مهمة استطلاعية لاقامة اتصالات مع قيادة المعارضة، ودراسة احتياجاتها من السلاح والتدريب.

فلم يتدخل الامريكان والبريطانيون في طبخة عربية الا وافسدوها. وتاريخنا الحافل مع هؤلاء مليء بالقصص المرعبة في هذا الصدد، ابتداء من محادثات حسين مكماهون، والثورة العربية الكبرى التي تمخضت عنها، وانتهت بوضع الدول العربية تحت الانتدابين البريطاني والفرنسي واعطاء فلسطين لليهود، وانتهاء بالحرب على العراق تحت عنوان تغيير الحكم خدمة للشعب العراقي بمعاونة بعض المحسوبين على العراق.
التلفزيون الليبي الرسمي بث تسجيلا صوتيا لمكالمة هاتفية اجراها السفير البريطاني في ليبيا ريتشارد نورثرن من مقر اقامته في لندن وكان يتحدث اللغة العربية بشكل جيد مع متحدث باسم السيد مصطفى عبدالجليل قائد المجلس الوطني المؤقت الذي يمثل الثوار في المناطق الليبية الواقعة تحت سيطرتهم.
الغالبية الساحقة من الشعوب العربية تعاطفت مع الثورة الليبية المشروعة لانها بدأت سلمية، وضد نظام ديكتاتوري دمر ليبيا، واهدر ثرواتها، وتقلب في تحالفاته ومواقفه بشكل بهلواني، ولكن هناك مؤشرات مقلقة تؤكد ان بعض القوى الغربية وبتحريض من قبل بعض 'الكرزايات' الليبيين والعرب، تريد خطف هذه الثورة، وتفريغها من معانيها السامية، وتحويلها الى 'كونترا' ثانية.
نحمد الله ان السيد مصطفى عبدالجليل رئيس المجلس الوطني الليبي المؤقت امر باعتقال الخلية البريطانية 'الجيمس بوندية'، واطلق سراح افرادها لاحقا مؤكدا رفضه مثل هذا التدخل البريطاني، واصراره على ان الليبيين قادرون على تحقيق الاهداف المرجوة دون الاستعانة بأي تدخل خارجي.
الثورتان الرائدتان في كل من مصر وتونس حظيتا باحترام كبير لانهما كانتا مدنيتين، لم يلجأ الثوار فيهما الى السلاح مطلقا، كما لم يستعينوا بأي قوى خارجية، بما في ذلك اللجوء الى الاشقاء العرب، او حتى طلب اجتماع لجامعة الدول العربية، وهذا ما يفسر نجاحهما في نهاية المطاف، الى جانب اسباب اخرى شرحناها في مقالات سابقة.
ما لا يفهمه الامريكان والانكليز وكل المسؤولين الغربيين المنافقين، ان الليبيين الشرفاء يريدون انهاء نظام طاغية، وليس البحث عن اسياد جدد، وخاصة الدول الاستعمارية الغربية، ومحاولاتهم الدؤوبة للتدخل او اختراق الثورة الليبية ستدمرها، وستعطي نتائج عكسية تماما.
* * *
العقيد معمر القذافي يريد شق هذه الثورة، واحداث انقسامات في صفوفها، بما يؤدي الى اضعافها، متبعا في ذلك اساليب شيطانية مثل اللعب على العنصر القبلي، وتوظيف الاموال لشراء الذمم، ويبدو ان العالم الغربي يقدم له مساعدات قيمة في هذا الصدد، سواء بحسن نية او سوئها، والا ما معنى ان يرسل ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا جواسيس على متن طائرة هليكوبتر مزودين بالخرائط ومعدات التجسس، والاسلحة ودون اي تنسيق او طلب رسمي غير محاولة احراج الثوار الليبيين وتشويه سمعة ثورتهم.
في الميدان الرئيسي لمدينة بنغازي لافتة كبيرة تقول 'لا للتدخل الاجنبي.. الليبيون يستطيعون انجاز المهمة وحدهم'. هذه اللافتة تلخص اجمل قيم الثورات العربية، والليبية منها على وجه الخصوص، فلماذا الانحراف بالثورة الليبية من كونها امتدادا للثورتين التونسية والمصرية، الى صيغة مختلفة تماما، مثل الجهاد الاسلامي في افغانستان، او الحرب على العراق بدعم من القوى الغربية.
بالامس نشرت الصحف الغربية تقارير اخبارية عن طلب تقدمت به الادارة الامريكية الى العاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز بارسال اسلحة الى الثوار الليبيين، وألحوا على إرسال صواريخ وقذائف مضادة للدبابات، ومدافع مورتر، ولكن العاهل السعودي الذي لا يكن اي ود للزعيم الليبي، رفض هذا الطلب لعواقبه الوخيمة اولا، ولان بلاده مقبلة على انتفاضات ومظاهرات احتجاجية صاخبة في الايام المقبلة، اي انه لا يريد ان يقع مرة اخرى في مصيدة افغانية الطابع، او مغامرة دعم كونترا جديدة، ولكن عربية هذه المرة.
الثوار الليبيون ادانوا بشدة استخدام العقيد القذافي مرتزقة افارقة في حربه ضد ابناء شعبه المنتفضين، وحظوا بتعاطف الكثيرين، ترى كيف سيكون حال انصار النظام الديكتاتوري اذا ما استعانوا، اي الثوار، بمرتزقة امريكيين وبريطانيين وفرنسيين؟
نجدد تأكيدنا للمرة المليون بأن النظام الديكتاتوري في ليبيا هو قمة السوء، ولكننا نضع ايدينا على قلوبنا خوفا من مستقبل مرعب لليبيا يؤدي الى تدمير هذا البلد وتمزيق وحدته الوطنية ورهن ثرواته في خدمة المصالح الغربية.
فديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا الذي كان اول زعيم غربي يزور مصر بعد رحيل حسني مبارك مخلوعا، للاحتفال بانتصار الثورة الديمقراطية مع شباب ميدان التحرير، شارك في معرض ابوظبي للسلاح على رأس وفد يضم ثمانية من ممثلي اكبر شركات الاسلحة البريطانية لعقد صفقات ضخمة مع انظمة عربية ديكتاتورية قمعية تطالب شعوبها باسقاطها.
* * *
كيف نثق بأحاديث هؤلاء عن الديمقراطية، ومساعدة الشعوب للوصول الى الحريات واحترام حقوق الانسان، والتخلص من انظمة القمع والقهر. وكيف سنتعامل مع مناطق الحظر الجوي التي سيقيمونها ويفرضونها بقوة السلاح وطائرات الاواكس؟
اصبنا بخيبة امل كبرى عندما سمعنا آلان جوبيه يعلن، وبعد اجتماع مع السيد عمرو موسى امين عام جامعة الدول العربية، ترحيب الجامعة باقامة مناطق حظر جوي في ليبيا، ودون اي تشاور مع الثوار الليبيين او الحصول على موافقتهم المسبقة بالتالي.
لا نعتقد ان السيد موسى الذي تنتهي فترة ولايته أميناً عاماً للجامعة مع نهاية هذا الشهر، ينطق عن هوى، ولا بد ان اطرافا عربية تدفع في اتجاه خطوة فرض الحظر الجوي هذه، وكنا نتمنى لو انه تأنى قليلا، او ذهب في اجازة طويلة لاخذ قسط من الراحة استعدادا لمعركة انتخابات الرئاسة التي يستعد لخوضها.
ونجد لزاما علينا التنبيه الى نقطة في غاية الاهمية، وهي ان الولايات المتحدة لم تعد القوة العظمى الوحيدة في المنطقة، وان هناك قوى عظمى اخرى مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل قد يكون لها رأي مخالف فيما يتعلق بمسألة الحظر الجوي هذه انطلاقا من مصالحها الاقتصادية، ربما يطيل عمر النظام الديكتاتوري الليبي في الحكم.
باختصار شديد لا نريد ليبيا ان تتحول الى ساحة صراع ليس فقط بين نظام ديكتاتوري قمعي وثوار شعبه من اجل الحرية والديمقراطية والعدالة، وانما بين القوى العظمى، بحيث يدفع الليبيون والعرب جميعا ثمنا باهظا في نهاية المطاف من ارواحهم ودمائهم وثرواتهم واستقرار بلادهم.
نحن امام 'لعبة امم' جديدة، وضعتنا فيها هذه الانظمة الديكتاتورية العربية الحليفة للغرب، والخادمة لمصالحه، ويتحمل الزعيم الليبي معمر القذافي وابناؤه وبطانته الفاسدة المسؤولية الاكبر في كل ما سيجري لليبيا وشعبها، لانه لم يقم حكما رشيدا اولا، ورفض التجاوب مع ثورة شعبه السلمية (في بداياتها) بمغادرة الحكم وتسليمه للشعب مثلما كان يقول دائما، وهو قول نكتشف يوميا انه ابشع انواع التضليل والخداع.
 

السعودية وفتوى وعاظ السلاطين

بعد نجاح ثورتي تونس ومصر في تغيير النظامين الحاكمين فيهما، واقتراب ثلاث ثورات اخرى، في كل من ليبيا، واليمن، والبحرين، من تحقيق الهدف نفسه، بدأت الانظار تتجه الى دول عربية اخرى مثل سورية والمملكة العربية السعودية والسودان وحتى الاراضي المحتلة حيث تعاني شعوب هذه البلدان من القمع والفساد وغياب الحريات.

هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية هرعت بالامس لنجدة النظام، واقدمت على خطوة استباقية لا يجب التقليل من خطورتها، تتلخص في اصدار 'فتوى' تحرم الاحتجاجات والمظاهرات التي يخشى المسؤولون من اندلاعها بسبب تصاعد حالة الغليان الشعبي، خاصة في اوساط الشباب.
الفتوى الصادرة عن الهيئة، التي يرأسها الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، وهو مفتي المملكة ايضاً، تؤكد على 'تحريم' المظاهرات وتقول 'ان الاسلوب الشرعي الذي يحقق المصلحة، ولا يكون معه مفسدة، هو المناصحة، وهي التي سنها النبي محمد صلى الله عليه وسلم'.
توقيت هذه الفتوى وصدورها عن الهيئة الدينية الاعلى في المملكة، و'التحريم' الذي نصت عليه، كلها على درجة كبيرة من الأهمية، من حيث اعطاء قوات الامن السعودية الغطاء الديني الشرعي لقمع المظاهرات التي دعا اليها اكثر من عشرين الف ناشط على الشبكة الاجتماعية (فيس بوك) ومن المفترض ان تنطلق يوم الجمعة المقبل في اكثر من مدينة سعودية للمطالبة بالاصلاحات السياسية والاجتماعية.
نتفق مع اعضاء الهيئة في ان 'المناصحة' هي الاسلوب الامثل لتجنب الفتن، وهز الاستقرار في البلاد، لكن شريطة ان يقبلها الحاكم، او 'اولو الامر'، ويعمل بما ورد فيها، وهو ما لم يحدث على الاطلاق في المملكة العربية السعودية على مدى العقود السبعة الماضية ان لم يكن اكثر.
الاصلاحيون في المملكة تعبت اذرعهم من كتابة 'العرائض' الى الحاكم، للمطالبة باجتثاث الفساد، وتحقيق العدالة والمساواة، والتوزيع العادل للثروة، ومشاركة الشعب في تقرير مصيره من خلال مجلس شورى منتخب، ودستور، وفصل كامل للسلطات، وتحديث الدولة ومؤسساتها، واطلاق الحريات. ولكن تجاوب الحاكم مع هذه المناصحة جاء باعتقال المتقدمين بها، والزج بهم في السجون، وعدم الافراج عنهم الا بعد توقيع تعهد بعدم توقيع اي عرائض اصلاحية اخرى لا في المستقبل القريب او البعيد.
' ' '
الفتنة التي يحذر منها العلماء في فتواهم ليســــت في المظاهرات الاحتجاجية للشباب الذي يبحث عن لقمة الخبز مع الكرامة، وانما في احتقار اولي الامر لمطالبه المشروعة في الحريات والعدالة والاصلاح الديمقراطي والاجتماعي، واحتكار السلطة من قبل فئة محدودة جداً يعد افرادها على الاصابع.
الشعوب العربية ضاقت ذرعاً بالكبت والتضليل واستشراس الفساد ومافياته التي تشكل البطانة السيئة للحاكم، مثلما ضاقت ذرعاً بوعاظ السلاطين الذين يصدرون الفتاوى، ويعدلون الدساتير، ويطرزون المقالات وفقاً لمطالب الحاكم وبما يخدم مصلحته وسياساته في قمع الشعب وتكميم افواه طلائعه الشريفة التي ترفع لواء مطالبه العادلة والمشروعة.
لولا الثورات الاحتجاجية، واشعال الشاب محمد البوعزيزي نفسه قهرا وظلما، لما قدم الرئيس التونسي المخلوع كل التنازلات التي قدمها قبل رحيله الى مدينة جدة هاربا وباحثا عن ملاذ آمن. وهي تنازلات جاءت متأخرة، وبعد حدوث الانفجار الشعبي الكبير.
ولولا ثورة الشباب المصري المشرفة في ميدان التحرير لما اقال الرئيس حسني مبارك حكومة احمد نظيف، وطرد جميع قيادات حزبه الحاكم من مناصبهم بمن فيهم ابنه وولي عهده، وتعهد بعدم الترشح في انتخابات الرئاسة التي كانت مقررة في ايلول (سبتمبر) من العام الحالي، واضطر في نهاية المطاف الى الرحيل تطارده اللعنات من كل حدب وصوب، وهو رحيل لم يمنع مقاضاته، وافراد اسرته بتهم الفساد ونهب المال العام.
كثيرون قدموا النصح للزعيم الليبي معمر القذافي، وطالبوه بالاصــــلاح، ووقــــف تغول افراد اسرته في اهانة الشعب الليبـــــي، فجاء رده بتعــــليق هـــؤلاء على المشانق، او احراقهم في السجون والمعتقلات والشيء نفسه فعله كل الطغاة العرب الآخرين.
الشعوب العربية ليست هاوية او محترفة مظاهرات، كما انها تريد الحياة الكريمة، وليس الشهادة حرقا او برصاص ذئاب قوات الامن، وهي تنزل الى الشارع لتواجه الرصاص بصدورها العامرة بالايمان عندما يطفح كيلها ويبح صوتها، وتهان كرامتها، وتواجه مطالبها بالسخرية والتسويف بل والاحتقار ايضا.
الحكام العرب يتعاملون مع الشعوب العربية كما لو انها قطيع من الاغنام، واذا تواضعوا فانها، اي الشعوب، تبدو في نظرهم مثل القصر، الذين هم في حاجة ماسة الى اوصياء او اولياء امور، واذا اعطى الحاكم بعض المال فانه من جيبه الخاص، او مكرمة ملكية، او مكرمة رئاسية، او ثالثة أميرية، حتى ان هذه العدوى التي جاءت الينا من المملكة العربية السعودية خاصة، وصلت الى السلطة الفلسطينية المفلسة المتعيشة على الصدقات، سواء في رام الله او غزة، فهذه مكرمة من الرئيس عباس وهذه مكرمة اخرى من السيد اسماعيل هنية.
' ' '
حق التظاهر مشروع بالنسبة الى الانسان السعودي الذي يعيش بعضه في عشوائيات على هامش العاصمة الرياض وباقي المدن السعودية لا يوجد لها مثيل في اي مكان آخر في العالم، فهل يعقل ان يغرق العشرات في مدينة جدة ثاني اكبر مدن المملكة في السيول وبحيرات المجاري (بحيرة المسك) في بلد يصدر تسعة ملايين برميل من النفط يوميا ويعتبر الاغنى في العالم. وهل يجوز ان ترتفع نسبة البطالة بين الشباب السعودي الى اكثر من عشرين في المئة؟
العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز رجل اصلاحي، ولكنه بعيد كل البعد عما يجري حوله، واتضح ذلك من خلال رصده 37 مليار دولار تمتد لخمس سنوات لمساعدة اصحاب قروض الاسكان، وطالبي الزواج وخلق بعض فرص العمل، وتثبيت زيادة رواتب بنسبة 15 في المئة لمواجهة غلاء المعيشة. فالشعب السعودي يريد ما هو اكثر من ذلك، يريد العدالة والقضاء المستقل، والمشاركة في تقرير مصير بلاده، والمساواة في الوظائف وفرص العمل والتنمية، مثلما يطالب بملكية دستورية، وسلطة تنفيذية (حكومة) تخضع للمساءلة امام برلمان منتخب.
نتمنى الاستقرار للمملكة العربية السعودية، مثلما نتمنى صلابة وحدتها الوطنية والترابية ايضا، ولكننا نعتقد ان هذا لن يتأتى الا من خلال اصلاحات تحقق للشعب جل مطالبه، وهي اصلاحات ما زالت بعيدة لان اساليب 'المناصحة' لم تعطِ ثمارها، والاحتقان الشعبي وصل الى حافة الانفجار، وبات في انتظار عود الثقاب.
 
 

خطير نعم.. مجنون لا

التقيت الزعيم الليبي معمر القذافي مرة واحدة يتيمة في باب العزيزية، القاعدة العسكرية حيث يقيم واسرته في شهر آب/اغسطس عام 1999، اجريت خلالها لقاء صحافياً مطولاً استمر ثلاث ساعات نشرت معظمه في 'القدس العربي' في حينه، ولم التقه بعدها رغم الدعوات المتكررة لاسباب عديدة يطول شرحها.

بعد فترة انتظار محدودة في الصالون التابع لمدير مكتبه الحاج بشير، اصطحبني المدير الى منطقة خضراء خالية من المباني باستثناء مجموعة من اشجار النخيل كانت تحمل بلحاً ورطباً ناضجاً، وكانت هناك ثلاث خيم متشابهة تماماً في لونها وحجمها، مكثت قليلاً في احداها، ثم لمحت العقيد بملابس بيضاء بسيطة يتوجه الى خيمة اخرى. واشير عليّ ان اذهب الى هناك حيث سيكون اللقاء.
في الخيمة مكتب بسيط، كان يضم مجموعة من الكتب ذات الوزن الثقيل مثل 'سقوط الامبراطوريات' لبول كندي، و'نهاية التاريخ' للكاتب الامريكي فرانسيس فوكوياما، والعولمة لا اذكر من هو مؤلفه وكان مترجماً عن اللغة الانكليزية، علاوة على بعض كتب السيرة والحديث وتفسير القرآن الكريم.
نصف اللقاء غير المسجل كان حواراً في السياسة والاوضاع في الشرق الاوسط، وخيبة امله من العرب الذين خذلوه بعدم كسر الحصار الذي كان مفروضاً على بلاده بعد جريمة لوكربي، وتوضيح اسباب ادارة ظهره لهم والاتجاه الى العمق الافريقي، واعترف بانني شاركته خيبة الامل بل والغضب من الموقف العربي الرسمي المخجل، ولكنني لم اتفق معه مطلقاً في التبرؤ من عروبته.
ابدأ بهذه المقدمة لكي اختلف مع الكثير من الآراء التي تتهم العقيد القذافي بالجنون، وهي آراء طفحت بها شاشات التلفزة في الايام الاخيرة على ألسنة اناس لم يعرفوا الرجل، بل اشك بانهم يعرفون ليبيا وجغرافيتها وديموغرافيتها، والخريطة القبلية فيها.
الرجل ليس مجنوناً، اقولها ليس دفاعاً عنه، وانما عن سبعة ملايين مواطن ليبي حكمهم لاكثر من اربعين عاماً، ولعشرات بل ربما مئات الملايين من العرب أحبوه في فترة ما، ورأوا فيه زعيماً ثورياً ناصر ثورات العالم العربي، بل وفي اكثر من بقعة من المعمورة. ولذلك فان القول بانه مجنون هو اهانة للشعب الليبي مثلما هو اهانة لهؤلاء العرب المخدوعين.
'''
الشيء المؤكد انه رجل في قمة الخطورة، ولن يتورع عن فعل اي شيء من اجل البقاء، وعلينا ان نتذكر انه قاوم حصاراً غربياً لعدة سنوات، ونجا من اكثر من محاولة اغتيال، واقدم على حل الجيش الليبي بعد اول محاولة انقلابية ارادت الاطاحة به قادها عمر المحيشي زميله في مجلس قيادة الثورة، الذي اعدمه لاحقاً بعد تسليمه من قبل ملك المغرب الراحل الحسن الثاني في صفقة يندى لها الجبين.
الثورة المندلعة حالياً في اجزاء متفرقة من ليبيا مشروعة، ومطالب ابنائها منطقية، ويجب ان تحظى بالدعم والمساندة من كل طلاب الحرية في منطقتنا، وهي حتماً ستنتصر في نهاية المطاف مثل نظيرتيها في تونس ومصر، وكل الثورات المماثلة، والمتوقعة، في اكثر من بلد عربي في المستقبل القريب.
المشكلة تكمن في قبلية الشعب الليبي، وجلوس العقيد على ثروة هائلة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات ومن العملات المختلفة يوظفها حاليا لشراء الذمم، وتجنيد اكبر عدد ممكن من المرتزقة، مضافا الى ذلك وحدات من الميليشيات المسلحة بشكل جيد تنضوي تحت لواء ما يسمى بالجيش الشعبي.
صحيح ان بقايا النظام الليبي وقائدها باتت اكثر ثقة بعد مرور اسبوعين، لنجاحها في امتصاص الصدمة جزئيا، او بدء التعايش معها، وتراجع حالة الارتباك التي شاهدناها على وجه العقيد وفي خطاباته النزقة والنارية، ولكن الصحيح ايضا ان الثوار المعارضين لحكمه بدأوا يعيدون ترتيب صفوفهم، ويحافظون على مكتسباتهم، ويتصدون بشجاعة لهجمات فلول النظام التي تريد استعادة بعض المدن التي جرى الاستيلاء عليها.
دول الخليج العربي قاتلت اثناء اجتماع وزراء خارجية الدول العربية الاخير في القاهرة من اجل استصدار قرار بالموافقة على التدخل الاجنبي، واقامة مناطق حظر جوي فوق ليبيا تحت عنوان منع العقيد القذافي من استخدام الطيران لضرب الثوار على غرار ما حدث قبيل الغزو الامريكي للعراق.
هذا الموقف الخليجي جاء بايعاز من بريطانيا والولايات المتحدة، لتسهيل موقف البلدين على مجلس الامن الدولي للحصول على قرار ملزم لتطبيق الحظر، وتليين الموقفين الصيني والروسي المعارضين لمثل هذه الخطوة بالمحاججة بالقول بانه اذا كان العرب موافقين على هذا الحظر فلماذا يعارضه الروس والصينيون؟
'''
الثوار في بنغازي رفضوا ما قبل به وزراء خارجية دول الخليج والاردن، وعارضوا اي تدخل خارجي، وكذلك فعل الشيخ سالم جابر إمام صلاة الجمعة في بنغازي امس عندما قال 'لا نريد تدخلا عسكريا، ولا تدخلا اجنبيا، لدينا ما يكفي من الرجال لحسم المعركة'، وتطرق مرارا الى وحدة الشعب الليبي وقال 'اننا قبيلة واحدة في الشمال والجنوب والشرق والغرب ننتمي الى قبيلة واحدة اسمها ليبيا وعاصمتها طرابلس'.
الثوار الليبيون يظهرون درجات عالية من الوعي، وعزيمة صلبة على مواصلة ثورتهم حتى تتحقق جميع مطالبهم في الحرية والعدالة والمساواة وبناء ليبيا جديدة حديثة عصرية، بعيدا عن اللجان الثورية ودجلها، واجتهادات الفاسدين ووعاظ السلاطين.
اي تدخل اجنبي سيجهض هذه الثورة، وسيطيل من عمر النظام، وسيحول الزعيم الليبي الى بطل يقاوم مشروعا استعماريا يريد الاستيلاء على ليبيا ونفطها وخيراتها، مثلما يريد تركيع شعبها.
شباب الثورة الذين يواجهون الموت في اكثر من قرية ومدينة وحارة هم المرجعية الاساسية التي يجب التشاور معها، ومعرفة مطالبها، تماما مثلما فعل المجلس العسكري المصري عندما ذهب الى شباب ميدان التحرير للتشاور معهم حول الشخصية التي يريدونها لتولي رئاسة الوزراء، وكان لهم ما ارادوا.
العقيد معمر القذافي رجل خطير مثلما قلنا، وسيستخدم كل ما في جعبته من اوراق واسلحة واموال لاستعادة عهده الغابر، خاصة بعد اغلاق كل المخارج في وجهه، وصدور قرار من الانتربول باعتقاله وابنائه ومجموعة من الدائرة المحيطة به، وتجميد ارصدته في الخارج، ولكنه في الوقت نفسه سيوظف اي تدخل خارجي لمصلحة نظامه، وهو بارع في ذلك.
الازمة الليبية ستطول حتما، وهذا خبرسيئ، فليبيا ليست مثل تونس ومصر حقا، فليس فيها مجتمع مدني، ولا جيش وطني، ولا طبقة وسطى، ولا رئيس مسؤول يريد حقن دماء شعبه والرحيل بعد ان سئمه الحكم، مثلما سئمه شعبه.
الخبر الجيد الوحيد يتمثل في صمود المعارضة ووطنيتها، واستعدادها المؤكد للتضحية، وفشل كل محاولات شقها، وحفاظها على مكتسباتها، ودعم الغالبية الساحقة من العرب والعالم لها.
 

لا أسف على رحيل ابو الغيط

ما زالت الثورة المصرية قادرة على مفاجأتنا بين الحين والآخر بانجازاتها الكبرى، رغم مرور ما يقرب الشهر على تنحية الرئيس حسني مبارك، ولعل اقالة حكومة اللواء أحمد شفيق آخر رئيس وزراء العهد السابق، وقبل مظاهرتها المليونية المقررة اليوم في ميدان التحرير، هو تتويج لجهودها الراسخة لتطهير مصر من كل ادران ذلك العهد.

فاللواء شفيق يعتبر من 'تلاميذ' الرئيس مبارك النجيبين، واكثرهم اخلاصا له، سواء بحكم الصداقة، او الانتماء الى سلاح الطيران الذي جمعهما، وقد يكون الرجل نظيفا، ويتمتع بكفاءة عالية، تؤهله لمثل هذا الموقع، ولكن اختياره من قبل الرئيس المخلوع لرئاسة الوزارة، وفي الوقت الضائع من حكمه، كان بمثابة الرصاصة القاتلة.
الغلطة الكبرى التي ارتكبها هذا الرجل ليس فقط قبوله تشكيل الحكومة، والشارع المصري يثور ويطالب باسقاط النظام، وانما ايضا بالابقاء على وزراء مكروهين وفاشلين في نظر الغالبية الساحقة من ابناء الشعب المصري، ونحن نتحدث هنا عن وزراء الخارجية والداخلية والعدل.
اللواء شفيق اعترف في لقاء تلفزيوني مع الزميل يسري فودة على قناة 'اون.تي.في' ان الرئيس مبارك هو الذي فرض عليه هذا الثالوث، واصر على بقائهم في مناصبهم في حكومته، وربما يكون ذلك صحيحا، ولكن كان بامكانه ان يبعدهم عن حكومته في التعديل الوزاري الذي اجراه قبل اسبوعين، وبعد سقوط الرئيس مبارك، ورحيله الى منفاه الحالي في منتجع شرم الشيخ، وفي المقر الفخم الذي بناه له حسين سالم سمسار صفقة الغاز المشبوهة مع اسرائيل، والمطلوب للمساءلة من قبل النائب العام المصري.
ابقاء شخص مثل السيد احمد ابو الغيط وزير الخارجية وعميد اكاديمية تكسير العظام، يشكل استفزازا للغالبية الساحقة من ابناء الشعب المصري، واهانة للتاريخ المشرف للدبلوماسية المصرية، ورجالاتها المتميزين مثل حسين فهمي ومحمد ابراهيم كامل ومحمد رياض وعمرو موسى.
ربما يكون هناك من سيأسف على رحيل اللواء شفيق وبعض وزرائه، ولكننا لا نعتقد ان احدا سيأسف على رحيل السيد ابو الغيط خاصة في قطاع غزة الذي توعد اهله بكسر ايديهم وارجلهم اذا ما عبروا حدود مصر الشقيقة هربا من العدوان الاسرائيلي وفوسفوره الابيض، وبحثا عن علبة حليب، او رغيف خبز لسد جوع اطفالهم.
' ' '
لا نعرف ما اذا كان السيد ابو الغيط سينتهي في الزنزانة نفسها التي يقبع فيها حاليا زملاؤه في وزارة الفساد من امثال الحبيب العادلي (الداخلية)، واحمد المغربي (الاسكان) واحمد عز (ملك الحديد وامين التنظيم السابق في الحزب الوطني)، ولكن الرجل ارتكب جرائم في حق مصر لا تقل خطورة عن جرائم هؤلاء.
فالمحاسبة لا يجب ان تقتصر على اتهامات الاختلاس او هدر الاموال، فثمة جرائم اشد واعتى ارتكبها النظام السابق ورجالاته بحق الشعب المصري، ولذلك فانه مطلوب محاكمة ابو الغيط على تعريض امن مصر، بل ووجودها نفسه للخطر بتقصيره الفاضح في ملف نهر النيل، وعدم انتباهه للتسلل الاسرائيلي الى دول المنبع وتحريضها على تقليص حصة بلاده من المياه. مطلوب ايضا محاسبته على انهيار دور مصر الاقليمي، وصمته المريب الذي وصل الى درجة التآمر مع وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني لشن عدوان على قطاع غزة، ناهيك عن محاصرة القطاع لاكثر من اربع سنوات متواصلة.
مطلوب ايضاً محاكمة وزير العدل، الذي اصر الرئيس مبارك على بقائه في الحكومة أيضاً، بالتستر على تزوير الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، والانتقاص من استقلال القضاء المصري وكرامته، وتشويه صورته، بعد ان شاهدنا قضاة شرفاء في عهده السيئ الذكر، يهانون ويضربون بالاحذية ولم يزدهم ذلك الا ايماناً بمهمتهم السامية، وتصلباً في مواقفهم لمواجهة الظلم والقهر والتزوير.
ولا ننسى في هذه العجالة التنويه بموقف المجلس العسكري الانتقالي، وتجاوبه السريع مع مطالب الثوار المشروعة في التغيير، وازالة كل رموز عهد الفساد. وتكليف رئيس وزراء جديد (د.عصام شرف) مشهود له بالكفاءة المهنية ونزوله وطلابه الى ميدان التحرير لدعم الثورة والمطالبة باسقاط النظام السابق.
' ' '
مصر تتغير نحو الافضل حتماً، او هذا ما نلمسه حتى الآن من خلال الخطوات المتلاحقة من قبل المجلس العسكري، وان كنا ما زلنا نأمل بالمزيد. فمن كان يصدق ان يصدر النائب العام المصري امراً بتجميد اموال الرئيس مبارك وافراد اسرته والتحقيق معهم جميعاً بتهمة الكسب غير المشروع. ومن كان يتوقع ان تعارض الحكومة المصرية فرض مناطق حظر جوي فوق ليبيا استجابة لطلب امريكي.
نذهب الى ما هو ابعد من ذلك، ونقول من كان يتصور ان تسمح مصر، زعيمة محور الاعتدال (سابقا) بمرور سفن عسكرية ايرانية كانت في طريقها الى ميناء اللاذقية السوري والعودة الى البحر الاحمر عبر قناة السويس مؤكدة بذلك قرارها السيادي المستقل، وابتعادها بالكامل عن كل مواقف النظام السابق وتحالفاته المشبوهة.
المؤسسة العسكرية المصرية هي الوحيدة التي لم تنهر رغم انهيار كل مؤسسات الدولة السياسية التي ترسخت وفق امزجة وتحالفات ومصالح الرئيس المخلوع واسرته ومافيا رجال الاعمال المحيطة به. وجاء انحيازها للشعب وثورته علامة فارقة ليس في تاريخ مصر وانما المنطقة بأسرها، وهو انحياز للوطنية والعدالة ومحاربة الفساد والظلم.
بقي ان نطالب هذه المؤسسة باكمال ما تبقى من مهام، وابرزها تطهير الاعلام المصري من كل المنافقين من ابواق النظام السابق الذين انخرطوا بحماس مخجل في عمليات تضليل الشعب المصري، والتستر على جرائم الفساد وتغييب الدور المصري وتقزيمه، وتوظيفه في خدمة اجندات غير مصرية بل وغير عربية. ايضاً مطلوب 'تنظيف' السلك الدبلوماسي المصري من اناس ليست لهم علاقة بالدبلوماسية، ولا يشرف مصر العظيمة ان يكونوا سفراء لها في مختلف عواصم العالم.
الوجه المصري الجميل يجب ان يبرز مجدداً بكامل نضارته واناقته، الوجه الذي نهض من رحم ميدان التحرير، البقعة الاكثر طهارة في تاريخ مصر الحديث.
 
 

ليبيا: لا بريمر.. ولا كرزاي

يبدو ان رحيل العقيد معمر القذافي من السلطة في ليبيا سيتأجل لاسابيع وربما لأشهر مع دخول ثورة معارضيه اسبوعها الثالث، فقد تلقت هذه الثورة ضربتين موجعتين يوم امس، الاولى من الولايات المتحدة الامريكية التي اعلنت وزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون ان بلادها ما زالت بعيدة عن اتخاذ قرار بشأن 'اقامة منطقة حظر جوي فوق ليبيا داعية الى التروي والحذر' معربة عن مخاوفها من تحول البلاد الى 'صومال كبير' و'مأوى' لتنظيم 'القاعدة'. اما الضربة الثانية فجاءت من اجتماع وزراء الخارجية العرب الذين نسوا خلافاتهم واصدروا بيانا 'مائعا' ناشدوا فيه القيادة الليبية حقن الدماء والتجاوب مع مطالب شعبها المشروعة في احترام حقوق الانسان.
من الواضح ان العالم الغربي 'خائف' من التدخل عسكريا في ليبيا لما يمكن ان يترتب عليه من تكاليف باهظة على الصعيدين الامني والنفطي، مضافا الى ذلك عدم وجود اي ضمانات بنجاح هذا التدخل في اطاحة النظام اولا، والسيطرة على الاوضاع ثانيا.
العقيد الليبي ديكتاتور دموي، وهذه حقيقة ليست موضع جدل، وقد يصبح اكثر دموية اذا تيقن بان نظامه مهدد، ولكننا نختلف مع الكثيرين، ونجادل بانه ليس مجنونا، ولو كان كذلك لما حكم ليبيا طوال الاربعين عاما الماضية، وحولها الى حقل تجارب لنظرياته.
الخطابات التي ادلى بها طوال الاسبوعين الماضيين، سواء عبر التلفزيون الرسمي، او من الساحة الخضراء في طرابلس، او اثناء لقائه مجموعة من الصحافيين الغربيين، هذه الخطابات لم تكن موجهة الى الشعب الليبي، وانما الى العالم الغربي، والولايات المتحدة بالذات، وتضمنت العديد من الرسائل المكتوبة بعناية فائقة.
كان لافتا ان العقيد القذافي ظل يركز طوال الوقت على اتهام تنظيم 'القاعدة' بالوقوف خلف اعمال الاحتجاج التي سادت ليبيا، وطالبت باسقاط نظامه، وربط بين هذا التنظيم والمنطقة الشرقية، وخاصة مدينتي درنة وبنغازي اللتين تحررتا من سيطرة نظامه، من حيث القول ان الجماعة الليبية المسلحة المتحالفة مع التنظيم انطلقت من المدينتين في الاساس.
اما الورقة الاخرى التي لوح بها العقيد الليبي في خطاباته، فكانت خطر 'الصوملة' وتحويل ليبيا الى دولة فاشلة تنطلق منها الهجرات غير الشرعية نحو الشواطئ الاوروبية القريبة، والايطالية منها على وجه الخصوص التي لا تبعد عن ليبيا الا مسافة ثلاثين دقيقة فقط.
السيدة هيلاري كلينتون فهمت رسائل الزعيم الليبي بشكل جيد، وكذلك فعل روبرت غيتس وزير الدفاع الذي قال ان فرض مناطق حظر جوي فوق ليبيا يحتاج الى هجوم عسكري، وان حكومته تبحث حاليا مختلف الخيارات الاخرى، بما في ذلك العقوبات الاقتصادية وحظر بيع الاسلحة.
' ' '
مخاوف الادارة الامريكية من التدخل العسكري مفهومة، فلا يوجد اي تأييد عربي، رسمي او شعبي، لمثل هذا التدخل، بما في ذلك معظم قيادات ورموز الثورة الليبية، فلا أحد يريد 'جنرال بريمر' آخر في ليبيا، وتكرار التجربتين الامريكيتين الكارثيتين في العراق وافغانستان.
حتى هذه اللحظة لم يبرز 'كرزاي ليبي' تدعمه الولايات المتحدة، ويتولى قيادة دفة البلاد، لان ثورة الليبيين ليست ثورة انطلقت بتخطيط امريكي في الغرفة السوداء التي تحدث عنها الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، وانما من رحم المعاناة والظلم، ولوضع حد للفساد، والقهر، ومصادرة الحريات، ومن اجل بناء ليبيا عصرية حديثة.
الانظمة العربية تتآمر على الثورة الليبية ايضا، وهي تعارض التدخل العسكري الخارجي، من هذا المنطلق، وليس من منطلقات وطنية، فنحن لا ننسى ان هذه الانظمة ايدت بقوة التدخل الامريكي في العراق وافغانستان وما زالت، ولم يكن من قبيل الصدفة ان يرد الزعيم الليبي التحية بما هو اكثر منها، عندما غازل، في خطابه يوم امس، المملكة العربية السعودية، واعتبر زيادة انتاجها النفطي لتعويض النقص الناجم عن انخفاض الصادرات الليبية انه 'امر طبيعي'، ولم يتفوه بكلمة واحدة ذات طابع انتقادي، وهو الذي لا يكن اي ود للعاهل السعودي وبلاده.
توقف الثورة الليبية قد يعني انحسار، او تعطيل، عملية التغيير الديمقراطي في الوطن العربي التي انطلقت من مدينة بوزيد التونسية ووصلت الى البحرين واليمن وسلطنة عمان والعراق مرورا بمصر، وهذا ما يفسر حرص الانظمة العربية على دعم الزعيم الليبي سياسيا واعلاميا بطريقة غير مباشرة، تماما مثلما حاولوا دعم الرئيس حسني مبارك، ودخلوا او بعضهم، في مواجهة مع ادارة اوباما بسبب تقاعسها في هذا المضمار.
وليس من قبيل الصدفة ان تعلن دول مجلس التعاون الخليجي الثرية التي تجلس على صناديق سيادية استثمارية تزيد موجوداتها على اكثر من ترليوني دولار، عن مشروع 'مارشال' لدعم مملكة البحرين وسلطنة عمان، يتضمن رصد عشرات المليارات من الدولارات لدعم خطط تنمية تخلق وظائف، وتحرك الدورة الاقتصادية فيهما.
لولا هذه الثورات الشبابية المباركة لما تحركت الدول الخليجية الغنية لنجدة هاتين الدولتين الفقيرتين، ولكن ما يريده شعباهما، والشعوب الخليجية الاخرى، ليس 'مكرمة' مالية، وانما كرامة وطنية. ما تريده هذه الشعوب هو الديمقراطية وحقوق الانسان والقضاء المستقل، والشفافية والمحاسبة، والرقابة التشريعية من خلال برلمانات منتخبة وصحافة حرة.
' ' '

ما يجري في ليبيا حاليا هو نقطة تحول فاصلة للمد الديمقراطي، وللصحوة العربية، مثلما هو عامل حاسم لانهاء مرحلة الهيمنة الامريكية التي امتدت على مدى الستين عاما الماضية على الاقل.
تنظيم 'القاعدة' انتشر في المنطقة واصبح قوة كبرى تبث الذعر في اوساط الحكومات العربية لسببين رئيسيين الاول: الاذلال الامريكي الغربي للعرب والمسلمين من خلال شن حروب عليهم، والحصول على نفطهم رخيصا. والثاني: دعم الغرب لانظمة ديكتاتورية عربية فاسدة باتت مهمتها الحقيقية حراسة اسرائيل وحدودها، وتثبيت وجودها في المنطقة وبما يتعارض كليا مع مطالب الشعوب العربية ومشاعرها.
الديمقراطية ومحاربة الفساد ووضع حد للتغول الاسرائيلي واحتلالاته المهينة كلها تشكل الوصفة السحرية لمنع انتشار تنظيم 'القاعدة' وتوسعه، وتقليص اخطاره. وهذا ما تفعله الصحوة العربية الحالية التي نرى ثمارها في مصر وتونس حتى الآن.
الزعيم الليبي يدرك هذه الحقيقة جيدا اكثر من غيره، وهذا ما يفسر تلويحه، بل تهديده بتنظيم 'القاعدة'، فهذا التنظيم غير موجود في ليبيا، ولن نستغرب اذا ما وجه دعوة رسمية اليه، وتحالف معه، في اطار خططه لصوملة ليبيا وتحويلها الى دولة فاشلة، اذا ما ضاق الخناق عليه. فنحن امام شخص خطير لن يتورع عن فعل اي شيء من اجل بقائه ونظامه، ومن استمع الى خطابه الاول من مقر قيادته في قاعدة العزيزية (خطاب الزنقات والقمل) يدرك هذه الحقيقة.

حذار من ‘جلبي ليبي’

يبدو ان الكابوس الذي تعيشه ليبيا حالياً سيطول أمده أكثر بكثير مما توقع الكثيرون، بمن في ذلك الثوار الذين انتفضوا ضـــــد النظام، أملاً في تحقيق التغيير الديمقراطي المأمول بأقل الخسائر، وبأسرع وقت ممكن، فمن الواضح ان العقيد معمر القذافي، وانصاره مصرون على البقاء في السلطة، وبدأوا يستعيدون بعض الثقة بأنفسهم، ويهددون بحرب أهلية دموية معتمدين على ترسانتهم المزدحمة بالاسلحة من كل الاشكال والألوان والأنواع وما تيسر من المرتزقة.

من اطلع على النص الحرفي للقاء الذي اجراه العقيد القذافي مع مجموعة من الصحافيين الاجانب في أحد مطاعم مدينة طرابلس قبل يومين، يجد ان الرجل بدا اكثر هدوءاً، يختار كلماته بعناية، ويتجنب لغة الوعيد والتهديد والكلمات غير اللائقة التي استخدمها في خطابه الانفعالي السابق، ولكنه استخدم الاستراتيجية نفسها التي اتبعها ابنه سيف الاسلام، وهي مغازلة الغرب، واستخدام ورقة 'القاعدة' لتخويفه من اخطارها، وكأنه يقول للرئيس باراك اوباما اننا في خندق واحد ضد العدو نفسه.
من المستبعد ان يستجيب الغرب لهذا الغزل، فقد استخدم مع العقيد الليبي السيناريو نفسه الذي استخدمه مع الرئيس العراقي صدام حسين، مع بعض التعديلات الضرورية نتيجة لاختلاف الظروف، واختلاف الشخصية، والدوافع ايضاً.
أغرب ما قاله العقيد القذافي للصحافيين الاجانب هو شكواه من تخلي الغرب عنه، وعدم تقديم اي نجدة له في مواجهة الثوار، ونسي انه عضو جديد في نادي حلفاء امريكا، بل عضو طارئ جرى قبوله على مضض، ولفترة اختبار قصيرة، فاذا كان التحالف الغربي قد تخلى مكرهاً عن حليف مطيع مثل الرئيس المصري حسني مبارك فهل سيهرع لدعم العقيد القذافي؟
الامريكان والبريطانيون استدرجوا العقيد الليبي الى مصيدتهم المنصوبة بعناية، وعبر نافذة نجله سيف الاسلام، وبعض المسؤولين الآخرين الذين اعتقدوا ان هذا الحلف الغربي ممكن ان يغفر للقذافي جميع ذنوبه اذا تجاوب مع مطالبهم.
استخدموا في البداية طعم 'التطبيع' واعادة تأهيل النظام الليبي تمهيداً لعودته الى المجتمع الدولي مقابل تخليه عن اسلحة الدمار الشامل التي في حوزته وتم لهم ذلك في عام 2003، لكي يقولوا ان حربهم في العراق بدأت تعطي ثمارها.
بعد تجريده من اسلحة الدمار الشامل اغروه بوضع ارصدته في بنوك الولايات المتحدة، وفتح الاراضي الليبية مجدداً امام شركات النفط البريطانية والامريكية بصورة اقوى مما كانت عليه الحال في السابق.
' ' '
الآن تحشد الولايات المتحدة الامريكية اساطيلها في البحر المتوسط استعداداً للتدخل العسكري، بينما يستعد وزراء حلف الناتو لعقد اجتماع في بروكسل الاسبوع المقبل لبحث كيفية التعاطي مع الملف الليبي سواء من خلال تشديد الحصار او اقامة مناطق حظر جوي تحت عنوان حماية الثورة والثوار.
العقيد القذافي ارتكب اخطاء عديدة في مسيرة حكمه التي استمرت اكثر من اربعين عاماً، من بينها تأييده لحاكمين يترنحان بفعل الثورات الشعبية في بلادهما، الاول الرئيس التونسي زين العابدين بن علي والثاني محمد حسني مبارك. لكن الخطيئة الكبرى بل 'ام الكبائر' التي ارتكبها تتلخص في كونه قدم كل التنازلات التي طلبها منه الغرب دون ان يقدم تنازلاً واحداً لمطالب شعبه في الحرية والديمقراطية والحياة الكريمة.
ولعل من الامور الصادمة في احاديث العقيد القذافي الاخيرة تكراره العبارة التي تقول ان شعبه يحبه ومستعد للموت من اجله. السؤال هو لماذا يحبه الشعب الليبي ولماذا هو مستعد للموت من اجله؟ ماذا قدم له على الارض حتى يفعل ذلك.. هل قدم له الديمقراطية وحقوق الانسان والشفافية، والقضاء العادل المستقل ومحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين؟
الزعيم الليبي جاء الى ليبيا من قلب الصحراء، وتركها صحراء جرداء من كل معاني الحضارة الحديثة، فجيرانه في مصر وتونس اقاموا مجتمعا مدنيا على الاقل، واوجدوا المناخ لقيام طبقة وسطى، بينما هو ادخل الى ليبيا ثقافة الخيمة، واعادها الى عصور الظلام.
نحن لسنا ضد الخيمة، وثقافة البادية، لاننا جئنا من صلبها، وكاتب هذه السطور ولد في خيمة، وتربى على حليب الماعز، ولكن هذا لا يعني ان نقبل بالتخلف عن العصر وادواته وعناصر نهضته، وبناء نهضة تعليمية، وتطبيق العلوم الادارية المتطورة، واقامة دولة حديثة عمادها المؤسسات المنتخبة.
كنت اتمنى شخصياً ان يسأل جيرمي بوين مراسل البي بي سي، الزعيم الليبي سؤالا محددا وهو: هل انت يا معمر القذافي مستعد للموت من اجل شعبك الذي تقول انه، اي الشعب الليبي، يحبك، ومستعد للموت من اجلك؟
من المؤسف ان مندوب المحطة البريطانية وزملاءه الآخرين لم يطرحوا عليه هذا السؤال.
الغرب يستعد الآن للاقدام على حماقة كبرى في ليبيا، ونقصد هنا التدخل العسكري ضد النظام الليبي تحت ذريعة حماية شعبه، الامر الذي سيقدم خدمة كبيرة للعقيد القذافي يتمناها ويصلي من اجلها، لان مثل هذا التدخل سيجند نسبة كبيرة من الليبيين والشعب العربي ضد هذا التدخل، الذي سيذكرنا جميعا بفضيحة التدخل العسكري في العراق ونتائجها الكارثية، واقلها استشهاد مليون عراقي.
نقرأ في الصحف الغربية هذه الايام تقارير مطولة عن امتلاك الزعيم الليبي عدة اطنان من غاز الخردل السام (سلاح كيماوي) يمكن ان يستخدمها لابادة الثوار، الامر الذي يعيد الى اذهاننا تقارير مشابهة، وفي الصحف نفسها عن اكذوبة اسلحة الدمار الشامل العراقية.
* * *
الشعب الليبي يرفض التدخل العسكري الاجنبي، تماما مثلما فعل الشعبان المصري والتونسي اللذان خلعا رئيسيهما، ووجود الاساطيل الامريكية في مياه البحر المتوسط قبالة السواحل الليبية هو دليل شؤم ومصدر خطر على الثورة الليبية الحالية، واي ثورات عربية مستقبلية لاطاحة انظمة ديكتاتورية قمعية فاسدة.
الغرب، ونقولها للمرة المليون، لا يريد ديمقراطية او حياة كريمة للعرب، وانما يريد نفطهم واموالهم، ويسعى دائما لاضعافهم عسكريا حتى تظل اسرائيل قوية متجبرة وقوة احتلال عنصري. الغرب يريد من الانظمة العربية ان تكون حارسة لمصالحه ومطيعة في خدمته، وحريصة على حماية اسرائيل.
نقطة اخرى لا بد من الاشارة اليها في هذه العجالة، وهي ان الغرب يريد ما هو اهم من النفط الليبي، اي اغلاق الحدود الليبية على البحر المتوسط التي تمتد لحوالي 1800 كيلومتر في وجه الهجرة غير الشرعية القادمة من افريقيا، ولذلك لا بد من التبصر جيدا في هذه المخططات وان لا ننخدع بالكلام الغربي المعسول عن دعم الثورة الليبية الذي يرد على ألسنة الكثير من المسؤولين الاوروبيين والامريكان.
باختصار شديد نحذر ابناء الشعب الليبي، وطلائعه المنتفضة على وجه الخصوص، من 'جلبي' ليبي، ونتمنى عليهم اتباع النموذجين التونسي والمصري، والتحلي بأعلى درجات الصبر.
 
 

ثورة ليبيا والنفاق الغربي

استقالة السيد محمد الغنوشي رئيس وزراء تونس تجاوبا مع مطالب الثوار التونسيين في مظاهراتهم الاحتجاجية التي طالبت وما زالت، بازالة كل رجالات النظام السابق من السلطة تؤكد ان مفهوم 'التغيير المتحكم به' الذي طرحه توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الاسبق، والصديق الحميم لاسرائيل قد سقط في تونس على الاقل، وفي طريقه للسقوط في مصر. والمأمول ان نرى حكومة احمد شفيق التي اقسمت يمين الولاء امام الرئيس المخلوع حسني مبارك تواجه المصير نفسه.

الغرب بقيادة الولايات المتحدة الامريكية يريد تغييرا سطحيا، يغير وجوها ولا يغير انظمة وسياسات، لتحقيق هدفين اساسيين: الاول الحصول على نفط رخيص دون اي انقطاع، والثاني بقاء اسرائيل دولة نووية عظمى.
فاللافت ان العواصم الغربية لم تبد اي تعاطف حقيقي مع ثورة الشعب الليبي الا بعد حدوث انخفاض في صادرات النفط الى ما يقرب النصف (ليبيا تنتج 1.6 مليون برميل يوميا) وارتفاع اسعاره فوق المئة وعشرة دولارات للبرميل. واللافت ايضا ان السيدة هيلاري كلينتون لم تبد التعاطف المتوقع مع انتفاضة الشعب البحريني، ولم تنطق بكلمة واحدة تجاه انتفاضة الشعب العراقي المتواصلة سواء في بغداد والانبار والموصل ومناطق عراقية اخرى، او في السليمانية ضد فساد حكومة السيد جلال الطالباني وحزبه.
عدم تعاطف السيدة كلينتون مع انتفاضتي العراق والبحرين يعود الى العامل النفطي بالدرجة الاولى، فالعالم الغربي لا يمكن، بل لا يستطيع، ان يتحمل انقطاعا في امدادات النفط العراقي، وبدرجة اقل، النفط البحريني، بالتزامن مع الغموض الذي يلف النفط الليبي حاليا، لان هذا قد يرفع اسعار النفط الى اكثر من مئتين او ثلاثمئة دولار للبرميل الواحد، الامر الذي سينسف كل المحاولات الدؤوبة التي تبذل حاليا، وتنفق فيها تريليونات الدولارات، لاخراج الاقتصاد الغربي من حال الركود الذي يعيشه حاليا.
ولعل من المفيد الاشارة الى انه في الوقت الذي ابدت فيه الادارة الامريكية تعاطفا كاذبا مع ثورات الشعوب العربية في تونس وليبيا ومصر، استخدمت حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار تقدمت به المجموعة العربية في مجلس الامن الدولي بطلب من السلطة الفلسطينية يدين الاستيطان الاسرائيلي في الاراضي المحتلة، وهو استيطان غير مشروع ووصفته السيدة سوزان رايس سفيرة امريكا في الامم المتحدة بانه يعرقل عملية السلام في المنطقة.
' ' '
وفي الاطار نفسه يمكن الاشارة الى البرود الامريكي الغربي الملحوظ تجاه انتفاضة الشعب اليمني، ومن المؤكد ان العامل النفطي ليس سبب هذا 'البرود'، وانما تنظيم 'القاعدة' حيث تعول الادارة الامريكية كثيرا على النظام اليمني للتصدي لهذا التنظيم والتعاون مع الحرب التي يشنها الغرب بقيادة الولايات المتحدة لاجتثاثه تحت عنوان 'الحرب على الارهاب'.
العالم الغربي كان يعلم جيدا ان النظام الليبي نظام غارق في الفساد، ويملك سجلا سيئا على صعيد انتهاك حقوق الانسان، واضطهاد الشعب الليبي ومصادرة جميع حرياته وحقوقه الاساسية في العيش الكريم، ولكنه لم يتردد مطلقا في فرش السجاد الاحمر للعقيد معمر القذافي، والاحتفاء به ضيفا عزيزا مكرما في قمة دول الثماني الصناعية الكبرى التي انعقدت في مدينة اكويلا الايطالية قبل عامين فقط، جنبا الى جنب مع قادة امريكا وبريطانيا وايطاليا وفرنسا واليابان والمانيا والصين وروسيا، واصبح صديقا حميما لبلير، وزارته كوندوليزا رايس في خيمته بطرابلس، وفعل الشيء نفسه سيلفيو برلوسكوني الايطالي، ونيكولا ساركوزي الفرنسي والقائمة تطول.
كلمة السر التي حولت العقيد الليبي من ارهابي مجرم الى صديق حميم في اقل من عامين هي النفط، وارصدة ليبيا التي تزيد عن مئتي مليار دولار، وصفقات البيزنس، والكعكة التجارية الضخمة التي تتمثل في اعادة بناء دولة لا توجد فيها بنى تحتية ولا فوقية، حولها زعيمها الى حقل تجارب لنظرياته الفاشلة المدمرة.
مجرد ان تخلى العقيد القذافي عن برامجه النووية، وترسانته من الاسلحة البيولوجية والكيميائية، وفتح حوارات مع الاسرائيليين من خلال قنوات سرية وعلنية، وفضح انشطة العالم النووي الباكستاني المسلم عبد القدير خان ومساعداته التقنية والعلمية لدول مسلمة في مجال الذرة، بتنا نرى خيمته تنصب في جميع العواصم الغربية مع كل الديكورات الاخرى المصاحبة لها مثل النوق (القذافي كان يحب حليب النوق طازجا) والحارسات الثوريات الجميلات، والدروس لشرح الشريعة والاسلام للاوروبيات الفاتنات.
الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات تحتل مكانا مهما في اجندات الزعماء الغربيين، ولكنها تتقدم وتتراجع حسب المصالح التجارية، واسعار النفط، فقد كان مفاجئا ان نرى ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا يزور معرض ايدكس للسلاح في ابو ظبي على رأس وفد من ممثلي صناعة الاسلحة البريطانية للترويج لهذه الصناعة، وعقد صفقات مع حكومات عربية ديكتاتورية فاسدة بمليارات الدولارات.
' ' '
ما يثير الغيظ، غيظي انا على الاقل، ان المستر كاميرون كان يبدي دعمه للديمقراطية والثورات الشعبية المطالبة بها، وهو يتفاوض مع زعماء الانظمة التي من المفترض ان تطيح بها هذه الثورات لتعزيز قدراتها العسكرية والقمعية.
الثورات الشعبية المباركة التي نرى نماذجها المشرفة في ليبيا وتونس ومصر والعراق واليمن والبحرين لا تستهدف ازالة انظمة ديكتاتورية فاسدة فحسب، وانما اعادة جذرية لصياغة العلاقات مع الغرب، وانهاء سياسات الهيمنة والتبعية التي استمرت طوال الثلاثين عاما الماضية على الاقل.
ومن المفارقة ان النظام الليبي الذي غير موقفه اكثر من مئة وثمانين درجة تجاه الغرب، وتحول الى خادم مطيع لسياساته، وصديق حميم لتوني بلير الذي دمر بلدين مسلمين هما العراق وافغانستان بتحالفه مع المحافظين الجدد، هذا النظام يحذر حاليا من التدخل الغربي الاستعماري، واقامة مناطق حظر جوي يشرف عليها حلف الناتو وطائراته.
فهذا التدخل ان حصل فنتيجة للمجازر التي ارتكبها القذافي في حق الليبيين العزل منذ اندلاع الثورة، والاستعانة بالمرتزقة ضد ابناء جلدته، ورفض تطبيق اي اصلاحات سياسية او اقتصادية، وتحويل البلاد الى مزرعة لبطانته الفاسدة.
القلق الغربي سيبلغ ذروته اذا وصلت الانتفاضة الشعبية الى المملكة العربية السعودية، حيث اربعون في المئة من احتياطات النفط العالمية، وجرى انخفاض في الصادرات (السعودية تصدر تسعة ملايين برميل يوميا) هنا ربما نشاهد قناع الديمقراطية الكاذب يسقط عن وجوه زعماء الغرب بشكل مدوٍ.
العاهل السعودي رصد ثلاثين مليار دولار في محاولة استباقية لمنع وصول شرارة الثورة الشعبية الى بلاده، حيث وعد بمنح دراسية واعفاءات ديون وتسهيلات سكنية، واصلاح احوال التعليم والصحة، وخلق وظائف للعاطلين، ولكن ما يريده الشعب هو الملكية الدستورية والاصلاحات السياسية وهو محق في مطالبه المشروعة هذه.