يا اهلنا في الضفة نرجوكم ان تتحركوا انتصارا لاطفال قطاع غزة وانتم الذين قدمتم آلاف الشهداء في الانتفاضتين الاولى والثانية.. وتجاوزوا هذه السلطة التي تريد تشويه تاريخكم المشرف

السؤال المسكوت عنه فلسطينيا هو لماذا تخرج مظاهرات غاضبة ادانة للعدوان الاسرائيلي على قطاع غزة في كل انحاء العالم، ولا تخرج مظاهرة مماثلة في مدن الضفة الغربية يشارك فيها مئات الآلاف تضامنا مع اشقائهم الذين تتعرض بيوتهم ومستشفياتهم واطفالهم للقصف وتتحول اجسادهم النحيلة الى اشلاء؟ وهل باتت الضفة ضفة، والقطاع قطاعا، وضعفت اللحمة القوية الرابطة بين ابناء الوطن الواحد والقضية الواحدة؟

حملت هذه التساؤلات التي تتردد على استحياء شديد على السنة الكثير من ابناء القطاع الى احد اعضاء اللجنة المركزية في حركة “فتح” وقلت له اجبني بصراحة، ودون الاغراق في “التنظير” لماذا لا تتحركون، ولماذا لا نرى القيادات الاخرى في الضفة التي تظهر باستمرار على شاشات الفضائيات تنزل الى الشارع وتحتج على العدوان وتقود المظاهرات؟

اجابني بأن ثقافة المقاومة في الضفة الغربية جرى وأدها وحل محلها “ثقافة الراتب”، و”ثقافة اللامبالاة” وتتحمل السلطة الفلسطينية المسؤولية الاكبر لانها بنيت اصلا واستمرت من اجل اقتلاع “ثقافة المقاومة” في اطار خطة امريكية اسرائيلية مدروسة بعناية من جذورها، وما تصريحات الرئيس محمود عباس التي يؤكد فيها ليل نهار، بمناسبة او دون مناسبة، انه لن يسمح بانتفاضة ثالثة، او باطلاق رصاصة واحدة تجاه الاسرائيليين الا تأكيدا على هذه المسألة، وتطبيقا لهذه الخطة.

حاول بعض الشبان في مدن الضفة الغربية، والخليل خاصة، واستشهد احد شبانها برصاص الاحتلال، الخروج في مظاهرات ولكن قوات الامن تصدت بشراسة لقمعها تنفيذا لاوامر صدرت لها من قيادتها العليا التي تنسق مع الاسرائيليين، وتلتزم بتعهداتها للامريكيين، لان الرئيس عباس لا يريد ان يكون شهيدا مثل سلفه المرحوم ياسر عرفات.

المظاهرات الوحيدة المسوح بها هي تلك “المظاهرات الحميدة” التي تصدر بأمر من السلطة ووعاظ سلاطينها من اجل رفع صور الرئيس عباس والهتاف له، وعودته المظفرة من الامم المتحدة، حاملا انجاز الاعتراف بالدولة الوهمية، اما اي مظاهرات اخرى فهي ممنوعة ومقموعة، وخبيثة المقصد، اذا كانت ضد الاحتلال والاستيطان والاحتجاج على عدوانه.

التقيت الدكتور سلام فياض رئيس الوزراء السابق اثناء زيارة له الى لندن، لافهم منه ماذا يجري في الضفة الغربية، واستفهم عن السلام الاقتصادي الذي يطبقه، والدولة التي وعده توني بلير والرئيس باراك اوباما باقامتها مجرد انتهائه من بناء بنيتها التحتية في غضون عامين، سألته عن هذه الدولة، وقد اكمل مهمته، فاشتكى مر الشكوى من الجميع ابتداء من الرئيس عباس ومرورا بالمستوطنين والاسرائيليين، وانتهاء بالادارة الامريكية، فسألته ولماذا لا تجربون الخيار الآخر، اي العودة الى سياسات الاحتجاج والتظاهر والعصيان المدني، والانتفاضة السلمية ولا نقول المسلحة؟

الرجل اجابني، وبكل وضوح ان السلطة تخشى ان تفشل في السيطرة عليها، اي المظاهرات، وتخرج من يدها، وتخطفها الفصائل الاخرى (حماس والجهاد)، وتطورها الى انتفاضة شاملة، مما يؤدي الى تدمير كل شيء جرى بناؤه على الارض من مشاريع اقتصادية واستثمارات ضخمة فلسطينية واجنبية.

***

قطاع غزة يتعرض للقصف الوحشي الاسرائيلي واطفاله يذبحون بصواريخ الطائرات الاسرائيلية لانه ما زال يحتضن الحد الادنى من “ثقافة المقاومة”، وهذا ما يفسر حجم المؤامرة عليه، وفور ان يتخلص من هذه الثقافة، ويتخلى عن صواريخه جميعا، ويتبنى ثقافة الراتب والسلام الاقتصادي، فان المعابر ستفتح على مصراعيها، واولها معبر رفح، وستتدفق المليارات لاعادة الاعمار، وتحويل مدينة غزة الى “سنغافورة” اخرى تتزاحم في سمائها ناطحات السحاب.

فصائل المقاومة في قطاع غزة حققت انجازين كبيرين في السنوات العشر الماضية:

*الاول: اجبار القوات الاسرائيلية على الانسحاب من القطاع وتفكيك مستوطناتها واخذ مستوطنيها معها، تسليما بعدم القدرة على تحمل الخسائر الاقتصادية والنزيف البشري.

*الثاني: الاستمرار في رفع راية المقاومة باشكالها كافة، وتطوير تكنولوجيا الصواريخ لاختراق الحدود والاسوار العازلة، واختراع هندسة الانفاق، والوصول الى المدن الاسرائيلية الكبرى وترويع مستوطنيها.

مؤشرات عودة ثقافة المقاومة التي بدأت بشائرها تطل مجددا الى بعض المدن مثل نابلس وجنين والخليل، والهبة العارمة في القدس المحتلة وحيفا والمثلت احتجاجا على حرق الشهيد محمد ابو خضير حيا بعد خطفه على ايدي مستوطنين اسرائيليين هي التي تقف وراء العدوان الاسرائيلي الحالي على قطاع غزة، وهو الثالث في غضون خمس سنوات، عدوان يهدف الى قتل “ثقافة المقاومة” في مهدها وعدم امتدادها الى الضفة وداخل الخط الاخضر، والغاء قبضة السلطة الفلسطينية الحديدة، وتصعيد قيادة جديدة شابة ترفض حالة الهوان الراهنة.

اهل الضفة الغربية الذين قدموا آلاف الشهداء اثناء الانتفاضتين الاولى والثانية يعيشون حالة احتقان تنتظر المفجر حتى تتحول الى تسونامي غير مسبوق يجتاح السلطة ويقتلع جذور ثقافة الراتب التي زرعتها وعمقت جذورها في التربة الفلسطينية وتتصدى لتغول الاستيطان واذلال الحواجز، والمسألة مسألة وقت وتوقيت، وما طيران الرئيس عباس الى القاهرة، وحرصه على وقف اطلاق النار، الا محاولة لمنع هذا الانفجار او تأجيله، لانه يدرك جيدا انه سيكون وسلطته اول ضحاياه.

***

فعندما يتحول رئيس السلطة من مقاتل في خندق شعبه الى وسيط نزيه محايد، فاعلموا ان الرجل يعيش عالما آخر وعزول عن شعبهوبات كل همه السير على الطريق الوحيد الذي يضمن له هدف البقاء وبذل كل جهد ممكن للحيلولة دون لعدم اطالة امد “انتفاضة الصواريخ” في قطاع غزة وانهائها بأسرع وقت ممكن، خشية انفجار اهل الضفة انتصارا لدماء اطفالهم في قطاع غزة، واقول اطفالهم متعمدا، وليس سهوا، لان الدم الفلسطيني واحد، وقد راى بنفسه حقيقة مشاعر اهل القطاع تجاه سلطته عندما قذفوا وزير الصحة بالبيض الفاسد عندما جاء لزيارتهم، وهي مشاعر لا تختلف كثيرا عن نظيرتها لدى اهل الضفة.

فصائل المقاومة في قطاع غزة لم ترفع الرايات البيضاء رغم وحشية القصف الاسرائيلي، والعقوق العربي الرسمي، وتخاذل القيادة في رام الله عن القيام بأي خطوة لحماية شعبها، حتى في الحدود الدنيا بما في ذلك الانضمام لمحكمة الجنيات الدولية لمطاردة مجرمي الحرب الاسرائيليين الذين بات قتلهم للاطفال على شاطيء قطاع غزة ليس بحاجة الى اثبات.

ثقافة المقاومة موجودة في جينات كل مواطن فلسطيني في الضفة وغزة والاراضي المحتلة عام 1948 وفي المنفى، ولن تنجح آلة الدمار الاسرائيلية في اقتلاعها من الشعب مثلما نجحت في اقتلاعها من رجال السلطة في رام الله.

قطاع غزة، وباسم كل الشعب الفلسطيني يتحدى الجيش الرابع في العالم وطائراته وصواريخه، ويفرض شروطه لوقف اطلاق النار لالتقاط الانفاس استعدادا لجولة اخرى، فطالما هناك احتلال ستظل هناك مقاومة.

نكتب هذه المقالة بعد انتظار دام تسعة ايام سقط خلالها 250 شهيدا، لهذه الهبة الجماهيرية الغاضبة التي كنا وما زلنا نتطلع اليها من اهلنا في الضفة الغربية للتأكيد على وحدتنا الوطنية في مواجهة عدو متغطرس وفاجر.

قطاع غزة يواجه العدوان تحت ذريعة الانتقام لمقتل ثلاثة شبان مستوطنين بعد خطفهم في مدينة خليل الرحمن لان المعتدي الاسرائيلي لا يفرق بين الضفة الغربية وغزة ويساوي بين الجميع في عمليات القتل الثأرية.

انه امتحان لارادة كل الفلسطينيين، وليس هناك خيار آخر غير اجتيازه وبأعلى درجات الصمود والمقاومة والشهامة والرجولة والتلاحم.

انها “انتفاضة الصواريخ” المباركة ومفجروها من اهل غزة لن يقبلوا بمبادرات الخنوع العربية.. وعباس لا يستحق اي دور.. والذين يتنافسون على وقف اطلاق النار عليهم ان يرسلوا جيوشهم او يصمتوا!

السؤال الذي يتردد على السنة الغالبية الساحقة من ابناء قطاع غزة الذين يعيشون تحت القصف وتطاردهم القنابل الاسرائيلية من كل الاتجاهات هو: لماذا يعيش الاسرائيليون في امن واستقرار ورخاء بينما نعيش نحن في فقر وجوع وقصف واغلاق معابر وانقطاع كهرباء، ومياه ملوثة؟

يقول ابناء القطاع لمن يتصل بهم قلقا مستفسرا عن اوضاعهم: اطمئن نحن بخير سنستشهد واقفين، انتم الذين يجب ان تقلقوا لانكم لا تعرفون “متعة” الصموط بشرف وكرامة ليس في وجه العدوان الاسرائيلي فقط، وانما في وجه هذه الانظمة العربية المتواطئة.

يؤكد ابناء القطاع ايضا انهم يعيشون حياتهم الطبيعية تحت القصف، يذهبون الى محلاتهم التجارية، او الى البحر لصيد سمكة ضالة، او الى الحقل لجني بعض الثمار، وحصد بعض القمح والذرة، تعاني سنابله واكوازه من فقر تربة، وعطش مزمن لماء شحيح.

يقول لي احد ابناء القطاع بلهجة “فلاحية” اصيلة اجابة عن سؤالي حول بيته الذي دمره صاروخ اسرائيلي قبل ثلاثة ايام وساواه بالارض، لا بأس سنعود الى الخيام وسنفترش الارض ونلتحف السماء، تماما مثلما كان يفعل آباؤنا واجدادنا في ايام النكبة الاولى، الحجر يمكن العثور عليه، والبيت يمكن اعادة بناؤه، لكن المهم ان لا تنكسر الكرامة التي هي اعز لدينا من ارواحنا.

يتحدث اليك اهل غزة بتواضع الاقوياء ويقولون ايهما افضل الموت البطيء ام الموت السريع، طالما ان الشهادة باتت حتمية؟ نعم لم تعد الطائرات او الدبابات الاسرائيلية تخيفنا، ولم نعد ننتظر مساعدة من احد، ولا نتطله الى شفقة احد.

***

بهذه الروحية، وهذه المواقف، الغالبية الساحقة من اهل قطاع غزة مع المبادرة المصرية لوقف اطلاق النار، ويتطابق موقفهم مع مواقف جميع فصائل المقاومة الرافضة لها بقوة واباء، ويؤكدون انهم لن يقبلوا العودة الى الوراء والتضحية بكل دماء شهدائهم حتى يخرج نتنياهو منتصرا، فلا عودة مطلقا للوضع المزري السابق مهما كان الثمن.

في الماضي كان هناك تباين في مواقف ابناء القطاع، فأهل حماس وسلطتها الحاكمة غير اهل حركة “فتح”، والموقفان كانا في تضاد في معظم الحالات، الآن ذابت كل هذه الفروقات والخلافات، وانخرط الجميع في “انتفاضة الصواريخ” في وحدة حال غير مسبوقة، وباتوا جميعا يقفون في الخندق الرافض للمبادرة المصرية التي اعتبرها مذلة ومهينة، ويتحدون الموت ونتنياهو وكل الانظمة العربية الصامتة بل والمشجعة لمجازره على امل الانتهاء من ظاهرة المقاومة التي يمقتونها وتقض مضاجعهم.

السلطات المصرية قدمت هذه المبادرة وعبر وسائل الاعلام بعد الاتفاق على بنودها مع نتنياهو، اعتقادا منها ان فصائل المقاومة التي تخوض حربا تعرف جيدا انها غير متوازنة، ستتلقف هذه “العظمة” باحتفال مهيب، لانها ستوقف آلة القتل الاسرائيلية، ولكنها اخطأت وكعادتها دائما في فهم نفسية وشهامة ورجولة ابناء قطاع غزة وطلائعهم المقاتلة.

واذا صحت الانباء التي تقول ان الرئيس محمود عباس والمجموعة الخانعة المحيطة به، هي التي وضعت خطوطها العريضة، فهذا سبب جوهري آخر لرفضها بقوة اكبر، لان هذا الرجل لا يفهم الشعب الفلسطيني ومشاعره المفعمة بالوطنية، سواء في الضفة او القطاع، فمن يتنازل عن حقه في العودة الى مسقط رأسه في صفد لا يمكن ان يفهم هذا الشعب، او يقدر معنى المقاومة بعد ان فشلت كل رهاناته التفاوضة الاستجدائية.

الرئيس عباس طار الى القاهرة بحثا عن دور بعد ان همشته فصائل المقاومة، وفضحت بصمودها تخاذله وسلطته، ولكنه لن يجد هذا الدور، لانه لا يستحقه، فقد خسر احترام كل المقاومين بما فيها رجال كتائب الاقصى التابعة لحركة “فتح” الذين اظهروا المعجزات في هذا الشهر الفضيل، واوصلوا صواريخهم الى القدس وتل ابيب وحيفا وديمونة و”صفد” وكل المدن الفلسطينية المحتلة التي لم يستطيع الرئيس عباس الوصول اليها كسائح رغم التنسيق الامني وكل التنازلات الاخرى التي قدمها للاسرائيليين.

وعندما نقول انهم حققوا المعجزات فاننا نشير الى عجز اسرائيل وكل اجهزتها وجواسيسها ومخابراتها عن كشف او ضرب منصة اطلاق واحدة، او نفق من انفاق غزة تحت الارض التي تشكل عالما آخر بني بسواعد المؤمنين المقاومين الذين تخرجوا من اكاديميات العزة والكرامة.

المعتدلون والمحللون العقلاء في السلطة واروقتها ومركز ابحاثها، يخطئّون حركات المقاومة لرفضها المبادرة المصرية من منطلق حرص مزور، ويقولون ان نتنياهو سيستغل هذا الرفض لمواصلة العدوان، وحصوله على شرعية وغطاء دولي، وردنا عليهم، متى غاب الغطاء الدولي عن جرائم نتنياهو ومجازره؟ وهل كان هذا “الرفض” موجودا عندما ارسل طائراته الامريكية الصنع لقصف القطاع وقبلها قانا في جنوب لبنان؟ ثم متى التزم الاسرائيليون باتفاقات هدنة مع الفلسطينيين او اللبنانيين.

السلطات المصرية لم تكلف نفسها الاتصال بحركة حماس او اي فصيل فلسطيني آخر مقاوم، ووضعت المسدس في رؤوس قادة هذه الفصائل، وقالت لهم اما ان تقبلوها كاملة دون اي نقاش او نعطي الضوء الاخضر الشرعي لنتنياهو لقتل الآلاف من ابناء القطاع وعليكم تحمل المسؤولية، ونفضت يدها من مبادرتها، ولجأت الى توني بلير مجرم الحرب لعله يعيد صياغتها بطريقة اكثر سوءا.

هل هذا منطق؟ “اشقاء”، هل هذا هو موقف دولة عربية كبرى ونعول عليها وجيشها وشعبها لنصرة المظلومين المحاصرين؟ هل هذه مصر التي تغلق معابرها وحدودها في وجه اشقائها، وتمنع وصول من يريد التضامن معهم في محنتهم من العرب والاجانب؟

لا نعرف ما هو شعور الرئيس عبد الفتاح السيسي وهو يرى اشلاء اطفال شاطيء غزة الذين قصفتهم الطائرات الاسرائيلية بصواريخها وهم يلعبون الكرة، فهل هؤلاء دروع بشرية؟ او هل تابع مثلنا الطائرات الاسرائيلية من طراز “اف 16″ وهو الرجل العسكري وهي تلقي حممها فوق رؤوس الصائمين في منازلهم المتهالكة؟ فهل تحركت نخوته العسكرية؟

لا نعرف موقف الزعماء العرب وهم يسمعون ويقرأون الانذارات الاسرائيلية لاجلاء مئة الف فلسطيني من منازلهم تمهيدا لقصفها وهل سألوا انفسهم اين يذهب هؤلاء؟ والى اي مكان في قطاع لا تزيد مساحته عن 150 ميلا مربعا حدوده مع العالم الخارجي محكمة الاغلاق؟ ويشكل اكواما من اللحم البشري مكدسة فوق بعضها البعض في اكثر مناطق العالم ازدحاما بالسكان!

ثم اين يذهب الجرحى والاطباء في مستشفى “الوفاء” في غزة استجابة لطلب اسرائيلي بالاخلاء؟ الى المقابر؟ تخيلوا هؤلاء الجرحى المقطعة ارجلهم، والمفتوحة بطونهم، والذين يعيشون على محلول معلق في اسرتهم، تخيلوا هؤلاء يغادرون المستشفى حتى تقصفه الطائرات الاسرائيلية؟

***

ابناء قطاع غزة رفضوا هذه الاوامر “الشيلوكية” الاسرائيلية، وبقوا في منازلهم ومستشفياتهم وفضلوا الشهادة على المغادرة، في واحدة من اروع المواقف المتحدية في تاريخ هذه الامة.

نشعر بالعضب ونحن نرى وبعض الحكومات العربية وغير العربية (تركيا) تتبارى فيما بينها من اجل التوصل الى وقف لاطلاق النار، ويحاول كل طرف افساد مبادرة الطرف الآخر او عرقلتها، لصالح انجاح مبادرته او فرضها بقوة التدمير والقتل الاسرائيلية بدلا من توجيه الانذارات بارسال الجيوش واعلان الحرب اذا لم توقف اسرائيل مجازرها، او حتى اغلاق سفارة اسرائيل فيها كأضعف الايمان.

عزاؤنا وسط هذا الظلام الحالك ان هناك رجالا في قطاع غزة نذروا ارواحهم ودماءهم من اجل نصرة قضايا هذه الامة العادلة، وليهنأ الزعماء العرب في قصورهم، ولتهنأ جيوشهم في ثكناتها الفارهة المكيفة.

الفصائل الفلسطينية انتصرت لكرامة الشعب الفلسطيني برفضها المبادرة المصرية المهينة لانها جاءت لانقاذ ماء وجه نتنياهو وليس وقف عدوانه.. واليكم شرحا للاسباب

 

ترحيب بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي “السريع جدا” بالمبادرة المصرية للتهدئة، ووقف اطلاق النار في الحرب على غزة، واستصداره قرارا من المجلس الوزاري المصغر قبل بدء الهدنة بساعة واصداره امرا بوقف الغارات، كلها مؤشرات تؤكد ان هذه المبادرة جاءت لتقدم “طوق نجاة” للاسرائيليين اكثر من كونها جاءت لوقف سفك الدماء في قطاع غزة، ولذلك احسنت الفصائل الفلسطينية صنعا برفضها والاستمرار في اطلاق الصواريخ حتى تحقق معظم مطالبها ان لم يكن كلها.

القيادة المصرية تصرفت بأقصى درجات العنجهية والتكبر عندما اعلنت عن مبادرتها في وسائل الاعلام، وكأنها ارادت فرضها على فصائل المقاومة من اعلى بعد ان حصلت على الموافقة الاسرائيلية والامريكية عليها، وهذا امر مهين غير مقبول بكل المقاييس، ويتنافى مع كل الاعتبارات الدبلوماسية المرعبة.

فاذا كانت هذه القيادة “محايدة” و”نزيهة” كوسيط، مع ايماننا المطلق بانها لا يجب ان تكون وسيطا وانما في خندق المظلومين المعتدى عليهم، فان الحد الادنى المطلوب منها ان تتشاور مع الطرف الآخر، وتستمع الى مطالبه، وتستجيب لتعديلاته على بنودها، لا ان تحاول فرض مبادرتها بقوة الاعتداءات الاسرائيلية، ونظرية انعدام التوازن في موازين القوى لصالح الطرف الاسرائيلي، فهذه العنجهية تعكس قراءة مغلوطة للمتغيرات الحالية في الوسط الفلسطيني الشعبي منه والمقاوم على حد سواء، مضافا الى ذلك انه ليس بهذه المعاملة تستعيد القيادة المصرية هيبة مصر ودورها الريادي القائد.

***

فصائل المقاومة التي قدمت ما يقرب من المئتي شهيد معظمهم من الاطفال والف جريح لا يمكن، بل لا يجب، ان تقبل بمبادرة بنودها تحمل في طياتها كل معان الذل والهوان والاستكبار، وتهدف الى تركيعها امام شروط العدوان الاسرائيلي، وغير مسموح لها الاطلاع عليها مسبق واخذ رايها فيها.

يبدو ان القيادة المصرية ذهبت الى العنوان الخطأ و”تشابهت عليها البقر”، ففصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة لسيت السلطة الفلسطينية في رام الله، ترضخ للمطالب الاسرائيلية والامريكية دون نقاش، وتتباهى بالتنسيق الامني مع العدو، وتتفاخر باسقاطها لحق العودة، وتتعهد ليل نهار بمنع اي انتفاضة ولو سلمية ضد الاحتلال والاستيطان.

عندما تفتح القيادة المصرية معبر رفح بشكل طبيعي مثل كل المعابر الاخرى مع ليبيا والسودان و”اسرائيل” والعالم باسره، وتتعامل مع ابناء قطاع غزة كبشر، فانه سيكون مقبولا منها تضمين فقرة في مبادرتها تطالب بفتح “المعابر” الاسرائيلية مع القطاع، ودون اي اشارة الى “معبر رفح”، ولكن عندما تستمر في اغلاق هذا المعبر اليتيم، حيث اكثر من 15 الف انسان عالقين على الطرف الآخر منه بين جريح ومريض وطالب جامعي، وحامل اقامات في دول اخرى، فان تعاطيها مع العدوان الاسرائيلي سيكون مختلفا، ومطالبتها بفتح المعابر الاسرائيلية منطقيا.

انها مبادرة تحقق كل شروط نتنياهو في القضاء على المقاومة، ونزع اسلحتها، وتفكيك بناها العسكرية التحتية، وبدأ هذا العدوان الوحشي لفرض هذه الشروط.

موقف فصائل المقاومة في الاستمرار في “انتفاضة الصواريخ” هذه حتى تحقق مطالبها كاملة في رفع الحصار والافراج عن المعتقلين، وتوفير حياة كريمة لمليوني فلسطيني في قفص اسمه “قطاع غزة” موقف مشروع وشجاع، في الوقت نفسه يؤكد ان رجال المقاومة رجال فعلا تحرروا من عقدة الخوف ولا يهابون الطائرات الاسرائيلية وصواريخها.

العدوان الاسرائيلي فشل، ونتنياهو بعد ثمانية ايام من القصف السجادي لبيوت الفقراء المعدمين المسحوقين بات في مأزق حقيقي، فهو لا يستطيع التوقف دون تحقيق اهدافه في وقف الصواريخ ويدرك جيدا ان ثمن اجتياحه البري للقطاع سيكون باهظا سياسيا وماليا وعسكريا لان هناك اسودا في انتظاره يملكون في جعبتهم “مفاجآت” عديدة، كان آخرها اطلاق طائرات بدون طيار من تحت الارض الى فوق تل ابيب، واسدود وعسقلان والقائمة تطول.

نتنياهو كان يبحث عن مخرج لتقليص خسائره، وانقاذ ماء وجهه فجاءت المبادرة المصرية التي تعود حقوق طبعها الى جون كيري وزير الخارجية الامريكي الذي طبخها على نار غير هادئة مع رئيس الوزراء الاسرائيلي، ولم يزد دور السلطات المصرية فيها عن دور ساعي البريد الذي يحمل العناوين الخطأ ويعمل وفقها، ويصل الى النتائج الخطأ بالتالي.

نعم.. هذه المبادرة لا تلبي طموحات الشعب الفلسطيني مثلما قالت حركة “الجهاد” الاسلامي في بيان رفضها لها.. نعم انها مبادرة خنوع وتركيع مثلما وصفتها كتائب عز الدين القسام الذراع العسكري لحركة “حماس″ والحد الادنى للتعاطي معها والذين حملوها، او بالاحرى اعلنوها، هو الرفض القوي المشرف.

هذا الاسلوب “المتعالي” من قبل القيادة المصرية مع فصائل المقاومة، وحركة حماس على وجه الخصوص سيقلل من مكانة مصر وهيبتها امام الشعب المصري الطيب الصابر الداعم للمقاومة الشريفة ضد عدو متغطرس متوحش لسفك الدماء، وانما ستعطي دفعا قويا لهذه الفصائل للاعتماد على نفسها، والذهاب في مقاومتها حتى نهاية الشوط لان هذه القيادة، مثل معظم القيادات العربية الاخرى، خذلتها بانحيازها المتواطيء مع العدوان الاسرائيلي، مثلما ستحبط آمال الكثيرين الذين اعتقدوا ان “عبد الناصر جديد” يمسك بدفة القيادة المصرية ويقود البلاد الى مرحلة جديدة مختلفة.

نسأل عن الاسباب التي تدفع القيادة المصرية الى ارسال مبعوثيها الى تل ابيب والتفاوض مع نظرائهم الاسرائيليين حول المبادرة، ولا تكلف نفسها فعل الشيء نفسه مع فصائل المقاومة، فلنفترض انهم اعداء، فالوسطاء يتحدثون مع الاعداء، ام ان الفصائل الفلسطينية التي تسّطر اشرف انواع المقاومة والصمود ليست اهلا للمصافحة والتشاور؟

***

شعرت بالغيظ، وانا الهث بناظري خلف كاميرات التلفزة، وهي تستعرض وجوه وزراء الخارجية الحاضرين للاجتماع “العاجل” الذي انعقد في مقر الجامعة العربية لبحث العدوان الاسرائيلي.. شعرب بالغيظ لان معظم الوزراء الذين كانوا يشاركون بحماس في “منظومة اصدقاء سورية” تغيبوا عن الحضور، ونسبة كبيرة من الدول العربية تمثلت بسفراء او مساعدين للوزراء، بما في ذلك المغرب رئيسة الدورة الحالية، فهل يعقل هذا، والى هذه الدرجة هانت دماء شهداء غزة على هؤلاء وحكوماتهم؟

اهل قطاع غزة، الذين هم اهل العرب والمسلمين جميعا قبل ان يكونوا اهلنا، يصبرون ويصابرون ويدافعون عن كرامة الامة بدمائهم وارواحهم، ولا يحتاجون احدا، ولم نسمع واحدا منهم يستنجد بالعرب او جيوشهم او اموالهم ومعظمهم لا يعرفون ان هناك اجتماعا لوزراء الخارجية، ولهذا سينتصرون، فلم تدعم الانظمة العربية قضية واحدة وانتصرت، وصححوني اذا كنت مخطئا.

لم استغرب ان يقذف اهل قطاع غزة وزير الصحة الفلسطيني جواد عواد بالاحذية والبيض الفاسد عند محاولته زيارة مستشفى الشفاء، وغادر الى معبر رفح هاربا بجلده، فهذا الاستقبال الذي يجسد حالة الغضب والاستياء، لا يستهدفه شخصيا وانما السلطة الفلسطينية التي يمثلها وحجم السخط تجاهها في اوساط الشعب الفلسطيني، وعلينا ان نتخيل لو كان الزائر، وفي مثل هذا الظرف، السيد محمود عباس؟ اترك الامر لخيالكم.

عندما تعتبر “معاريف” سفير فلسطين يتحدث مثل الناطق باسم الجيش الاسرائيلي ويرى في صواريخ المقاومة جريمة حرب.. فانها ذروة العار واحدى علامات الساعة!

صدمتنا بالرئيس الفلسطيني محمود عباس وبعض سفرائه في عواصم ومنظمات دولية اكبر من صدمتنا في المجازر التي ترتكبها الطائرات الاسرائيلية المغيرة على قطاع غزة لليوم الثامن على التوالي، ولا تفرق بين طفل او مقعد في ملجأ للعجزة.

بالامس، وفي ذروة تعاطف الرأي العام العالمي، او قطاع عريض منه، مع ضحايا العدوان الاسرائيلي في قطاع غزة، خرج علينا السيد ابراهيم خريشة سفير فلسطين في مجلس حقوق الانسان ومقره جنيف، بقوله “ان صواريخ المقاومة التي تنطلق تجاه اسرائيل هي جريمة حرب، وجريمة ضد الانسانية لانها تستهدف مدنيين” حسب قوله، وزعم “ان اسرائيل تحذر سكان غزة قبل قصف البيوت، وبالتالي تتجنب الانتقادات الدولية”.

السيد خريشة نفسه، وبتعليمات من الرئيس عباس كان بطل فضيحة مماثلة عام 2009، عندما عمل على احباط جهود عربية واسلامية في مجلس حقوق الانسان نفسه لمناقشة تقرير القاضي الدولي غولدستون، الذي اكد ارتكاب اسرائيل جرائم حرب اثناء عدوانها على قطاع غزة الذي دمرت فيه 60 الف منزل، وقتلت 1450 انسانا بعضهم حرقا بالفوسوفور الابيض، وثلثهم من الاطفال، رضوخا لضغوط اسرائيلية في حينها، وتراجع عن هذا الموقف ورئيسه عباس بعد هبة غضب فلسطينية.

هو الرجل، يبريء اسرائيل من جرائم الحرب ويلصقها بفصائل المقاومة الفلسطينية، ويثبت انه اسرائيلي اكثر من الاسرائيليين انفسهم، ولا غرو ان تعلق صحيفة “معاريف” الاسرائيلية على موقفه المخجل هذا القول “ان السيد خريشة يتحدث مثل المتحدث باسم جيش الدفاع الاسرائيلي”.

***

لا نعرف من اين يأتي السيد عباس ووزير خارجيته رياض المالكي بمثل هؤلاء الذين يسيئون لكل قيم العدالة والاخلاق وليس للشعب الفلسطيني والامة العربية فقط، وكيف يعثرون عليهم وينتقونهم لمثل هذه المهام التي لا يمكن ان يقدم عليها انسان يملك ذرة من الوطنية. ومن المفترض انه ينتمي الى حركة “فتح” التي قدمت آلاف الشهداء والجرحى والاسرى من اجل نصرة قضية فلسطين.

قبل بضعة اعوام خرج علينا مندوب فلسطين في الامم المتحدة السيد رياض منصور مزايدا على نظيره الاسرائيلي واصفا حركات المقاومة الاسلامية في قطاع غزة بانها حركات مارقة وخارجة عن القانون، ومؤيدا قرارا بتجريمها بتهمة “الارهاب”.

يصعب علي ان اعرف من اين يستقي السيد خريشة معلوماته عن جرائم الابادة التي تمارسها اسرائيل وطائراتها في قطاع غزة، قطعا ووفق اقواله الصادمة هذه، ليست تلك التي نستقي معلوماتنا منها، ولا بد انه يشاهد قنوات تلفزة غير تلك التي نشاهدها، ولا نريد ان نقول اكثر من ذلك.

لم نسمع مطلقا ان العجزة الذين كانوا في مأواهم المتهالك الفقير البائس شمال قطاع غزة قد تلقوا اخطارا قبل قصفه بصواريخ “الانسانية” الاسرائيلية، وحتى اذا تم اخطارهم فكيف سيخلي هؤلاء المأوى وهم على كراسيهم المتحركة في غضون دقائق، اجنبا يا سيد خريشة.

اكتب من واقعة شخصية، فقد ابلغني اهلي اليوم في مدينة دير البلح، بأن غارات اسرائيلية دمرت منزل ابن عمي معين ابو عطوان وساوته بالارض، وارسلوا الصورة اثباتا لذلك، ولم يتحدثوا مطلقا عن انذارات ولا يحزنون، واذاعت عدة محطات تلفزة هذا الخبر بالصوت والصورة.

السيد خريشة ربما يريد بمثل هذه التصريحات الصادمة تبرير تلكؤ رئيسه عباس في الذهاب الى محكمة الجنايات الدولية، بذريعة ان اسرائيل ستستدعي بعض قادة حماس للمثول امامها بتهم ارتكاب جرائم حرب، يا سيدي فلتستدعيهم، ولتضع اسماءهم في كشوفات “الانتربول” في المطارات العالمية، فلم نسمع ان اسرة محمود الزهار الذي قدم ولديه شهيدين من اجل فلسطين تتسوق في شوارع اكسفورد في لندن، او بنات اسماعيل هنية يقضين اجازة الصيف في الشانزليزية او ان ابو عبيدة الناطق الرسمي باسم كتائب القسام يتشمس كل صيف على شاطيء الريفيرا و جنوب فرنسا، فهم اساسا محاصرون، والمعبر مغلق ومطلوبون لكل محاكم العالم، ولعل مثولهم امام محكمة الجنايات الدولية في حال حدوثه “نزهة” بالمقارنة في بالوضع المعيشي الحالي في قطاع غزة.

فاذا كان الرئيس عباس حريصا على سلامة قادة حماس وعدم ملاحقتهم جنائيا، ونحن نشك في ذلك، بل على يقين، فاننا نطالبه بان لا يقلق، وان يذهب الى المحكمة، ويتقدم بطلب الانضمام اليها ويبدأ في مقاضاة مجرمي الحرب الاسرائيليين امامها، ولكنه لم يفعل ولن يفعل.

***

تصرفات السيد خريشة ومواقفه هذه تفسر لنا اسباب تمسك الرئيس عباس بالسيد المالكي “وزير” الخارجية فهذا “الوزير” “المخلد” في منصبه يريد سفراء وممثلين لفلسطين على هذه الشاكلة، اي ان لا يفعلوا اي شيء يقلق الاسرائيليين، ولهذا تحولت معظم السفارات الفلسطينية في الخارج الى “تكايا” يقتصر دور العاملين فيها الى حضور حفلات الاستقبال ودعوات العشاء الدبلوماسية فقد ولى زمن السفراء والدبلوماسيين الذين كانوا يتعرضون للاغتيال بسبب جرأتهم في مواجهة اسرائيل وضح جرائمها، طبعا هناك بعض الاستثناءات ولكنها محدودة، واصحابها اما يطردون او يرسلون الى دول من الصعب العثور عليها في الخرائط والاطالس الموثوقة حتى لو استخدمنا مكبرات.

نشعر بالخجل من مثل هذه المواقف والتصريحات، ونعتذر لكل الاشقاء والاصدقاء لاننا لم ننجح في مداراة هؤلاء الذين يتحدثون باسم فلسطين، اطهر قضية واعدلها على وجه الخليقة.

اليس هذا ابشع انواع الطغيان يا عرب الديمقراطية؟ ولماذا “تسرعتم” في عقد اجتماع وزراء خارجيتكم “العاجل”.. فاسرائيل لم تفن ابناء القطاع بعد.. ونبشركم.. من دماء الشهداء ستنطلق شرارة التغيير الحقيقي

 

عندما تم العثور على جثث الفتيان المستوطنين الثلاثة الذين جرى اختطافهم وقتلهم من جهة ما زالت مجهولة حتى هذه اللحظة، اقام الاعلام الغربي مناحة، والغى كل برامجه العادية من اجل نقل مراسم تشييعهم، وفتح شاشاته على مصراعيها للسفراء والمتحدثين العسكريين الاسرائيليين لتوجيه الشتائم للعرب والمسلمين الهمج القتلة.

بالامس وعندما اغارت الطائرات الاسرائيلية على بيت للعجزة في شمال غزة، وقتلت كل من فيه، ومزقت اجسادهم الطاهرة، ونقلت عدسات التلفزة الكراسي المتحركة بين الانقاض، توقعت شخصيا، لانني اعيش في الغرب، ان تحرك هذه المشاهد القلوب “الرقيقة” و”المرهفة” بالانسانية للمسؤولين والزعماء الاوروبيين، ويتحركون فورا من اجل وقف اطلاق النار، لانني تابعت كيف استغلت اسرائيل، والغرب عموما، مقتل اليهودي الامريكي المقعد ليون كلينغهوفر بطريقة غامضة على ظهر السفينة الايطالية المخطوفة اكيلي لورو وتحميل الشعب الفلسطيني كله اثم هذه الجريمة.

***

الغرب يصمت بشكل مخجل على المجازر الاسرائيلية في قطاع غزة، وبعض اعلامه يقدم الضحايا من الاطفال الفلسطينيين على انهم يهود قتلتهم الصواريخ المنطلقة من القطاع (اي بي سي) الامريكية، وتوني بلير “مبعوث السلام” الذي يتحمل مسؤولية قتل مليون شهيد عراقي يتنقل بين العواصم العربية تحت ذريعة البحث عن مبادرة لوقف اطلاق النار، ويحظى باستقبالات رئاسية.

انهم يعطون العدوان الاسرائيلي الوقت الكافي لقتل المزيد من الاطفال والنساء والعجزة على امل ان يرفع المقاومون المدافعون عن غزة الرايات البيضاء، ولكنهم لم يفعلوا ولن يفعلوا، ويزدادون صلابة وعنادا، ويواصلون اطلاق صواريخهم على كل بقعة في فلسطين المحتلة، وينتظرون الغزو البري على احر من الجمر.

قادة فصائل المقاومة اغلقوا هواتفهم، وباتوا يديرون المعارك من غرف عمليات محصنة تحت الارض، لتجنب الرد على جمع الوسطاء العرب المدسوسين الذين يريدون انقاذ انفسهم قبل انقاذ الشعب الفلسطيني مثلما يدعون.

الاسرائيليون الذين يقولون انهم يملكون احدث وسائل التجسس في العالم، ويعرفون قطاع غزة شبرا شبرا، فشلوا في العثور على هؤلاء الرجال، وباتوا يقصفون بشكل عشوائي متخبط المساجد ومنازل هؤلاء ويقتلون اطفالهم وجيرانهم في اكبر تجسيد للجبن والتعطش لقتل الفلسطينيين، فالمهمة الوحيدة للجيش الاسرائيلي هي قتل الابرياء العزل ولم يواجه جيشا عربيا منذ اربعين عاما.

اهل قطاع غزة باتوا على موعد كل عامين مع حرب اسرائيلية، ودمار جديد وشهداء جدد، ولكنهم وهم الذين هزموا الاسكندر المقدوني، وصمدوا في وجهه في وقت كانت تتساقط امام قواته المدن والامبراطوريات، لم يشتكوا مطلقا، ولم يلقوا سلاحهم، بل على العكس من ذلك طوروا قدراتهم القتالية وحدّثوها، وابدعوا في تصنيع الصواريخ والقذائف وحفر الانفاق رغم الحصار والتواطؤ الرسمي العربي.

جميل ذلك الطفل الفلسطيني الذي لا يزيد عمره عن السادسة وهو يقف امام “السبورة” في احد فصول مدرسة لجأت اليها عائلته بعد ان تدمر بيتها شمال القطاع، واخذ يرسم صاروخا، كنا نتمنى لو رسم وردة او حمامة سلام، ولكن الاسرائيليين وحلفاءهم الغربيين سرقوا البراءة من طفولته، وهذه اكبر جريمة حرب في رأيي، ونحن في انتظار التقرير الثاني للقاضي الاممي غولدستون لعله يذكر هذه الصورة وآثارها النفسية.

اعداد الشهداء في تصاعد، ولكن وعلى عكس ما يقوله كل المتخاذلين خاصة في سلطة رام الله والمتحدثين باسمها، لم تختر المقاومة في القطاع هذه الحرب، وفرضها نتنياهو وليبرمان وكل عصابة القتلة الاسرائيلية عليها، واستغلوا جريمة القتل الغامضة للشبان المستوطنين الثلاثة لشن هذه الحرب، ولا نستغرب الروايات التي تفيد بانها عملية خطف وقتل مشكوك فيها، الم يفجّر الاسرائيليون كنس يهودية في مصر لدفع يهودها للهجرة الى فلسطين المحتلة، الم تنسف خلايا الموساد دور سينما في احياء يهود بغداد لارهابهم واجبارهم على الهجوة، الم يستخدموا المجازر في دير ياسين والقبية لترويع الفلسطينيين وتهجيرهم؟!

وزراء الخارجية العرب يعقدون اجتماعا “عاجلا” غدا الاثنين لبحث الوضع في قطاع غزة، الا يخجل هؤلاء والامين العام للجامعة العربية واجتماعهم العاجل هذا يعقد وبتلكؤ شديد بعد سبعة ايام من بدء العدوان؟ وماذا سيقرر هؤلاء ارسال باقات الزهور لنتنياهو وحكومته على القيام بما عجزوا عنه وهو تدمير قطاع غزة لانه يتمسك بالمقاومة، وتديره حركة “حماس″ الارهابية؟!

عار على هؤلاء الذين كانوا يتسابقون لتسليح المعارضة السورية، ويرصدون عشرات المليارات لدعمها، يتآمرون الآن بصمتهم مع اسرائيل، وفي وضح النهار لتدمير قطاع غزة، لانه يقاوم “الطغيان” والغطرسة الاسرائيلية، ولكن “الطغيان” الاسرائيلي ليس كغيره، انه طغيان صديق بالنسبة الى هؤلاء الديمقراطيين المزيفين، وعليه ان يقتل ما شاء له القتل، ويقصف ما شاء له القصف ولا مانع ان يكون ذلك في شهر رمضان المبارك طالما ان الضحايا من الفلسطينيين.

***

اليس لافتا ان حروب غزة هي الوحيدة التي هي حروب بلا لاجئين، لان العرب، ومصر الرئيس عبد الفتاح السيسي اغلقت بوابة سجنها واحكمت الاغلاق، ولان القادة العرب لا يريدون الانتشار “لفيروس″ المقاومة، مثلما لا يريدون، وهم الذين تقدموا بمبادرة سلام صالحة لمئة قرن قادمة، وان يزعجوا الاسرائيليين ويزعزعوا استقرارهم وامن مواطنيهم “المسالمين”.

نطمئن القيادة المصرية، وكل نظرائها الآخرين بأن اهل قطاع غزة لن يلجأوا الى اي دولة عربية، ولن يغادوا قطاعهم الصامد، وسيستمرون في المقاومة مثلما فعلوا ليلة امس عندما احبطوا بشجاعة نادرة محاولة انزال بحري اسرائيلي، فهم يفضلون الشهادة على رمال القطاع على مواجهة الذل والمهانة في المعابر المصرية والمطارات العربية، تحت نظام الكفيل العبودي العنصري.

اعداد الشهداء تتزايد.. نعم.. ولكن ايام الصمود تتزايد ايضا، لان الذين يدافعون عن القطاع لا يخافون الموت، ويجسدون روح جديدة بدأت تعود بقوة الى هذه الامة، روح الكرامة والعزة والفداء، ومن قلب غزة ستنطلق شرارة التغيير الحقيقي والمشرف في المنطقة بأسرها.

اذا كان العرب فشلوا في فتح معبر رفح بشكل مستمر فهل يعقل ان يتصدوا لعدوان اسرائيلي.. المقاومون الفلسطينيون لم يطلبوا نجدتهم وعار عليهم ان يجتمع مجلس الامن قبل جامعتهم العربية

 

اذا كان هدف العدوان الاسرائيلي الحالي على قطاع غزة عزل حركة “حماس″ وكسر ثقافة المقاومة، وتركيع ابناء القطاع وترويعهم فانه فشل حتى الآن، وبعد خمسة ايام من القصف بكل انواع الاسلحة من البر والبحر والجو، في تحقيق اي من هذه الاهداف واعطى نتائج عكسية تماما.

العدوان عزل اصدقاء اسرائيل المفترضين، وعزز مكانة المقاومة، عزل النظام المصري وكشف عوراته، مثلما عزل الرئيس الفلسطيني محمود عباس وكشف ما لم يشكف عن عوراته سابقا، مثلما فضح النظام الرسمي العربي “المنافق” للمرة الالف، هذا النظام الذي بدى مرتبكا عاريا من اي فضيلة متهما بالتواطؤ، ومستأسدا فقط في ميدان واحد وهو تفجير الحروب الاهلية، وتمزيق الدول والشعوب وانهاك الجيوش العربية وتفكيكها.

السيد نبيل العربي امين عام الجامعة العربية دعا وعلى استحياء شديد الى اجتماع طارىء لجامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية لبحث العدوان على قطاع غزة، وكلمة “العدوان” هذه من عندنا، ليس من عنده، ولكنه تأخر خمسة ايام، لانه كان يعتقد، ومعظم وزراء الخارجية الآخرين، ان الطائرات والدبابات الاسرائيلية ستجهز على القطاع والمقاومة البطولية في هذه الفترة، وهذا ولسوء حظه لم يحدث، فما زالت الصواريخ تنطلق من مكامنها الحصينة، وتشل حركة الملاحة الجوية في مطار تل ابيب ولو لفترة محدودة.

فمن المفارقة ان الدول العربية الصامتة، التي صدمها الفشل الاسرائيلي في استئصال بؤرة المقاومة الاستثنائية في القطاع، ليس من اجل انقاذ ارواح اهل القطاع الصائمين الصامدين، وانما من اجل انقاذ نفسها من الحرج الذي اصابها امام شعوبها وانقاذ اسرائيل من حماقتها ايضا.

***

مشكلة قطاع غزة والشعب الفلسطيني مع قيادته في رام الله التي حولته الى شعب متسول، سواء للرواتب او للتسويات المهنية، او للافراج عن اسرى اعيد اعتقالهم في رمشة عين، وبات كل همها منع اي هبة او انتفاضة والتباهي بذلك على رؤوس الاشهاد، وتمجيد العمالة الامنية لحماية المستوطنيين وعربدتهم في الارض المحتلة.

الشعب الفلسطيني، وكل الشعوب العربية، لا يريدون اجتماعا لوزراء الخارجية او الجامعة العربية، او الزعماء العرب، فقد نفضوا ايديهم من هذه القيادات وحكوماتها، وهذه الحكومات التي قبلت بالحصار، وصادقت على سياسات التجويع، وقدمت السلاح لكل انسان شريطة ان لا يوجهه للاحتلال الاسرائيلي، سواء كان فتاكا او غير فتاك، نوعيا او تقليديا، المهم ان يستخدم هذا السلاح في قتل الآخر، العربي المسلم.

بنيامين نتنياهو صديق المعتدلين العرب وحليفهم، يهدد بارسال دباباته الى قطاع غزة منذ اشهر، ولكنه متردد في ذلك ليس خوفا من الزعماء العرب ورد فعلهم، وانما خوفا من السقوط لانه يدرك جيدا ما يمكن ان ينتظره من مفاجآت، فغزة غابة مقاومة، وغزة فوق الارض هي غيرها تحتها، والشعب الفلسطيني لن يرفع الرايات البيضاء، ولم تعد تخيفه سياسات “الصدمة والترويع″ الاسرائيلية، ولهذا يعلن على رؤوس الاشهاد رفضه لكل وساطات “التهدئة” عربية كانت ام امريكية.

“حماس″ ليست وحدها التي تقاتل دفاعا عن القطاع، وانما اكثر من مليونين من ابنائه، فهناك 18 فصيلا مقاتلا يمثلون كل هؤلاء والامة من خلفهم، ابتداء من الجهاد الاسلامي ومرورا بالوية الناصر صلاح الدين، وانتهاء بكتائب ابو علي مصطفى، ولا ننسى كتائب شهداء الاقصى الفتحاوية التي لم تلق سلاحها مطلقا وظلت متمسكة براية المقاومة رغم قرار رئيس سلطة رام الله بحلها.

مخزون الصواريخ لم ينضب، ولن ينضب، لانه في معظمه صناعة محلية، انتجته سواعد ايمانية، ومن اجل لحظة الفرز التاريخية الحالية، بين من يؤمن بقيم الشرف والعدالة والكرامة وبين من يقف في الخندق الآخر المقابل لها، ومن المؤكد ان هذه الصواريخ ستغير معادلات اعتقد البعض انها راسخة لن تتغير، وستسقط رؤوسا كبيرة استمرأت التواطؤ والجبن، واعتقدت انها خالدة مخلدة.

ابناء قطاع غزة سيتوجهون بالآلاف الى معبر رفح ليس من اجل اقتحامه وفتحه بالقوة، وانما من اجل اغلاقه الى الابد، وبالاسمنت الصلب، لانهم قرروا الحياة بدونه، والتوقف عن استجداء المسؤولين في الجانب الآخر لفتحه لمرور عنوان مقاومتهم المشرفة اي الجرحى والمصابين للعلاج في مستشفيات كانوا يعتقدون انها عربية شقيقة.. نعم.. نطالب اهلنا في القطاع للزحف الى المعبر من اجل اغلاقه بعد ان تحول الى رمز لاذلالهم واهانتهم.

عيب على القيادة المصرية ان تفتح هذا المعبر فقط لعشرة مصابين وجرحى قد يستشهدون في الطريق بسبب طول الاجراءات، ووقوفهم امام المعبر لساعات ويحتاجون الى سبع ساعات اخرى للوصول الى المستشفيات وسط عيون غير مرحبة.

عيب ان تسمح القيادة المصرية بمرور من يحملون الجوازات المصرية فقط عبر المعبر، وهم غالبا من السيدات الماجدات الاحرار اللواتي قررن العيش في القطاع مع ازواجهن واطفالهم وسط الحصار.

وعيب ايضا ان تستثني السلطات المصرية ابناء المصربات وبناتهن الذين يحملون الجنسيات المصرية ولكنهم ولدوا في القطاع، والسماج فقط للمولودين في مصر، اي نفرقة واي تمييز هذا ومن منّ، من اشقاء عرب.

السلطات المصرية تخشى من هجرة ابناء القطاع الى مصر، وهي خشية في غير محلها، فعندما وقعت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق اوسلو كان من شروط الاتفاق استيعاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين على الطرف المصري من الحدود في مخيم سمي في حينها مخيم البرازيل، وعاد هؤلاء جميعا الى القطاع ولم تبق اسرة واحدة في الجانب المصري، وعندما اقتحم مئات الآلاف الحدود المصرية كسرا للحصار عام 2008 لم يسرقوا بصلة واحدة، او علبة حليب لاطفالهم الجوعى ودفعوا ثمن كل شيء اشتروه من مالهم وعادوا جميعا الى القطاع ولم يتخلف واحد في الجانب المصري.

***

نحن ننتقد السلطات المصرية لاننا نحب مصر ونعول عليها كثيرا فلم تخذل الشعب الفلسطيني مطلقا ولا الشعوب العربية، والرئيس السيسي قال ان من ابرز مهامه اعادة الهيبة والريادة والمكانة لبلاده، وهذه فرصة من اجل ان تستعيد مصر دورها ومكانتها وان تقود الامة في الاتجاه الصحيح وان تدافع عن كرامتها، فقطاع غزة يعاقب مصريا لان مصر انتخبت حركة الاخوان المسلمين ومحمد مرسي، فهل يجوز هذا؟

مشكلة الشعب الفلسطيني مع اشقائه العرب اكبر بكثير من مشكلته مع الاسرائيليين، لانه يستطيع ان يقاوم الاسرائيليين وينتفض ضد ظلمهم ويطلق عليهم الصواريخ، ولكنه لا يريد ان يفعل ذلك ضد محاصريه وجلاديه العرب لانه ما زال، ورغم جورهم، يعتبرهم اشقاء.

اهل القطاع صامدون في سجنهم، ولا ينتظرون شفقة احد وسيقاومون بكل ما ملكوا من اسلحة، ودلوني على شعب واحد، يتعرض كل عامين الى عدوان مجرم فاشي مثل العدوان الاسرائيلي، ومع ذلك ما زال متمسكا بالمقاومة دون كلل، ولا يتردد لحظة عن تقديم الشهداء.

اطلاق سفارات لاانذار في القدس وتل ابيب وديمونا وحيفا وكل الاراضي المحتلة سيستمر، فهناك شعب يقاتل من اجل قضية عادلة، ويحمل في عروقه جينات الكرامة والبطولة، ويمثل ارثا عربيا واسلاميا حافلا بالانتصارات، اما وزراء الخارجية العرب وحكوماتهم فلا يستحقون حتى الذكر في معركة الشرف هذه.

ابرز مفارقات العدوان على غزة: الصاروخ الذي قصف حيفا “صناعة سورية”!.. ولم نتوقع ضرب مطار تل ابيب بهذه السرعة.. ترى ما هي مفاجآة المقاومة التالية؟

العدوان الاسرائيلي الوحشي على قطاع غزة يدخل يومه الخامس، ولا يوجد اي مؤشر على ان المقاومة التي تدافع عن القطاع، وتتصدى لهذا العدوان بضرب عمق الاحتلال الاسرائيلي ضعفت او تراخت رغم الطلعات الجوية الاسرائيلية وارتفاع عدد الشهداء الى ما فوق المئة شهيد حتى الآن.

هذه المرة، وعكس العدوانين السابقين (الرصاص المصبوب وعامود السحاب) لم تطلب فصائل المقاومة اي وساطة عربية، او دولية لانهاء الحرب، وخاصة من قبل السلطات المصرية التي تعتبرها طرفا مباشرا في هذا العدوان، وكل ما طلبته هو فتح معبر رفح لنقل الجرحى لعلاجهم في المستشفيات المصرية وعلى نفقة الشعب الفلسطيني ومساعدات اهل الخير، وما اكثرهم ولله الحمد، فهل هذا كثير وهل الجرحى يشكلون خطرا على الامن المصري من اسرتهم في المستشفيات بحيث لم يسمح الا بنقل عشرة منهم فقط؟.

هناك ثلاثة تطورات رئيسية فرضت نفسها على خريطة الاحداث في هذه الحرب:

*الاول: وصول اربعة صواريخ اطلقتها فصائل المقاومة على مطار اللد في تل ابيب للمرة الاولى في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، الامر الذي ادى الى اطلاق صفارات الانذار وتعطيل حركة الملاحة الجوية لعشر دقائق، وتوجيه حركة “حماس″ التي اطلقتها انذارا لشركات الطيران العالمية بوقف رحلاتها ايثارا للسلامة، ووقع هذا الاختراق مزلزل على خمسة ملايين اسرائيلي حتما، ومصدر رعب لشركات الطيران التي تضع امن ركابها على رأس اولوياتها.

*الثاني: اصابة جنديين اسرائيليين كانا في سيارة جيب عسكرية مدرعة قرب الحدود مع القطاع بصاروخ مضاد للدروع مما يعني ان اي اجتياح بري للقطاع سيواجه بمقاومة شرسة، وربما هذا ما يفسر تردد بنيامين نتنياهو وقادته العسكريين في الاسراع بتنفيذ تهديداتهم في هذا الصدد، تحسبا لخسائر كثيرة، وخوفا من العواقب.

*الثالث: الحالة المعنوية العالية جدا لاهل القطاع، واعراب معظم من التقت بهم الفضائيات الاجنبية قبل العربية في مواجهة هذا العدوان، بينما يحدث العكس في اوساط الاسرائيليين وكشفت استطلاعات رأي اسرائيلية ان نسبة تأييد حزب “ميرتس″ الذي يعارض الحرب والاستيطان تضاعفت في الايام الاربعة الاخيرة، واتفاق معظم المحللين العسكريين والسياسيين على ان نتنياهو سيكون اكبر ضحية لهذه الحرب، ومعارضة نصف الاسرائليين تقريبا لاي حرب برية.

*الرابع: اطلاق صاروخ من جنوب لبنان على منطقة الجليل تضامنا مع قطاع غزة، وهذا قد يكون بداية الغيث، وصافرة انذار وحتى لو لم يكن، فانه ابلغ رسالة تضامن واطيبها الى قلب المقاومين في القطاع.

***

المسؤولون العسكريون الاسرائيليون يتحدثون عن حرب طويلة، ويؤكدون ان لديهم “بنوك اهداف” لن يتوقفوا حتى يقضون عليها، ويتبجح نتنياهو بالقول بان قادة حركة “حماس″ يحتمون بالدروع البشرية، فما هي بنوك الاهداف هذه: مليونا انسان مدني اعزل يشكل الاطفال نسبة ستين في المئة في اكثر مناطق العالم اكتظاظا باللحوم البشرية؟ وهل يريد من قادة “حماس″ ان يقفوا في ساحة الجندي المجهول في قلب غزة ويلوحون للطائرات الاسرائيلية من اجل الالتفاف اليهم وقصفهم بصواريخها؟

نعم اهل غزة تحولوا الى دروعا بشرية لحماية بيوتهم المتهالكة من القصف الاسرائيلي، فاحدى العائلات برجالها واطفالها ونسائها صعدت فعلا الى سطح بيتها في تحد للطائرات الاسرائيلية وعلى امل ان لا تقصف البيت، لكن الطيارين الاسرائيليين ممثلي الحضارة “الانسانية” الغربية لم يرف لهم جفن، ولم توجد اي مشاعر رحمة في قلوبهم، وقصفوا المبنى والعائلة واستشهد جميع افرادها.

لم اسمع شخصيا، وانا اقضي الليل والنهار اسير “الروموت كونترول” متنقلا بين المحطات العربية والاجنبية، فلسطينية او فلسطيني يناشد “الزعماء” العرب لنجدتهم، او يطلب المساعدة المالية او العسكرية منهم او حكوماتهم، لان اهل القطاع اصحاب انفة وكبرياء اولا ويدركون جيدا ان هؤلاء مجرد “نواطير”، ولا يتحركون الا باوامر امريكية ايضا، ومن اجل قتل روح المقاومة والكرامة والتضحية في نفوس المواطنين البسطاء، فعندما تقول لهم الادارة الامريكية ارسلوا المليارات والاسلحة واشعلوا نار الفتنة في سورية يلبون النداء فورا، وعندما توجههم الى العراق يهرولون باموالهم وفضائياتهم دون اي تلكؤ، اما عندما يتعلق الامر بفلسطين والاقصى والمحاصرين في غزة والقدس المحتلة فانهم يديرون وجوههم الى الناحية الاخرى.

القاسم المشترك بين القادة الاسرائيليين والغالبية الساحقة من نظرائهم العرب هو كيفية القضاء على روح المقاومة وقيمها في اسرع وقت ممكن، حتى ينعم الطرفان بالهدوء والسكينة وبما يتيح لهم اكمال مسيرة التطبيع، والتمتع بالثروات التي في حوزتهم واقامة المشاريع الاقتصادية المشتركة، ودون ان يعكر حياتهم “شعارات” المقاومة والكرامة والعزة “المزعجة”، وهي المفردات التي حذفت من قواميس معظمهم منذ زمن طويل.

السيد مشير المصري الناطق باسم حركة المقاومة الاسلامية “حماس″ قال في مقابلة تلفزيونية مساء الخميس ان الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني اليوم هو الصاروخ المبارك الذي وصل الى قلب حيفا.

نتفق مع السيد المصري في هذا الكلام الموزون بالذهب لانه يعبر عن ضمير كل انسان عربي ومسلم في شهر التضحية والفداء، ولكن المفارقة التي نامل ان يكون السيد المصري واعيا لها، ان هذا الصاروخ من طراز320 ـ M الذي يصل مداه الى 160 كليومترا من “صناعة سورية”، وانا انقل هذه المعلومة عن العدد الاخير (ص 44) من مجلة “الايكونوميست” البريطانية التي تصدر في لندن وليس من دمشق!

***

مفارقات هذه الحرب عديدة عرفنا بعضها وسنعرف الكثير في المستقبل القريب بعد انقشاع غبارها، وما يمكن ان نقوله ونختم به ان الانتصار في الحروب مسألة نسبية، فانتصار المقاومة في العراق جبّ الانتصار العسكري الامريكي والغاه وحوله الى هزيمة، ومن هذا المعيار وعلى اساسه نحكم مسبقا بان انتصار المقاومة الفلسطينية في صمودها وبقائها، تماما مثلما فعلت في كل المواجهات السابقة مع الاسرائيليين، وما نزول اربعة ملايين الى الملاجيء وذوي صفارات الانذار في القدس وتل ابيب وحيفا وديمونة الا اجمل معزوفة تطرب اذان المقاومين مطلقي هذه الصواريخ، خاصة عندما تتناغم مع آذان صلاة المغرب ايذانا بالافطار بعد يوم طويل من الصيام، كرد على الطائرات الامريكية الصنع من طراز “اف 16″ التي تلقي بحممها على الاطفال والرضع، والصائمين العابدين.

للمرة الالف نقول انها “حرب ارادات” والفوز فيها لصاحب الارادة الاقوى، وليس السلاح الاقوى، ولعمري ان ارادة اهل قطاع غزة اقوى واصلب من جبال الهملايا، انهم رجال في زمن عزّ فيه الرجال.

انها “حرب الرعب” في غزة.. وستكسبها فصائل المقاومة وصواريخها حتما.. ومطار تل ابيب هو المحطة القادمة بعد قصف حيفا.. وعيب ان يستمر اغلاق معبر رفح في وجه الجرحى يا حاكم مصر

ما يجري في قطاع غزة حاليا هي حرب من نوع مختلف بعض الشيء عن معظم الحروب السابقة، عنوانها “حرب الرعب”، ويبدو ان فصائل المقاومة تكسبها حتى الآن، فالصواريخ التي اطلقتها ووصلت الى تل ابيب وحيفا والغلاف الاستيطاني حول القدس المحتلة، ومحاولة الانزال البحري قرب عسقلان لاقتحام قاعدة بحرية اسرائيلية، وتفجير نفق قرب معبر كرم ابو سالم كلها مؤشرات تؤكد هذه الحقيقة.

حالة الذعر تسود اوساط المستوطنين الاسرائيليين الذين تمتعوا بحال من الهدوء رفعت معدل الدخل الفردي في اسرائيل الى مستويات قياسية تقترب الى الاربعين الف دولار سنويا، بينما ليس لها الا القليل من الاثر في اوساط ابناء قطاع غزة رغم غارات طائرات “اف 16″ التي بلغت اكثر من 200 غارة القت خلالها 400 طن من المتفجرات.

مساء امس اتصلت بالصديق فريح ابو مدين وزير العدل الفلسطيني الاسبق ضمن مجموعة من الاصدقاء الآخرين لاستطلاع الاحوال وردود الفعل على الغارات الاسرائيلية فقال لي ان المقاهي مليئة بالناس الذين يتابعون مباراة البرازيل والمانيا في كأس العالم، بينما القذائف الاسرائيلية تسقط بالقرب منهم ولا يعيرونها اي اهتمام.

***

هذا الشعب الذي يخرج من اجتياح اسرائيلي ليدخل في آخر، ومن حصار اقتصادي وسياسي خانق انتظارا لآخر اكثر شدة، لا يمكن ان يهزم، فهذا قدره، واختاره العلي القدير لكي يكون ممثلا لهذه الامة، وسدا لها في مواجهة هذا العدو الدموي المتغطرس، ولن يهرب من هذه المهمة مطلقا، ولن يتخلى عن قدره ودوره، وهو المؤمن الشجاع.

بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي يبحث عن تهدئة، بل يستجدي الوسطاء من اجل الوصل اليها رغم كل جعجعته وتهديداته، بينما يبحث ابناء القطاع عن كسر لحصار عربي اكثر عنفا وايلاما من الحصار الاسرائيلي، والعيش بكرامة، ولكن دون ان ينسوا المقاومة وحقوقهم المغتصبة في وطنهم وارضهم في الوقت نفسه.

الصواريخ التي بدأنا نحفظ اسماءها، مثلما نحفظ مداها عن ظهر قلب، مثل كلمات اعذب الاغاني الى قلوبنا، من “R160 ” او “ام 75″ الى “فجر 5″ و”البراق”، ستصل حتما الى مطار بن غوريون في قلب تل ابيب، وتعطل الملاحة الجوية الاسرائيلية، ولكن هذه الخطوة ربما تكون مؤجلة الى حين، وورقة “رعب” اخرى يجري استخدامها في الوقت المناسب وهو قادم حتما، فاهل المقاومة يحترمون كلمتهم، ويقولون ويفعلون.

فصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها “حماس″ ليست قوة عظمى، ولا تملك جيوشا جرارة واسلحة نووية وكيماوية، ودبابات “ميركافا” ولا صواريخ “كروز″، ولذلك لن تزيل اسرائيل من الوجود في الحرب الحالية، والانتصار “نسبي” هنا، ويكفي ان جميع رؤساء الوزارات الاسرائيليين جربوا حظهم، وحاولوا هزيمة قطاع غزة، الذي لا تزيد مساحته عن 150 ميلا مربعا، ووقف اطلاق الصواريخ منه وانهاء المقاومة فيه، وفشلوا جميعا، وذهبوا وبقيت الصواريخ، مثلما بقيت المقاومة، بكل جبروتها وقوتها وعزتها، ولن يكون نتنياهو استثناء.

نصف مساحة فلسطين المحتلة باتت تحت رحمة صواريخ المقاومة الفلسطينية على تواضعها، والنصف الثاني في الطريق، والمفاجآت واردة، ولن يخشى ابناء القطاع ورجال مقاومته تهديدات نتنياهو بالحرب البرية، بل لا نبالغ اذا قلنا انهم ينتظرونها ويستعجلونها، فقد خاضوها في الماضي، وسيخوضونها في الحاضر، ويستعدون لها في المستقبل، فطالما استمر الاحتلال ستستمر الحروب باشكالها كافة، والزمن في صالح اصحاب الحق وان طال.

نقولها للمرة الالف انها حرب عض اصابع، وقدرة اهل فلسطين وقطاع غزة بالذات على التحمل اكبر بكثير من قدرة اعدائهم الاسرائيليين، فلتطل الحرب، وسنرى من يصرخ اولا ويستنجد بالوساطات لوقفها، مثلما حصل في حرب “عمود السحاب” في عام 2012، وقبلها “الرصاص المصبوب”، فها هو ايهود اولمرت قائد الاخيرة في السجن، وها هي تسبي ليفني تتلاشى سياسيا.

الفلسطينيون لم يعودوا يعولون على القادة العرب، ولا يتابعون تصريحات السيد نبيل العربي امين عام الجامعة العربية، ولا يرجون خيرا منه او جامعته، او اجتماع وزراء خارجيتها الذي سيعقد في تونس الاسبوع المقبل، ويرون في لاعبي الجزائر الذين اهدوا انجازهم الكروي في مونديال كاس العالم وتبرعوا بمكافأتهم المالية (9 ملايين يورو) لابناء القطاع المحاصر عنوانا للشرف والرجولة والبطولة والتضامن والاخويتين العربية والاسلامية، ويقدرون مبادرتهم الرجولية اكثر من جميع مبادرات الزعماء العرب بما في ذلك مبادرة الهوان المسماه مبادرة السلام العربية.

لم نسمع اي رسالة تضامن من “اصدقاء الشعب الفلسطيني” او دعوة لاجتماعهم او اي حديث عن اسلحة نوعية او غير نوعية، ولم نقرأ عن اي دعوة للجهاد نصرة لاهل غزة من بعض الدعاة وانتم تعرفونهم واحدا واحدا، هل لان حركة “حماس″ متهمة بالانتماء للاخوان المسلمين التي صدر فرمانا باتهامها بالارهاب وخشية من بطش السلطان وقمعه، ولكن نذكرهم جميعا بأن اهل القطاع بشر، وغالبيتهم العظمى ليست من منسوبي “حماس″، والمقاومة “فرض عين” على الجميع مثلما يقولون ولكن في اماكن اخرى فيما يبدو.

المقاومة للاحتلال الاسرائيلي يجب ان تكون فوق كل الخلافات السياسية، وزعيمة لكل المقاومات الاخرى، وتستوجب اسقاط كل الخلافات والحواجز المذهبية والعرقية، والتوحد خلفها، والقتال تحت مظلتها.

***

مصر الشقيقة الكبرى تغلق معبر رفح امام المئات من الجرحى الذين تعجز مستشفيات القطاع الخالية من الادوية والمعدات عن استيعابهم، مثلما تغلقه امام الاطباء وشحنات الادوية القادمة من الاتجاه الآخر تلبية لنداء الواجب، فأين الانسانية والعروبة والاسلام ولا نقول اكثر من ذلك، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

الرئيس عباس يقول سنذهب الى مجلس الامن، وسننضم الى منظمات الامم المتحدة، وسنقدم طلبا الى محكمة الجنايات الدولية، وسندين العدوان، يا رجل افعل شيئا، وتوقف عن استخدام حرف “س″ هذا، احترم دماء الشهداء وانين الجرحى، افعل شيئا يرتقي الى مستوى تاريخ حركة “فتح” المشرف التي تتزعمها وبفضلها وصلت الى هذا المنصب الذي تتربع عليه، ولا تريد مغادرته.

غزة هاشم بن عبد مناف، والقوم الجبارين، ستظل عنوانا للشموخ والصمود والتضحية والمقاومة، ولهذا هي مستهدفة دائما، فشلت كل عمليات التجويع والقتل في تركيعها، وستظل كذلك، ابية رافعة الرأس، ورافعة راية المقاومة، مثلما فعلت لاكثر من ثمانية آلاف عام ونيف، فبقيت وذهب كل الغزاة.

لقطاع غزة رجال يحمونه.. ولن ينجح نتنياهو حيث فشل رابين وشارون.. ووساطة السلطات المصرية غير مقبولة.. وليس للمقاومة ما يمكن ان تخسره

لم نعرف ان قطاع غزة بات دولة عظمى الا بعد ان تابعنا حالة الهلع في اوساط القيادة الاسرائيلية والاستعدادات التي اتخذتها، وتتخذها، تمهيدا لغزوه بريا بعد ان واصلت عمليات قصفه طوال الايام الخمسة الماضية بأحدث الطائرات الامريكية الصنع من طراز “اف 16″، واستدعت اربعين الفا من جنود الاحتياط.

القادة الاسرائيليون يدركون جيدا ان تجارب الاجتياحات والحروب الاسرائيلية السابقة (الرصاص المصبوب 2009 وعامود السحاب 2012) جاءت نتائجها سلبية بالنسبة اليهم سياسيا وعسكريا ولم تحقق اهدافها، ومع التسليم بان الخسائر البشرية في صفوف ابناء القطاع والمدافعين عنه كانت ضخمة.

لا يوجد لدى حركة “حماس″وفصائل المقاومة الاخرى ما يمكن ان تخسره في هذه المواجهة، فالقطاع محاصر ومجوع، من السلطات المصرية والاسرائيلية معا، وقدمت “حماس″ كل المبادرات الممكنة من اجل كسر الحصار بما في ذلك تسليم السلطة الى الرئيس محمود عباس دون شروط، او مقابل، ومع ذلك استمر الحصار ومعه التجويع، ومنع وصول المرتبات لاكثر من اربعين الف موظف من سلطتها للشهر السابع ولا ماء ولا كهرباء ولا دواء، ودون اي رحمة او شفقة او اعتبار لشهر رمضان المبارك.

***

هذا الاصرار على الحاق اكبر حجم من الضرر المعنوي والمعيشي بابناء القطاع سيحولهم الى اسود، وسيجعلهم يستميتون في الدفاع عن عرضهم وكرامتهم في وجه هذا العدوان الاسرائيلي العربي المشترك الذي يستهدفهم، ويسعى الى اذلالهم، ودفعهم للتخلي عن المقاومة المشروعة بالتالي.

لا نعرف ماذا في جعبة حركة “حماس″ و”الجهاد الاسلامي” وباقي منظومة فصائل المقاومة من مفاجآت، ولكن بالقياس الى تجربتي الحرب السابقتين، فان الصواريخ ستصل الى قلب مدينة تل ابيب والقدس المحتلتين، وستدفع بالملايين من الاسرائيليين الى الملاجيء ولن تحميهم “القبة الحديدة”، فقد اطلقت هذه الفصائل مئة صاروخ في اليومين الماضيين نجحت هذه القبة في اعتراض ستين منها بينما نجح الباقي في الوصول الى عسقلان واسدود، والاخيرة مسقط رأس والديّ واسرتي.

واذا كانت هذه “القبة” تعترض بعض الصواريخ فانها حتما لن تمنع “مفاجأة” الانفاق التي يحسب لها الاسرائيليون الف حساب، ويتحدث عسكريوهم عن احتمال امتدادها من القطاع الى العمق الاستيطاني الاسرائيلي، وحركة “حماس″ اكتسبت الخبرة الهندسية في هذا الميدان من “حزب الله” في جنوب لبنان، وكان اول انجاز لها خطف الجندي الاسرائيلي غلعاد شاليط من قاعدته قرب معبر كرم ابو سالم جنوب غرب القطاع.

السلطات المصرية التي تعتبر اسرائيل حليفا استراتيجيا، مثلما اكد رئيس مخابراتها اثناء زيارته السرية لتل ابيب قبل ايام، لا يمكن ان تكون وسيطا مقبولا، ونشك انها يمكن ان تقوم بهذا الدور اساسا، لانها وفي ظل عدائها المستحكم لحركة “حماس″ بسبب “اخوانيتها” ودعمها للرئيس المعزول محمد مرسي، تتمنى ان يغرق القطاع ومن فيه في البحر ولا ينجو احدا، طالما انها ستتخلص من حماس وحكمها وتلتقي في هذه التمنيات مع اسحق رابين وقادة اسرائيل الحاليين، ومات رابين ولم تحقق امنياته، وسيموت غيره وستبقى غزة صامدة مقاومة ومتحدية.

فهذه السلطات دمرت جميع الانفاق، وبعضها كان يستخدم في تهريب الاسلحة الحديثة والمتطورة الى فصائل المقاومة لتمكينها من الدفاع عن نفسها نيابة عن الامة في مواجهة اي عدوان اسرائيلي، واغلقت معبر رفح، وما زالت، المنفذ الوحيد لاكثر من مليوني مسلم عربي منذ بداية العام وحتى كتابة هذه السطور، وان فتح فلساعات تعد على اصابع اليد الواحدة ولحالات طارئة، وسط كم هائل من الاهانات والاذلال للعابرين.

لم ار او اسمع في حياتي ممارسة مثل هذا النوع من التعذيب النفسي والسادي في اي معابر حدودية اخرى غير قطاع غزة ومعبر رفح، ولا اعرف ماذا فعل هؤلاء للنظام المصري الحالي حتى يعامل بمثل هذه الطريقة ومن قبل اناس من المفترض انهم من اشقائه وابناء عقيدته، غالبيتهم حركة “حماس″ التي يعلن الحرب عليها.

انتقدت الرئيس حسني مبارك وسياساته لاكثر من ثلاثين عاما، وما زلت، وسأظل، ولكن هذا النظام لم يدمر نفقا واحدا، وابقى على المعبر مفتوحا وسمح بمرور الاسلحة والمعدات العسكرية والاموال لاهل القطاع دون توقف، وانتقادي له كان بسبب ظلمه واضطهاده لشعبه وعلاقاته مع اسرائيل وتقزيم مصر ودورها، وهي العلاقات التي يستمر فيها النظام الحالي ويعززها ويوقع اتفاقات غاز معها تمتد لاكثر من عشرين عاما.

حركة “حماس″ يجب ان لا تقبل الانخراط او التعاون مع اي وساطة مصرية الا اذا رفعت السلطات المصرية الحصار عنها، وفتحت معبر رفح طوال العام دون اغلاق، وعاملت ابناء القطاع كبشر، والشيء نفسه يجب ان يطبق على حكومة نتنياهو فلا تهدئة من اجل التهدئة، وليتفضلوا ويحتلوا القطاع، وسيذوقون العلقم الممزوج بالدم الذي دفع رابين مكرها الى مائدة المفاوضات، وجعل ارييل شارون يهرب بقواته ومستوطنيه مقرا بالهزيمة من طرف واحد ليموت مقهورا فاقد الوعي في غرفة العناية المركزة.

نتنياهو يهدد بتدمير البنى التحتية لفصائل المقاومة في القطاع، ما هي هذه البنى التحتية، ناطحات سحاب، ام مفاعلات نووية، او مصانع لانتاج الطائرات والدبابات والمدافع الثقيلة، ام محطة الكهرباء اليتيمة المعطلة بسبب نقص الوقود لتشغيلها بسبب الحصار، ام معامل تنقية مياه المجاري التي اكلها الصدأ وحل البحر مكانها مكرها؟

نسأل نتنياهو: ما هي خططه للقطاع بعد الغزو، ونحن نعرف انه لن يجرؤ على البقاء في القطاع، ومن سيحكمه في حال القضاء المفترض على حركة “حماس″؟ هل سيستطيع الرئيس عباس ان يملأ هذا الفراغ، وهل سيكرر تجربة السلطة وقوات امنها الفاسدة في القطاع مجددا؟ وهل سيجد من يرحب به، فليجرب هو الآخر وسنرى.

***

لدي اهل واقارب في القطاع، وبعضهم ينتمون الى حركة “حماس″ والبعض الآخر لحركة “فتح” والبعض الثالث موزعين على حركة “الجهاد” وفصائل اخرى، والشيء الوحيد الذي يجمع عليه هؤلاء دون تردد هو نجاح شرطة “حماس″ في فرض الامن وحكم القانون، وكانوا يخشون ان تؤدي المصالحة الى عودة السلطة والفساد والفوضى الامنية.

نتنياهو سيفتح على نفسه وعلى الجار المصري جحر ثعابين اسمه الفوضى، وسيحول قطاع غزة فعلا الى جنوب لبنان، فليس هناك اصعب من حكم القطاع والسيطرة على شبابه المتعطش للمقاومة والشهادة.

نشك في ان ينجح نتنياهو هذه المرة فيما فشل فيه كل من سبقوه، اي القضاء على المقاومة، فهذه مزروعة في جينات كل انسان فلسطيني وتتوارثها الاجيال، والوحدة الوطنية الفلسطينية التي تتعاظم حاليا في مختلف الاراضي المحتلة وتنعكس في انتفاضة ثالثة هي الحاضنة لهذه المقاومة “المقدسة” وليس التنسيق الامني وفق قاموس الرئيس عباس ومفرداته المكروهة.

الشعب الفلسطيني يثور من اجل كرامته ويقدم الشهداء ويتصدى للعدوان في غزة، والرئيس عباس يخاطب مؤتمر “للسلام” في القدس المحتلة تنظمه صحيفة اسرائيلية.

التنسيق الامني “المقدس″ لم يسمح لعباس الذهاب الى القدس المحتلة لتعزية اسرة الشهيد محمد ابو خضير بئس هذا التنسيق.

اهل القطاع سيدافعون عن انفسهم بشجاعة وبطولة، ولا ينتظرون احدا يهب لمساعداتهم ونجدتهم ويرصد المليارات لتسليحهم بأوامر امريكية، فليس لديهم اي خيار آخر في ظل هذا التغول الاسرائيلي والتواطؤ العربي المخجل، وسيخرجون رافعي الرأس من رماد اي عدوان اسرائيلي جديد مثلما فعلوا في كل “العدوانات” السابقة، ولن يخذلهم الله جل وعلى وهم الصائمون المؤمنون المتعبدون في شهر التضحية المبارك.

السعودية انتظرت هجوم “الدولة الاسلامية” من الشمال فجاءها من الجنوب.. وتحالفها مع الاعداء في ايران وسورية والعراق هل بات وشيكا؟

قبل عشرة ايام اصدر العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز توجيها “باتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لحماية مكتسبات الوطن واراضيه”، في ضوء الاحداث الجارية في المنطقة، وخاصة العراق، في ظل سيطرة جماعات مسلحة (الدولة الاسلامية) على مدن شمال وشرق العراق، واضاف في رسالة شديدة اللهجة “لن نسمح لشرذمة من الارهابيين اتخذوا هذا الدين لباسا يواري مصالحهم الشخصية ليرعبوا المسلمين الآمنين”.

بعد يومين من هذا التوجيه اصدر مراسيم بتعيين الامير بندر بن سلطان مبعوثا خاصا له، والامير خالد بن بندر رئيسا لجهاز الاستخبارات العامة، واعلن حالة الطوارىء في صفوف القوات السعودية، وحشد 30 الف جندي على حدود المملكة مع العراق التي تمتد لاكثر من 800 كيلومتر.

الخطر لم يات الى المملكة من الشمال، حتى الآن على الاقل، وانما من الجنوب، ومن اليمن بالذات عندما قام ستة اشخاص ينتمون الى تنظيم “القاعدة” باقتحام معبر الوديعة الحدودي، يوم الجمعة الماضي، بعد ان قتلوا جنديا واستولوا على سيارة الامن التي كانت بحوزته، واحتلوا مبنى المباحث العامة في مدينة شرورة القريبة، وقاتلوا حتى نفذت قنابلهم وذخائرهم وفضل اثنان منهم تفجير نفسيهما باحزمة ناسفة على ان يستسلما لقوات الامن التي حاصرتهما، فكانت الحصيلة مقتل اربعة من رجال الامن وخمسة من المهاجمين واسر سادس بعد اصابته.

***

هجوم معبر الوديعة تزامن مع الذكرى الهجرية الخامسة لمحاولة الاغتيال الفاشلة لوزير الداخلية الحالي الامير محمد بن نايف عندما ادعى عبد الله عسيري عضو تنظيم القاعدة المطلوب للاجهزة الامنية انه تائب ويريد العودة الى المملكة، وحين استقبله الامير محمد بن نايف في قصره بعد ان ارسل له طائرة خاصة فجر نفسه حيث كانت القنبلة مزروعة في احشائه، حسب الرواية الرسمية، فقتل بينما اصيب الامير باصابة خفيفة.

المملكة العربية السعودية التي حاولت ابعاد ثورات الربيع العربي واعمال العنف والاحتجاجات المرافقة لها عن حدودها من خلال دعم المعارضات المسلحة بالمال والسلاح مثلما هو حادث في اليمن العراق وسورية ومصر وليبيا (بدرجة اقل) وجدت نفسها محاصرة بخطر اكبر شمالا وجنوبا ويتمثل في تنظيم “الدولة الاسلامية” الذي ورث ايديولوجية تنظيم “القاعدة” وممارساته واهدافه، واعلن قيام دولة الخلافة بزعامة ابو بكر البغدادي في منطقة تمتد حدودها المؤقتة لتشمل الشام والعراق والمملكة العربية السعودية ودول الخليج والمغرب العربي.

القيادة السعودية كانت تتحوط من الخطر الايراني “الشيعي”، وتقيم التحالفات الدولية، وتنفق حوالي 130 مليار دولار على اسلحة حديثة من اجل مواجهته وحماية حدودها، لتجد نفسها تواجه خطرا “سنيا”، ربما يشكل تهديدا اكبر متمثلا في التنظيم الجديد القديم الذي يتوسع بسرعة مفاجئة.

اللافت ان استراتيجية “الدولة الاسلامية” تقوم بالدرجة الاولى على الاستيلاء على المعابر الحدودية وازالتها، خاصة بين سورية والعراق، والعراق والاردن، وكان من المفترض التوجه نحو المعبر الحدودي السعودي العراقي في عرعر ورفحاء بعد سحب السيد نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي 2350 جنديا من الحدود السعودية لتعزيز امن العاصمة، في خطوة فسرها البعض على انها دعوة غير مباشرة لتنظيم “الدولة الاسلامية” للاستيلاء على هذه الحدود وتورط المملكة في الصراع الامر الذي دفع الاخيرة لارسال 30 الف جندي من قبيل الاحتياط لحمايتها.

انشغال السعودية بامنها الداخلي وحماية حدودها ادى الى انسحابها تدريجيا واعلاميا وعسكريا من ملف الازمة السورية الذي كانت تجلس في مقعد القيادة فيه وتؤسس وتمول جبهات اسلامية تقاتل من اجل اسقاط النظام السوري، الامر الذي يؤكد الثغرات الكبيرة في الاستراتيجية السعودية تجاه هذا الملف وغيره، وسوء التقدير لتطورات الاوضاع في المنطقة.

الاولويات الغربية في سورية والعراق تغيرت بسرعة لافتة، فلم يعد اسقاط النظام السوري احداها، بل مواجهة الجماعات الاسلامية المتشددة وحماية المملكة العربية السعودية والاردن من اخطار اجتياحاتها باعتبارها الهدف القريب لهذه الجماعات.

الدولة الاسلامية تشكل خطرا على المملكة لسببين اساسيين، الاول عدم اعتراف هذه الدولة بنظامها وشرعيته، رغم تطبيقه الشريعة الاسلامية، ووجود ثأر لدى قادة هذا التنظيم تجاه المملكة لان الطائرات الامريكية بدون طيار التي تقصف تجمعات القاعدة في اليمن تنطلق من قاعدة سرية في منطقة شرورة السعودية التي هاجمتها “خلية معبر الوديعة” القريبة من الربع الخالي، اما الثاني فهو وجود اكثر من ثلاثة آلاف سعودي يقاتلون حايا في صفوف قوات “الدولة”، وقجدموا البيعة لزعيمها، وضعف هذا العدد في اليمن يقاتل تحت فرع تنظيم “القاعدة” في الجزيرة العربية بقيادة ناصر الوحيشي، وتفيد المعلومات شبه المؤكدة ان احتمالات انضمام هذا الفرع للدولة الاسلامية وتقديم البيعة لزعيمها باتت كبيرة جدا.

كيف ستواجه القيادة السعودية هذا الخطر الذي يحيط بها شمالا وجنوبا، ويحاول اختراقها في العمق (اكتشاف خلية في ايار (مايو) الماضي تضم 62 شخصا نسبة كبيرة منهم من السعوديين وتنتمي للدولة الاسلامية وكانت تخطط لهجمات ضد اهداف سعودية واجنبية؟).

من المفارقة ان خيارات السعودية في هذا المضمار صعبة ومكلفة في الوقت نفسه ويمكن اختصارها في نقطتين:

*الاول: ان تدخل في تحالف عسكري وسياسي وامني مع ايران والعراق وسورية، وهم اعداؤها اللدودون، وتكوين جبهة قوية معهم لمواجهة هذا الخطر.

*ثانيا: ان تقرر الاعتماد على الذات، وترفض الانخراط في هذا التحالف، وتحاول فتح قنوات اتصال مع هذا التنظيم، وتقديم الدعم له، المالي والعسكري، على اساس النظرية التي تقول عدو عدوي حليفي.

وربما تكون عملية رد الاعتبار للامير بندر بن سلطان وتثبيته في موقعه كأمين عام لمجلس الامن الوطني الذي يراسه الملك مؤشر في هذا الصدد، اي احتمال التواصل مع هذه الدولة.

***

الخيار الاول على صعوبته يظل الاكثر ترجيحا والاقل كلفة بالنسبة الى المملكة وقيادتها، لسبب بسيط لان هناك اجماعا اقليميا ودوليا على حتمية القضاء على تنظيم الدولة باعتباره تنظيما “ارهابيا” تتفق عليه وتلتقي فيه الولايات المتحدة وروسيا، اي ان خطر هذا التنظيم وشدة مراس مقاتليه وتشدده العقائدي ودمويته بات عامل توحيد لكل الاعداء في المنطقة تحت مظلة الخوف منه.

الاطاحة بالسيد نوري المالكي، وتشكيل حكومة توافق جديدة تضم السنة والاكراد الى جانب الشيعة، وفي اطار تفاهم على الرئاستين الاخريين (الجمهورية والبرلمان) يمكن ان يوفر الغطاء لانضمام السعودية الى هذا التحالف، وما تقديمها 500 مليون دولار كهبة لمساعدة العراقيين الا عوبون او مقدمة في هذا الخصوص.

السياسة لعبة خطرة، ولا نقول قذرة فقط، وكل شيء جاهز فيها، ولهذا لن نستغرب وصول الرئيس الايراني حسن روحاني الى الرياض في اي لحظة، ولا نستبعد ان يفعل الرئيس بشار الاسد الشيء نفسه، ولكن بعد فترة قد تطول او تقصر، فأمن الدول والانظمة يتقدم على كل الاعتبارات والمبادىء، فلا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، والايام المقبلة حافلة بالمفاجآت قد تثير العديد من علامات الاستفهام لغرابتها.