ليت مفاوضي “حماس″ و”الجهاد” يرتقون الى مستوى صمود رجالهم في غزة وينسحبون من “سيرك” القاهرة.. وسيأتي يوم يترحم فيه “محور الاعتدال” على “الاخوان” و”القاعدة” بعد ان تصلهم طلائع الخليفة البغدادي

لا نفهم لماذا يستمر وجود الوفد الفلسطيني المفاوض في القاهرة حتى هذه اللحظة بعد فشل كل جولات المفاوضات السابقة في التوصل الى اي نتائج تلبي المطالب الفلسطينية في رفع الحصار المصري الاسرائيلي العربي المشترك المفروض على قطاع غزة، كل حسب دوره المرسوم له.

من حسم الامور على الارض، وقلب كل المعادلات، ووضع رجال المقاومة وفصائلهم على قدم المساواة مع رابع أقوى جيش في العالم، وفي وضعية الند للند، رغم الفارق الهائل في العدد والمعدات، هؤلاء يجب ان يتصرفوا بالطريقة الشجاعة التي تصرفوا فيها في جبهات القتال، وان يقدموا انذارا واضحا لـ”الوسطاء” المصريين والخصوم الاسرائيليين معا، اما ان تنفذوا ما نطلب في غضون يومين او ثلاثة، والا فالعودة الى الانفاق، ومواصلة الحرب، فما يطلبه هؤلاء من فك حصار وفلاحة الارض وصيد السمك وممر بحري يجنبهم اذلال الشقيق وعجرفته، واطلاق اسرى وفتح معابر، حقوق مشروعة وليست ملفات نووية او اسلحة كيماوية.

ليست المرة الاولى التي تعرض فيها قطاع غزة لعدوان اسرائيلي، ولن تكون الاخيرة، ولكن الفارق انه في جميع الاتفاقات السابقة على وقف اطلاق النار لم تحدث “زفة” التفاوض التي نراها حاليا، ولم تذهب وفود يفوق تعدادها الثلاثين او الاربعين شخصا الى القاهرة من اجل التفاوض، ولم تستغرق المفاوضات في المرات السابقة اسابيع بل ليوم او يومين على الاكثر، وعلى الهاتف، يتم بعدها وقف اطلاق النار، هذا ما حدث عام 2006، وهذا ما حدث عام 2008، وهذا ما حدث عام 2012، وهذا ما حدث مطلع هذا العام عندما اطلقت حركة الجهاد الاسلامي صواريخها كسرا لهدنة اخترقتها اسرائيل باغتيال رجالها.

***

المشاركون في الوفد الفلسطيني قالوا انهم قبلوا هدنة الايام الثلاثة المطبقة حاليا وتنتهي بعد غد، والغوا قرارهم بالمغادرة “مجاملة” للمضيف المصري واستجابة لـ”ضغوطه”، وهذا في تقديرنا امر مفاجيء علاوة على كونه “غير مقبول” بل و”مستهجن” ايضا، فلماذا يجامل الوفد الفلسطيني “المخابرات المصرية” التي تشرف على هذه المفاوضات وترعاها، وهي التي تفرض الحصار على قطاع غزة، وتغلق معبر رفح، وتدمر جميع الانفاق، ويتلذذ رجالها في تعذيب الفلسطينيين في المطارات والمعابر، وتوعز لاجهزة الاعلام بشن حملات “الردح” و”الشيطنة” ضدهم لتكريه ابناء مصر بهم، وهي الحملة التي ظهرت نتائجها في عدم خروج مظاهرة احتجاج واحدة “ذات شأن” في العاصمة المصرية التي يتجمع فيها اكثر من الف شخص في حال حدوث “مشاجرة لفظية” بين اثنين من المارة، في سوق شعبي او ساحة للحافلات العامة.

للأسف، نقولها بكل الم، ان السلطات المصرية تقف في الخندق الاسرائيلي، هي وكل الحكومات العربية الاخرى “المعتدلة” التي تقف خلفها، وكانت تتطلع الى “انجاز″ اسرائيل بازالة فصائل المقاومة دفعة واحدة، واجتثاثها من جذورها في ايام معدودة وهو “انجاز″ عجزت عن تحقيقه بالحصار والاذلال، ولكن للمقاومة رأي آخر انتصر في نهاية المطاف بارادة ربانية.

لا نعرف ما اذا كانت المعلومات التي وصلتنا وتقول ان المفاوضين المصريين “الوسطاء” بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي يرفضون حتى هذه اللحظة اللقاء مباشرة مع اعضاء وفد حماس، ويتحدثون معهم عبر السيد عزام الاحمد رئيس الوفد، لا نعرف اذا كانت معلومات صحيحة، ونأمل ان تكون غير ذلك، فاذا صحت، ويبدو انها كذلك، فلماذا يستمر وفد حماس في المفاوضات حتى الآن، ولماذا لا يثور لكرامته واسوده المقاومين وينسحب منها، وكيف يقبل ان يلتقي الوسيط المصري بالاسرائيليين الذين احتلوا ارض مصر وارتكبوا المجازر، وابشع انواع التدمير، في مدن القناة اثناء حرب الاستنزاف المشرفة بعد هزيمة عام 1967، ولا يلتقي ممثلي حركة مقاومة عربية مسلمة الحق رجالها هزيمة نكراء ومهينة بالجيش الاسرائيلي الذي “لا يقهر”، وبما يخدم امن مصر القومي ومشروعها الاستراتيجي العسكري والسياسي؟

وفد المقاومة الفلسطيني كان يجب ان يكون بقيادة شخص مثل رمضان عبدالله شلح امين عام الجهاد الاسلامي مثلا، وان يبدأ المفاوضات مع الجانب المصري قبل الاسرائيلي على فتح معبر رفح بصورة منتظمة ثانيا، ومعاملة الفلسطينيين امامه كبشر وليس كحيوانات من قبل الجنود المصريين، ورفع الحصار المصري على القطاع ثالثا، وبعد الانتهاء من تحقيق هذه الاهداف يتم الانتقال الى المفاوضات مع الطرف الاسرائيلي.

من يصمد لاكثر من شهر تحت القصف الاسرائيلي من البحر والبر والجو، ويسجل واحدا من اشرف الانتصارات العربية والاسلامية، ويلحق اعلى نسبة من القتلى في اوساط الجنود، ويمنع تقدم الجيش الاسرائيلي امتارا داخل القطاع، كيف لا يصمد امام ضغوط السلطات المصرية، المتواطئة مع العدوان؟ وكيف لا يكون هو صاحب الكلمة الفصل، وهو الذي يحظى بدعم الغالبية الساحقة من الشعبين الفلسطيني والعربي، ومعظم الرأي العام العالمي، وكل المسلمين تقريبا؟

***

والله لا نبالغ عندما نقول ان المقاومة انتصرت، وغيرت الكثير من المفاهيم حول قوة الجيش الاسرائيلي والدولة التي يمثلها، لان المفهوم الاساسي الذي قامت عليه هذه الدولة اي توفير الامان والاستقرار لمستوطنيها انهار بمجرد لجوء هؤلاء بالملايين الى الملاجيء، وهروب معظمهم من مستوطنات عسقلان واسدود وديمونة وسيدروت وحتى تل ابيب، فالمشروع الصهيوني في فلسطين قام على الاستيطان “المحصن”، وعندما تسقط هذه الحصانة فهذا يعني بداية فشله وزواله.

اعلامي بريطاني معروف قال لي نقلا عن قائد سابق للجيش البريطاني قوله، ان الجيش الاسرائيلي الحالي غير نظيره قبل خمسين عاما، فمعظم جنوده لا يملكون العقيدة القتالية التي كان يتمتع بها من سبقوه، ولا يعرف او غير مهتم باستخدام الاسلحة الحديثة التي في حوزته بشكل جيد، ويحب الحياة مثل كل اقرانه الغربيين، على عكس الفلسطينيين الذين يمتلكون الآن نفس دوافع الاسرائيليين الاوائل ان لم يكن اكثر، واظهرت حرب غزة هذه الحقيقة.

ثقافة المقاومة ترسخت في قطاع غزة، وستنتقل حتما الى الضفة الغربية واسرع يكثير مما تتوقعه السلطة وقيادتها ومنظريها وقوات الامن التابعة لها، فعندما يستشهد شبان برصاص الجيش الاسرائيلي في الخليل ونابلس احد ابرز خطوط المقاومة في مواجهة الاحتلال، ويرفض بيان السلطة ان يذكر انهم شهداء من ابطال حركة “فتح” خوفا من اغضاب حكومة نتنياهو، فان الطوفان قادم حتما، لان حركة “فتح” التي كانت السباقة في تقديم الشهداء لا يمكن ان تقبل بمثل هذا الهوان، ومثل هذا النكران، وكأن المقاومة امر مخجل يجب اخفاؤه.

اسرائيل وحلفاؤها العرب الذين تباهى بهم نتنياهو واعتبرهم انجازه الاكبر الذي تجلى بصمتهم وعدم تضامنهم اثناء عدوان غزة، يعيشون اسوأ ايامهم، هؤلاء الذين تحالفوا على ارضية الحرب على المقاومة ونزع سلاحها، واجتثاتها من قطاع غزة، وحضّروا سرادق الفرح والاحتفال، فشلوا في سورية مثلما فشلوا في العراق وقبلهما ليبيا واليمن، وسيواجهون قريبا جدا خطرا اكبر اسمه الدولة الاسلامية ومقاتليها، وهو خطر يقترب من حدودهم جميعا، ويرتعشون وتصطك ركبهم بمجرد سماع اسمه، حتى ان الرئيس السيسي طالب بتشكيل جبهة عربية موحدة لمواجهة هذا الخطر وليس اسرائيل، والله عيب.

سيأتي يوم قريب سيترحمون على حركة “حماس″ وشقيقتها الجهاد الاسلامي، ويتباكون على ايام “الاخوان المسلمين” بل حتى على ايام “القاعدة” وشيخها اسامة بن لادن، فـ”التسونامي” الزاحف الذي تتساقط امامه الحدود والمدن كالذباب وترسل امريكا طائراتها لمنع دخوله اربيل فاجأ ويفاجيء الجميع ويكشف كل اوراقهم وعوراتهم معا.

رجال في مقاومتهم.. رجال في مفاوضاتهم.. سلاحهم ليس للبيع لانه عنوان شرفهم وكرامة شعبهم.. و”الحياة ليست مفاوضات” بالنسبة لهم وانما جهاد وتضحيات وهذا ما نسيته اسرائيل وحلفاؤها العرب

انهارت المفاوضات حول اتفاق هدنه في قطاع غزة لسبب بسيط وهو ان وفد رجال المقاومة متمسك بشروطه كاملة ولان الطرف العربي بما في ذلك وفد السلطة، والدولة المضيفة (مصر) يريدون انقاذ انفسهم وانقاذ اسرائيل من خلال التمسك بشروط الاخيرة، نزع سلاح القطاع وتحويله الى منتجع سياحي، وليس قاعدة وحيدة للمقاومة ضد الاحتلال.

وفدا “حماس″ و”الجهاد الاسلامي” نوعية مختلفة من الرجال، يمثلون عقيدة قتالية جهادية مختلفة، ويعرفون كيف يتعاملون مع الاسرائيليين في المفاوضات، مثلما يعرفون كيف يتعاملون معهم في ميادين المعارك، وتخلصوا من عقدة الخوف من الاسرائيليين منذ عقود، ولا نبالغ اذا قلنا انها غير موجودة اصلا.

اسرائيل تعودت ان تتفاوض مع ممثلي السلطة الفلسطينية ورئيسها نفسه من موقع القوي الذي يملي شروطه كاملة، بينما الطرف الثاني يتراجع عنها الواحدة تلو الاخرى، ومستعد للقبول بقليل القليل، وحتى هذا لم يحصل عليه.

***

الذين يفاوضون اسرائيل في الحجرة الاخرى اناس مثل السيد خليل الحية الذي ارتقت اسرته كاملة شهداء في غارة اسرائيلية متعمدة، والسيد محمود الزهار الذي قدم ولديه شهيدين فداء لفلسطين وعلى درب تحريرها، جاءوا من ارض المعارك ليس من اجل ان يتفسحوا في القاهرة، وانما من اجل نقل مطالب شعبهم والتمسك بها كاملة، ومع اناس كهؤلاء لا يمكن ان تنتصر عليهم اسرائيل او ان تحتال عليهم، مثلما احتالت على الآخرين، والشيء نفسه يقال عن شهود الزور من المندوبين العرب المتواطئين معها.

ما يملكه هؤلاء الرجال وما يفتقد اليه الآخرون هو العزيمة والارادة والايمان بعدالة قضيتهم، ورفض كل انواع المساومة على حقوقهم في تحرير فلسطين كاملة من البحر الى النهر وعدم المساومة على اي شبر من ترابها المقدس.

اسرائيل والدولة المضيفة وبتخطيط من توني بلير ارادوا ان يجعلوا من مفاوضات القاهرة مصيدة لوفد المقاومة، وجره تدريجيا الى هدنات متواصلة تبدأ قصيرة وتتحول الى ابدية، وبما يؤدي الى بقاء الوضع على حاله، ولكنهم وجدوا نوعية مختلفة من الاعصاب الفولاذية يعون تماما مفردات هذا المخطط واستعدوا له جيدا.

رفضوا تمديد هدنة الايام الثلاثة، واكدوا على رفضهم هذا باطلاق الصواريخ بعد دقائق من انتهائها، ورفضوا كل محاولات الابتزاز، ومن السلطة خصوصا، التي ارادتهم ان يتحلوا بـ”الواقعية” و”الاعتدال”، وكأن هذه الواقعية وهذا الاحتلال حقق للشعب الفلسطيني غير المذلة والهوان والعيش على حساب وكالة غوث عالمية اسمها الدول المانحة، ومقابل ثمن باهظ جدا جدا اسمه التنسيق الامني وعنوانه التجسس لمصلحة اجهزة الامن الاسرائيلية على المقاومين الشرفاء تمهيدا لاغتيالهم او اعتقالهم، والحيلولة دون وصول ظاهرة المقاومة الشريفة الى الضفة الغربية.

ماذا يمكن ان يخسر رجل مثل خليل الحية الذي فقد اسرته شهداء، وماذا يمكن ان يخسر شخص مثل محمود الزهار الذي قدم ولديه فداء للثورة، وماذا تبقى لابناء قطاع غزة الابطال، ما يمكن ان يخسروه بعد ان دمرت اسرائيل الغالبية الساحقة من بيوتهم، وقتلت ما يقرب الالفين من اطفالهم ونسائهم، ونسفت مستشفياتهم وبيت عجزتهم، وقطعت عنهم الماء والكهرباء، ولو تملك وسيلة لقطع الهواء لما ترددت.

من يملك القرار في القطاع حاليا هم مقاومون شرسون، يديرون المعارك من غرف عمليات تحت الارض فشلت اسرائيل وكل جواسيسها واجهزتها الحديثة في اكتشافها، جناح القسام (حماس) وسرايا القدس (الجهاد) هما المرجعية، وهما اصحاب الكلمة الاخيرة، وهؤلاء لن يتنازلوا لانهم ندروا حياتهم للخالق جل وعلى، ويجدون شعبا جبارا حولهم ويدعمهم حتى الشهادة.

نحمد الله ان حركة “حماس″ ارسلت هؤلاء الرجال الرجال لتمثيلها، مثلما نحمده ايضا لانهم اكبر ممن يضغطون عليهم لتقديم تنازلات محرمة ابرزها نزع سلاح المقاومة، مقابل خمسين مليارا، ابناء غزة عاشوا ثماني سنوات تحت الحصار، ونصبوا خيمهم فوق انقاض منازهم التي تدمرت في العدوانين او الثلاثة السابقة، ويمكن ان يعيشوا هكذا بشرف وكرامة في محيط عربي لا يعرفهما للاسف.

***

سلاح المقاومة لا يشترى بالمال، فقد تعلم المقامون الدروس المرة من تجارب سابقة، فاين انتهت منظمة التحرير بعد خروجها من لبنان عام 1982 وتنازلها عن اسلحتها، واين وصلت السلطة في رام الله بانخراطها في مفاوضات استمرت لاكثر من عشرين عاما ولم تحصد غير 700 الف مستوطن وتهويد القدس وتحويل الشعب الفلسطيني الى عبيد للرواتب وفتات المساعدات التي يتصدق بها الامريكي والفرنسي والالماني وبعض العرب الذين يدورون في فلكهم.

فلتكثف اسرائيل قصفها ولتدمر ما تبقى من القطاع، فاسلوب “الصدمة والرعب” الذي استخدمه بوش الاب لم يعد يرهب ابناء القطاع الابطال، وقتل الاطفال يدين صاحبه ولا يرهبهم مطلقا.

المسألة ليست امتلاك صواريخ وانما “ارادة” اطلاق هذه الصواريخ، وهي متوفرة بكثرة لدى ابطال المقاومة ويمكن ان تفيض لتصل الى من يريد الخروج من حالة الخنوع من الجوار العربي، ولكن قلة يفكرون بهذا العرض المشرف ناهيك عن قبوله، فهناك دولة انفقت مئات المليارات من الدولارات على اسلحة حديثة ولكنها لا تملك الارادة لاستخدامها، وان استخدمتها ففي المكان الخطأ وضد العدو الخطأ، المقاومة انتصرت في المفاوضات مثلما انتصرت في الحرب، وباذن الله لن تهزم ابدا، وسيكون هذا القطاع الصغير (150 ميلا مربعا) اقوى من الدول العظمى بارادته واصراره، وشوكة في حلق الاحتلال، ومصدر الهام لكل الشرفاء العرب الذين ينظرون اليه باكبار واعزاز.

للمرة المليون نقول لاهلنا في قطاع غزة شكرا، ومن القلب، واعذرونا اننا لا نستطيع تقبيل رؤوسكم لانكم اعلى منا واطول، وعمالقة في انجازاتكم وانتصاراتكم، واعلموا جيدا ان مئات الملايين من الشرفاء في العالم يقفون في خندقكم، ويؤمنون بحتمية انتصاركم.

غزة باتت عاصمة الشرف والكرامة، وكعبة المجاهدين والمناضلين، مثلما كانت على مر العصور وستظل.

انهم يريدون نزع سلاح المقاومة وسرقة انتصار ابناء القطاع مقابل اعمار وسلام اقتصادي مغشوش

تجري حاليا مفاوضات القاهرة حول ترتيب وقف نهائي لاطلاق النار في قطاع غزة وسط تكتم شديد، لكن وجود توني بلير مبعوث لجنة السلام الدولية وممثلين عن السلطة لا يبعث على الاطمئنان مطلقا، خاصة بعد ان سربت صحف اسرائيلية تقارير تفيد بأن هناك مقترحا المانيا بريطانيا فرنسيا يجري بحثه حاليا يرتكز على اساس اعادة اعمار القطاع مقابل نزع سلاح المقاومة.

بلير طبق الحيل نفسها في ايرلندا الشمالية عندما كان رئيسا للوزراء وبدأ مسيرته في تّجريد الحزب الجمهوري الايرلندي من سلاحه من خلال “هدن” صغيرة، تكبر بمرور الوقت، مع ضخ مليارات الدولارات لاعادة البناء وتوفير فرص العمل للعاملين، واشراك الجميع من الكاثوليك والبروتستانت في عملية سياسية وما يؤدي الى نسيان الحقوق التاريخية في نهاية المطاف.

***

فلسطين ليست ايرلندا الشمالية، فهناك فوارق في طبيعة الصراع وجذوره، وان كانت هناك قواسم مشتركة محدودة، لا مجال لسردها، وبلير الذي عمل على تدمير العراق وليبيا وافغانستان، ولم يحقق تقدما ولو ميليمتر واحد في عملية السلام يريد ان يحول قطاع غزة الى نموذج مشابه للضفة الغربية بحيث يغرق ابناؤه في الاستشمارات والسلام الاقتصادي وتستمر السلطات الاسرائيلية في ابتلاع الارض.

الرئيس محمود عباس الذي اقسم بانه لن يسمح بانتفاضة ثالثة، ولا يريد العودة الى صفد، ويعتبر التنسيق الامني مع الاسرائيليين مقدسا، سيدفع باتجاه نزع سلاح المقاومة، وتحويل فصائلها الى احزاب سياسية، وقطاع غزة الى كيان منزوع الدسم.

اسرائيل افتعلت هذه الحرب، ومارست اعمال القتل والتدمير على نطاق واسع من اجل تيئييس ابناء القطاع، ووصولهم الى درجة من الاستسلام تدفعهم للتخلي عن سلاح المقاومة، ولكن ابناء القطاع وقيادته ليسوا على هذه الدرجة من السذاجة وقصر النظر، او هكذا نأمل.

الشعب الفلسطيني انتصر في هذه الحرب رغم التضحيات الكبيرة التي قدمها، واجتماعات القاهرة تريد سرقة هذا الانتصار في وضح النهار، فما قيمة الاعمار اذا جرى تدمير الصواريخ والانفاق، والصناعات العسكرية، وماذا سيفعل قادة المقاومة مثل اسماعيل هنية، ومحمود الزهار وخليل الحية ورمضان شلح وزياد النخالة وكل رموز المقاومة الآخرين؟ هل سيفتحون دكاكين في “سوق فراس″ ام ينخرطون في اعمال “البزنس″ الاخرى، وماذا سيفعلون بالاموال وهم الذين انخرطوا في الجهاد من اجل تحرير فلسطين من البحر الى النهر.

وعندما يقرر وزراء خارجية عرب الذهاب الى غزة في اطار وفد برئاسة السيد نبيل العربي امين عام الجامعة العربية، فان هؤلاء سيذهبوا مثل السياح الاجانب، لالتقاط الصور امام البيوت المدمرة، وتوقيع مجموعة من الصكوك لاعادة بناء ما دمرته اسرائيل.

لا اعرف كيف سيستقبل ابناء قطاع غزة هذا الوفد، ولكن ما يمكن ان نتكهن به ان استقبالهم لن يكون افضل من استقبال وزير صحة السلطة امام مستشفى الشفاء، حيث عبر اهالي الضحايا عن مشاعرهم تجاه هذه السلطة ووزرائها بالطريقة التي تليق بهم.

***

الآن فقط فهمنا اسباب تعطيل عمليات الاعمار للقطاع على مدى السنوات العشر الماضية، فهذه العمليات تنتظر الضوء الاخضر اي تسليم سلاح المقاومة، وسط تواطؤ عربي ملحوظ ومتفق عليه مع اسرائيل، والآن فهمنا اغلاق معبر رفح لاشهر، وتشديد الحصار لدرجة الخنق ضد مليوني فلسطيني.

قادة المقاومة الفلسطينية اكدوا انهم لن يتنازلوا مطلقا عن سلاحهم، لا جزئيا او كليا، ولكن ما نخشاه هو الضغوط العربية والدولية المتعاظمة، والاغراءات التي يقدمها “عرب الشيكات” والوعود الكاذبة بالتسوية التي سيقدمها بلير وسفراء الدول الاوروبية.

ندرك جيدا ان المقاومة تعيش ظروفا صعبة، وان اهل القطاع يريدون العيش بكرامة، ولكن كل مليارات دول الخليج مرفوقة بنظيرتها الاوروبية لا تساوي صاروخ قسام يضرب تل ابيب وبيث الذعر والرعب في نفوس المستوطنين.

الامهات لم يقدمن ابناءهن شهداء من اجل تحويل القطاع الى “سنغافورة”، وانما من اجل ان يكون هانوي اخرى او جنوب لبنان آخر، ففلسطين ليست القطاع ولا الضفة، فلسطين من النهر الى البحر.

معظم ابناء القطاع عاشوا في خيام ومعسكرات اللجوء وما زالوا انتظارا ليوم العودة القادم حتما، وعليهم ان لا يسمحوا للسماسرة العرب والاوروبيين سرقة دماء شهدائهم.

غزة انتصرت.. وابطالها حققوا اكبر المعجزات والمستوطنون في حالة رعب.. ونتنياهو وجنرالاته انهزموا ومعهم كل المتواطئين العرب وجيوشهم المتكرشة

غزة انتصرت.. والمقاومة انتصرت.. واسرائيل خرجت من هذه الحرب مهزومة مدمرة معنويا.. مكروها عالميا.. ومعها كل العرب الذين تواطأوا معها.. وصمتوا على عدوانها.. وباعوا ضميرهم واشقاؤهم .. وحالهم حال ابو رغال.. او يهوذا الاسخريوتي الذي تآمر على سيدنا المسيح.. ولكن هم الذين دفعوا دنانير الذهب والفضة للمحتل المعتدي.

نتنياهو قبل الهدنة ليس رأفة بأطفال غزة – الذين تفنن في سفك دمائهم، ومطاردتهم حتى في مدارسهم، ومستشفياتهم المعدمة التي كانوا يرقدون على اسرتها- وانما لانه جبان ، لم يجد مقاتلين يقاتلهم، ولا قواعد صواريخ ليضر بها ولا بنوك اهداف ليجهز عليها.

***

الجيش الاسرائيلي رابع اقوى الجيوش في العالم لم يستطع ان يتقدم مترا واحدا في غزة او خانيونس او رفح او دير البلح او بيت حانون، “الميركافا” الدبابة الاسرائيلية التي تعتبر فخر الصناعة الاسرائيلية “روكيت” او “عرقبت” وفق تعابير اهل القطاع الابطال الصامدين، اي انها جبنت عن دخول المدن خوفا ورعبا لانها لا تعرف، ولن تعرف، من اي فوهة او حجر سيخرج لها ابطال المقاومة الصناديد الرجال في زمن عز فيه الرجال، وكثر فيه ارباعهم، ونحن نتحدث هنا عن قادة الجيوش العربية وجنرالاتها الذين يفتخرون بانهم تخرجوا من ارقى الاكاديميات العسكرية الغربية مثل “ويست بوينت” الامريكية و”ساند هيرست” البريطانية حيث علموهم الرعب والخوف، وزرعوا في نفوسهم مقولة ان اسرائيل لن تهزم.

ابطال غزة تعلموا في اكاديميات الكرامة وعزة النفس والشجاعة والايمان بالله وحتمية النصر والثقة بالقدرات الذاتية، والفوز بالشهادة، والتطلع الى الانتقال من دار الفناء الى دار البقاء، عبر اقصر الطرق الى الشهادة، والقتال حتى نيلها، ولهذا سادوا وارتقوا الى اعلى درجات الشرف، وهبط الآخرون الى ادنى درجات الذل والهوان.

نتنياهو انهزم لانه لم يواجه جيوش عربية جرارة وقادة متكرشون متحمسون يعلقون نياشين وهمية علقها على صدروهم زعماء متخاذلون.. ونتنياهو انهزم لانه حارب احفاد احفاد القسام، وخالد بن الوليد، وصلاح الدين وابوعبيدة الجراح، وطارق بن زياد، وكل رموز العروبة والاسلام الذين دخلوا التاريخ من اوسع ابواب الشجاعة والمروءة والايمان بالنصر حتى نالوه، او استشهدوا من اجله، وكانوا هم الفائزون في الحالين.

اربعة اسابيع من الصمود لم يصرخ اهل غزة، ولم يتسولوا وقفا لاطلاق النار مثلما يريد بعض العرب الذين كانوا ينتظرون بلهفة رايات استسلامهم، رافعين رؤوسهم، ولا يستعينوا الا بالله وليهم وناصرهم، وتجاهلوا، او احتقروا كل الجيوش وجنرالاتها ومئات المليارات التي جرى انفاقها على تسلحيها.

الانفاق بقيت.. والصواريخ ما زالت باقية شامخة، والمقاتلون الاشداء ما زالوا ايضا صامدون مثل الرماح انتظارا لمعركة قادمة، وهي قادمة حتما، والمسألة مسألة وقت، وتوقيت، فالخراب في الحجر اما النفوس فما زالت عامرة بالايمان والثقة بالنصر، والتطلع للشهادة.

المستوطنون الاسرائيليون يعيشون حالة الرعب التي لم يعيشوها على مدى ستين عاما واكثر، ومن ممن، ومن اين، من قطاع غزة الصغير في حجمه الكبير برجاله وابطاله، فاطفاله يولدون جبابرة، ونسائه الولادات يرضعنهم حليب البطولة والشهامة، والشجاعة وهي كلمات انقرضت من قاموس الكثير من الزعماء العرب وقادة جيوشهم.

نكتب بعاطفة.. نعم.. لانه لا يوجد وقت لصف الكلام، ويجب ان نرتقي لمستوى الحدث، ونقولها للمرة الالف.. نكتب بفخر باشقائنا وشقيقاتنا وابنائنا واحفادنا الذين سطروا حروف وخطوط هذه الملحمة الجهادية النضالية.

***

في غزة.. نكتب لنقبل رؤوسهم.. وفرش الماء الرطب على اضرحة شهدائهم.. ونتلمس جراح من تأجلت شهادته الى معركة قادمة.

اسرائيل لم تحتل، ولن تحتل قطاع غزة، وحربهم البرية كانت اكذوبة، وطائراتهم الامريكية الصنع لم تقتل الا الاطفال فقط، ولم تدمر قاعدة صاروخية واحدة، فالجيش الذي يصف نفسه ويصفه حلفاؤه، وداعميه في الغرب، بانه يطبق اعلى المعايير في الدقة والاخلاقيات لم يقتل الا الاطفال وبيت العجزة والمدارس والمستشفيات، اما “الارهابيون” من رجال المقاومة الصناديد فلم يقتلوا غير الجنود ولم يدمروا غير “الميركافا”، وهنا الفارق الواسع في القيم العليا والاخلاقيات، والهذا ينتصر هؤلاء وينهزم المعتدون.

نسأل وبكل جدية اين قائمة التصفيات التي وضعها نتنياهو لقادة المقاومة، واجنحتها العسكرية؟ ها هم احياء صامدون، محمد الضيف، مهندس هذا الصمود العسكري، واسماعيل هنية، ومحمود الزهار، وخليل الحية، وكل قادة الاذرعة العسكرية “سرايا الجهاد” و”لجان الناصر صلاح الدين” و”المقاومة الشعبية” وابو علي مصطفى” و”كتائب ابو الريش” و”جهاد جبريل” و”جيش الاسلام” والقائمة تطول، فهؤلاء المجهولون وغيرهم من صنعوا هذا النصر انهم يخططون ويدرسون ويبنون ويطورون استعدادا للمعركة القادمة، حيث سيكون الاداء اعظم والمعجزة اكبر.

شكرا لاهلنا في قطاع غزة، نقولها من القلب.. وشكرا لابطال المقاومة الذين رفعوا رؤوسنا عاليا.. وشكرا لامهات الشهداء والجرحى وآبائهم.. والعار كل العار لمن تواطئوا مع العدوان وما زالوا.. والعار كل العار لكل الجنرالات المتكرشين وزعمائهم.. والمجد كل المجد لهذه الامة وهذه العقيدة.

ثلاثة خطابات تعكس قلق العاهل السعودي من خطر “الدولة الاسلامية” والجماعات المتشددة وتنتقد “كسل” العلماء فما هي الاسباب ولماذا نختلف مع “آل الشيخ” مفتي السعودية

وجه العاهل السعودي عبدالله بن عبد العزيز ثلاثة خطابات الى الشعب السعودي الاول في عيد الفطر، والثاني قبل يومين قرأها نيابة عنه احد المسؤولين، بالصوت ودون صورة، والثالث الاحد بالصوت والصورة نقله التلفزيون السعودي والقاه اثناء استقباله لعدد من العلماء والامراء ورجال الدين ومسؤولين ووزراء في الدولة وضيوف كان على رأسهم السيد سعد الحريري رئيس تيار المستقبل اللبناني.

المحور الرئيسي في الكلمات والخطابات الثلاثة هو التركيز على الجماعات الاسلامية، وخطرها وتوجيه انتقادات حادة الى الدعاة ولرجال الدين وصلت الى حد اتهامهم بالكسل والصمت على تمدد هذه الجماعات واتساع نطاق نفوذها.

العاهل السعودي لم يسم اي منها بالاسم، ولكن من الواضح انه يقصد “الدولة الاسلامية” او ما اطلق عليها “داعش” في الماضي، عندما قال “كيف يذبح انسان آخر كلغنم” في اشارة الى اعدامات وحشية نفذتها عناصر تابعة للدولة الاسلامية في حق خصومها، وتعمدت اتباع “طرق الرحمة” في ذبح هؤلاء وفقا “لتعاليم الشريعة”، ووضع رؤوسهم فوق الحراب في اطار استراتيجية الرعب التي تتبعها لارهاب المملكة.

هناك تفسير واحد لهذه الانتقادات وهو وصول معلومات قوية لدى اجهزة الامن السعودية تفيد بأن الدولة الاسلامية تستهدف المملكة ونظام الحكم فيها، وان هناك قطاعا عريضا من الشباب السعودي بات يتبنى، فكرها وينضم الى صفوفها، وهو الفكر الذي ينشره حاليا دعاة من الشباب بطريقة سرية منظمة.

ما يجعلنا نرجح هذا التفسير اربعة امور اساسية:

*الاول: كشف اجهزة الامن السعودي لـ”امارة” اسلامية لها امير ووزراء داخل المملكة قبل بضعة اشهر كانت تجلس على ترسانة من الاسلحة وملايين الريالات، وتخطط لاعمال تفجير واغتيالات داخل المملكة، ومن بين هؤلاء امراء في الاسرة الحاكمة.

*الثاني: المراسيم الملكية التي صدرت في الفترة نفسها تجرم عدة تنظيمات اسلامية وتضعها على لائحة الارهاب، وتعاقب كل سعودي ينتمي اليها او ينخرط في صفوف التنظيمات الجهادية الاخرى مقاتلا، بعقوبة سجن تصل الى 15 عاما.

*الثالث: اتساع نطاق المناطق التابعة للدولة الاسلامية وسيطرتها على محافظات عراقية مهمة من الانبار ونينوى وصلاح الدين ومعظم المعابر الحدودية مع سورية والاردن، وتعزيز وجودها في الرقة ودير الزور في سورية ومناطق اخرى في حلب وحمص، واقترابها من الحدود السعودية العراقية في عرعر ورفحة بعد انسحاب القوات العراقية من الجانب العراقي من الحدود، وتزامن تحذير العاهل السعودي مع سيطرة قوات “الدولة الاسلامية” على مدينة سنجار في شمال العراق بعد هزيمة قوات البشمرغة الكردية، ومدينة “وانة” ومعظم سكانهما من الاكراد وابناء الطائفة الازيدية، مما يعني انهم على وشك السيطرة على سد الموصل، رابع اكبر سد في الشرق الاوسط.

*الرابع: وصول تقديرات مؤكدة ان عدد السعوديين الذين يقاتلون في صفوف الدولة الاسلامية وصل الى خمسة آلاف والعدد في تزايد معظمهم من الشباب في العشرينات من العمر.

فاذا كانت قوات الدولة هزمت جيش المالكي، وقوات البشمرغة التي تعتبر من اكثر الوحدات العسكرية تدريبا وتسليحا (دربتها اسرائيل)، فان حظ القوات السعودية امامها في حال دخولها الى مناطق في المملكة ربما لن يكون افضل، وهنا تكمن المعضلة، فهي غير مدربة على حرب العصابات، علاوة على انعدام الخبرة العملياتية الميدانية او معظمها.

انتقاد العاهل السعودي لرجال الدين والدعاة واتهامهم بالكسل مفهوم، فمعظم هؤلاء اما يؤيدون الدولة وفكرها في الباطن، ولا يريد خوض المجاهرة واما انهم ، او بعضهم، يخشون بطشها، لا يريدون ان يحسبوا على النظام وهذا ما يفسر صمت علماء كبار على هذه الظاهرة وعدم التصدي لها وتكفيرها مثلما تطالبهم السلطات.

لا شك ان “الدولة الاسلامية” تشكل خطرا كبيرا على القيادة السعودية وتتبنى فكرا متشددا تكفر من خلاله الكثير من مخالفيها، وتمارس القتل بطريقة يعتقد الكثيرون انها لا تتماشى مطلقا مع تعاليم الشريعة السمحاء وتتناقض مع شرط “التمكين” لاعلان دولة الخلافة، ومن بين هؤلاء شيوخ في الاردن مثل ابو محمد المقدسي و”ابو قتادة” وهيئة كبار العلماء في السعودية ومشايخ الازهر.

ولكن طريقة مواجهة “الدولة الاسلامية” يحتاج الى تبني اصلاحات جذرية واتخاذ مواقف من المملكة غير بعض المواقف التي تتبناها حاليا، مثل الصمت على ذبح الاسرائيليين للاطفال في قطاع غزة وعدم الاقدام على اي خطوات جدية في هذا الصدد، فالذبح هو الذبح سواء كان بالسكين او بطائرات اف 16.

فعندما يخرج علينا الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء فيها بفتوى يصف فيها المظاهرات التي انطلقت في اكثر من عاصمة عربية ضد العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة بانها غوغائية ونوع من “الترهات”، ويقول ان ارسال المساعدات المالية هو الاجدى، فان هذا يصب في مصلحة الاسلام المتشدد، ويدفع بالشباب الغاضب للانضمام الى صفوفه للخروج من حال الاذلال التي تعيشها الامة علي ايدي الاسرائيليين، فارسال المال وليس المجاهدين لنصرة اخوانهم في غزة عملا ناقصا في نظر هؤلاء، خاصة ان ابناء قطاع غزة لا يصلهم هذا المال بسبب السطوة الاسرائيلية وعدم اصرار الحكومات العربية التي تعلن رفضها لمساعدتهم على كسر هذا الحظر الاسرائيلي المهين ولا انساني، ومن هنا تظل اعمال التظاهر والاحتجاج هي اضعف الايمان بالنسبة للشباب العرب المحبط الذي يرى اشقائه يدبحون وتدمر بيوتهم فوق رؤوسهم وتنسف مستشفياتهم، بينما لا تحرك الجيوش العربية المدججة بأسلحة وطائرات حديثة ساكنا.

من حق العاهل السعودي ان يقلق من اتساع رقعة “الدولة الاسلامية” و”انتصاراتها” ولكن خطط المواجهة التي يقترحها، اي حصرها في رجال الدين فقط، ستكون غير فاعلة حتى لة تخلى هؤلاء عن كسلهم وصمتهم، فالامر يحتاج الى عملية تغيير واسعة تشمل اصلاحات وسياسات ترتقي الى مكانة المملكة وواجباتها.

المبادرة المصرية في غرفة الانعاش وتوني بلير سيقود مصر وحلفاءها الخليجيين الى هزائم وفوضى على غرار ليبيا والعراق وافغانستان

ان يهبط توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الاسبق واحد ابرز المسؤولين عن قتل مليون عراقي في مطار القاهرة مساء الاحد للانضمام الى المباحثات الجارية حاليا حول كيفية التعاطي مع الاوضاع في قطاع غزة فهذا نذير شؤم، وعنوان تآمر، ومشروع انقاذ لاسرائيل وتوريط مصر اكثر في مستنقعها العدواني.

اذا صحت الانباء بأن بلير هو احد مستشاري الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وانه وضع خطوط مبادرته لوقف الحرب في قطاع غزة التي دمرت سمعة مصر في الوطن العربي والعالم الاسلامي، واظهرتها بمظهر المتواطيء مع العدوان الاسرائيلي، فان هذا يمكن اعتباره اكبر جريمة في حق مصر وشعبها وتاريخها العريق في الوقوف في خندق الشعوب المظلومة، او التي تقاتل من اجل الحرية والاستقلال.

المبادرة المصرية فشلت بطريقة مأساوية لان الرئيس السيسي وحكومته ارادا فرضها بالقوة على فصائل المقاومة، ودون اي تشاور معها وبطريقة استعلائية، وتطورات الامس اجهزت عليها كليا، وخاصة القرار الاسرائيلي بالانسحاب من جانب واحد من القطاع، ورفض نتنياهو ارسال وفد الى القاهرة للتفاوض.

***

هذه المبادرة تقوم على جناحين لا يمكن ان تحلق من دونهما:

الاول هو وقف اطلاق نار متفق عليه في قطاع غزة، والثاني الانخراط في مفاوضات لوضع آليات لهدنة طويلة، يتوقف خلالها اطلاق الصواريخ مقابل استقرار وامن للمستوطنين الاسرائيليين شمال قطاع غزة، واقدام نتنياهو على انسحاب احادي الجانب كسر الجناح الاول، ومقاطعته للمفاوضات كسر الجناح الثاني للمبادرة.

سحب القوات الاسرائيلية من الشريط الحدودي الذي رابطت فيه في عمق ثلاثة كيلومترات شرقا، هو اعتراف بالهزيمة، وعدم القدرة في الاستمرار في الحرب، واعادة احتلال القطاع بالتالي، وتحقيق الاهداف التي حددها نتنياهو لتسويق العدوان للاسرائيليين والعالم، وابرزها وقف الصواريخ، وتدمير الانفاق ونزع سلاح المقاومة، وهي الاهداف التي دفعته لاستدعاء اكثر من مئة الف من جنود الاحتياط وكأنه يعلن الحرب على امريكا او روسيا القوتين الاعظمين.

لم يتخذ زعيما اسرائيليا قرارا بوقف الحرب من جانب واحد الا وسقط وخسر مستقبله السياسي، واولهم ايهود باراك الذي اتخذ قرار الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، ومن المؤكد ان نتنياهو سيكون الثاني، بعد ان يهدأ غبار هذا العدوان، ويظهر الحجم الحقيقي لخسائر الجيش الاسرائيلي البشرية، والتكاليف الاقتصادية والمعنوية.

قطاع غزة سيتحول الى جنوب لبنان آخر، اي قاعدة للمقاومة، ومثلما استعد ابناؤه من اشقاء ضحايا حرب عام 2008 لهذه الحرب جيدا وطوروا قدراتهم الدفاعية وصواريخهم وحرب الانفاق، سيبدأ اشقاء ضحايا هذه الحرب وشهداؤها في الاستعداد لحرب قادمة باستعدادات اكبر وانفاق اطول، وصواريخ اكثر دقة واكثر تدميرا.

حركة “حماس″ وفصائل المقاومة الاخرى التي تتزعمها، ستكون اكثر شراسة في الحرب المقبلة، وستخترق التنسيق الامني الذي تطبقه السلطة في الضفة كشريك لاسرائيل واجهزتها الامنية، وستنقل تكنولوجيا الصواريخ ومدافع الهاون الى مدن كالخليل ونابلس وجنين، ومعها تكنولوجيا الانفاق، وبما يلغي فاعلية الحائط العنصري، فحماس باتت في حل من السيطرة على الفصائل الاخرى وكبح جماح صواريخها وعملياتها العسكرية الفدائية.

الحكومة المصرية ارتكبت خطأ استراتيجيا بدورها عندما حشرت حركة حماس والفصائل الاخرى في الزاوية، وشددت الحصار الخانق عليها، ورفضت كل رسائل التودد والمصالحة من طرفها، وافشلت حكمها في غزة بتدمير الانفاق واغلاق معبر رفح لاشهر متواصلة، ومنع وصول الاموال اليها من الخارج، واذا استمرت المعاملة نفسها فلا نستغرب ان يتم شق انفاق اخرى الى سيناء لتهريب الاسلحة والخبرات القتالية لمن ينتظرها بلهفة، فليس لدى حركة حماس والفصائل الاخرى ما يمكن ان تخسره.

نتيناهو في خطاب الامس اكد ان اسرائيل باتت تملك اصدقاء وحلفاء عرب، في اشارة الى بعض الدول التي صمتت على العدوان او تواطأت معه مثل السعودية ومصر والامارات والاردن، حسب تفسيرات الصحافة الاسرائيلية، وما ذكره نتنياهو وكرره قبله شمعون بيريس رئيس اسرائيل، وافيغدور ليبرمان وزير الخارجية، يشير الى ان هذه الدول ربما تكون مرشحة لازمات امنية وسياسية خطيرة في المستقبل القريب.

فاذا كان خطر الجماعات الاسلامية المتشددة يهدد هذه الدول وامنها واستقرارها، فان التحالف مع نتنياهو يوفر لها الذخيرة التي تتطلع اليها وتنتظرها، واللافت ان هذه الدول لم تتعلم من اخفاقات سياساتها في العراق وسورية وليبيا وتحاول تكرارها حاليا بالتقرب من الاسرائيليين والصمت على مجازرهم في قطاع غزة.

***

في العدوانين الاخيرين على قطاع غزة كانت الخسائر البشرية الاسرائيلية معدومة تقريبا، في الحرب الحالية اعترفت القيادة الاسرائيلية رسميا بمقتل 55 جنديا وثلاثة مدنيين وجنديين اسيريين، وفوجئت بادارة متفوقة للمواجهات، ومدينة كاملة تحت الارض عجزت كل اجهزتها الاستخبارية عن معرفة دهاليزها، وهذا التطور العملياتي ينبيء بان الحرب المقبلة ستكون مختلفة ايضا.

بلير الذي ورط بلاده في حربين خاسرتين في العراق وافغانستان، وثالثة في ليبيا باستشاراته وفبركاته، سيورط مصر واصدقائها في الخليج العربي في حروب مضمونة الخسارة ايضا، ولا نستبعد ان يكون هو عراب الحلف الاسرائيلي الخليجي الجديد الذي اشار اليه نتنياهو وبيريس وليبرمان.

شعب قطاع غزة الذي ضرب اروع الامثلة في التصدي للعدوان، سيتجاوز آثار الحرب الحالية، مثلما تجاوز كل الحروب السابقة، وسيخرج شامخا من وسط الدمار، ولكن الخسارة الاكبر ستلحق باسرائيل والمتواطئين معها، وستصل النار الى ثوبهم، وليس طرفه فقط، لان بلير لم يدعم دولة وانتصرت بما فيها بلده بريطانيا، وهذا لا يعني انه سيخرج رابحا لانه يكره العرب اولا، وانما لانه سيخرج بمبلغ مالي محترم مقابل استشاراته التدميرية، فحبه للمال لا يحتاج الى اثبات.

قراءة “متأنية” في خطاب العاهل السعودي عن المجازر الاسرائيلية في قطاع غزة وما ورد فيه من مواقف

اعتبر العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز ان ما يجري في غزة مجازر جماعية وجرائم حرب ضد الانسانية، وابدى تعاطفا مع “دماء الفلسطينيين التي تسقط في مجازر جماعية” وصفها بانها “جرائم حرب ضد الانسانية”، ولكنه لم يقل كيف يمكن مواجهة من يرتكب هذه المجازر، ودور بلاده في هذا الصدد.

تابعت كلمة العاهل السعودي التي القيت نيابة عنه بعد ظهر الجمعة آملا ان اسمع دعوة لعقد مؤتمر طارىء للقمة العربية بحضور وزراء الدفاع العرب، ورؤساء هيئة اركان جيوشهم، او حتى دعوة لاجتماع عاجل لوزراء الخارجية العرب، ولكن خاب ظني، حتى ان كلمة اسرائيل المعتدية وارهاب الدولة الذي تمارسه، لم تذكر مطلقا في الخطاب الملكي، ولعل من كتبوا هذا الخطاب تعمدوا عدم ذكرها، بينما اشاروا باسهاب الى كل انواع “الارهاب” التي “ترتكب باسم الاسلام”.

بينما كان العاهل السعودي يلقي كلمته، التي سارع الرئيس الفلسطيني محمود عباس للترحيب بها، اغارت الطائرات الاسرائيلية على بيوت سكنية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة وقتلت اكثر من ستين مدنيا، ثلثهم من الاطفال والرضع، في انتهاك وحشي لاتفاق وقف اطلاق النار، وقتلت ثلاثة اطفال حرقا في شمال قطاع غزة.

***

ما يشجع اسرائيل على اعمال القتل والتدمير التي تقوم بها على مدى الاسابيع الاربعة الماضية، هو حالة الصمت العربي الذي تحدث عنه وادانه العاهل السعودي، وقال “ان هذا الصمت ليس له اي تبرير غير مدركين بأن ذلك سيؤدي الى خروج جيل لا يؤمن بغير العنف، رافضا السلام، ومؤمنا بصراع الحضارات لا بحوارها”، ولكنه لم يكسرها، اي حالة الصمت هذه، بتوجيه انذار الى اسرائيل بضرورة وقف اطلاق النار فورا دون شروط، والتهديد باستخدام فوري لسلاح النفط اذا لم تنفذ تماما، مثلما فعل شقيقه الملك فيصل بن عبد العزيز في حرب رمضان عام 1973.

كنا وما زلنا نتمنى لو يشاهد العاهل السعودي حجم الدمار والخراب الذي اوقعه القصف الاسرائيلي المستمر في القطاع المحاصر المجوع، او يتأمل جثامين الاطفال التي مزقها هذا القصف، او اطرافهم التي بترها، ويرقدون حاليا في ممرات المستشفيات ضمن عشرة آلاف جريح، يصارعون من اجل البقاء في ظل انعدام كامل للادوية نتيجة اغلاق مصر، حلفية المملكة، لمعبر رفح في وجه بعثات وقوافل الاغاثة الطبية ومعداتها، الامر الذي ادى الى وفاة العشرات في هذه المستشفيات (اسرائيل قصفت عشر مستشفيات) التي تعاني من نقص حاد في الاطباء، وعدم القدرة بالتالي على تقديم العلاج والادوية لهذه الاعداد الضخمة من الجرحى.

من اللافت ان هذا الخطاب الذي انتقد الصمت العربي والدولي، والذي نشك ان يكون العاهل السعودي قد اطلع عليه كاملا، تأخر اربعة اسابيع، لم نسمع خلالها اي موقف سعودي رسمي تجاه المجازر الاسرائيلية في قطاع غزة يرتقي الى مكانة المملكة العربية والاسلامية، وكل ما سمعناه او بالاحرى قرأناه، مقال للامير تركي الفيصل رئيس جهاز الاستخبارات السعودي الاسبق يظهر فيه الكثير من الشماتة بالمقاومة الفلسطينية ويحملها مسؤولية هذه الحرب وتبعاتها.

ما يجري من مجازر في قطاع غزة هو وصمة عار اخرى في جبين النظام الرسمي العربي وقادته الذين صمتوا جميعا، وفضلوا ادارة وجوههم الى الناحية الاخرى، وتواطأ بعضهم في وضح النهار مع العدوان الاسرائيلي بما هو اكثر من الصمت، واذا كان بعضهم قد غضب على اسرائيل وجيشها، فذلك ليس بسبب مجازر القطاع، وانما لعدم انهائها مهمتها بسرعة في ايام معدودة.

صحافية هندية اتصلت بي صباح الجمعة طالبة تفسيرا لهذا الصمت العربي بشقيه الشعبي والرسمي، تجاه هذه المجازر الاسرائيلية، واعترف انني “تلعثمت” في الاجابة، فالعدوان على القطاع واضح، وموضع اجماع مفترض بين جميع الطوائف والمذاهب على مواجهته، على عكس حروب وصراعات عربية في اماكن اخرى، فلماذا لا يتحرك هؤلاء في مواجهته، وفعل شيء، اي شيء، غير الصمت؟

***

الزعماء في امريكا اللاتينية التي تبعد عشرات آلاف الكيلومترات عن غزة، ويعتنقون الدين المسيحي اغلقوا سفارات، وطردوا سفراء اسرائيل، ورحبوا باستضافة الاطفال الجرحى واليتامى في بلادهم كبادرة تضامن، ولم نسمع زعيما عربيا واحدا، يقدم على خطوة كهذه، او يقيم جسرا جويا لنقل الجرحى الى مستشفيات بلاده، بل ما حدث هو عكس ذلك تماما، تشجيع الحليف المصري على احكام اغلاق الحدود، وتحميل الضحية مسؤولية المجازر، واعفاء الجلاد من اي لوم.

نختلف مع امهات الشهداء والجرحى اللواتي صرخن، من شدة الالم، بالخروج من انتمائهم العربي، بسبب حالة الخذلان التي يعيش مرارتها ابناء قطاع غزة، من صمت الزعماء العرب وبعض شعوبهم، والتأكيد على الاعتماد على المقاومة والذات فقط، نقول نختلف معهن لان هؤلاء الزعماء او معظمهم، ليس لهم اي علاقة بقيم الشهامة والكرامة والكرم والفداء التي تميز الهوية العربية عما عداها من هويات اخرى.

لقطاع غزة مقاومة تحميه، ورجال يدافعون عنه، ونساء ولادات سينجبن المزيد من الابطال، ولن يركع هذا القطاع مطلقا الا للخالق جل وعلا.

ألمنا مضاعف “لان الجرح في الكف” مثلما يقول المثل العربي الذي لا يحتاج الى شرح.

معظم الاعلام العربي سقط في “امتحان غزة” وصراخ المذيعات والمذيعين في وجه المتحدثين الاسرائيليين على شاشاته لا يبرر مطلقا الهروله لاستضافتهم بكثافة لتبرير ذبحهم للاطفال

في الماضي القريب كان الاعلامي يلهث خلف السياسي بحثا عن الرأي والخبر، في الوقت الحاضر، انقلبت الامور واصبح الاعلامي هو الذي يضع اجندة السياسي بسبب السطوة وقوة التأثير في الرأي العام اللتين يملكهما الاعلام الحديث المتطور في الصعد كافة.

في حرب غزة، مثلما كان عليه الحال في كل الحروب الاخرى في منطقتنا يلعب الاعلام الدور الابرز في حشد الرأي العام وتعبئته وصياغة مواقفه، في هذا الاتجاه او ذاك، ويمكن القول وبكل ثقة ان اسرائيل خسرت الحرب الاعلامية هذه المرة، وربما لاول مرة، لان المتلقي العربي والاجنبي، لم يعد يصدق اكاذيبها اولا، ولان الامور على الارض اصبحت واضحة، والاهم من كل ذلك ان الطرف الثاني، اي فصائل المقاومة الفلسطينية بات اكثر ذكاء ويملك قدرة مهنية عالية عنوانها اعلاميون شبان جدد يواكبون كل النظريات الاعلامية الحديثة، ويجيدون التحدث باللغات الاجنبية بطلاقة اهلها.

نشرح اكثر ونقول ان اقدام الخلية الجهادية التي نفذت عملية الهجوم على مستوطنة نحال عوز شرق مدينة غزة عبر نفق حفرته كتائب عز الدين القسام، صورت هذه العملية من الفها الى يائها، وبثت مقاطع منها عبر شاشة قناة الاقصى الفضائية، مكذبة الرواية الاسرائيلية الرسمية التي نفت وقوعها، مثلما نفت مقتل اي جنود اسرائيليين، تشكل انقلابا في التوظيف المنهجي الاعلامي العربي المتطور.

فصائل المقاومة لم تعد تعتمد على القنوات والصحف والاذاعات العربية، واسست قنواتها الخاصة بها، مثل الاقصى والقدس (حماس) وفلسطين اليوم (الجهاد الاسلامي)، مثلما اطلقت العديد من المواقع الاخبارية على الانترنت ووظفت “الفيسبوك” بشكل حديث، وانشأت جيشا الكترونيا استطاع اختراق المواقع الاسرائيلية الامنية مثل موقع القبة الحديدية على سبيل المثال لا الحصر.

***

في المقابل انقسمت الساحة الاعلامية العربية افقيا بين معسكر يؤيد المقاومة ويقف في خندقها ومعسكر آخر يضم معظم القنوات الخليجية اختارت معظمها اسلوب “التهدئة” الاعلامية، والتصرف مع الحدث بطريقة “شبه محايدة”، مثل محطات التلفزة العالمية ان لم يكن اسوأ.

وسائل الاعلام المصرية كانت في معظمها اقرب الى نظيرتها الاسرائيلية، وربما اكثر اسوءا وشراسة، فقد اتخذ بعضها طابع التحريض ضد المقاومة والتشكيك في اغراضها ومنطلقاتها، والانتصار للعدوان الاسرائيلي بشكل فج، وحث بنيامين نتنياهو وجيشه على الاجهاز على قطاع غزة ورجال المقاومة فيه بأسرع وقت ممكن، تحت ذريعة القضاء على حركة “حماس″ التي تضعها الحكومة المصرية على قائمة “الارهاب” ولا تقيم اي علاقات معها، حتى ان هناك نظرية تقول ان الحرب الحالية على غزة هي تكملة لحرب مصر ومعسكرها الخليجي لاجتثاث حركة الاخوان المسلمين.

القنوات الفضائية الغربية تغيرت ايضا، فبينما كان مراسلوها يغطون الحرب على غزة عام 2008 من فوق تلة قرب الحدود من القطاع، ويخضعون للرقابة العسكرية الاسرائيلية المباشرة ويعكسون وجهة النظر الاسرائيلية الاحادية المضللة، قررت هذه المرة، اي القنوات، كسر هذه السابقة المخجلة، وشاهدنا مراسلي هذه القنوات مثل “السي ان ان”، والقناة البريطانية الرابعة، والـ”ايه بي سي” والقائمة طويلة بثت نشراتها من وسط الدمار الذي احدثه القصف الاسرائيلي لاحياء غزة، وانفردت محطة “اي بي سي” الامريكية، وبفضل مراسلها في القطاع ايمن محيي الدين الامريكي من اصل مصري، في فضح المجزرة الاسرائيلية التي وقعت على شاطيء غزة وراح ضحيتها اربعة اطفال من عائلة واحدة (بكر) كانوا يلعبون الكرة.

الصحافة الاوروبية المكتوبة ونسخها الالكترونية تغيرت ايضا، وشاهدنا صحفا مثل اللوموند الفرنسية، و”الغارديان” و”الاندبندت” في بريطانيا تقدم صورة صادقة لوحشية العدوان الاسرائيلي وحجم المجازر التي ارتكبها من خلال مراسليها الذين صاغوا باقلامهم قصصا واقعية مؤثرة في هذا الصدد، وفعلت مجلات وصحف ومحطات تلفزيونية الشيء نفسه في المانيا وفرنسا والدول الاسكندنافية، ناهيك عن صحف وتلفزيونات امريكا اللاتينية وشرق آسيا وروسيا والصين.

هيئة الاذاعة البريطانية BBC كانت من المحطات القليلة التي شذت عن القاعدة وانحازت الى العدوان الاسرائيلي تحت ذريعة الحيادية المزورة، وحملّت صواريخ المقاومة مسؤولية الحرب وما تفرع عنها من مجازر، خاصة في الاسبوعين الاولين من العدوان، الامر الذي عّرضها لحملات انتقاد شرسة من قبل قطاع عريض من الرأي العام البريطاني، وقيام متظاهرين بريطانيين بالتظاهر امام مقرها وسط لندن احتجاجا على هذا الانحياز، وطالب الكثيرون، وبينهم اسماء بريطانية اكاديمية واعلامية وسياسية عريقة بعدم دفع رسوم التلفزيون السنوية التي تمول نفقات هذه الهيئة، وهي حملة بدأت تحظى بتأييد واسع.

هذا التغيير في اوساط الرأي العام، الذي دفع ناتان شارانسكي نائب رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق الى القول ان اليهود سيخسرون اوروبا بسبب هذه الحرب، بدأ يتسارع بسبب وجود جيل من المهاجرين العرب والمسلمين والعالم الثالث يعمل بجهد علمي مكثف لمناصرة اشقائهم في غزة بطرق علمية حديثة، مدعوم بجيل اوروبي شبابي منفتح لم يعد يعاني من عقدة ذنب “الهولوكوست” تجاه اليهود، وبالتالي الاسرائيليين مثل آبائه واجداده، وشاهدنا كيف تحدى هؤلاء الشبان حظر التظاهر في فرنسا والنزول الى الشوارع بالآلاف للاحتجاج على المجازر الاسرائيلية في غزة، واجبروا الحكومة على تغيير موقفها المخجل المنحاز لهذه المجازر، والشيء نفسه يقال عن بريطانيا وامريكا ودول غربية عديدة.

لا نريد ان نعطي انطباعا في هذه الصحيفة باننا كسبنا الحرب الاعلامية كليا في الغرب، وان التغيير كان جذريا، ولكننا اردنا ان نسلط الاضواء على هذا التغيير واسبابه، مع تسليمنا ان الخطر الاكبر على قضايانا العادلة يتمثل في الاعلام الرسمي العربي الذي تحركه انظمه متواطئة مع العدوان الاسرائيلي على غزة، ففي الوقت الذي يتغير فيه الاعلام الغربي انتصارا للحقائق وليس الحق فقط، نرى اعلاما عربيا يزور الحقائق ويعتم عليها انتصارا للعدوان وشماته بدماء وارواح ضحاياه، وتوجيه اللوم الى الضحية وليس الى الجلاد، وما يطمئننا ان معظم هذا الاعلام سقط في امتحان النزاهة والموضوعية، قبل ان يسقط في امتحان قيم العدالة والاخلاق مثل حكوماته وقادته.

فعندما تتهافت قنوات فضائية عربية، وبطريقة مبالغ فيها، على استضافة متحدثين باسم الجيش الاسرائيلي الذي يقتل الاطفال بالمئات في قطاع غزة حاليا بحجة الموضوعية، وتقدم بعض مذيعاتها ومذيعيها بمقاطعهم او الصراخ بحدة في وجههم، لتبرئة ذممهم فهذا لا يمكن ان يبرر، او يقلل من الخطية الكبرى في هذا المضمار مع كل التقدير والاحترام للنوايا الوطنية الصادقة لكل المذيعين والمذيعات التي لا نشك مطلقا فيها.

***

بريطانيا التي تعتبر نفسها الرائدة في مجال الاعلام والديمقراطية، لم تستضف مطلقا ضيفا ارجنتينيا واحدا اثناء حرب الفولكلاند ليقدم وجهة نظر بلاده، وكنا شهداء على ذلك، فأي موضوعية ومهنية يدعيها بعض هذا الاعلام العربي باستضافته للمتحدثين باسم الحكومة الاسرائيلية وجيشها الذي يرتكب جرائم حرب ضد اهلنا واطفالنا ويدمر بيوتهم فوق رؤوسهم في قطاع غزة الصامد، ويشرد مئات الآلاف منهم ويقصف مستشفياتهم.

طرح وجهة النظر الاخرى، ومن زاوية اعرف عدوك مفهومة شريطة ان يكون مفتاح التحكم في ايدينا، فهناك فرق كبير بين الاطلاع على كيفية مخاطبتهم لمستوطنيهم عبر وسائلهم الاعلامية والبحثية، ومخاطبتهم لمواطنينا عبر شاشاتنا مباشرة، فهؤلاء المتحدثون مبرمجون من قبل مؤسسات عسكرية وامنية واكاديمية لهذا الغرض وبما يخدم الطموحات الاسرائيلية في اختراق الرأي العام العربي، وبلبلة افكاره والتشكيك في قيمه ومعتقداته، او نسبة كبيرة منه، ويطبع عمليات التطبيع ويسرعها، وشاهدنا كيف اصبح لمارك ريغيف المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي طابورا طويلا من المتابعين والمتابعات على وسائل التواصل الاجتماعي يدخلون معه في نقاشات حارة يصل بعضها الى درجة الاعجاب، وربما ما هو اخطر من ذلك، ولا نستغرب ان يكون بعض هؤلاء قد تم ايقاعه في مصيدة التجنيد في خدمة المشروع الاسرائيلي.

نعم.. نحن لا نلوم المذيعات والمذيعين وكل العاملين في هذه المحطات، ولا نشكك مطلقا بمشاعرهم الوطنية الصادقة، ولكننا نلوم الحكومات التي تقف خلف محطات التلفزة هذه، وتضعهم جميعا في هذا الموقف المحرج بالتمسك بمثل هذه الممارسات الاعلامية التي ارتبطت بمرحلة التطبيع ووهم السلام ومعاهداته الكاذبة والخطرة في آن، عندما اعتقدت هذه الحكومات ان استضافة المتحدثين الاسرائيليين سيطمئن حكوماتهم والرأي العام الاسرائيلي على النوايا العربية الصادقة نحو السلام، وهو اعتقاد تأكد سذاجته وسطحيته وجهله بهذا العدو ومخططاته ومشاريعه المعادية للعرب والمسلمين.

رسالتان قد تغيران وجه المنطقة وتعجلان بالنصر في غزة.. الاولى لمحمد ضيف قائد القسام.. والثانية للواء سليماني القائد الايراني.. نحن امام هزيمة وشيكة لاسرائيل.. والا حرب اقليمية شاملة

رسالتان مقتضبتان واضحتان في معانيهما يمكن ان تشكلا ليس نقطة تحول في مواجهة العدوان الاسرائيلي الوحشي على قطاع غزة فقط، وانما في منطقة الشرق الاوسط بأسرها من حيث تغيير معادلات القوة والضعف، واعادة رسم خريطة المنطقة سياسيا وجغرافيا وعسكريا.

*الاولى: وجهها المجاهد محمد الضيف القائد العام لكتائب القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الاسلامية “حماس″، مساء الثلاثاء وكانت الاولى من نوعها وتنطوي على درجة كبيرة من الاهمية رغم كلماتها القليلة والمعبرة جدا في الوقت نفسه، لما تعكسه من موقف صلب في وجه العدوان، والاستمرار في القتال حتى انتهاء الحصار.

*الثانية: وجهها اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس، والرجل القوي في ايران، التي اشاد فيها بسلاح المقاومة، معتبرا ان اي محاولة لنزعه “هرطقة باطلة” ووهم لن يتحقق، واوصى بتصويب “البندقية والسلاح والدم والكرامة دفاعا عن الانسانية والاسلام الذي تختصره فلسطين”، وهدد “القتلة والمرتزقة” قائلا “اننا لن نتوارى للحظة عن الدفاع عن المقاومة، ودعمها، ودعم الشعب الفلسطيني”، وتوعد الاسرائيليين قائلا “غضب عميق سينصب جامه على رأس الصهاينة المجرمين في الوقت المناسب”.

***

عندما يقول المجاهد ضيف الذي قاد ورجاله المعركة ضد العدوان بطريقة علمية هندسية تفوق فيها على كل الرتب العسكرية العليا الزائفة والمضللة المعلقة على اكتف الجنرالات والمارشالات جنبا الى جنب مع نياشين عريضة وهم لم يخوضوا اي حرب وان خاضوها لم ينتصروا في اي منها، طريقة مهنية وعملياتية اذهلت كل الجنرالات الاسرائيليين، وفاجأتهم بقوة حبكتها، ودقة تنفيذها، عندما يقول، لا تهدئة (ليس هدنة) الا مع رفع كامل للحصار، فهذا يعني انه هو صاحب القرار، وان كل الوفود السياسية ولقاءاتها في هذه العاصمة او تلك مجرد “عروض سياسية” للتلفزة فقط، وليس لها اي قيمة عمليا اكثر من ذلك، فالقادة الميدانيون الذين بنوا مدينتين واحدة فوق الارض واخرى تحتها، وواجهوا العدو برجولة وشجاعة هم الذين يقررون ووجبت لهم الطاعة والتنفيذ.

فعندما يتحدث المجاهد الضيف، وبصوت مموه، ودون ان يظهر وجهه على شاشات التلفزة، فانه يقدم نموذجا فريدا في تواضع القيادة، والبعد عن الاضواء والشهرة، لم تشهد الساحتان الفلسطينية والعربية مثله، فهكذا يكون الرجال الذين يحبون وطنهم، ويومنون بقيم العقيدة والشهامة والبطولة والكرامة، ويعملون كجنود مجهولين من اجل دحر الاحتلال واعلاء راية الحق، ونيل الشهادة عبر اقصر الطرق.

لم يكن من قبيل الصدفة ان تتزامن كلمة المجاهد الضيف مع بث شريط مصور عن العملية الشجاعة التي نفذتها وحدة من وحدات النخبة في كتائب عز الدين القسام في مستوطنة “ناحال عوز″ شمال غزة، عبر احد الانفاق، وتمكنوا فيها من قتل عشرة جنود اسرائيليين سمعنا صراخهم وانينهم في خلفية الشريط يهربون مثل الارانب المذعورة، في جيش يقول عنه قادته انه لن يقهر.

لم نشاهد كاميرا تهتز في يد مصور هذه العملية البطولية، بل شاهدنا رباطة جأش، وعزائم قوية، وتخطيط عملياتي محكم، مما يؤكد ان هناك حالة من الاستعداد لهذه الحرب جرى ترتيب كل مراحلها وعملياتها بحسابات وتخطيطات مدروسة بعناية، قبل اشهر وربما اعوام، واين في قطاع غزة المحاصر من كل الجهات لاكثر من ثماني سنوات متواصلة برا وبحرا وجوا.

رسالة اللواء سليماني التي تزامنت ايضا مع رسالة المجاهد الضيف، واكدت وقوف ايران الكامل مع المقاومة الفلسطينية، ورفض اي نزع لسلاحها رفعت دون ادنى شك معنويات المقاومين في القطاع، مثلما ارهبت في الوقت نفسه القيادة الاسرائيلية المرتبكة ايضا، واحرجت كل القيادات العربية الخانعة المتعجلة بلهفة للانتصار الاسرائيلي في الوقت نفسه.

ايران هي التي زودت المقاومة الفلسطينية بالخبرات الضرورية لصناعة الصواريخ، سواء تلك التي ضربت تل ابيب وحيفا ونتانيا وايلات وديمونا، ودفعت بأربعة ملايين مستوطن اسرائيلي الى الملاجيء، او الاخرى (كورنيت) المضادة للدروع التي اوقفت الدبابات الاسرائيلية الى عمق القطاع خوفا ورعبا.

سيخرج الآن بعض المتحذلقين العجزة وينتقدون هذا الموقف الايراني ويشككون فيه ونواياه من منطلق طائفي عنصري محض ويقولون ان هذا استغلال للقضية الفلسطينية ودماء شهداء غزة، ونقول لهم لماذا لا تستغلوا الشيء نفسه وانتم تنفقون المليارات على شراء صفقات الاسلحة؟ ولا نستغرب ذلك، فهذا دينهم، فالذين فشلوا في ايصال الاموال لدفع رواتب الجوعى والمحاصرين في قطاع غزة خوفا من اسرائيل وامريكا، ليس من حقهم الا الصمت والخجل من انفسهم.

فالايرانيون، مثلما علمتنا التجارب ليس مثل اهلنا العرب، ونقولها وفي الحلق مرارة العلقم، اذا قالوا فعلو، واذا تحالفوا، انتصروا لحلفائهم، ووقفوا الى جانبهم، ولم يخذلونهم مطلقا، خير مثال على ما نقول هو ما يجري حاليا في سورية، ولا نتردد لحظة في اعلان اختلافنا معهم في الكثير من سياساتهم ومواقفهم، ولكن الحقيقة يجب ان تقال، والعيب فينا لاننا خذلنا قضايانا وشعوبنا، ونأمل ان يكونوا كذلك في غزة وان لا ننتظر طويلا “الوقت المناسب”.

رسالة اللواء سليماني خاصة السطر المتعلق فيها “بصب جام الغضب على رأس الصهاينة المجرمين في الوقت المناسب” هي انذار يجب ان يؤخذ بكل الجدية، من قبل الاسرائيليين والقادة العرب معا، فالمنطقة العربية بأسرها، قد تكون على اعتاب حرب اقليمية شاملة، ربما تكون اسرائيل وحلفاؤها ابرز ضحاياها، وعلينا ان نتذكر ان “حزب الله” الذراع العسكري لايران جاهز للتحرك، تماما مثلما تدخل في سورية لصالح النظام عندما بدأ الاخير يفقد الكثير من المعارك والارضي في الحرب التي تخوضها المعارضة المسلحة، من اجل اسقاطه، فلولا الحليف الايراني ودعمه المالي والعسكري ربما لما صمد النظام وغير الموقف لصالحه بالشكل الذي نراه الآن.

***

بعد هاتين الرسالتين القويتين المعبرتين عن ارادات قوية، ارى هزيمة اسرائيل وشيكة جدا، واستطيع ان اتنبأ بوقف لاطلاق النار بعد الاستجابة لكل مطالب المقاومة في رفع الحصار وفتح جميع المعابر، والا فان اياما حالكة السواد والدم في انتظار اسرائيل في الاسابيع والاشهر والسنوات المقبلة.

المقاومة العربية الاسلامية الفلسطينية التي خذلها العرب وجيوشهم وجنرالاتهم واعلامهم، تقف على ابواب النصر بعد ان كسبت الحرب النفسية وفي طريقها لكسب الحرب العسكرية ومن يملك ادنى ذرة شك عليه قراءة نص الرسالتين المذكورتين، وقراءة الصحف الاسرائيلية ومقالات المحللين العسكريين والسياسيين فيها ايضا لكي يعي ما نقول.

النصر لم يعد صبر ساعة، لانه تحقق باذن الله بدماء الشهداء والجرحى، وعزيمة المشردين، وبطولات المقاومة ورجالها.. الرجال الرجال.

نتنياهو يرفع الرايات البيضاء استسلاما ويستنجد بجون كيري طلبا لوقف اطلاق النار.. انها الخسائر المتعاظمة في جبهات القتال وصمود رجال المقاومة الاسطوري.. وشكرا اهل غزة

عندما يقول جون كيري وزير الخارجية الامريكي الثلاثاء ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو اتصل به طالبا مساعدة واشنطن من جديد للتوسط في وقف اطلاق النار في غزة، فهذا يعني انه رفع الراية البيضاء وادرك انه لن يحقق اي انتصار، صغير او كبير، في عدوانه الوحشي.

نتنياهو ذهب الى “المنقذ” الامريكي صاغرا متوسلا مستسلما، متخليا عن غروره وغطرسته، والفضل في ذلك يعود الى ابطال قطاع غزة الذين فاجأوا العالم بأسره بادارتهم الرائعة لهذه الحرب، وصمودهم المشرف في وجه العدوان، وصناعتهم العسكرية المتطورة، واعتمادهم على انفسهم، ودماء شهدائهم، وادارة الظهر لكل المتواطئين من العرب واموالهم وترسانات اسلحتهم التي لا تستخدم الا في قتل الشعوب.

نتنياهو الذي هدد بالامس فقط بتوسيع هجومه البري، وارسل طائراته الحربية المثقلة بالصواريخ والقنابل لارتكاب مجزرة راح ضحيتها عشرة اطفال شهداء ادرك انه مهزوم في هذه الحرب، فقرر الهروب وتقليص الخسائر.

اعتقد نتنياهو ان الحرب سهلة، ومثل سابقاتها، قصفا جويا مكثفا وقتل المئات من الابرياء، ثم بعد ذلك يأتي العرب في معسكر “الاعتدال” وادعياء الحكمة والواقعية والحرص على السلام لوقف اطلاق النار، ولكنها المرة الاولى، في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، يرفض رجال المقاومة كل عروض وقف اطلاق النار التي لا تلبي شروطهم كاملة في رفع الحصار، والتصدي للعدوان الذي استعدوا له جيدا رغم الحصار والجوع وحملات التشويه والتضليل الاعلامية المكثفة.

***

نقطة التحول الرئيسية تتمثل في هذا الالتفاف الشعبي غير المسبوق، ومن كل التوجهات، حول المقاومة، واظهار اقوى صور الاستعداد لتقديم التضحيات والصمود في مواجهة العدوان، معززة بالتكافل الاجتماعي، والاعتماد على النفس والايمان بالنصر.

الانفاق ظلت وستبقى شامخة على حالها، عنوانا للابداع والعبقرية الفلسطينية، والصواريخ ما زالت تهبط كالمطر، وستظل، على المستوطنات الاسرائيلية والمدن الفلسطينية المحتلة في تل ابيب وحيفا ويافا والقدس وعسقلان واسدود، وتهدد باغلاق مطار تل ابيب في اي لحظة، وستكون اكثر دقة في اصابة اهدافها، وتحمل رؤوسا اكثر تدميرا.

الخوف كل الخوف من المتواطئين العرب الذين يخافون من ثقافة المقاومة اكثر من الاسرائيليين انفسهم، لكننا على ثقة انهم سيصابون الآن، وبعد رفع نتنياهو راية الاستسلام، وطلب طوق النجاة من كيري الذي كان يسبه بالامس، بحالة من الاكتئاب والانكسار “فبطلهم” الاسرائيلي لم يحقق طموحاتهم في القضاء على هذه الظاهرة، ونزع سلاح المقاومة، واغراق ابناء القطاع في السلام الاقتصادي، لانهم وبكل بساطة يجهلون هذا الشعب، ولا يعرفون عزيمته الجبارة، وحالة الاعتزاز والثقة بالنفس التي يتمتع بها.

فالوزير كيري جعلنا نضع ايدينا على قلوبنا خوفا من ان يسلب بعض العرب هذا الانتصار المشرف للمقاومة، عندما قال ان “هناك مفاوضات جديدة ستجري في القاهرة وستكون باكملها دون اي شروط مسبقة، ولن تعرقل قدرة اسرائيل في الدفاع عن نفسها”، فقاهرة اليوم ليست القاهرة التي عرفناها واحببناها، قاهرة حرب السويس وحرب الاستنزاف وحرب اكتوبر.

الوسطاء العرب صمتوا طوال الاسابيع الثلاثة الماضية من عمر العدوان، انتظارا لانتصار نتنياهو، وتوقعا لرفع اهل غزة الرايات البيضاء، وعندما طال انتظارهم نطقوا، نطقوا كفرا، وبتوجيههم اللوم للضحية وتبرئة الجلاد، مثلما سمعنا على لسان الامير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودي الاسبق.

نتنياهو تراجع بطريقة مذلة ومهينة عندما شاهد جنوده وضباطه يتساقطون مثل الذباب في هجمات المقاومة التي خرج عليهم رجالها من تحت الارض، وقاتلوا برجولة لم يتعود عليها هؤلاء ولم يحسبوا حسابها، ومعركة مستوطنة “نحال عوز″ شمال قطاع غزة التي اقتحمها رجال المقاومة وقتلوا عشرة من الجنود الاسرائيليين واصابوا العشرات خير شاهد.

مهندسو معجزة الانفاق، الذين لم يدرسوا في جامعات سانت هيرست وسانت بونيت العسكريتين او جامعة الامبيريال كوليدج المدنية وتخرجوا من اكاديمية الكرامة الاعرق تحت الارض، سيعيدون بناء ما دمرته اسرائيل وطائراتها فوق الارض، وسيفرضون شروطهم كاملة، وستكون انجازاتهم ورجولتهم هما الضمانة الوحيد لالزام نتنياهو، هذا اذا بقي في السلطة، بتلبية شروط او بنود اي اتفاق جديد.

***

عندما يحمل الآباء جثامين اطفالهم الطاهرة الى مقابر الشهداء، وصادحين بالدعم للمقاومة ورجالها، ومستعدين لتقديم ما تبقى من ابنائهم فداء للوطن، فهذا شعب لا يمكن ان يهزم.

فالشرعية هي المقاومة والمقاومة هي الشرعية، وعملية التغيير بدأت، وستنطلق من مقابر الشهداء وانفاق غزة، وبسواعد رجالها، الذين حققوا معجزة الانتصار في زمن التخاذل.

شكرا لابطال غزة الذين غيروا كل المعادلات، واعادوا الكرامة الى هذه الامة، وضربوا اروع الامثلة في الصمود وكسر حاجز الخوف والرهبة، واثبتوا ان الارادة القوية، والعزيمة الصادقة، والسباق نحو الشهادة، اقوى من كل طائرات امريكا، وقبب اسرائيل الحديدة، ودبابات “الميركافا”.

نتنياهو ويعالون جرى تلقينهم اصعب الدروس، واحترقت اصابعهم في غزة، وسيحسبوا الف حساب في المرة القادمة قبل ان يفكرا بتكرار عدوانهم مرة اخرى.