ثلاثة خطابات تعكس قلق العاهل السعودي من خطر “الدولة الاسلامية” والجماعات المتشددة وتنتقد “كسل” العلماء فما هي الاسباب ولماذا نختلف مع “آل الشيخ” مفتي السعودية

وجه العاهل السعودي عبدالله بن عبد العزيز ثلاثة خطابات الى الشعب السعودي الاول في عيد الفطر، والثاني قبل يومين قرأها نيابة عنه احد المسؤولين، بالصوت ودون صورة، والثالث الاحد بالصوت والصورة نقله التلفزيون السعودي والقاه اثناء استقباله لعدد من العلماء والامراء ورجال الدين ومسؤولين ووزراء في الدولة وضيوف كان على رأسهم السيد سعد الحريري رئيس تيار المستقبل اللبناني.

المحور الرئيسي في الكلمات والخطابات الثلاثة هو التركيز على الجماعات الاسلامية، وخطرها وتوجيه انتقادات حادة الى الدعاة ولرجال الدين وصلت الى حد اتهامهم بالكسل والصمت على تمدد هذه الجماعات واتساع نطاق نفوذها.

العاهل السعودي لم يسم اي منها بالاسم، ولكن من الواضح انه يقصد “الدولة الاسلامية” او ما اطلق عليها “داعش” في الماضي، عندما قال “كيف يذبح انسان آخر كلغنم” في اشارة الى اعدامات وحشية نفذتها عناصر تابعة للدولة الاسلامية في حق خصومها، وتعمدت اتباع “طرق الرحمة” في ذبح هؤلاء وفقا “لتعاليم الشريعة”، ووضع رؤوسهم فوق الحراب في اطار استراتيجية الرعب التي تتبعها لارهاب المملكة.

هناك تفسير واحد لهذه الانتقادات وهو وصول معلومات قوية لدى اجهزة الامن السعودية تفيد بأن الدولة الاسلامية تستهدف المملكة ونظام الحكم فيها، وان هناك قطاعا عريضا من الشباب السعودي بات يتبنى، فكرها وينضم الى صفوفها، وهو الفكر الذي ينشره حاليا دعاة من الشباب بطريقة سرية منظمة.

ما يجعلنا نرجح هذا التفسير اربعة امور اساسية:

*الاول: كشف اجهزة الامن السعودي لـ”امارة” اسلامية لها امير ووزراء داخل المملكة قبل بضعة اشهر كانت تجلس على ترسانة من الاسلحة وملايين الريالات، وتخطط لاعمال تفجير واغتيالات داخل المملكة، ومن بين هؤلاء امراء في الاسرة الحاكمة.

*الثاني: المراسيم الملكية التي صدرت في الفترة نفسها تجرم عدة تنظيمات اسلامية وتضعها على لائحة الارهاب، وتعاقب كل سعودي ينتمي اليها او ينخرط في صفوف التنظيمات الجهادية الاخرى مقاتلا، بعقوبة سجن تصل الى 15 عاما.

*الثالث: اتساع نطاق المناطق التابعة للدولة الاسلامية وسيطرتها على محافظات عراقية مهمة من الانبار ونينوى وصلاح الدين ومعظم المعابر الحدودية مع سورية والاردن، وتعزيز وجودها في الرقة ودير الزور في سورية ومناطق اخرى في حلب وحمص، واقترابها من الحدود السعودية العراقية في عرعر ورفحة بعد انسحاب القوات العراقية من الجانب العراقي من الحدود، وتزامن تحذير العاهل السعودي مع سيطرة قوات “الدولة الاسلامية” على مدينة سنجار في شمال العراق بعد هزيمة قوات البشمرغة الكردية، ومدينة “وانة” ومعظم سكانهما من الاكراد وابناء الطائفة الازيدية، مما يعني انهم على وشك السيطرة على سد الموصل، رابع اكبر سد في الشرق الاوسط.

*الرابع: وصول تقديرات مؤكدة ان عدد السعوديين الذين يقاتلون في صفوف الدولة الاسلامية وصل الى خمسة آلاف والعدد في تزايد معظمهم من الشباب في العشرينات من العمر.

فاذا كانت قوات الدولة هزمت جيش المالكي، وقوات البشمرغة التي تعتبر من اكثر الوحدات العسكرية تدريبا وتسليحا (دربتها اسرائيل)، فان حظ القوات السعودية امامها في حال دخولها الى مناطق في المملكة ربما لن يكون افضل، وهنا تكمن المعضلة، فهي غير مدربة على حرب العصابات، علاوة على انعدام الخبرة العملياتية الميدانية او معظمها.

انتقاد العاهل السعودي لرجال الدين والدعاة واتهامهم بالكسل مفهوم، فمعظم هؤلاء اما يؤيدون الدولة وفكرها في الباطن، ولا يريد خوض المجاهرة واما انهم ، او بعضهم، يخشون بطشها، لا يريدون ان يحسبوا على النظام وهذا ما يفسر صمت علماء كبار على هذه الظاهرة وعدم التصدي لها وتكفيرها مثلما تطالبهم السلطات.

لا شك ان “الدولة الاسلامية” تشكل خطرا كبيرا على القيادة السعودية وتتبنى فكرا متشددا تكفر من خلاله الكثير من مخالفيها، وتمارس القتل بطريقة يعتقد الكثيرون انها لا تتماشى مطلقا مع تعاليم الشريعة السمحاء وتتناقض مع شرط “التمكين” لاعلان دولة الخلافة، ومن بين هؤلاء شيوخ في الاردن مثل ابو محمد المقدسي و”ابو قتادة” وهيئة كبار العلماء في السعودية ومشايخ الازهر.

ولكن طريقة مواجهة “الدولة الاسلامية” يحتاج الى تبني اصلاحات جذرية واتخاذ مواقف من المملكة غير بعض المواقف التي تتبناها حاليا، مثل الصمت على ذبح الاسرائيليين للاطفال في قطاع غزة وعدم الاقدام على اي خطوات جدية في هذا الصدد، فالذبح هو الذبح سواء كان بالسكين او بطائرات اف 16.

فعندما يخرج علينا الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء فيها بفتوى يصف فيها المظاهرات التي انطلقت في اكثر من عاصمة عربية ضد العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة بانها غوغائية ونوع من “الترهات”، ويقول ان ارسال المساعدات المالية هو الاجدى، فان هذا يصب في مصلحة الاسلام المتشدد، ويدفع بالشباب الغاضب للانضمام الى صفوفه للخروج من حال الاذلال التي تعيشها الامة علي ايدي الاسرائيليين، فارسال المال وليس المجاهدين لنصرة اخوانهم في غزة عملا ناقصا في نظر هؤلاء، خاصة ان ابناء قطاع غزة لا يصلهم هذا المال بسبب السطوة الاسرائيلية وعدم اصرار الحكومات العربية التي تعلن رفضها لمساعدتهم على كسر هذا الحظر الاسرائيلي المهين ولا انساني، ومن هنا تظل اعمال التظاهر والاحتجاج هي اضعف الايمان بالنسبة للشباب العرب المحبط الذي يرى اشقائه يدبحون وتدمر بيوتهم فوق رؤوسهم وتنسف مستشفياتهم، بينما لا تحرك الجيوش العربية المدججة بأسلحة وطائرات حديثة ساكنا.

من حق العاهل السعودي ان يقلق من اتساع رقعة “الدولة الاسلامية” و”انتصاراتها” ولكن خطط المواجهة التي يقترحها، اي حصرها في رجال الدين فقط، ستكون غير فاعلة حتى لة تخلى هؤلاء عن كسلهم وصمتهم، فالامر يحتاج الى عملية تغيير واسعة تشمل اصلاحات وسياسات ترتقي الى مكانة المملكة وواجباتها.

المبادرة المصرية في غرفة الانعاش وتوني بلير سيقود مصر وحلفاءها الخليجيين الى هزائم وفوضى على غرار ليبيا والعراق وافغانستان

ان يهبط توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الاسبق واحد ابرز المسؤولين عن قتل مليون عراقي في مطار القاهرة مساء الاحد للانضمام الى المباحثات الجارية حاليا حول كيفية التعاطي مع الاوضاع في قطاع غزة فهذا نذير شؤم، وعنوان تآمر، ومشروع انقاذ لاسرائيل وتوريط مصر اكثر في مستنقعها العدواني.

اذا صحت الانباء بأن بلير هو احد مستشاري الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وانه وضع خطوط مبادرته لوقف الحرب في قطاع غزة التي دمرت سمعة مصر في الوطن العربي والعالم الاسلامي، واظهرتها بمظهر المتواطيء مع العدوان الاسرائيلي، فان هذا يمكن اعتباره اكبر جريمة في حق مصر وشعبها وتاريخها العريق في الوقوف في خندق الشعوب المظلومة، او التي تقاتل من اجل الحرية والاستقلال.

المبادرة المصرية فشلت بطريقة مأساوية لان الرئيس السيسي وحكومته ارادا فرضها بالقوة على فصائل المقاومة، ودون اي تشاور معها وبطريقة استعلائية، وتطورات الامس اجهزت عليها كليا، وخاصة القرار الاسرائيلي بالانسحاب من جانب واحد من القطاع، ورفض نتنياهو ارسال وفد الى القاهرة للتفاوض.

***

هذه المبادرة تقوم على جناحين لا يمكن ان تحلق من دونهما:

الاول هو وقف اطلاق نار متفق عليه في قطاع غزة، والثاني الانخراط في مفاوضات لوضع آليات لهدنة طويلة، يتوقف خلالها اطلاق الصواريخ مقابل استقرار وامن للمستوطنين الاسرائيليين شمال قطاع غزة، واقدام نتنياهو على انسحاب احادي الجانب كسر الجناح الاول، ومقاطعته للمفاوضات كسر الجناح الثاني للمبادرة.

سحب القوات الاسرائيلية من الشريط الحدودي الذي رابطت فيه في عمق ثلاثة كيلومترات شرقا، هو اعتراف بالهزيمة، وعدم القدرة في الاستمرار في الحرب، واعادة احتلال القطاع بالتالي، وتحقيق الاهداف التي حددها نتنياهو لتسويق العدوان للاسرائيليين والعالم، وابرزها وقف الصواريخ، وتدمير الانفاق ونزع سلاح المقاومة، وهي الاهداف التي دفعته لاستدعاء اكثر من مئة الف من جنود الاحتياط وكأنه يعلن الحرب على امريكا او روسيا القوتين الاعظمين.

لم يتخذ زعيما اسرائيليا قرارا بوقف الحرب من جانب واحد الا وسقط وخسر مستقبله السياسي، واولهم ايهود باراك الذي اتخذ قرار الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، ومن المؤكد ان نتنياهو سيكون الثاني، بعد ان يهدأ غبار هذا العدوان، ويظهر الحجم الحقيقي لخسائر الجيش الاسرائيلي البشرية، والتكاليف الاقتصادية والمعنوية.

قطاع غزة سيتحول الى جنوب لبنان آخر، اي قاعدة للمقاومة، ومثلما استعد ابناؤه من اشقاء ضحايا حرب عام 2008 لهذه الحرب جيدا وطوروا قدراتهم الدفاعية وصواريخهم وحرب الانفاق، سيبدأ اشقاء ضحايا هذه الحرب وشهداؤها في الاستعداد لحرب قادمة باستعدادات اكبر وانفاق اطول، وصواريخ اكثر دقة واكثر تدميرا.

حركة “حماس″ وفصائل المقاومة الاخرى التي تتزعمها، ستكون اكثر شراسة في الحرب المقبلة، وستخترق التنسيق الامني الذي تطبقه السلطة في الضفة كشريك لاسرائيل واجهزتها الامنية، وستنقل تكنولوجيا الصواريخ ومدافع الهاون الى مدن كالخليل ونابلس وجنين، ومعها تكنولوجيا الانفاق، وبما يلغي فاعلية الحائط العنصري، فحماس باتت في حل من السيطرة على الفصائل الاخرى وكبح جماح صواريخها وعملياتها العسكرية الفدائية.

الحكومة المصرية ارتكبت خطأ استراتيجيا بدورها عندما حشرت حركة حماس والفصائل الاخرى في الزاوية، وشددت الحصار الخانق عليها، ورفضت كل رسائل التودد والمصالحة من طرفها، وافشلت حكمها في غزة بتدمير الانفاق واغلاق معبر رفح لاشهر متواصلة، ومنع وصول الاموال اليها من الخارج، واذا استمرت المعاملة نفسها فلا نستغرب ان يتم شق انفاق اخرى الى سيناء لتهريب الاسلحة والخبرات القتالية لمن ينتظرها بلهفة، فليس لدى حركة حماس والفصائل الاخرى ما يمكن ان تخسره.

نتيناهو في خطاب الامس اكد ان اسرائيل باتت تملك اصدقاء وحلفاء عرب، في اشارة الى بعض الدول التي صمتت على العدوان او تواطأت معه مثل السعودية ومصر والامارات والاردن، حسب تفسيرات الصحافة الاسرائيلية، وما ذكره نتنياهو وكرره قبله شمعون بيريس رئيس اسرائيل، وافيغدور ليبرمان وزير الخارجية، يشير الى ان هذه الدول ربما تكون مرشحة لازمات امنية وسياسية خطيرة في المستقبل القريب.

فاذا كان خطر الجماعات الاسلامية المتشددة يهدد هذه الدول وامنها واستقرارها، فان التحالف مع نتنياهو يوفر لها الذخيرة التي تتطلع اليها وتنتظرها، واللافت ان هذه الدول لم تتعلم من اخفاقات سياساتها في العراق وسورية وليبيا وتحاول تكرارها حاليا بالتقرب من الاسرائيليين والصمت على مجازرهم في قطاع غزة.

***

في العدوانين الاخيرين على قطاع غزة كانت الخسائر البشرية الاسرائيلية معدومة تقريبا، في الحرب الحالية اعترفت القيادة الاسرائيلية رسميا بمقتل 55 جنديا وثلاثة مدنيين وجنديين اسيريين، وفوجئت بادارة متفوقة للمواجهات، ومدينة كاملة تحت الارض عجزت كل اجهزتها الاستخبارية عن معرفة دهاليزها، وهذا التطور العملياتي ينبيء بان الحرب المقبلة ستكون مختلفة ايضا.

بلير الذي ورط بلاده في حربين خاسرتين في العراق وافغانستان، وثالثة في ليبيا باستشاراته وفبركاته، سيورط مصر واصدقائها في الخليج العربي في حروب مضمونة الخسارة ايضا، ولا نستبعد ان يكون هو عراب الحلف الاسرائيلي الخليجي الجديد الذي اشار اليه نتنياهو وبيريس وليبرمان.

شعب قطاع غزة الذي ضرب اروع الامثلة في التصدي للعدوان، سيتجاوز آثار الحرب الحالية، مثلما تجاوز كل الحروب السابقة، وسيخرج شامخا من وسط الدمار، ولكن الخسارة الاكبر ستلحق باسرائيل والمتواطئين معها، وستصل النار الى ثوبهم، وليس طرفه فقط، لان بلير لم يدعم دولة وانتصرت بما فيها بلده بريطانيا، وهذا لا يعني انه سيخرج رابحا لانه يكره العرب اولا، وانما لانه سيخرج بمبلغ مالي محترم مقابل استشاراته التدميرية، فحبه للمال لا يحتاج الى اثبات.

قراءة “متأنية” في خطاب العاهل السعودي عن المجازر الاسرائيلية في قطاع غزة وما ورد فيه من مواقف

اعتبر العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز ان ما يجري في غزة مجازر جماعية وجرائم حرب ضد الانسانية، وابدى تعاطفا مع “دماء الفلسطينيين التي تسقط في مجازر جماعية” وصفها بانها “جرائم حرب ضد الانسانية”، ولكنه لم يقل كيف يمكن مواجهة من يرتكب هذه المجازر، ودور بلاده في هذا الصدد.

تابعت كلمة العاهل السعودي التي القيت نيابة عنه بعد ظهر الجمعة آملا ان اسمع دعوة لعقد مؤتمر طارىء للقمة العربية بحضور وزراء الدفاع العرب، ورؤساء هيئة اركان جيوشهم، او حتى دعوة لاجتماع عاجل لوزراء الخارجية العرب، ولكن خاب ظني، حتى ان كلمة اسرائيل المعتدية وارهاب الدولة الذي تمارسه، لم تذكر مطلقا في الخطاب الملكي، ولعل من كتبوا هذا الخطاب تعمدوا عدم ذكرها، بينما اشاروا باسهاب الى كل انواع “الارهاب” التي “ترتكب باسم الاسلام”.

بينما كان العاهل السعودي يلقي كلمته، التي سارع الرئيس الفلسطيني محمود عباس للترحيب بها، اغارت الطائرات الاسرائيلية على بيوت سكنية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة وقتلت اكثر من ستين مدنيا، ثلثهم من الاطفال والرضع، في انتهاك وحشي لاتفاق وقف اطلاق النار، وقتلت ثلاثة اطفال حرقا في شمال قطاع غزة.

***

ما يشجع اسرائيل على اعمال القتل والتدمير التي تقوم بها على مدى الاسابيع الاربعة الماضية، هو حالة الصمت العربي الذي تحدث عنه وادانه العاهل السعودي، وقال “ان هذا الصمت ليس له اي تبرير غير مدركين بأن ذلك سيؤدي الى خروج جيل لا يؤمن بغير العنف، رافضا السلام، ومؤمنا بصراع الحضارات لا بحوارها”، ولكنه لم يكسرها، اي حالة الصمت هذه، بتوجيه انذار الى اسرائيل بضرورة وقف اطلاق النار فورا دون شروط، والتهديد باستخدام فوري لسلاح النفط اذا لم تنفذ تماما، مثلما فعل شقيقه الملك فيصل بن عبد العزيز في حرب رمضان عام 1973.

كنا وما زلنا نتمنى لو يشاهد العاهل السعودي حجم الدمار والخراب الذي اوقعه القصف الاسرائيلي المستمر في القطاع المحاصر المجوع، او يتأمل جثامين الاطفال التي مزقها هذا القصف، او اطرافهم التي بترها، ويرقدون حاليا في ممرات المستشفيات ضمن عشرة آلاف جريح، يصارعون من اجل البقاء في ظل انعدام كامل للادوية نتيجة اغلاق مصر، حلفية المملكة، لمعبر رفح في وجه بعثات وقوافل الاغاثة الطبية ومعداتها، الامر الذي ادى الى وفاة العشرات في هذه المستشفيات (اسرائيل قصفت عشر مستشفيات) التي تعاني من نقص حاد في الاطباء، وعدم القدرة بالتالي على تقديم العلاج والادوية لهذه الاعداد الضخمة من الجرحى.

من اللافت ان هذا الخطاب الذي انتقد الصمت العربي والدولي، والذي نشك ان يكون العاهل السعودي قد اطلع عليه كاملا، تأخر اربعة اسابيع، لم نسمع خلالها اي موقف سعودي رسمي تجاه المجازر الاسرائيلية في قطاع غزة يرتقي الى مكانة المملكة العربية والاسلامية، وكل ما سمعناه او بالاحرى قرأناه، مقال للامير تركي الفيصل رئيس جهاز الاستخبارات السعودي الاسبق يظهر فيه الكثير من الشماتة بالمقاومة الفلسطينية ويحملها مسؤولية هذه الحرب وتبعاتها.

ما يجري من مجازر في قطاع غزة هو وصمة عار اخرى في جبين النظام الرسمي العربي وقادته الذين صمتوا جميعا، وفضلوا ادارة وجوههم الى الناحية الاخرى، وتواطأ بعضهم في وضح النهار مع العدوان الاسرائيلي بما هو اكثر من الصمت، واذا كان بعضهم قد غضب على اسرائيل وجيشها، فذلك ليس بسبب مجازر القطاع، وانما لعدم انهائها مهمتها بسرعة في ايام معدودة.

صحافية هندية اتصلت بي صباح الجمعة طالبة تفسيرا لهذا الصمت العربي بشقيه الشعبي والرسمي، تجاه هذه المجازر الاسرائيلية، واعترف انني “تلعثمت” في الاجابة، فالعدوان على القطاع واضح، وموضع اجماع مفترض بين جميع الطوائف والمذاهب على مواجهته، على عكس حروب وصراعات عربية في اماكن اخرى، فلماذا لا يتحرك هؤلاء في مواجهته، وفعل شيء، اي شيء، غير الصمت؟

***

الزعماء في امريكا اللاتينية التي تبعد عشرات آلاف الكيلومترات عن غزة، ويعتنقون الدين المسيحي اغلقوا سفارات، وطردوا سفراء اسرائيل، ورحبوا باستضافة الاطفال الجرحى واليتامى في بلادهم كبادرة تضامن، ولم نسمع زعيما عربيا واحدا، يقدم على خطوة كهذه، او يقيم جسرا جويا لنقل الجرحى الى مستشفيات بلاده، بل ما حدث هو عكس ذلك تماما، تشجيع الحليف المصري على احكام اغلاق الحدود، وتحميل الضحية مسؤولية المجازر، واعفاء الجلاد من اي لوم.

نختلف مع امهات الشهداء والجرحى اللواتي صرخن، من شدة الالم، بالخروج من انتمائهم العربي، بسبب حالة الخذلان التي يعيش مرارتها ابناء قطاع غزة، من صمت الزعماء العرب وبعض شعوبهم، والتأكيد على الاعتماد على المقاومة والذات فقط، نقول نختلف معهن لان هؤلاء الزعماء او معظمهم، ليس لهم اي علاقة بقيم الشهامة والكرامة والكرم والفداء التي تميز الهوية العربية عما عداها من هويات اخرى.

لقطاع غزة مقاومة تحميه، ورجال يدافعون عنه، ونساء ولادات سينجبن المزيد من الابطال، ولن يركع هذا القطاع مطلقا الا للخالق جل وعلا.

ألمنا مضاعف “لان الجرح في الكف” مثلما يقول المثل العربي الذي لا يحتاج الى شرح.

معظم الاعلام العربي سقط في “امتحان غزة” وصراخ المذيعات والمذيعين في وجه المتحدثين الاسرائيليين على شاشاته لا يبرر مطلقا الهروله لاستضافتهم بكثافة لتبرير ذبحهم للاطفال

في الماضي القريب كان الاعلامي يلهث خلف السياسي بحثا عن الرأي والخبر، في الوقت الحاضر، انقلبت الامور واصبح الاعلامي هو الذي يضع اجندة السياسي بسبب السطوة وقوة التأثير في الرأي العام اللتين يملكهما الاعلام الحديث المتطور في الصعد كافة.

في حرب غزة، مثلما كان عليه الحال في كل الحروب الاخرى في منطقتنا يلعب الاعلام الدور الابرز في حشد الرأي العام وتعبئته وصياغة مواقفه، في هذا الاتجاه او ذاك، ويمكن القول وبكل ثقة ان اسرائيل خسرت الحرب الاعلامية هذه المرة، وربما لاول مرة، لان المتلقي العربي والاجنبي، لم يعد يصدق اكاذيبها اولا، ولان الامور على الارض اصبحت واضحة، والاهم من كل ذلك ان الطرف الثاني، اي فصائل المقاومة الفلسطينية بات اكثر ذكاء ويملك قدرة مهنية عالية عنوانها اعلاميون شبان جدد يواكبون كل النظريات الاعلامية الحديثة، ويجيدون التحدث باللغات الاجنبية بطلاقة اهلها.

نشرح اكثر ونقول ان اقدام الخلية الجهادية التي نفذت عملية الهجوم على مستوطنة نحال عوز شرق مدينة غزة عبر نفق حفرته كتائب عز الدين القسام، صورت هذه العملية من الفها الى يائها، وبثت مقاطع منها عبر شاشة قناة الاقصى الفضائية، مكذبة الرواية الاسرائيلية الرسمية التي نفت وقوعها، مثلما نفت مقتل اي جنود اسرائيليين، تشكل انقلابا في التوظيف المنهجي الاعلامي العربي المتطور.

فصائل المقاومة لم تعد تعتمد على القنوات والصحف والاذاعات العربية، واسست قنواتها الخاصة بها، مثل الاقصى والقدس (حماس) وفلسطين اليوم (الجهاد الاسلامي)، مثلما اطلقت العديد من المواقع الاخبارية على الانترنت ووظفت “الفيسبوك” بشكل حديث، وانشأت جيشا الكترونيا استطاع اختراق المواقع الاسرائيلية الامنية مثل موقع القبة الحديدية على سبيل المثال لا الحصر.

***

في المقابل انقسمت الساحة الاعلامية العربية افقيا بين معسكر يؤيد المقاومة ويقف في خندقها ومعسكر آخر يضم معظم القنوات الخليجية اختارت معظمها اسلوب “التهدئة” الاعلامية، والتصرف مع الحدث بطريقة “شبه محايدة”، مثل محطات التلفزة العالمية ان لم يكن اسوأ.

وسائل الاعلام المصرية كانت في معظمها اقرب الى نظيرتها الاسرائيلية، وربما اكثر اسوءا وشراسة، فقد اتخذ بعضها طابع التحريض ضد المقاومة والتشكيك في اغراضها ومنطلقاتها، والانتصار للعدوان الاسرائيلي بشكل فج، وحث بنيامين نتنياهو وجيشه على الاجهاز على قطاع غزة ورجال المقاومة فيه بأسرع وقت ممكن، تحت ذريعة القضاء على حركة “حماس″ التي تضعها الحكومة المصرية على قائمة “الارهاب” ولا تقيم اي علاقات معها، حتى ان هناك نظرية تقول ان الحرب الحالية على غزة هي تكملة لحرب مصر ومعسكرها الخليجي لاجتثاث حركة الاخوان المسلمين.

القنوات الفضائية الغربية تغيرت ايضا، فبينما كان مراسلوها يغطون الحرب على غزة عام 2008 من فوق تلة قرب الحدود من القطاع، ويخضعون للرقابة العسكرية الاسرائيلية المباشرة ويعكسون وجهة النظر الاسرائيلية الاحادية المضللة، قررت هذه المرة، اي القنوات، كسر هذه السابقة المخجلة، وشاهدنا مراسلي هذه القنوات مثل “السي ان ان”، والقناة البريطانية الرابعة، والـ”ايه بي سي” والقائمة طويلة بثت نشراتها من وسط الدمار الذي احدثه القصف الاسرائيلي لاحياء غزة، وانفردت محطة “اي بي سي” الامريكية، وبفضل مراسلها في القطاع ايمن محيي الدين الامريكي من اصل مصري، في فضح المجزرة الاسرائيلية التي وقعت على شاطيء غزة وراح ضحيتها اربعة اطفال من عائلة واحدة (بكر) كانوا يلعبون الكرة.

الصحافة الاوروبية المكتوبة ونسخها الالكترونية تغيرت ايضا، وشاهدنا صحفا مثل اللوموند الفرنسية، و”الغارديان” و”الاندبندت” في بريطانيا تقدم صورة صادقة لوحشية العدوان الاسرائيلي وحجم المجازر التي ارتكبها من خلال مراسليها الذين صاغوا باقلامهم قصصا واقعية مؤثرة في هذا الصدد، وفعلت مجلات وصحف ومحطات تلفزيونية الشيء نفسه في المانيا وفرنسا والدول الاسكندنافية، ناهيك عن صحف وتلفزيونات امريكا اللاتينية وشرق آسيا وروسيا والصين.

هيئة الاذاعة البريطانية BBC كانت من المحطات القليلة التي شذت عن القاعدة وانحازت الى العدوان الاسرائيلي تحت ذريعة الحيادية المزورة، وحملّت صواريخ المقاومة مسؤولية الحرب وما تفرع عنها من مجازر، خاصة في الاسبوعين الاولين من العدوان، الامر الذي عّرضها لحملات انتقاد شرسة من قبل قطاع عريض من الرأي العام البريطاني، وقيام متظاهرين بريطانيين بالتظاهر امام مقرها وسط لندن احتجاجا على هذا الانحياز، وطالب الكثيرون، وبينهم اسماء بريطانية اكاديمية واعلامية وسياسية عريقة بعدم دفع رسوم التلفزيون السنوية التي تمول نفقات هذه الهيئة، وهي حملة بدأت تحظى بتأييد واسع.

هذا التغيير في اوساط الرأي العام، الذي دفع ناتان شارانسكي نائب رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق الى القول ان اليهود سيخسرون اوروبا بسبب هذه الحرب، بدأ يتسارع بسبب وجود جيل من المهاجرين العرب والمسلمين والعالم الثالث يعمل بجهد علمي مكثف لمناصرة اشقائهم في غزة بطرق علمية حديثة، مدعوم بجيل اوروبي شبابي منفتح لم يعد يعاني من عقدة ذنب “الهولوكوست” تجاه اليهود، وبالتالي الاسرائيليين مثل آبائه واجداده، وشاهدنا كيف تحدى هؤلاء الشبان حظر التظاهر في فرنسا والنزول الى الشوارع بالآلاف للاحتجاج على المجازر الاسرائيلية في غزة، واجبروا الحكومة على تغيير موقفها المخجل المنحاز لهذه المجازر، والشيء نفسه يقال عن بريطانيا وامريكا ودول غربية عديدة.

لا نريد ان نعطي انطباعا في هذه الصحيفة باننا كسبنا الحرب الاعلامية كليا في الغرب، وان التغيير كان جذريا، ولكننا اردنا ان نسلط الاضواء على هذا التغيير واسبابه، مع تسليمنا ان الخطر الاكبر على قضايانا العادلة يتمثل في الاعلام الرسمي العربي الذي تحركه انظمه متواطئة مع العدوان الاسرائيلي على غزة، ففي الوقت الذي يتغير فيه الاعلام الغربي انتصارا للحقائق وليس الحق فقط، نرى اعلاما عربيا يزور الحقائق ويعتم عليها انتصارا للعدوان وشماته بدماء وارواح ضحاياه، وتوجيه اللوم الى الضحية وليس الى الجلاد، وما يطمئننا ان معظم هذا الاعلام سقط في امتحان النزاهة والموضوعية، قبل ان يسقط في امتحان قيم العدالة والاخلاق مثل حكوماته وقادته.

فعندما تتهافت قنوات فضائية عربية، وبطريقة مبالغ فيها، على استضافة متحدثين باسم الجيش الاسرائيلي الذي يقتل الاطفال بالمئات في قطاع غزة حاليا بحجة الموضوعية، وتقدم بعض مذيعاتها ومذيعيها بمقاطعهم او الصراخ بحدة في وجههم، لتبرئة ذممهم فهذا لا يمكن ان يبرر، او يقلل من الخطية الكبرى في هذا المضمار مع كل التقدير والاحترام للنوايا الوطنية الصادقة لكل المذيعين والمذيعات التي لا نشك مطلقا فيها.

***

بريطانيا التي تعتبر نفسها الرائدة في مجال الاعلام والديمقراطية، لم تستضف مطلقا ضيفا ارجنتينيا واحدا اثناء حرب الفولكلاند ليقدم وجهة نظر بلاده، وكنا شهداء على ذلك، فأي موضوعية ومهنية يدعيها بعض هذا الاعلام العربي باستضافته للمتحدثين باسم الحكومة الاسرائيلية وجيشها الذي يرتكب جرائم حرب ضد اهلنا واطفالنا ويدمر بيوتهم فوق رؤوسهم في قطاع غزة الصامد، ويشرد مئات الآلاف منهم ويقصف مستشفياتهم.

طرح وجهة النظر الاخرى، ومن زاوية اعرف عدوك مفهومة شريطة ان يكون مفتاح التحكم في ايدينا، فهناك فرق كبير بين الاطلاع على كيفية مخاطبتهم لمستوطنيهم عبر وسائلهم الاعلامية والبحثية، ومخاطبتهم لمواطنينا عبر شاشاتنا مباشرة، فهؤلاء المتحدثون مبرمجون من قبل مؤسسات عسكرية وامنية واكاديمية لهذا الغرض وبما يخدم الطموحات الاسرائيلية في اختراق الرأي العام العربي، وبلبلة افكاره والتشكيك في قيمه ومعتقداته، او نسبة كبيرة منه، ويطبع عمليات التطبيع ويسرعها، وشاهدنا كيف اصبح لمارك ريغيف المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي طابورا طويلا من المتابعين والمتابعات على وسائل التواصل الاجتماعي يدخلون معه في نقاشات حارة يصل بعضها الى درجة الاعجاب، وربما ما هو اخطر من ذلك، ولا نستغرب ان يكون بعض هؤلاء قد تم ايقاعه في مصيدة التجنيد في خدمة المشروع الاسرائيلي.

نعم.. نحن لا نلوم المذيعات والمذيعين وكل العاملين في هذه المحطات، ولا نشكك مطلقا بمشاعرهم الوطنية الصادقة، ولكننا نلوم الحكومات التي تقف خلف محطات التلفزة هذه، وتضعهم جميعا في هذا الموقف المحرج بالتمسك بمثل هذه الممارسات الاعلامية التي ارتبطت بمرحلة التطبيع ووهم السلام ومعاهداته الكاذبة والخطرة في آن، عندما اعتقدت هذه الحكومات ان استضافة المتحدثين الاسرائيليين سيطمئن حكوماتهم والرأي العام الاسرائيلي على النوايا العربية الصادقة نحو السلام، وهو اعتقاد تأكد سذاجته وسطحيته وجهله بهذا العدو ومخططاته ومشاريعه المعادية للعرب والمسلمين.

رسالتان قد تغيران وجه المنطقة وتعجلان بالنصر في غزة.. الاولى لمحمد ضيف قائد القسام.. والثانية للواء سليماني القائد الايراني.. نحن امام هزيمة وشيكة لاسرائيل.. والا حرب اقليمية شاملة

رسالتان مقتضبتان واضحتان في معانيهما يمكن ان تشكلا ليس نقطة تحول في مواجهة العدوان الاسرائيلي الوحشي على قطاع غزة فقط، وانما في منطقة الشرق الاوسط بأسرها من حيث تغيير معادلات القوة والضعف، واعادة رسم خريطة المنطقة سياسيا وجغرافيا وعسكريا.

*الاولى: وجهها المجاهد محمد الضيف القائد العام لكتائب القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الاسلامية “حماس″، مساء الثلاثاء وكانت الاولى من نوعها وتنطوي على درجة كبيرة من الاهمية رغم كلماتها القليلة والمعبرة جدا في الوقت نفسه، لما تعكسه من موقف صلب في وجه العدوان، والاستمرار في القتال حتى انتهاء الحصار.

*الثانية: وجهها اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس، والرجل القوي في ايران، التي اشاد فيها بسلاح المقاومة، معتبرا ان اي محاولة لنزعه “هرطقة باطلة” ووهم لن يتحقق، واوصى بتصويب “البندقية والسلاح والدم والكرامة دفاعا عن الانسانية والاسلام الذي تختصره فلسطين”، وهدد “القتلة والمرتزقة” قائلا “اننا لن نتوارى للحظة عن الدفاع عن المقاومة، ودعمها، ودعم الشعب الفلسطيني”، وتوعد الاسرائيليين قائلا “غضب عميق سينصب جامه على رأس الصهاينة المجرمين في الوقت المناسب”.

***

عندما يقول المجاهد ضيف الذي قاد ورجاله المعركة ضد العدوان بطريقة علمية هندسية تفوق فيها على كل الرتب العسكرية العليا الزائفة والمضللة المعلقة على اكتف الجنرالات والمارشالات جنبا الى جنب مع نياشين عريضة وهم لم يخوضوا اي حرب وان خاضوها لم ينتصروا في اي منها، طريقة مهنية وعملياتية اذهلت كل الجنرالات الاسرائيليين، وفاجأتهم بقوة حبكتها، ودقة تنفيذها، عندما يقول، لا تهدئة (ليس هدنة) الا مع رفع كامل للحصار، فهذا يعني انه هو صاحب القرار، وان كل الوفود السياسية ولقاءاتها في هذه العاصمة او تلك مجرد “عروض سياسية” للتلفزة فقط، وليس لها اي قيمة عمليا اكثر من ذلك، فالقادة الميدانيون الذين بنوا مدينتين واحدة فوق الارض واخرى تحتها، وواجهوا العدو برجولة وشجاعة هم الذين يقررون ووجبت لهم الطاعة والتنفيذ.

فعندما يتحدث المجاهد الضيف، وبصوت مموه، ودون ان يظهر وجهه على شاشات التلفزة، فانه يقدم نموذجا فريدا في تواضع القيادة، والبعد عن الاضواء والشهرة، لم تشهد الساحتان الفلسطينية والعربية مثله، فهكذا يكون الرجال الذين يحبون وطنهم، ويومنون بقيم العقيدة والشهامة والبطولة والكرامة، ويعملون كجنود مجهولين من اجل دحر الاحتلال واعلاء راية الحق، ونيل الشهادة عبر اقصر الطرق.

لم يكن من قبيل الصدفة ان تتزامن كلمة المجاهد الضيف مع بث شريط مصور عن العملية الشجاعة التي نفذتها وحدة من وحدات النخبة في كتائب عز الدين القسام في مستوطنة “ناحال عوز″ شمال غزة، عبر احد الانفاق، وتمكنوا فيها من قتل عشرة جنود اسرائيليين سمعنا صراخهم وانينهم في خلفية الشريط يهربون مثل الارانب المذعورة، في جيش يقول عنه قادته انه لن يقهر.

لم نشاهد كاميرا تهتز في يد مصور هذه العملية البطولية، بل شاهدنا رباطة جأش، وعزائم قوية، وتخطيط عملياتي محكم، مما يؤكد ان هناك حالة من الاستعداد لهذه الحرب جرى ترتيب كل مراحلها وعملياتها بحسابات وتخطيطات مدروسة بعناية، قبل اشهر وربما اعوام، واين في قطاع غزة المحاصر من كل الجهات لاكثر من ثماني سنوات متواصلة برا وبحرا وجوا.

رسالة اللواء سليماني التي تزامنت ايضا مع رسالة المجاهد الضيف، واكدت وقوف ايران الكامل مع المقاومة الفلسطينية، ورفض اي نزع لسلاحها رفعت دون ادنى شك معنويات المقاومين في القطاع، مثلما ارهبت في الوقت نفسه القيادة الاسرائيلية المرتبكة ايضا، واحرجت كل القيادات العربية الخانعة المتعجلة بلهفة للانتصار الاسرائيلي في الوقت نفسه.

ايران هي التي زودت المقاومة الفلسطينية بالخبرات الضرورية لصناعة الصواريخ، سواء تلك التي ضربت تل ابيب وحيفا ونتانيا وايلات وديمونا، ودفعت بأربعة ملايين مستوطن اسرائيلي الى الملاجيء، او الاخرى (كورنيت) المضادة للدروع التي اوقفت الدبابات الاسرائيلية الى عمق القطاع خوفا ورعبا.

سيخرج الآن بعض المتحذلقين العجزة وينتقدون هذا الموقف الايراني ويشككون فيه ونواياه من منطلق طائفي عنصري محض ويقولون ان هذا استغلال للقضية الفلسطينية ودماء شهداء غزة، ونقول لهم لماذا لا تستغلوا الشيء نفسه وانتم تنفقون المليارات على شراء صفقات الاسلحة؟ ولا نستغرب ذلك، فهذا دينهم، فالذين فشلوا في ايصال الاموال لدفع رواتب الجوعى والمحاصرين في قطاع غزة خوفا من اسرائيل وامريكا، ليس من حقهم الا الصمت والخجل من انفسهم.

فالايرانيون، مثلما علمتنا التجارب ليس مثل اهلنا العرب، ونقولها وفي الحلق مرارة العلقم، اذا قالوا فعلو، واذا تحالفوا، انتصروا لحلفائهم، ووقفوا الى جانبهم، ولم يخذلونهم مطلقا، خير مثال على ما نقول هو ما يجري حاليا في سورية، ولا نتردد لحظة في اعلان اختلافنا معهم في الكثير من سياساتهم ومواقفهم، ولكن الحقيقة يجب ان تقال، والعيب فينا لاننا خذلنا قضايانا وشعوبنا، ونأمل ان يكونوا كذلك في غزة وان لا ننتظر طويلا “الوقت المناسب”.

رسالة اللواء سليماني خاصة السطر المتعلق فيها “بصب جام الغضب على رأس الصهاينة المجرمين في الوقت المناسب” هي انذار يجب ان يؤخذ بكل الجدية، من قبل الاسرائيليين والقادة العرب معا، فالمنطقة العربية بأسرها، قد تكون على اعتاب حرب اقليمية شاملة، ربما تكون اسرائيل وحلفاؤها ابرز ضحاياها، وعلينا ان نتذكر ان “حزب الله” الذراع العسكري لايران جاهز للتحرك، تماما مثلما تدخل في سورية لصالح النظام عندما بدأ الاخير يفقد الكثير من المعارك والارضي في الحرب التي تخوضها المعارضة المسلحة، من اجل اسقاطه، فلولا الحليف الايراني ودعمه المالي والعسكري ربما لما صمد النظام وغير الموقف لصالحه بالشكل الذي نراه الآن.

***

بعد هاتين الرسالتين القويتين المعبرتين عن ارادات قوية، ارى هزيمة اسرائيل وشيكة جدا، واستطيع ان اتنبأ بوقف لاطلاق النار بعد الاستجابة لكل مطالب المقاومة في رفع الحصار وفتح جميع المعابر، والا فان اياما حالكة السواد والدم في انتظار اسرائيل في الاسابيع والاشهر والسنوات المقبلة.

المقاومة العربية الاسلامية الفلسطينية التي خذلها العرب وجيوشهم وجنرالاتهم واعلامهم، تقف على ابواب النصر بعد ان كسبت الحرب النفسية وفي طريقها لكسب الحرب العسكرية ومن يملك ادنى ذرة شك عليه قراءة نص الرسالتين المذكورتين، وقراءة الصحف الاسرائيلية ومقالات المحللين العسكريين والسياسيين فيها ايضا لكي يعي ما نقول.

النصر لم يعد صبر ساعة، لانه تحقق باذن الله بدماء الشهداء والجرحى، وعزيمة المشردين، وبطولات المقاومة ورجالها.. الرجال الرجال.

نتنياهو يرفع الرايات البيضاء استسلاما ويستنجد بجون كيري طلبا لوقف اطلاق النار.. انها الخسائر المتعاظمة في جبهات القتال وصمود رجال المقاومة الاسطوري.. وشكرا اهل غزة

عندما يقول جون كيري وزير الخارجية الامريكي الثلاثاء ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو اتصل به طالبا مساعدة واشنطن من جديد للتوسط في وقف اطلاق النار في غزة، فهذا يعني انه رفع الراية البيضاء وادرك انه لن يحقق اي انتصار، صغير او كبير، في عدوانه الوحشي.

نتنياهو ذهب الى “المنقذ” الامريكي صاغرا متوسلا مستسلما، متخليا عن غروره وغطرسته، والفضل في ذلك يعود الى ابطال قطاع غزة الذين فاجأوا العالم بأسره بادارتهم الرائعة لهذه الحرب، وصمودهم المشرف في وجه العدوان، وصناعتهم العسكرية المتطورة، واعتمادهم على انفسهم، ودماء شهدائهم، وادارة الظهر لكل المتواطئين من العرب واموالهم وترسانات اسلحتهم التي لا تستخدم الا في قتل الشعوب.

نتنياهو الذي هدد بالامس فقط بتوسيع هجومه البري، وارسل طائراته الحربية المثقلة بالصواريخ والقنابل لارتكاب مجزرة راح ضحيتها عشرة اطفال شهداء ادرك انه مهزوم في هذه الحرب، فقرر الهروب وتقليص الخسائر.

اعتقد نتنياهو ان الحرب سهلة، ومثل سابقاتها، قصفا جويا مكثفا وقتل المئات من الابرياء، ثم بعد ذلك يأتي العرب في معسكر “الاعتدال” وادعياء الحكمة والواقعية والحرص على السلام لوقف اطلاق النار، ولكنها المرة الاولى، في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، يرفض رجال المقاومة كل عروض وقف اطلاق النار التي لا تلبي شروطهم كاملة في رفع الحصار، والتصدي للعدوان الذي استعدوا له جيدا رغم الحصار والجوع وحملات التشويه والتضليل الاعلامية المكثفة.

***

نقطة التحول الرئيسية تتمثل في هذا الالتفاف الشعبي غير المسبوق، ومن كل التوجهات، حول المقاومة، واظهار اقوى صور الاستعداد لتقديم التضحيات والصمود في مواجهة العدوان، معززة بالتكافل الاجتماعي، والاعتماد على النفس والايمان بالنصر.

الانفاق ظلت وستبقى شامخة على حالها، عنوانا للابداع والعبقرية الفلسطينية، والصواريخ ما زالت تهبط كالمطر، وستظل، على المستوطنات الاسرائيلية والمدن الفلسطينية المحتلة في تل ابيب وحيفا ويافا والقدس وعسقلان واسدود، وتهدد باغلاق مطار تل ابيب في اي لحظة، وستكون اكثر دقة في اصابة اهدافها، وتحمل رؤوسا اكثر تدميرا.

الخوف كل الخوف من المتواطئين العرب الذين يخافون من ثقافة المقاومة اكثر من الاسرائيليين انفسهم، لكننا على ثقة انهم سيصابون الآن، وبعد رفع نتنياهو راية الاستسلام، وطلب طوق النجاة من كيري الذي كان يسبه بالامس، بحالة من الاكتئاب والانكسار “فبطلهم” الاسرائيلي لم يحقق طموحاتهم في القضاء على هذه الظاهرة، ونزع سلاح المقاومة، واغراق ابناء القطاع في السلام الاقتصادي، لانهم وبكل بساطة يجهلون هذا الشعب، ولا يعرفون عزيمته الجبارة، وحالة الاعتزاز والثقة بالنفس التي يتمتع بها.

فالوزير كيري جعلنا نضع ايدينا على قلوبنا خوفا من ان يسلب بعض العرب هذا الانتصار المشرف للمقاومة، عندما قال ان “هناك مفاوضات جديدة ستجري في القاهرة وستكون باكملها دون اي شروط مسبقة، ولن تعرقل قدرة اسرائيل في الدفاع عن نفسها”، فقاهرة اليوم ليست القاهرة التي عرفناها واحببناها، قاهرة حرب السويس وحرب الاستنزاف وحرب اكتوبر.

الوسطاء العرب صمتوا طوال الاسابيع الثلاثة الماضية من عمر العدوان، انتظارا لانتصار نتنياهو، وتوقعا لرفع اهل غزة الرايات البيضاء، وعندما طال انتظارهم نطقوا، نطقوا كفرا، وبتوجيههم اللوم للضحية وتبرئة الجلاد، مثلما سمعنا على لسان الامير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودي الاسبق.

نتنياهو تراجع بطريقة مذلة ومهينة عندما شاهد جنوده وضباطه يتساقطون مثل الذباب في هجمات المقاومة التي خرج عليهم رجالها من تحت الارض، وقاتلوا برجولة لم يتعود عليها هؤلاء ولم يحسبوا حسابها، ومعركة مستوطنة “نحال عوز″ شمال قطاع غزة التي اقتحمها رجال المقاومة وقتلوا عشرة من الجنود الاسرائيليين واصابوا العشرات خير شاهد.

مهندسو معجزة الانفاق، الذين لم يدرسوا في جامعات سانت هيرست وسانت بونيت العسكريتين او جامعة الامبيريال كوليدج المدنية وتخرجوا من اكاديمية الكرامة الاعرق تحت الارض، سيعيدون بناء ما دمرته اسرائيل وطائراتها فوق الارض، وسيفرضون شروطهم كاملة، وستكون انجازاتهم ورجولتهم هما الضمانة الوحيد لالزام نتنياهو، هذا اذا بقي في السلطة، بتلبية شروط او بنود اي اتفاق جديد.

***

عندما يحمل الآباء جثامين اطفالهم الطاهرة الى مقابر الشهداء، وصادحين بالدعم للمقاومة ورجالها، ومستعدين لتقديم ما تبقى من ابنائهم فداء للوطن، فهذا شعب لا يمكن ان يهزم.

فالشرعية هي المقاومة والمقاومة هي الشرعية، وعملية التغيير بدأت، وستنطلق من مقابر الشهداء وانفاق غزة، وبسواعد رجالها، الذين حققوا معجزة الانتصار في زمن التخاذل.

شكرا لابطال غزة الذين غيروا كل المعادلات، واعادوا الكرامة الى هذه الامة، وضربوا اروع الامثلة في الصمود وكسر حاجز الخوف والرهبة، واثبتوا ان الارادة القوية، والعزيمة الصادقة، والسباق نحو الشهادة، اقوى من كل طائرات امريكا، وقبب اسرائيل الحديدة، ودبابات “الميركافا”.

نتنياهو ويعالون جرى تلقينهم اصعب الدروس، واحترقت اصابعهم في غزة، وسيحسبوا الف حساب في المرة القادمة قبل ان يفكرا بتكرار عدوانهم مرة اخرى.

“مزاد” امريكي لنزع سلاح المقاومة مقابل خمسين مليارا والسماسرة كثيرون.. وفجعنا الامير تركي الفيصل بتحميل حماس وليس نتنياهو مسؤولية العدوان وتبعاته

عبد الباري عطوان

بات واضحا ان معظم الاتصالات والوساطات التي تجري حاليا، سواء كان محورها باريس او واشنطن او القاهرة تتركز حول نقطة واحدة اساسية وهي “شراء” سلاح المقاومة تحت عنوان رئيسي وهو اعادة اعمار قطاع غزة، وتحسين الظروف الاقتصادية لابنائه، في تطبيق “حرفي” لما يجري حاليا في الضفة الغربية، وبما يخلق “وحدة حال” وليس “وحدة مقاومة”.

المعادلة السابقة التي تتحدث عن “تهدئة مقابل التهدئة” تجاوزتها الاحداث، وباتت من الماضي، والشيء نفسه يقال عن الصواريخ والانفاق، المعادلة الجديدة ترتكز على مفهوم قديم متجدد “السلام الاقتصادي مقابل الامن”، والامن هنا لاسرائيل ومستوطنيها، وهي المعادلة التي ترسخت بعد القضاء على الانتفاضة الثانية، وتشكيل قوات الامن الفلسطينية وفق تعليمات وتصورات الجنرال الامريكي دايتون لحماية اسرائيل ووأد المقاومة.

الصمود الاسطوري الذي اظهره رجال المقاومة والخسائر السياسية والاقتصادية ومن ثم العسكرية التي اوقعوها باسرائيل وقواتها فاجأ بنيامين نتنياهو مثلما فاجأ قيادته العسكرية، وحتى امريكا نفسها، فمقتل اكثر من سبعين عسكريا اسرائيليا بينهم ضباط كبار، وظهور اسلحة متطورة، وادارة الجناح العسكري لحركة “حماس″ والفصائل الاخرى، والجهاد خاصة، المعركة بطريقة عجزت عنها جيوش عسكرية متضخمة بالرتب والنياشين، وخريجي كليات عسكرية شهيرة مثل “ويست بوينت” الامريكية، و”سانت هيرست” البريطانية، كل هذا اصاب الاسرائيليين بحالة من الرعب من المستقبل وليس من الحاضر فقط، فعندما يتوقف مطار تل ابيب عن العمل وتلغي شركات عالمية كبرى رحلاتها فهذا من اعظم الانتصارات المعنوية التي تحققت في هذه الحرب والحروب الاخرى.

***

قبل عامين، واثناء حرب “عامود السحاب” حسب التسمية الاسرائيلية، لم تكن هناك حرب انفاق ولم تكن الصواريخ المصنعة محليا على هذه الدرجة من الدقة، ولا التكتيكات العسكرية في فنون المواجهة، ولم تطلق فصائل المقاومة طائرات دون طيارن وعلينا ان نتخيل كيف سيكون عليه الحال بعد عامين، او خمسة او عشرة؟ انها معجزة يقف خلفها رجال قل نظيرهم.

نتنياهو حتى كتابة هذه السطور لم يحقق انجازا واحدا، الا اذا اعتبرنا قتل الاطفال وتدمير البيوت انجازا، فلم يوقف عدوانه الصواريخ، ولم يدمر الانفاق، ولم يغتل مسؤولا واحدا من الصف الاول لحركة حماس او الجهاد الاسلامي او الفصائل الاخرى، ولم يكسر عزيمة اهل غزة والتفافهم حول مقاومتهم رغم تضخم اعداد الشهداء وحجم الدمار.

اسرائيل، وبعد عشرين يوما من عدوانها على قطاع غزة، او مجازرها التي ارتكبتها، باتت بلا اصدقاء، او تراجع عددهم بشكل كبير، واصبحت مكروهة في اوساط حلفائها في الرأي العام الغربي، ومن طالع تغطية الصحف البريطانية الداعمة عادة لاسرائيل ظالمة او مظلومة، وهي دائما ظالمة على اي حال، يرى الفرق الكبير في التغطية بين الحروب الماضية والحرب الحالية.

في حرب “الرصاص المصبوب” عام 2006، لم يدخل مراسلا اجنبيا واحدا قطاع غزة اثناء العدوان، وسمحت لهم السلطات الاسرائيلية بتغطية الحرب من تلة صغيرة مطلة على القطاع من مسافة ثلاثة كيلومترات، ويعتمدون في معلوماتهم على الرواية الرسمية الاسرائيلية المضللة.

في هذه الحرب دخل كبار الصحافيين الاجانب الى القطاع، وبثوا نشرات اخبارهم من وسط الدمار، ومن عنابر الجرحى في مستشفى الشفاء، وتحدثوا عن الاسلحة المحرمة دوليا التي استخدمت، وصوروا اشلاء الاطفال الذين مزقت جثامينهم الطاهرة القنابل الاسرائيلية.

جون سنو الصحافي الاشهر في بريطانيا اقام استوديو بث مباشر لنشرته الاخبارية في القناة الرابعة المستقلة من وسط احياء غزة المدمرة، وقال ان الجيش الاسرائيلي “الحضاري” يعطي الأسر ثلاث دقائق انذارا قبل تدمير بيوتهم، وهي كافية فقط للنجاة بأرواحهم وبملابسهم التي يرتدونها، اما صحيفة “الديلي تلغراف” اليمينية فقد نشرت صور واسماء الاطفال والنساء الشهداء في صفحتين وبطريقة غير مسبوقة في العالم الغربي.

لي قريب يقيم في مخيم الشاطيء في غرب مدينة غزة، قال لي في مكالمة هاتفية ان المشكلة الاكبر التي يواجهها هي كيفية اجلاء والدته ووالده المقعدين على كرسيين متحركين في حالة طلب منهم المغادرة قبل قصف المنزل فكل واحد منهم يحتاج الى اربعة رجال لحمله، ولذلك وكل امره وامرهما الى الله ولن يغادر المنزل.

نحن الآن نتابع مسلسلا مرعبا من القتل والدمار، ولكننا في الوقت نفسه نتايع “مزادا” موازيا لثمن التخلي عن سلاح المقاومة والصناعات العسكرية التي اذهلت العالم بتقدمها، وقد وصل هذا المزاد الذي يقوده جون كيري وزير الخارجية الامريكي الى خمسين مليارا، ومن الواضح ان دولا عربية خليجية هي التي ستغطي هذا المبلغ كاملان تماما مثلما غطت حروب تدمير العراق.

لا نجادل مطلقا في ان اهل قطاع غزة يحتاجون الى هدنة مع اسرائيل توقف سفك الدماء ومسلسل الدمار تحقق لهم مطالبهم العادلة وابرزها رفع الحصار، لكن الهدنة الاهم المطلوبة حاليا هي بين معسكرين عربيين يتقاتلان فيما بينهما عبر “اسلحة” المبادرات لوقف اطلاق النار، وبما يصب في نهاية المطاف الى اطالة امد الحرب والدمار وزيادة عدد الشهداء، وخدمة مشاريع نتنياهو.

الامير تركي الفيصل رئيس جهاز المخابرات السعودي الاسبق فجعنا عندما نشر مقالا في صحيفة “الشرق الاوسط اون لاين” يوم الجمعة حملّ فيه حركة “حماس″ مسؤولية ما يحدث في قطاع غزة من مجازر “لتكرارها اخطاء الماضي وغطرستها عبر ارسالها الصواريخ عديمة الاثر الى اسرائيل”.

***

اقول فجعنا لان الامير حمّل المسؤولية الى الضحية وكأنه يبريء الجلاد بصورة غير مباشرة، وهذا امر صادم بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لانه جاء من فم رجل استشهد والده لانه اعلن “الجهاد” لتحرير القدس المحتلة، واستخدم سلاح النفط لنصرة اشقائه المصريين والسوريين اثناء حرب رمضان اكتوبر عام 1973.

حماس حركة مقاومة، مثلها مثل كل الفصائل الاخرى، تأسست من اجل التصدي لاحتلال يحتل الارض والمقدسات، بعد ان فشلت كل البدائل “السلمية” العربية الاخرى، وآخرها مبادرة السلام العربية التي احتقرتها اسرائيل وبالت عليها.

السؤال الذي نتمنى ان نتلقى عليه اجابة من الامير الفيصل وكل الذين يقفون في معسكره، هو عن اسباب صمتهم ولاكثر من ثماني اعوام على الحصار الاسرائيلي الخانق المذل لاكثر من مليوني فلسطيني عربي مسلم، واغلاق المعابر لاشهر متواصلة، وهي كانوا يتوقعون ان يبقى ابناء غزة في هذا الوضع المذل المزري الى ما لا نهاية حتى يثبتوا انهم عقلاء وغير متغطرسين او متهورين؟

هل قرأ الامير التقارير الاخبارية الاسرائيلية الموثقة التي تحدثت عن احصاء السلطات الاسرائيلية للسعرات الحرارية التي كانت تسمح بدخولها الى القطاع للرجل والمرأة، وبما يكفي لبقائهم على قيد الحياة فقط؟ فماذا فعل العرب، معتدلين كانوا او متطرفين لوقف هذا الاذلال واعمال التجويع لاشقائهم في القطاع؟

العدوان على قطاع غزة يجب ان يوحد العرب جميعا خلف واجب التصدي له، ووضع كل الخلافات والمماحكات جانبا، ولكن هذا لم يحدث للاسف، بل ازدادت هذه المماحكات والمناكفات القبلية العشائرية العربية سخونة على حساب اشلاء الشهداء الاطفال.

سلاح المقاومة لا يباع، تماما مثل حق العودة، والارض الفلسطينية المقدسة، مهما بلغ حجم المليارات التي يعرضها السمسار الامريكي وشريكه الاوروبي، ولو كان ابطال المقاومة يبحثون عن المال والعيش الرغد لما تحولوا الى مشاريع شهادة، وحملوا راية “الجهاد” في وقت يتآمر فيه اشقاؤهم العرب عليهم مع العدو الاسرائيلي.

رسالتنا للاشقاء العرب ان يصمتوا وان يوفروا نصائحهم اذا كانوا لا يريدون الوقوف في معسكر الشهداء والمدافعين بشرف وكرامة عن القطاع في مواجهة العدوان الاسرائيلي الشرس والهمجي، فأهل غزة لا ينتظرون منهم شيئا غير كف شرهم عنهم.

مليارديرات “حماس″: هنية يملك اربعة مليارات.. ومشعل خمسة.. وابو مرزوق ثلاثة.. والله عيب يا اعلام مصر ان تهبط الى هذا المستوى في حملاتكم التحريضية على قادة يتصدون لابشع عدوان

ان تستمر الحملة الاعلامية التي تشنها صحف ومحطات تلفزة مصرية على حركة المقاومة الاسلامية “حماس″ وفصائل اخرى في الوقت الذي يستمر العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة ويزداد شراسة، وتتصاعد ارقام الشهداء والجرحى، من الاطفال خصوصا، فهذا امر معيب تتحمل مسؤوليته السلطات المصرية التي تمادت في الاساءة للشعب الفلسطيني، ولم تحترم الحد الادنى من “اخلاقيات” خصومه اخترعتها هي، مستغلة ضعف الطرف الآخر، ومن منطلقات استعلائية غير مفهومة وغير مقبولة معا.

فمن العار ان تظهر مذيعات ومذيعون مصريون على الشاشات المصرية وينتصرون لبنيامين نتنياهو ويطالبونه باكمال حرب الابادة حتى القضاء على آخر فلسطيني في قطاع غزة، ومن العار ايضا ان تمتلأ صحف مصرية بمقالات تخطّيء المقاومة وتحملها مسؤولية العدوان على القطاع، وتتشفى بدماء الاطفال والشهداء، و”تزغرد” ابتهاجا بكل غارة اسرائيلية تطلق صواريخها وحممها لتمزيق اللحم الفلسطيني وتشرد مئات الآلاف في العراء وفي شهر رمضان الكريم.

من يتابع حملات الحقد والكراهية هذه يتبادر الى ذهنه ان الشعب الفلسطيني احتل مصر، وانتهك عرض نسائها، ونهب ثرواتها واذل رجالها وحول مياه نيلها، وفرض عليها حصارا تجويعيا خانقا، تماما مثلما فعل “الهكسوس″ او التتار وكل الغزاة الآخرين.

قطاع غزة الذي لا تزيد مساحته عن 150 ميلا مربعا، ويعتبر اكثر مناطق العالم ازدحاما بالسكان، اصبح في نظر الكثير من الاعلاميين المصريين دولة عظمى تملك قنابل نووية، وتشكل الخطر الاكبر على امن مصر واستقرارها حتى في ظل المجازر التي يتعرض لها على ايدي الاسرائيليين على مدى عشرين يوما من القصف المتواصل برا وبحرا وجوا.

***

مظاهرات احتجاج على هذا العدوان انطلقت في معظم العواصم العالمية: في لندن، في باريس، في واشنطن، في الهند، في باكستان، في بنغلاديش، ولا مظاهرة واحدة في القاهرة ترتقي الى مكانة مصر ودورها وتعكس روابط الجوار والتاريخ المشترك.

صبرنا كثيرا على هذه الحملة، وقررنا عدم الرد لان معركتنا ليست مع مصر، ولن تكون، ولان العدو الذي يسفك الدماء هو اسرائيل المدعومة امريكيا وغربيا، ولاننا اعتقدنا ان هذا العدوان الوحشي قد يعيد احياء بعض الضمائر الميتة، او يحرك مشاعر الاخوة والمحبة، ولكن اعتقادنا لم يكن في محله للأسف.

فتحنا اعيننا هذا الصباح على تقرير طويل نشرته صحيفة مصرية، تعتبر واحدة من الاوسع انتشارا، نقلا عن صحيفة اسرائيلية تدعى “غلوبس″ يكشف النقاب عن الحسابات البنكية الخاصة بقيادات حركة “حماس″، وزعم التقرير ان السيد اسماعيل هنية يملك اربعة مليارات دولار، بينما تصل ثروة السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة من 2 ـ 5 مليارات، اما السيد موسى ابو مرزوق فتبلغ ثروته ثلاثة مليارات دولار، علاوة على اساطيل السيارات الفارهة والشقق الفخمة في عواصم عالمية.

الحديث عن ثروات القادة الفلسطينيين بهذه الصورة المضخمة ليس جديدا في مصر، فقد قرأنا تحقيقات ومقالات في هذا الخصوص لاقلام معروفة في حينها مثل موسى صبري وانيس منصور وصلاح قبضايا، صبت كلها في تصعيد الكراهية للشعب الفلسطيني وتحريض الشعب المصري ضده، وبما يبرر زيارة الرئيس محمد انور السادات للقدس المحتلة ومخاطبة الكنيست، وتوقيع اتفاقات كامب ديفيد بعد ذلك في نسف للارث القومي المصري الذي بناه وعزز اسسه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وجعل قضية فلسطين ومواجهة المشروع الاسرائيلي العدواني عنوانه الرئيسي.

نفهم، ولا نتفهم مطلقا لجوء الرئيس السادات الى هذا التحريض الاعلامي كضربة استباقية لتوفير الغطاء لشق الصف العربي والتفريط بحقوق العرب المشروعة في فلسطين، ولكن لا نفهم لماذا يلجأ الرئيس عبد الفتاح السيسي للاسلوب نفسه، بل ما هو اشرس منه، وفي مثل هذا التوقيت التي تتعرض فيها الامتين العربية والاسلامية الى مثل هذا العدوان الدموي الوحشي؟

انا اعرف شخصيا جميع قادة “حماس″ الذين وردت اسماؤهم في هذا التقرير المفبرك، فالسيد هنية ما زال يعيش في مخيم الشاطيء للاجئين الفلسطينيين وفي بيت بسيط ومتواضع جدا، ويعيش حياة متقشفة مثل باقي اهل المخيم، ويمكن ان يتعرض للاغتيال في اي لحظة، اما الدكتور موسى ابو مرزوق فلا يبعد بيته في مخيم “يبنا” عن بيتنا في مخيم اسدود في رفح الا خمسين مترا، وتوفيت والدته في البيت نفسه ولم تنقل للعلاج في مصر او غيرها من المرض الذي اقعدها، وقول الصحيفة نفسها انه ذهب الى امريكا في التسعينيات، نقلا عن شهادة ضابط اسرائيلي، من اجل الحصول على اموال لتمويل ودعم حركة “حماس″ من شخصيات امريكية ثرية، فلا يستحق التعليق عليه، لان الدكتور ابو مرزوق كان في حينها معتقلا في احد السجون الاسرائيلية، وكنت ارسل له اشتراكا يوميا في الصحيفة التي كنت اترأس تحريرها في لندن، وعلى تواصل دائم معه.

وبقي السيد خالد مشعل الذي قالت الصحيفة انه يملك خمسة مليارات دولار، وانا شخصيا زرته في مكتبه وبيته في دمشق، واعرف جيدا انه زوّج ابنته من احد كوادر حركة “حماس″ وهو شاب بسيط ينتمي الى اسرة معدمة من مخيم اليرموك في سورية، وكان حفل الزفاف متواضعا جدا.

لو قالت الصحيفة المصرية ان ثروة هؤلاء بالملايين، وهي ليست كذلك حتما، ربما وجدت من يصدقها، ولكن بالمليارات فهذا ابشع انواع الفبركة ولدينا مثل يقول “كيف عرفتها كذبة فيرد لانك كبرتها”.

من يقف خلف نشر هذا المقال ليس غبيا ويعرف جيدا ماذا يفعل، فعندما يقرأ اشقاؤنا البسطاء المعدمين الذين يعيشون على الكفاف في مصر مثل هذه الارقام يميل معظمهم الى تصديقها للأسف، وانا تعلمت في الجامعات المصرية، واعرف تأثير الاعلام وحملاته على البسطاء، وتابعت كيف نجح هذا الاعلام في تحويل توجه الشعب المصري من المحبة المطلقة للعرب والعروبة الى الكراهية الحاقدة لهم عندما اراد الرئيس السادات نقل البندقية من الكتف الروسي الى الكتف الامريكي، وحرف السياسة المصرية تجاه التطبيع مع اسرائيل ورفع علمها في قلب القاهرة.

***

سنظل، ورغم جرحنا الغائر من جراء هذه الحملات الاعلامية الظالمة، نثق بالشعب المصري الشقيق ونعتبره عمقا وسندا لنا وللعرب جميعا، فهذا الشعب الذي قدم اكثر من مئة الف شهيد نصرة للقضية الفلسطينية لا يمكن الا ان يكون في خندقها، وان حملات التحريض هذه، على شراستها، ستظل محدودة الاثر، ومجرد سحابة عابرة مثل كل سابقاتها، اما الزبد فيذهب هباء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض”.

مصر العراقة والتاريخ ونصرة المظلوم والانتصار لقضايا الحق والعدل التي عرفناها واحببناها لن تتغير في اذهاننا، وسنورث حبها، وعرفاننا بجميلها، لكل ابنائنا واحفادنا، اما هؤلاء الذين يتطاولون على اشقائهم المحاصرين المجوعين الذين يعيشون تحت القصف وينتظرون الشهادة في اي لحظة، ويقفون في خندق العدوان الاسرائيلي، فلا يسيئون للشعب الفلسطيني بقدر ما يسيئون لمصر والى دينهم وعقيدتهم، وارث شعبهم وتاريخه المشرف في الانتصار لقضايا الحق والعدل.

نحن متيقنون ان شرفاء مصر هم الاغلبية الساحقة، وهؤلاء لا يمكن ان يقبلوا بهذه الاساءات لمصر قبل الشعب الفلسطيني وبهذه الطريقة الهابطة والمستهجنة، اساءات لاناس يقفون في خندق المواجهة لعدو شرس دموي يتآمر على مصر ودورها ومكانتها ونيلها.

فخامة الرئيس السيسي لا “نزايد” عليك ولكن خطابك خيب آمالنا لخلوه من الحد الادنى من التعاطف مع اشلاء الشهداء الاطفال في غزة.. لا نطالبك بحشد الجيوش.. وانما بفتح معبر وانهاء الحصار فقط فهل هذا بكثير؟!

عبد الباري عطوان

تابعت الخطاب الذي القاه الرئيس الفلسطيني محمود عباس مساء الثلاثاء في اجتماع القيادة الفلسطينية لعلي اجد فيه موقفا شجاعا يرفع من معنويات الذين يواجهون المجازر الاسرائيلية ويدافعون عن كرامة الامة في قطاع غزة، ولكني اصبت بخيبة امل اخرى اكبر من كل خيبات الامل السابقة، فقد جاء الخطاب “التاريخي” عرضا مملا لجولة الرئيس ومقابلاته مع بعض الزعماء والمسؤولين من اجل وقف اطلاق النار، وكأن العدوان يستهدف هنودا حمرا في غابات الامازون.

اعتقدت ان خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي القاه ظهر الاربعاء سيكون مختلفا، لانه يأتي بمناسبة ثورة 23 تموز (يوليو) عام 1952 التي ارخت لفجر مصري وعربي جديد غّير كل المعادلات السياسية والفكرية في المنطقة العربية باسرها، وارخ لدور مصري ريادي وقيادي حظي باحترام العالم باسره، لتبنيه الوقوف في خندق القضايا الانسانية والسياسية العادلة، والانتصار للمظلومين سواء داخل مصر او خارجها، ولكن خيبة املي الثانية كانت اكبر من الاولى، خاصة ان العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة “مسقط رأسي” لم يستغرق في الخطاب الا ست دقائق.

***

الرئيس السيسي قال ان مصر قدمت اكثر من مئة الف شهيد دفاعا عن القضية الفلسطينية، واضعاف هذا الرقم من الجرحى، وطالب بان لا “يزايد” عليه احد في هذا المضمار، ونحن نتفق معه كليا في الجزئية الاولى ونختلف معه في الثانية المتعلقة بتعبير “المزايدة” التي ما كنا نتمنى على كاتب خطاب الرئيس ان يستخدمها في هذا السياق.

جميع الحروب التي خاضها الجيش المصري جاءت بالدرجة الاولى دفاعا عن مصر وامنها القومي وسيادتها الوطنية في مواجهة مشروع اسرائيلي توسعي يهدد هذا الامن، ويريد الانتقاص من هذه السيادة، ومن المؤسف ان الدور المصري القيادي والريادي تراجع الى حدوده الدنيا منذ ان رفعت قيادات مصرية سابقة التي ورثت الحكم بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر الرايات البيضاء، وتقوقعت داخل حدودها، وما الاخطار التي تهدد مصر حاليا التي تحدث عنها الرئيس السيسي حاليا الا نتيجة لهذا التقوقع، والتخلي عن الدور القيادي الريادي الذي افقد مصر هيبتها ومكانتها، واوصلها لما هي فيخ من ازمات.

مطالبنا من مصر العظيمة تواضعت الى درجة فتح معبر امام الجرحى والمرضى، وان تكون وسيطا محايدا نزيها، ولم نعد نطالب، او حتى نجرؤ على المطالبة، بارسال وحدات من الجيش المصري وطائراته ودباباته الحديثة للتصدي للعدوان الاسرائيلي، والانتصار للاطفال والرضع الذين تذبحهم صواريخ الطائرات والدبابات الاسرائيلية، وتدمر بيوتهم فوق رؤوس قاطنيها، وتقصفهم من البر والبحر والجو، وقادة الجيوش العربية يتفرجون، بل ويديرون وجوههم الى الناحية الاخرى حتى لا يرون اشلاء جثامين الشهداء الاطفال، بل ربما انعدمت النخوة والشهامة عند معظمهم ان لم يكن كلهم.

الرئيس السيسي قال انه سيقف مع الاشقاء الخليجيين في مواجهة اي عدوان ايراني يمكن ان يستهدفهم، وسيرسل الجيش المصري بكل وحداته وفرقه لاداء واجباته تجاه اهله واشقائه، فالمسألة فقط “مسافة السكة”، وهذا موقف وطني واخلاقي يحمد عليه، ولكن لماذا لا نرى الموقف نفسه تجاه اهل قطاع غزة الذين يتعرضون لعدوان حقيقي وليس لعدوان ايراني “افتراضي” وبصورة وحشية.

بحثت عن كلمة واحدة في خطاب الرئيس السيسي الرجل المؤمن الذي يؤدي الفروض جميعا في اوقاتها تدين العدوان الاسرائيلي ووحشيته وقتله للاطفال وتحذره من التمادي، وتنتصر للعزل المحاصرين، ولكني لم اجد هذه الكلمة او العبارة، فحتى الكلام، ونحن لا نتحدث هنا عن الافعال، باتت عملة نادرة لان العدو اسرائيلي.

ندرك جيدا ان هناك عداءا مستفحلا بين الرئيس السيسي وحركة “حماس″ بسبب تأييد الاخيرة لحركة الاخوان المسلمين والرئيس محمد مرسي، ولكن ليس جميع اهل القطاع ينتمون الى هذه الحركة، وان انتموا فهذا حقهم، مثلهم تماما مثل اكثر من نصف الشعب المصري، مثلما رأينا في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ومن انتخب الرئيس مرسي ليس حركة حماس ولا ابناء قطاع غزة وانما المصريون انفسهم.

سبع سنوات ومليونا فلسطيني تحت الحصار يعيشون في ظروف صعبة وغير انسانية، وازدادت صعوبة منذ وصول الرئيس السيسي الى الحكم في العام الماضي، سواء بشكل مباشر او من خلف ستار، فما العيب ان يطالب قادة الفصائل الفلسطينية التي تتصدى للعدوان وحركة حماس من بينها، برفع الحصار وفتح المعابر، وحرية الصيد والزراعة واعادة تشغيل المطار والميناء؟ فهل هذه المطالب الانسانية تشكل خطرا امنيا على الجار المصري، والمطالبة بها انتقاص من مصر وسيادتها وهيبتها؟

تمسك فصائل المقاومة بهذه المطالب قبل وقف اطلاق النار لا يعود الى عدم الثقة في مصر، وانما لعدم الثقة بالاسرائيليين، فها هو الرئيس عباس يتفاوض منذ عشرين عاما ولم يحصل على تنازل واحد ولو صغير من الاسرائيليين ولم ينجح في منع بناء شقة واحدة من المستوطنات، وها هي امريكا تضمن اتفاقات عديدة دون ان تلزم اسرائيل بها، عندما تخترقها وترمي بها عرض الحائط “فالمقروض يخاف من جرة الحبل” مثلما يقول المثل العربي المعروف، لماذا لا تكون مصر العظيمة داعمة لهذه المطالب وسندا لها؟

الرئيس السيسي طالب حركة “حماس″ دون ان يسميها، باجراء مراجعة لمواقفها، ولكنه هو نفسه اولى بهذه المراجعة لسياساته تجاه ابناء القطاع الذين يكنون كل الحب والتقدير والعرفان بالجميل لمصر وشعبها، فهذا الموقف العدائي من هؤلاء غير مبرر وغير مقبول على الاطلاق، فهل من المنطقي ان يتشاور الرئيس السيسي حول بنود مبادرته مع الطرف الاسرائيلي المعتدي ولا يتشاور مع فصائل المقاومة، او حتى يعرضها عليها مباشرة وليس عبر وسائل الاعلام، وجمعيها تكن لمصر اسمى آيات التقدير والاحترام.

***

الرئيس السيسي يفتخر بانتمائه الى ارث الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ويؤكد بكل الطرق والوسائل انه يسير على نهجه وسياساته، وهذا امر جميل، ولكن نسأله وبكل احترام انه لو كان عبد الناصر هو رئيس مصر حاليا هل يصمت على هذا العدوان، بل هل كانت اسرائيل ستجرؤ على ارتكاب مجازرها هذه؟

نعم مصر مهددة وتواجه اخطارا كبيرة من كيانات صغيرة وكبيرة، ولكن حتى تتحصن في مواجهة هذه الاخطار لا بد من اتباع سياسات اكثر تواضعا مع الضعفاء، واكثر صلابة وقوة في وجه المعتدين، سياسات توحد مصر اولا والعرب جميعا، فقراء واغنياء، خلف مصر وشعبها وقيادتها في مواجهة هذه الاخطار.

مصر تكبر بالقضايا الكبرى، وتصغر وتنكمش بالصغائر منها، ولم تصل الى مكانتها الا بتبنيها لقضية فلسطين وانتصارها لها ولاهلها، فالعدالة كل لا يتجزأ، والانتصار للعدالة الداخلية لا يكتمل الا بالانتصار لقيم العدالة لشعوب جارة مثل الشعب الفلسطيني.

ختاما نتمنى على الرئيس السيسي ان يتصرف تصرف بعض رؤساء دول امريكا اللاتينية الذين طردوا السفراء الاسرائيليين احتجاجا، وان يوقف حملات التحريض الاعلامي البشعة ضد اهلنا في غزة وهم في مواجهة العدوان ويذهب بعضها الى حد حث نتنياهو على المزيد من المجازر في حقهم، وكأن هؤلاء احتلوا مصر وحاصروا شعبها وجوعوه وذبحوا اطفاله، ومنعوا عنه الدواء والغذاء، والذي اوقف برنامج باسم يوسف يستطيع ان يوقف هؤلاء بجرة قلم، لانه يعرف جيدا من يقف خلف حملات التحريض البشعة هذه التي تسيء لمصر وتراثها المشرف قبل ان تسيء للفلسطينيين.

نريد لمصر وشعبها الطيب كل الازدهار والاستقرار دائما، ولكننا نود التذكير بان مصر عاشت افضل نماذج هذا الاستقرار والازدهار والعدالة الاجتماعية عندما انحازت للمظلومين داخلها وفي الوطن العربي والعالم بأسره.

ان يتحول عباس الى وسيط في حرب غزة فهذه واحدة من اكبر نكسات الشعب الفلسطيني.. ونصيحتنا لقادة المقاومة ان يرفضوا مبادرته ومصيدة المفاضات التي نُصبت لسرقة دماء الشهداء

عبد الباري عطوان

من اكبر النكسات التي لحقت بالشعب الفلسطيني منذ بدء العدوان الاسرائيلي الوحشي على قطاع غزة، ان يتحول الرئيس الفلسطيني محمود عباس الى واحد من الوسطاء الذين يسعون الى وقف هذا العدوان جنبا الى جنب مع بان كي مون امين عام الامم المتحدة، وجون كيري وزير الخارجية الامريكي وآخرين.

استمعت اليوم الى تصريحات ادلى بها السيد عزام الاحمد عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” والذراع الايمن للرئيس عباس التي قال فيها “ان القيادة الفلسطينية قدمت اقتراحا في اطار المبادرة المصرية للتهدئة في غزة، يتضمن وقف اطلاق النار يعقبه مفاوضات تستمر خمسة ايام”، واضاف “ان مصر لم تمانع بالنسبة لهذا الاقتراح”.

السيد الاحمد ينطبق عليه المثل الذي يقول “واخيرا فسر الماء بالماء”، فالمقترحات التي يتحدث عنها لا تتضمن اي جديد وتأتي تكرارا لجوهر المبادرة المصرية، باستثناء وضع سقف زمني للمفاوضات بين وفد المقاومة المفاوض من جهة، والوفد الاسرائيلي من جهة اخرى عمره خمسة ايام فقط.

المسؤولون في السلطة الفلسطينية “مهووسون” لشيء اسمه المفاوضات وآلياتها واسقفها الزمنية، وكأن خبرتهم “الطويلة جدا” في هذا الميدان “وردية” و”مثمرة” يجب اقتداء الآخرين بها، وفصائل المقاومة على وجه الخصوص.

السيد الاحمد وريسه وزملاؤه في السلطة يفاوضون اسرائيل منذ اثنين وعشرين عاما، اي منذ بدء مفاوضات اوسلو ومع ذلك لم يحققوا اي تقدم بل ما حدث هو العكس تماما، فقد انكمشت مساحة الارض التي كانوا يفاوضون من اجل استرجاعها بمقدار الثلث، وارتفع عدد المستوطنين الى 700 الف مستوطن واصبحوا دولة مستقلة بذاتها، وارقامهم ورقعتهم الاستيطانية في تزايد وتحظى بحماية السلطة وقوات امنها.

فصائل المقاومة الفلسطينية التي تتصدى برجولة مشرفة للعدوان الاسرائيلي تعرف هذه الحقائق، وتستوعب دروس فشل السلطة بشكل معمق ولا تريد الوقوع في مصيدتها، ولهذا ترفض رفضا قاطعا اي مفاوضات بعد وقف اطلاق النار وتريد اتفاقا متكاملا واضح المعالم يلبي مطالبها وهي محقه تماما في هذا الموقف، وتجد تأييدا مفتوحا من الاغلبية الساحقة من ابناء الشعب الفلسطيني (باستثناء السلطة) بما في ذلك اسر الشهداء والجرحى الذين لا يريدون ان تذهب دماء ابنائهم سدى.

***

ندرك جيدا، قبل ان يسارع البعض بالقول بأن كل يوم يمر دون وقف الحرب يعني المزيد من الشهداء والجرحى، ان وضع اهلنا في قطاع غزة صعب جدا في مواجهة عدو يتعمد قتل الاطفال وتدمير البيوت، او ما تبقى منها، فوق رؤوس اصحابها، ولكننا ندرك في الوقت نفسه ان القيادة الاسرائيلية المهزومة والمرتبكة، تريد استخدام مجازرها كورقة ضغط على فصائل المقاومة لاجبارها على رفع الرايات البيضاء والتنازل كليا عن مطالبها العادلة في رفع الحصار.

القبول بوقف اطلاق النار ثم الذهاب الى مصيدة المفاوضات التي جرى نصبها باحكام، يعني الدخول في متاهة لا مخرج منها، والقول بان هذه المفاوضات ستنتهي في خمسة ايام حول قضايا سياسية وفنية معقدة مثل فخ المعابر والمطار والميناء واعادة الاعمار، وانهاء المنطقة العازلة الحدودية البرية وفتح البحر امام حرية الصيد، هو ضحك على الذقون واستخفاف بالعقول، لان بحث هذه القضايا، منفردة او مجتمعة، والاتفاق عليها، مع عدو مراوغ مبتز يحتاج الى خمسة قرون وليس خمسة ايام، وكبير مفاوضي السلطة الدكتور صائب عريقات ورئيسه اول من يعرف هذه الحقيقة.

ثم بعد ذلك نأتي الى مسألة في غاية الخطورة والاهمية معا، وهي مسالة الضمانات بشأن التزام الطرف الاسرائيلي بالاتفاقات التي يمكن ان تتبلور من خلال هذه المفاوضات، وآليات تنفيذها على الارض، فالرئيس عباس ومعاونوه اعتمدوا على الضمانات الامريكية في وقف الاستيطان، والافراج عن الاسرى الفلسطينيين، وانهاء مفاوضات الوضع النهائي في غضون تسعة اشهر، فاين هذه الضمانات الامريكية، وهل التزمت بها امريكا الدولة الاعظم واجبرت حليفها الاسرائيلي على تنفيذ ما تعهد به؟ ألم يغسل جون كيري الذي يتواجد حاليا في القاهرة يديه من هذه الضمانات دون ان يوجه كلمة نقد واحدة للاسرائيليين؟

فصائل المقاومة لم تخض هذه الحرب، ويقدم اهلنا في قطاع غزة حوالي ستمائة شهيد حتى الآن واربعة آلاف جريح ومئات الآلاف من المشردين من اجل الوقوع في مصيدة ثانية من المفاوضات العبثية يشارك في نصبها من لدغ من هذا الجحر اكثر من مرة للأسف.

ارقام الشهداء الفلسطينيين في ارتفاع.. نعم.. ولكن ارقام القتلى الاسرائيليين في ارتفاع ايضا، ومعها الخسائر الامنية والاقتصادية والمعنوية الاسرائيلية، فعندما تقرر معظم شركات الطيران الغربية وقف رحلاتها الى مطار تل ابيب، فهذا يعني الكثير لمن يفهم في الاقتصاد والسياحة وعلم النفس العسكري، ولم يأت هذا الانجاز بالصدفة، وانما بناء على حسابات دقيقة رسمتها صواريخ المقاومة التي يسخر منها ومفعولها بعض “العقلاء” العرب.

الرئيس عباس لا يريد المقاومة، ولا يريد انتفاضة، ولا يريد وقف التنسيق الامني او حل السلطة، لا يرد ان يفعل شيئا على الاطلاق وهذا ليس من حقه، ويجب ان يكون هناك من يردعه من حركة “فتح”، وهذا للأسف غائب كليا، ولكن يجب منعه، طالما ان هذه خياراته، ان لا يفرضها على المقاومين، ويتدخل في شأنهم، ويفرض نفسه عليهم.

***

المقاومة لا تبالغ ولا تكذب لانها مقاومة مؤمنة، فعندما اعلنت عن اسر جندي اسرائيلي، ونشرت صورته واسمه ورقمه العسكري، وانطلقت حملات التشكيك تماما مثلما انطلقت مثيلاتها حول وقوع قتلى بالعشرات في صفوف الجيش الاسرائيلي، وها هي حكومة نتنياهو تضطر لبلع كبريائها وغرورها الكاذبين وتعترف مكرهة بالخطف وارقام الجنود القتلى.

نتمنى على القيادة الميدانيين لحركات المقاومة و”حماس″ بالذات، زعيمتها، الذين يقودون هذه المعركة المشرفة ان لا يستمعوا الى السلطة ومبادراتها وكل الوسطاء الآخرين الذين يدعون الحكمة والعقلانية ويلقون المحاضرات في “المرونة” و”الواقعية” وهم الذين يكرهون المقاومة اكثر الف مرة من كراهيتهم لنتنياهو، ولو خيروا بين الاثنين لاختاروا نتنياهو، وان يتمسكوا بمطالبهم، فصمودهم البطولي بدأ يعطي ثماره وبشكل متسارع.

غزة يجب ان تنتصر في معركة الكرامة هذه، لانها تستحق الانتصار لما قدمته من شهداء وتضحيات، واول من قدموا هذه التضحيات قياداتها الصامدة التي تقود من تحت الارض على رأسهم اسماعيل هنية ومحمود الزهار وخليل الحية والقائمة تطول.

انهم القلة المؤمنة التي ستهزم الاكثرية الباغية باذن الله، طالما استمروا في الاعتماد على ربهم وانفسهم، وهم كذلك، وللمرة الثاني نقول ان النصر صبر ساعة، فصبرا آل ياسر.