هل ستحارب قوات السعودية وايران ومصر “الدولة الاسلامية” تحت قيادة امريكية.. ايهما “القتيل” وايهما “الشهيد” ومن سيذهب الى الجنة ومن سيذهب الى النار.. وما هو مستقبل نظام الاسد؟

بعد عشر سنوات من غزو العراق واحتلاله، واربع سنوات من سحب القوات الامريكية مهزومة، ها هو الرئيس الامريكي باراك اوباما يستعد للعودة الى العراق مجددا على رأس تحالف دولي واقليمي للقضاء على تنظيم “الدولة الاسلامية” وخطرها على منطقة الشرق الاوسط والمصالح الامريكية فيها.

تشكيل الشق الدولي من هذا التحالف ستكون عملية سهلة لان الدول الرئيسية فيه مثل بريطانيا وفرنسا واستراليا وكندا اعلنت استعدادها للمشاركة، اما الدول الاخرى التي ستكون مشاركتها “رمزية” مثل هولندا وبلجيكا وبولندا وبعض الدول الاسكندنافية، واعضاء آخرين في حلف “الناتو” فلن تمانع طالما ان المطلوب منها الدعم المعنوي، لا اكثر ولا اقل.

المشكلة في اعتقادنا ستتمثل في الشق الاقليمي من هذا التحالف، اي دول مثل المملكة العربية السعودية وايران والاردن وتركيا والامارات العربية المتحدة ومصر وقطر، فالعلاقات بين معظم هذه الدول متوترة، وخاصة بين السعودية وايران، وبين السعودية وتركيا، وبين السعودية وقطر، وبين مصر وتركيا والقائمة تطول.

فكيف ستقاتل القوات السعودية جنبا الى جنب مع القوات الايرانية والعقيدة العسكرية لديهما طائفية بالدرجة الاولى، وتقوم على الاستعداد النفسي والديني والعسكري لمواجهة الطرف الآخر.

وكيف ستقف القوات التركية في الخندق المصري نفسه الذي يصفه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان رئيسه عبد الفتاح السيسي بالقاتل ومغتصب السلطة عبر انقلاب عسكري على رئيس منتخب من الشعب في انتخابات حرة نزيهة؟

كان لافتا ان تركيا باعتبارها عضوا في حلف الناتو حسبت على الشق الغربي في التحالف ضد “الدولة الاسلامية”، وليس في اطار الحلف الاقليمي، اي مع السعودية وايران ومصر والعراق والاردن، مثلما كان متوقعا، فهل يعني هذا عدم ارسالها قوات برية واقتصار دورها على القصف الجوي؟ هذا الامر الذي ينطوي على بعض الغموض ربما يتضح في الايام المقبلة، ومن خلال التعرف على خريطة الجولة التي سيقوم بها الوفد الامريكي المكون من كيري وهيغل وزيرا الخارجية والدفاع الامريكيين.

***

الرئيس اوباما لن يرسل قوات ارضية على غرار ما فعل جورج بوش الاب وسلفه جورج بوش الابن عندما قرر الاول تشكيل تحالف دولي لاخراج قوات العراق من الكويت، وكرر الثاني الامر نفسه لاكمال ما عجز عنه والده، واكمال مهمته في احتلال العراق واطاحة نظامه، وسيكتفي بالضربات الجوية فقط، واقصى ما يمكن ان يفعله هو توسيعها.

بمعنى آخر هل توافق كل من السعودية وايران على القتال تحت المظلة الامريكية، ولمتى، وما هي كمية، ونوعية، القوات التي ستفرزانها من اجل هذا الغرض؟

الرئيس الامريكي واضح في استراتيجيته، وهو يقول للدول الاقليمية، والسعودية وايران ومصر والاردن خاصة، ان “الدولة لاسلامية” تشكل الخطر الاكبر على بلدانكم وانظمة حكمكم، ولذلك عليكم ان تلعبوا الدور الاكبر في عملية التصدي لها، وانهاء خطرها، وهي عملية مزدوجة ومتكاملة، الشق البري من مسؤوليتكم، والشق الجوي من مهامنا.

لا نعتقد ان ايران ستعترض لانها المستفيد الاكبر على المدى المنظور من هذا التحالف، اذا تأكدت ان الرئيس الامريكي جدي، وان هزيمة “الدولة الاسلامية” مضمون، ولكن ماذا عن المملكة العربية السعودية فهل هي مستعدة للمخاطرة وارسال آلاف من جنودها الى خارج حدودها، واختلاطها بالتالي مع قوات اخرى بعضها من مذهب آخر، (شيعي)، وفي بيئة معادية (سورية والعراق)، وفي مواجهة “دولة” تحمل لواء “السنة”.

والاهم من ذلك ان اقامة هذه القوات (السعودية) يمكن ان تطول لاشهر، وربما سنوات في جبهات القتال، وبعضها قد يقتل، والبعض الآخر قد يصاب، والبعض الثالث قد ينشق وينضم لصفوف الاعداء (الدولة الاسلامية).

ثم ما هو حكم من سيقتلون في هذه الحرب الذين يقاتلون تحت لواء “قيادة كافرة” فهل هؤلاء “شهداء” ام قتلى، ولا بد في هذه الحالة من فتوى شرعية من علماء ثقاة لهم احترامهم في اوساط الرأي العام.

لا نعتقد ان الرئيس اوباما ومستشاريه فكروا في هذه الجوانب السياسية والعقائدية التي يمكن ان تقفز في وجه الدول الاقليمية التي ستشارك في تحالفه هذا، ففي التحالفات الامريكية التي خاضت حربي العراق السابقتين، تواجدت القوات السعودية والمصرية بشكل رمزي، وفي اطار “الفيلق العربي” وبقيادة الامير خالد بن سلطان، مساعد وزير الدفاع السعودي، بينما فضلت الوحدة العسكرية السورية البقاء بعيدا عن ميادين القتال، ولم تدخل الكويت مطلقا.

نحن امام مصيدة خطيرة جدا جرى نصبها بعناية لتوريط المنطقة كلها في حرب دموية قد تغير شكلها الجغرافي وطبيعتها الديمغرافية جذريا، والسؤال هو عن الطرف، او الجهة، التي اعدت هذه المصيدة، هل هي الولايات المتحدة ام “الدولة الاسلامية”؟

***

يصعب علينا الاجابة لاننا لا نملك المعلومات، ولا نملك بلورة سحرية لقراءة المستقبل، ولكن اقدام “الدولة الاسلامية” على ذبح صحافيين امريكيين في اقل من عشرة ايام، وامام عدسات الكاميرا، وبطريقة وحشية، يوحي ان هذه الدولة وخليفتها، يريدان جر الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين والعرب الى هذه المصيدة، ولا يمكن ان تصدق ان خبراء هذه الدولة وعقولها الكبيرة، وبينهم ضباط كبار تولى بعضهم مناصب عسكرية رفيعة في عهد الرئيس العراقي الاسبق صدام حسين لا يدركون خطورة ما يفعلون، ولا يتوقعون رد الفعل الامريكي والغربي على خطوتهم هذه.

نقطة اخرى لا يمكن تجاهلها في هذا المضمار، وهي الدور السوري في هذه الحرب، فهل سيتم التنسيق مع الرئيس الاسد في دمشق قبل قصف قوات “الدولة الاسلامية” وتجمعاتها في الاراضي السورية؟ وفي حالة الاتفاق على التنسيق، هل سيكون الثمن الذي سيقبضه النظام هو منحه صك براءة واسقاط خطط اسقاطه من الحكم؟ واذا لم يتم هذا التنسيق “لان نظام الاسد هو جزء من المشكلة وليس جزءا من الحل” مثلما قال ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا، فهل سيتحول هذا التحالف الاقليمي الدولي للاطاحة بالنظام السوري في مرحلة لاحقة؟ وما هو موقف ايران وروسيا في هذه المرحلة؟

نترك الاجابة على هذه الاسئلة وغيرها للايام او الاسابيع المقبلة، وكل ما نستطيع قوله ان الاطراف التي ستقاتل “الدولة الاسلامية” ستعيش مأزقا اكبر بكثير من مأزقها.

عندما يصف عباس مشعل بـ “الكاذب” ويؤكد انه فقد الثقة بالجميع بما فيهم “فتح” ويصدق اكذوبة انقلاب “حماس العسكري” للاطاحة بسلطته وينصحه امير قطر بـ “الهدوء”.. فان الشعب الفلسطيني في محنة حقيقية يتواضع امامها العدوان على غزة

 

قرأت محضر الاجتماع الذي انعقد بين وفدي حركة “فتح” برئاسة الرئيس محمود عباس من ناحية وحركة “حماس″ برئاسة السيد خالد مشعل في الناحية الاخرى، برعاية امير قطر تميم بن حمد آل ثاني، ثلاث مرات، في الاولى، شعرت بالصدمة، والثانية، بالغضب والهوان، وفي الثالثة، وصلت الى قناعة راسخة بأن الرئيس عباس يجب ان يستقيل، ويتقاعد من العمل السياسي بالتالي، لان حالته الصحية والنفسية لم تكن على ما يرام من شدة الضغوط التي يتعرض لها من كل الجهات.

الرئيس عباس، ومثلما جاء في المحضر الذي نشر على نطاق واسع في صحف ومواقع عربية، ولم نسمع نفيا قاطعا له من الحكومة القطرية، او اي من الاطراف المشاركة فيه، اعترف بأنه فقد الثقة بحركة “فتح” التي يتزعمها، وباسرائيل وبالامريكان والعرب، وقال بالحرف الواحد “حماس بدها تجنني”.

ذهاب الرئيس عباس الى امير دولة قطر لكي يشكو حركة “حماس″ ويتهمها بترتيب “انقلاب” للاطاحة به وسلطته، بناء على معلومات “مقتنع″ بها تماما، زوده بها رئيس جهاز الشاباك (المخابرات الداخلية الاسرائيلية) وحفرت انفاقا، وزرعت الغاما لاغتياله، هذا التصرف في مضمونه وتوقيته غير مقبول من رئيس شعب كان يتعرض في حينها لعدوان اسرائيلي شرس قتل اكثر من الفي انسان بريء، ربعهم من الاطفال، وجرح 12 الف شخص، ودمر اكثر من عشرين الف بيت، وربما يتطلب التركيز على كيفية مواجهة هذا العدوان ووقف سفك الدماء، ووضع كل القضايا الخلافية جانبا.

***

جميع الحاضرين، من الوفدين “الفتحاوي” و”الحمساوي” التزموا بآداب الحديث، مع استثناءات قليلة جدا، الا الرئيس عباس الذي وجه الشتائم للكثيرين، ابتداء من غريمه محمد دحلان الذي وصفه بـ”الحقير”، وانتهاء بالسيد مشعل الذي اتهمه بالكذب والتضليل، والمناورة، وفي حضوره.

والاكثر من ذلك ان الرئيس عباس كان متناقضا في الكثير من اقواله، فقد قال: “البعض كان يريد ان تشارك الضفة في القتال (اثناء العدوان على غزة) فقلت على جثتي، لن اسمح بذلك رغم التحريض”، وفي موضع آخر “يعاير” حركة حماس بقوله “لماذا تهريب الاموال والسلاح الى الضفة، ولا يستخدم هذا السلاح ضد اسرائيل؟ اين المقاومة؟”، ونسي الرئيس عباس انه قال قبل بضعة دقائق انه لن يسمح مطلقا بالمقاومة في الضفة.

هل مشاركة الضفة الغربية واهلها الشجعان اشقاءهم في مواجهة العدوان الاسرائيلي جريمة ام عار حتى يتصدى له الرئيس عباس وقواته الامنية، وهل يريد ان تذبح اسرائيل اطفال غزة وابناء الضفة يقفون متفرجين مثله؟ واي مشروع وطني يتحدث عنه اذا كان لا يحشد الجميع في مواجهة العدوان؟

نحن لا نتجنى هنا على الرئيس عباس، ولكن امير قطر الشاب، كان يحاول تهدئته، ويؤكد له طوال الاجتماع بأن حركة “حماس″ شريك له ويجب التفاهم معها، وخيّره بين خيارين لا ثالث لهما، اما فتح تحقيق مستقل حول جميع الاتهامات التي وجهها الى حركة حماس، او اغلاق الملف، وقال انه، اي الامير القطري، يفضل الخيار الثاني، وطلب من الرئيس عباس ان يختار احدهما، ولكنه قال انه لا يستطيع ان يقرر في حينها، فقال له امير قطر “انت منرفز″ ولا بد من رفع الاجتماع الى المساء.

واظهر الوفد الفتحاوي المرافق له كل مناقب الحكمة والتعقل، وكانوا يصرون طوال الاجتماع على ضرورة التفاهم لايجاد حلول للأزمة، كما التزم السيد مشعل بالانضباط وكتم الغيظ ومخاطبة الرئيس عباس بكل الاحترام.

نفهم ان لا يثق الرئيس عباس بحركة “حماس″ والسيد خالد مشعل زعيمها، وكذلك بالاسرائيليين والعرب والامريكان، ولكن ان يقول انه لم يعد يثق بحركة “فتح” التي يتزعمها، ويضعها على قدم المساواة مع الآخرين الذين ذكرهم، فان هذا امر غير مقبول وغير مفهوم على الاطلاق من شخص في مكانته وخبرته.

واذا كان السيد عباس لا يثق بالاسرائيليين، وهو محق في ذلك، فلماذا يتبنى روايتهم حول حركة الانقلاب التي كانت تعدها خلية حركة “حماس″ المكونة من 93 عنصرا للاطاحة به وسلطته؟

استغربت كثيرا ان يقول الرئيس عباس انه كان مقتنعا كليا بالرواية الاسرائيلية هذه، ومصدر استغرابي امران:

*الاول: اعتقاده الراسخ بأنه يتزعم فعلا رئاسة دولة مستقلة، تملك السيادة الكاملة على ارضها وحدودها، وبالتالي يمكن ان تغري بعض الطامحين للتآمر والترتيب لانقلاب للاستيلاء على الحكم فيها، واقسم حازما ان هذه السلطة، وبوضعها الحالي المهين، لا تغري احدا من الشرفاء الذين يؤمنون بالمقاومة كأداة لتحرير الارض واستعادة الحقوق المغتصبة، وفقدوا الثقة كليا بعملية سلمية عقيمة وحل الدولتين المضلل.

*الثاني: ان هذه الخلية المكونة من هذا العدد المحدود من العناصر، ولا يملك الا بضعة بنادق ومئة الف دولار فقط تستطيع ان تقوم بعملية الانقلاب هذه على سلطة تملك اكثر من خمسين الف رجل امن وشرطة وحرس رئاسي، ومدربة على يد كبار الخبراء العسكريين الامريكيين، ومسلحة ببنادقهم ومعداتهم الحديثة جدا، وحتى لو نجحت هذه الخلية “العملاقة” في اطاحة سلطة الرئيس عباس بانقلابها المزعوم هل تستطيع ان تستمر في مكانه في المقاطعة دقيقة واحدة، او هل يسمح لها الاسرائيليون بهذه الدقيقة اساسا؟

***

لا نريد ان ينهي الرئيس عباس حياته السياسية منهارا متعبا وفاقدا الثقة بجميع من حوله، وخاصة تنظيمه الفتحاوي، ولكننا ورغم اختلافنا مع كل سياساته، نتمنى عليه ان ينفذ ما هدد به في هذا الاجتماع، اي انهاء التنسيق الامني مع اسرائيل، والذهاب الى نتنياهو وتسليمه مفاتيح السلطة، وفي اسرع وقت ممكن، وبعد ان اكد ان مفاوضاته مع الاسرائيليين على مدى عشرين عاما لم تحقق مليمترا واحدا من التقدم، لان الامريكان لن يستمعوا الى مطالبه الاخيرة بتحديد الحدود واقامة الدولة المستقلة، ولان الاسرائيليين لن يخافوا من تهديداته، ويوقفوا بالتالي تقسيم الحرم القدسي الشريف زمنيا، مثلما فعلوا في الحرم الابراهيمي في الخليل.

الرئيس عباس يعيش حالة توتر غير مسبوقة تنعكس سلبا على الشعب الفلسطيني وقضيته، ومن ابرز اسبابها سياسة “الصفر” التي يتبعها طوال السنوات الماضية، اي البقاء في مكانه وعدم اتخاذ اي قرار، او الاقدام على اي خطوة الى الامام او الخلف، والرهان على كسب الوقت، فهذه السياسة يمكن اتباعها لبضعة اشهر، وفي حالات محدودة جدا، لا ان تصبح سياسة استراتيجية، مثلما فعل ويفعل حاليا ويجد التأييد والمساندة من الدائرة الضيقة من وعاظ السلاطين المحيطة به.

الرئيس عباس يضع نفسه وشعبه في مأزق خطير جدا لا يستفيد من تبعاته الا العدو الاسرائيلي، ولا اعتقد ان الشعب الفلسطيني سيصبر كثيرا”، وسيطفح كيله قريبا جدا، لان هذا الشعب يستحق قائدا يرتقي الى مستوى تضحياته ودماء شهدائه وتاريخه الحافل بالكرامة والبطولات.

هجمة دبلوماسية ايرانية على مصر والفضل يعود لـ”الدولة الاسلامية” وخطرها.. ولا نستبعد قيام تحالف مصري سعودي ايراني لمواجهة تركيا وتسوية للازمة السورية تبقي الرئيس الاسد لسنوات قادمة

عبد الباري عطوان

عندما يقول علي اكبر ولايتي مستشار السيد علي خامنئي قائد الثورة الايرانية ومرشدها الاعلى “ان انتصار الشعب الفلسطيني وصموده ضد العدوان الاسرائيلي الغاشم على قطاع غزة لم يكن يتحقق لولا دعم مصر”، ويؤكد في تصريحات “غير مسبوقة” خلال استقباله وفد اعلامي مصري “ان الشعب المصري كان سباقا في دعم الفلسطينيين منذ ان بدأت القضية الفلسطينية”، فان هذا يعتبر مؤشرا قويا لتقارب مصري ايراني قد يقلب كل المعادلات السياسية وربما الامنية القائمة حاليا في المنطقة.

زيارة وفد اعلامي مصري يضم ممثلين عن صحف ومحطات تلفزة مصرية وخاصة لا يمكن ان يأتي من قبيل الصدفة، واستقبال هذا الوفد من قبل السيد ولايتي المستشار الاهم للمرشد الاعلى والسيد حسين الدين اشتاه مستشار الرئيس حسن روحاني لشؤون الاعلام خطوة مقصودة، كما ان تركيز المستشارين على التأكيد بأن انتصار الشعب الفلسطيني وصموده ضد العدوان الاسرائيلي على غزة لم يكن يتحقق دون دعم مصر، رسالة جرى اختيار كل كلمة فيها بعناية فائقة للرد على كل المواقف التي اتهمت السلطات المصرية الحالية بالتواطؤ مع هذا العدوان، وممارسة ضغوط على الوفد الفلسطيني المفاوض لتقديم تنازلات والقبول بالمبادرة المصرية لوقف اطلاق النار.

***

نحن امام حلف جديد يتبلور في المنطقة، يضم ايران ومصر والمملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة والاردن، يأتي مزيجا غريبا وغير مسبوق بين اعداء لدودين حتى قبل بضعة اشهر مثل ايران من ناحية والمملكة العربية السعودية والامارات من الناحية الاخرى في مواجهة المحور التركي القطري حتى الآن على الاقل.

الفضل الاكبر في حدوث هذا الانقلاب في المعادلات السياسية في المنطقة يعود بالدرجة الاولى الى صعود خطر “الدولة الاسلامية” بقيادة “الخليفة” ابو بكر البغدادي القرشي الذي بات يهدد جميع هذه الدول وحكوماتها خاصة، مجتمعة او متفرقة، والمملكة العربية السعودية على قمتها.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا يدور حول الخطوة التالية لهذا التحالف الجديد وفي اي اتجاه ستكون، وماذا يمكن ان يترتب عليها من خطوات اخرى فرعية؟

منذ ان شارك السيد حسين امير عبد اللهيان نائب وزير الخارجية الايراني والمقرب جدا من المرشد الاعلى في حفل تنصيب الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس للجمهورية بعد فوزه في الانتخابات مطلع الصيف الماضي، والغزل الايراني المصري لم يتوقف، رغم الجمود في العلاقات بين البلدين، فهذه المشاركة بددت النظرية التي كانت تقول ان القيادة الايرانية تقف في خندق الاخوان المسلمين ضد الانقلاب العسكري، وتؤازر الرئيس المخلوع محمد مرسي الذي زار طهران قبل الاطاحة به في اول زيارة لرئيس مصري منذ اربعين عاما.

موقف الرئيس السيسي من الازمة السورية، وعدم اتخاذه مواقف شرسة ضد الرئيس بشار الاسد والمطالبة باطاحة نظامه مثل حلفائه في معسكر “الاعتدال” العربي، وتأكيده في لقاء مع رؤساء تحرير الصحف المصرية قبل اسبوع بأنه يقف على مسافة واحدة من النظام والمعارضة في سورية، شكلت “كلمة السر” الرئيسية التي جعلت طهران تتقارب معه وتنفتح عليه.

الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل واحد ابرز مستشاري الرئيس السيسي وضع اللبنة الاولى في هذا التقارب عندما لعب دور الوسيط بين ايران والفريق اول السيسي عندما كان وزيرا للدفاع، بعد الاطاحة بحكم الاخوان في مصر وزار بيروت بدعوة من السيد حسن نصر الله زعيم حزب الله حيث التقى خلالها بمسؤولين ايرانيين جاءوا خصيصا لمقابلته تردد ان من بينهم مستشارين للسيد خامنئي بينهم علي اكبر ولايتي، علاوة على غضنفر ركن ابادي، السفير الايراني في العاصمة اللبنانية في حينها، وذلك في كانون الاول (ديسمبر) من العام الماضي، وقد التقيت السيد هيكل مرتين حيث تصادف وجودي هناك واكد لي انه التقى السيد حسن نصر الله، وانه لا يستبعد تقاربا وشيكا بين مصر وايران، واكد لي انه يؤيد هذا التقارب ويسعى له.

الفتور في علاقة ايران مع حركة الاخوان المسلمين والرئيس مرسي خصوصا وصل ذروته عندما اعلن الاخير (الرئيس مرسي) في اجتماع انعقد في مدينة نصر، بحضور الشيخ يوسف القرضاوي ومجموعة من العلماء الكبار من سعوديين ومصريين، الجهاد في سورية واغلاق سفارتها في القاهرة قبل الانقلاب العسكري الذي اطاح نظامه بعشرة ايام تقريبا (حزيران عام 2013)، وكذلك اهانة الرئيس الايراني محمد احمدي نجاد قبلها من قبل شيخ الازهر اثناء زيارته للقاهرة، حيث خاطبه بالكثير من التعالي والعجرفة وانتقد سياسات حكومته “الطائفية” وحظي بسبب ذلك بـ”تكريم” خليجي رسمي غير مسبوق.

***

المحور السعودي الايراني المصري الجديد الذي بات في مرحلة التبلور يعتقد اعتقادا راسخا انه لا يمكن هزيمة “الدولة الاسلامية” دون التعاون والتنسيق مع النظام السوري، وهذا قد يفسر على ان بقاء هذا النظام، ولو لفترة انتقالية “طويلة” امر حتمي، وجرى تكليف السلطات المصرية بالقيام بالتمهيد لهذا التنسيق والتعاون وفتح قنوات حوار مع النظام في دمشق.

اللقاء الخماسي الذي انعقد في مدينة جدة يوم الاحد قبل الماضي للدول العربية الاعضاء في منظومة “اصدقاء سورية” بحضور وزراء خارجية كل من مصر والسعودية والامارات وقطر ومستشار وزير خارجية الاردن، والزيارة المفاجئة للسيد عبد اللهيان قبلها، كانا تمهيدا للتحالف الجديد وانعكاسا لحدوث انقلاب وتغيير في الاولويات، من اسقاط النظام السوري الى فتح قنوات حوار معه، للتركيز على الخطر الاكبر الذي تشكلة “الدولة الاسلامية”، وجرى تكليف مصر بهذه المهمة، باعتبارها الاكثر حيادا في الازمة السورية.

وزير الخارجية المصري سامح شكري كشف الاحد ان بلاده لم تطرح مبادرة محددة بشأن الازمة السورية، و”انما تسعى لجمع الاطراف المتنازعة في اطار سياسي مثلما حدث في مؤتمر جنيف للتوصل الى توافق يرفع المعاناة غن الشعب السوري”، وذلك في تصريحات لصحيفة “عكاظ” السعودية.

“الدولة الاسلامية” قربت بين العدوين التاريخيين السعودية وايران، وكسرت جمود العلاقة بين القاهرة وطهران، وجرت امريكا جزئيا وربما كليا الى رمال الشرق الاوسط الملتهبة، وقلبت كل المعادلات القائمة، وافرزت “كوكتيلا” غريبا يجمع دول في معسكر الممانعة مع اخرى في معسكر الاعتدال، كل هذا في اقل من عاملين فقط.

هل نتحدث هنا عن دولة عظمى؟ ربماّ، وهل سنرى مندوب سورية قريبا يحتل مقعهد بلاده في الجامعة العربية؟ ومتى انتقد السيد نبيل العربي امينها العام النظام السوري آخر مرة؟ بل متى هاجم الامير سعود الفيصل وكل وزراء خارجية مجلس التعاون النظام السوري آخر مرة ايضا؟ وماذا عن الائتلاف الوطني السوري واخباره، ولماذا لم يعد يفرش السجاد الاحمر لرئيسه الجديد هادي البحرة؟

نترك الاجابة لكم، والامر متروك لفهمكم اولا واخيرا.

انهم يحشدون الجيوش ويؤسسون لتحالف ضخم لاجتثاث “الدولة الاسلامية” وخطرها.. ماذا سيحدث بعد نجاح مهمتهم؟ وماذا سيترتب على فشلهم؟ ومن سيدفع الثمن؟

اذا كان عقد النصف الاخير من التسعينات والنصف الاول من العقد الاول من القرن الواحد والعشرين يمكن وصفه بعقد تنظيم “القاعدة”، فان العقد الحالي الذي جاء بعده يمكن وصفه بأنه عقد تنظيم “الدولة الاسلامية” مع فارق رئيسي ان العقد الاخير هذا مرشح للاستمرار لعقود اخرى قادمة.

العالم كله يتحشد لمواجهة هذا التنظيم والقضاء على اخطاره، وهو لا يملك رؤوس نووية، ولا صواريخ عابرة للقارات، ولا مخزون هائل من الاسلحة الكيماوية او البيولوجية، فالمستر جون كيري وزير الخارجية الامريكي سيذهب وفي معيته زميله تشاك هاغل وزير الدفاع لحضور اجتماع حلف الناتو الذي سيعقد يوم الخميس المقبل من اجل تشكيل تحالف دولي لمواجهة هذه “الدولة” من الدول الاعضاء على هامش هذا الاجتماع، ويتوجه بعدها الى الشرق الاوسط للحصول على دعم “الدول المهددة” بشكل مباشر من خطره، وضمها، وربما طلب تمويلها لنفقات هذا التحالف.

بريطانيا اعلنت حالة التأهب القصوى في صفوف اجهزتها الامنية، ورفعت مستوى التهديد الى المرحلة ما قبل الاحمر، خوفا من تفجير ارهابي يمكن ان ينفذه مواطنوها العائدون من سورية والعراق بعد قتالهم في صفوف هذا التنظيم.

ولكن التحذير الاخطر جاء وللمرة الرابعة هذا الشهر، من العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز يوم الجمعة، الذي تمثل في اعلان حالة “النفير” على المستوى العالمي، عندما طالب سفراء الدول الغربية الذين استقبلهم اثناء تقديم اوراق اعتمادهم، بضرب المتطرفين (المسلمين) بـ”القوة والعقل” وبسرعة، لانهم سيصلون الى اوروبا في غضون شهر، والى امريكا في غضون شهرين.

***

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن طبيعة هذا الخطر الذي تشكله “الدولة الاسلامية” على دول وحكومات من المفترض انها تملك جيوشا جرى انفاق مئات المليارات من الدولارات على تسليحها بأحدث الصواريخ والطائرات الحديثة، علاوة على اجهزة امنية تعتبر من الاقوى عالميا؟

نفهم ان تخشى دول العالم نظاما “مارقا”، على حد وصفها، مثل نظام الرئيس العراقي صدام حسين، لانه يملك ترسانه من اسلحة الدمار الشامل، وجيشا قويا حارب ايران ثماني سنوات، ويشكل خطرا على جيرانه بعد احتلاله الكويت، ولكن لا نفهم مطلقا تشكيل تحالف دولي اقوى من التحالف الذي قادته امريكا لـ”تحرير” الكويت عام 1990، وضد من؟ ضد تنظيم صغير بالكاد يزيد عمره الزمني عن عامين على اكثر تقدير!

هل المشكلة تكمن في قوة “الدولة الاسلامية” ام في ضعف الدول الاقليمية، وحالة الرعب التي تسودها من جراء الانتصارات الكبيرة التي حققها في السيطرة على نصف العراق وثلث سورية في غضون اشهر معدودة؟ ثم من الذي وفر البيئة الحاضنة لهذا التنظيم وزوده بأسباب القوة؟ اليست تلك الدول التي “تولول” ذعرا من خطره، وتخشى وصوله الى عمقها؟

لا شك ان هذا التنظيم المتشدد في تطبيق عقيدته وممارساته في الترهيب والتوحش، مثل التغول في الذبح والقتل وتكفير كل من لا يتبنى او يعتنق هذه العقيدة، لا شك انه يثير القلق والرعب، ولكن هذا الرعب مقصود مثلما هو مصدر فخر لقادته، ولا يتبرأون منه، بل يؤلفون الكتب، ويخطون المقالات والشروحات على مواقعهم على وسائل التواصل الاجتماعي للتنظير له، وشرح منطلقاته واسبابه.

لا نعتقد ان هذا التنظيم ورجاله سيصل الى اوروبا في غضون شهر، وامريكا في غضون شهرين، ليس لانه قادر او غير قادر على ذلك، وانما لانه يركز حاليا على “العدو القريب” وجوار دولته، اي دول مثل العراق وسورية ولبنان والاردن والمملكة العربية السعودية، حيث يصف حكام هذه الدول بغير المؤمنين، ولا يطبقون شرع الله مثلما هو مطلوب منهم.

ممارسات هذا التنظيم غير انسانية ومدانة بأقوى العبارات، ولكن هل هبطت علينا “الدولة الاسلامية” هذه من السماء ام من بيئتنا العربية والاسلامية، ولها جذور عميقة في تاريخنا، وحتى نفهمها علينا الرجوع الى الوراء اربعة او خمسة قرون، والى فكر الشيخ بن تيميه وتلميذه الامام محمد بن عبد الوهاب مؤسس الحركة الوهابية “الاصلاحية”، وسنجد ان فكر “الدولة الاسلامية” هو حركة تصحيحية لهذا الارث الفقهي، وليس غريبا ان يكون هذا الارث الاعمدة الاساسية لهذه “الدولة الاسلامية”، وتدرسه حاليا في مناهجها الدراسية في العام الدراسي الجديد في المناطق التي باتت تحت سيطرتها.

***

في غمرة حالة الهياج المصحوبة بالرعب والتحريض الاقليمي والدولي على مواجهة هذه الدولة، اسمحوا لنا ان نطرح العديد من الاسئلة ونأمل ان نتلقى اجابات واضحة وصريحة عنها:

*الاول: كيف سيحارب التحالف الجديد بقيادة امريكا هذه الدولة، وهل سيرسل قوات ارضية ام سيكتفي بالهجمات الجوية، وفي حال ارسال هذه القوات من هي الدول التي سترسل جنودا؟

*الثاني: هل ستنضم سورية الى هذا التحالف بشكل مباشر او غير مباشر، واذا كان الجواب بالنفي، ماذا لو ربطت ايران انضمامها الى هذا التحالف بهذه المشاركة السورية؟

*الثالث: ما هي خطط واستراتيجيات هذا التحالف في حال فشله في تحقيق اهدافه، او نجاحه في تحقيقها؟ بمعنى آخر هل سنشهد حالة فوضة دموية اكبر على غرار ما يحدث في ليبيا واليمن وسورية والعراق نفسه حاليا في حال النجاح او الفشل؟

تدخل الناتو نجح في تحقيق اهدافه في اسقاط النظام في ليبيا والعراق، ولكنه لم ينجح في تقديم النموذج الصالح في الحكم والاستقرار مثلما كان مأمولا.

*الرابع: الرئيس الامريكي جورج بوش الاب وعد بحل القضية الفلسطينية عندما كان يخطط لتشكيل التحالف الثلاثي لاخراج القوات العراقية من الكويت، وذهب ابنه جورج بوش الابن الى التعهد باقامة دولة فلسطينية مستقلة بعد احتلال العراق في حربه التي كان يستعد لها عام 2003، ولم ينفذ الزعيمان اي من وعودهما، ندرك جيدا ان قضية فلسطين لم تعد الاولوية لدى الرئيس باراك اوباما او دول حلف الناتو او الاعضاء العرب في التحالف المقبل ضد “الدولة الاسلامية”، ولكن هل تتعهد دول هذا التحالف، وتضمن امريكا زعيمة العالم الحر تعهداتها هذه، من حيث نشر قيم الديمقراطية وتطبيق العدالة الاجتماعية والمساواة والقضاء العادل المستقل في مرحلة ما بعد القضاء على “الدول الاسلامية” وهزيمتها؟ نطرح هذه الاسئلة مبكرا لتكون وثيقة سنعود اليها حتما في المرحلة المقبلة بعد ان تبدأ عملية تجيش الجيوش، وانطلاق الطائرات الحربية لقصف اهدافها وقتل مئات الآلاف من المدنيين العراقين والسوريين، فيبدو ان قتل 200 الف سوري حتى الآن، ومليون عراقي قبلها لا يشفي غليل البعض.

لا شك ان “الدولة الاسلامية” وممارساتها وتوسعها وتغولها في الدم يشكل خطرا كبيرا، لكننا لا نستبعد ان يأتي الدواء الذي تعمل امريكا على تركيب عناصره حاليا بالتعاون مع دول اقليمية ودولية اكثر خطورة، بحيث لا يشفي المرض، ويخلق اعراض جانبية اقوى منه.

قراءة في “دبلوماسية اللحظة الاخيرة” السعودية لانقاذ مجلس التعاون الخليجي من الانقسام.. واسباب زيارة الوفد السعودي الثلاثي المفاجئة للدوحة وما سر تعدد الزيارات والمهل؟ ولماذا سيكون اجتماع جدة السبت حاسما في كل الاتجاهات؟

انتهت الحرب العسكرية الاسرائيلية على قطاع غزة ومن المتوقع ان يؤدي اتفاق وقف اطلاق النار الذي رعته السلطات المصرية الى التفرغ لحرب دبلوماسية اخرى، ربما لا تقل شراسة، بين المحور المصري السعودي الاماراتي البحريني، وبين المحور التركي القطري الذي وقف ويقف في الخندق الآخر المقابل.

بعد غد السبت يعقد وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي اجتماعا في مدينة جدة غرب المملكة العربية السعودية لبحث التقرير الذي وضعته لجنة متابعة تنفيذ “اتفاق الرياض” الخاص بأزمة سحب السفراء من الدوحة (بدأت في آذار مارس من هذا العام) بشكل خاص والخلافات الخليجية مع السلطات القطرية بشكل عام.

تقرير اللجنة اشار الى عدم قيام الى دولة قطر بالالتزام بتنفيذ بنود الاتفاق وابرزها وقف التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج الاخرى، من بينها تجنيس معارضين خليجيين وتوفير الملاذ الآمن لهم، وعدم اتخاذ سياسات خارجية تلحق الضرر بمجلس التعاون الخليجي ودوله، في اشارة الى حركة الاخوان المسلمين وتبني موقفها الرامي الى اطاحة النظام المصري الحالي والعودة الى السلطة التي سلبت منها واطلاق سراح قيادتها المعتقلة.

وزير الخارجية القطري السيد خالد العطية رفض توقيع تقرير اللجنة المذكورة اسوة بزملائه الخمسة الآخرين اثناء اجتماع عقد في هذا الخصوص في جدة قبل عشرة ايام وغادر الى الدوحة غاضبا، وهو موقف منطقي، فكيف يوقع على تقرير يدين دولته، ويمهد لفرض عقوبات عليها من قبل شقيقاتها في المجلس؟

***

العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز شكل وفدا من ثلاثة امراء كبار برئاسة وزير الخارجية سعود الفيصل، ووزير الداخلية محمد بن نايف، ورئيس المخابرات خالد بن بندر، والثلاثة من احفاد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، وطلب منه التوجه الى الدوحة ولقاء المسؤولين فيها، في زيارة وصفتها صحيفة “الشرق الاوسط” المقربة من النظام السعودي بأنها “دبلوماسية اللحظة الاخيرة” لتسوية ازمة العلاقات مع قطر التي القت بظلالها على مسيرة مجلس التعاون الخليجي وشلتها جزئيا، او كليا، طوال الاشهر الستة الماضية.

تشكيل الوفد من ثلاثة امراء، الاول من الصقور الذين لا يكنون الكثير من الود للنظام الحالي في قطر وسياساته، اي الامير سعود الفيصل، والثاني من “الحمائم” الذي يعرف بعلاقته الوثيقة مع هذا النظام وصداقته القوية بالامير القطري الشاب تميم بن حمد آل ثاني، ويتردد باستمرار على الدوحة في زيارات خاصة معلنة وغير معلنه، والثالث الامير خالد بن بندر رئيس جهاز الاستخبارات الذي يوصف بجديته وموضوعيته، علاوة على “وسطيته”، هذا التشكيل للوفد جاء مقصودا، اي للايحاء للسلطات القطرية بأنه لا يوجد صراع اجنحة في السعودية، او آراء متباينة بشأن الخلاف معها، وان الكل مجمع على ضرورة تنفيذها اتفاق الرياض وبنوده كافة، او تحمل نتائج عدم التنفيذ التي ربما تشمل اغلاق حدود برية وعقوبات اقتصادية وتجميد العضوية في مجلس التعاون.

الوفد الثلاتي قضى ساعة ونصف الساعة في الدوحة فقط، التقى خلالها الامير القطري، مما يوحي ان المسألة تنحصر في تسليم رسالة محددة او “انذار”، والاستماع الى الرد الفوري عليها، حيث لم يكن هناك اي مجال للمجاملات الخليجية التقليدية ومآدب الغداء او العشاء الرسمية المتبعة في هذا الصدد، فقد كانت زيارة “جافة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

الزيارة تمت وانتهت وسط تكتم شديد، ولم ترشح اي معلومات حول نتائجها او ما دار فيها، خاصة من الجانب القطري المضيف، ولكن الصحف السعودية او المحسوبة عليها في لندن، اكدت عدم نجاحها في اقناع الجانب القطري بالتجاوب مع ما هو مطلوب منه تنفيذه في اتفاق الرياض، بينما التزمت الصحف القطرية في الدوحة او تلك التي تصدر في الخارج الصمت المطبق، ولم تتناول زيارة الوفد السعودي للدوحة الا بشكل روتيني تقليدي على طريقة وكالات الانباء الرسمية.

مسؤول كويتي قامت دولته بجهود وساطة مكثفة لاحتواء هذه الازمة الخليجية بعد ان عجزت عن ايجاد حلول جذرية لها، قال ان ما هو مطلوب من قطر، وبكل بساطة، اصدار تعليمات فورية لقناة “الجزيرة” بتغيير خطابها الاعلامي، فيما يتعلق بالاوضاع في مصر وتطوراتها، اي التوقف عن دعم الاخوان المسلمين وتوجيه اي انتقاد لحكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، ووضع آلية واضحة لوقف التجنيس للمعارضين الخليجيين، ومن البحرين والامارات خصوصا، في اطار سقف زمني محدد.

لا نعتقد ان السلطات القطرية ستلبي اي من الطلبين في غضون اليومين القادمين السابقين لاجتماع وزراء الخارجية في مدينة جدة، ولو كانت مستعدة لذلك لفعلتها قبل اشهر، لان تحالفها مع حركة الاخوان المسلمين استراتيجي وفي اطار تحالف اكبر مع قوى اقليمية مثل تركيا، واي تغيير لخط “الجزيرة” السياسي، اي التوقف عن دعم الاخوان ومصالحة الرئيس السيسي بالتالي يعني بدء العد التنازلي لاضمحلال هذه المحطة، وفقدانها لما تبقى لها من مصداقية ونفوذ وتأثير، بالتالي تراجع اهمية الدولة القطرية التي تعتمد عليها كورقة اساسية في يدها لدعم سياساتها الخارجية المتشعبة.

الخلاف بين قطر وشقيقاتها لا يعود، في اعتقادنا، بالدرجة الاولى الى مسائل داخلية مثل قضية التجنيس واحتضان المعارضين، وانما الى قناة “الجزيرة” ودورها وحملاتها ضد نظام السيسي، واحتضانها لحركة الاخوان المسلمين والانتصار لها وفكرها واهدافها، وهي ستستمر في هذه السياسة مهما تعاظمت الضغوط الخليجية عليها فيما يبدو، بدليل تعيينها الزميل ياسر ابو هلالة المعروف بميوله الاسلامية مديرا عاما لقناة “الجزيرة” في تحد يحمل في طياته استفزازا لمن يريدون تغيير خط المحطة.

***

السعودية تقف اليوم امام تحديات خطيرة جدا، ابرزها خطر القوة المتنامية لـ”الدولة الاسلامية” بقيادة ابو بكر البغدادي الحسيني “القرشي” التي تحاكي، بصورة او بأخرى، الحركة الوهابية في صيغتها البكر الاولى، وتهدد باجتياح المملكة فكريا وعقائديا وعسكريا في الوقت نفسه، مثلما تواجه ايضا، اي السعودية، انقلابا في اولويات الولايات المتحدة ودول اوروبا في تحشيد القوى لمواجهة هذا الخطر “الاسلامي السني المتشدد”، وليس اسقاط النظام السوري، ولو مرحليا على الاقل.

ما يقلق القيادة السعودية هو انجذاب نسبة كبيرة من الشباب السعودي الى هذا الفكر المتشدد للدولة الاسلامية، واعجابهم بـ “انتصاراتها” على الارض في العراق وسورية وتساقط المدن والقواعد العسكرية مثل الذباب امام زحفها، حيث قدر استطلاع غير رسمي اجري على وسائل التواصل الاجتماعي تأييد 92 بالمئة من الشباب السعودي لـ”الدولة الاسلامية”، ومهما كانت نسبة الخطأ في هذا الاستطلاع فانه يظل مرعبا للسلطات السعودية، وهذا ما يفسر هبة العلماء الرسميين والائمة وتجنيدهم لتجريم هذه “الدولة” وفكرها، وتحذير الشباب السعودي من الانضمام اليها، وكان لافتا في المقابل، وهذا خطر اشد ايضا، التزام “علماء الصحوة” الاسلاميين السعوديين الصمت تجاه هذه الظاهرة وعدم ادانتها ومحاربتها مثلما طلب منهم العاهل السعودي، في وسائل الاعلام الرسمية، او على مواقعهم في وسائل التواصل الاجتماعي حيث يحظون بملايين المتابعين في السعودية وحدها.

في ظل هذا التحدي تريد القيادة السعودية حشد مجلس التعاون الخليجي وتوحيد صفوفه لتحصين بيتها الداخلي، وتشكيل تحالف مصري خليجي اردني في مواجهته وهذا الطموح لا يتأتى، او يصبح اكثر صعوبة في التحقيق، جزئيا، او كليا، في ظل حالة الشلل الراهنة التي يعيش في ظلها المجلس بسبب تغريد قطر في سرب آخر وتوظيف دخل سنوي يصل الى 200 مليار دولار في دعم سياسات ومواقف وجماعات ترى السعودية انها خطر عليها، وهذا ما يمكن ان يفسر المهل العديدة التي اعطتها لدولة قطر، والوفود العديدة من الامراء التي بعثتها الى الدوحة لاقناعها في التجاوب مع طلباتها لانها لا تريد التصعيد وتدرك مخاطره في الوقت نفسه، ولكن الخيارات بدأت تضيق امامها بعد ان طفح كيلها مثلما يبدو لاي متابع لتحركاتها.

يمكن القول ان اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في جدة يوم السبت، ربما يكون مختلفا عن كل الاجتماعات السابقة بالنظر الى المعطيات والقضايا المتفجرة التي سببت فيها فاما ان تذعن السعودية وحلفاؤها لهذا “الجنوح” القطري وتقرر التعايش معه، او تلجأ لمواجهته، وليس هناك اي مؤشرات حتى كتابة هذه السطور تفيد بامكانية التوصل الى اتفاق يحول دون تطور الخلافات الى عقوبات او قطيعة الا اذا حدثت معجزة، ولكننا لسنا في زمن المعجزات، والخليجية منها بالذات، والايام المقبلة حافلة وحاسمة على اكثر من صعيد، وفي اكثر من اتجاه، وليس امامنا اي خيار آخر غير انتظار المفاجآت، ويبدو انها ستكون كبيرة ومن الوزن الثقيل والله اعلم!

نتنياهو يكذب.. ويدعي تحقيق انجازات وهمية.. ويحاول التملص من اتفاق الهدنة.. هذه اهانة لمصر وننتظر ردا قويا منها على هذا “الهذيان” الناجم عن ضخامة الهزيمة

عبد الباري عطوان

عندما يقول بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل في مؤتمر صحافي “ان حماس لم تحقق اي من مطالبها” وبعد اقل من 24 ساعة من بدء تطبيق اتفاق وقف اطلاق النار، فاما انه يكذب على نفسه ومستوطنيه، ويحاول امتصاص حالة الغضب التي يواجهها عن طريق اساليب الخداع والتضليل التي ظل يمارسها طوال السنوات العشرين الماضية وفقدت مفعولها وتحطمت على صخرة الصمود في قطاع غزة، او انه لا يريد تطبيق بنود الاتفاق، وهذا غير مستبعد، وهنا تكون مشكلته مع مصر راعية هذا الاتفاق والضامن الاساس له.

دعونا نفترض جدلا ان “حماس″ وباقي فصائل المقاومة الاخرى لم تحقق اي من مطالبها، ونسأل نتنياهو في المقابل عما اذا كان حقق مطالبه التي اراد تحقيقها من شنه هذا العدوان الدموي على قطاع غزة؟ بمعنى آخر هل قضى على صواريخ المقاومة ومنصاتها، هل دمر الانفاق فعلا، وكيف، وهو الذي لم تتقدم دباباته الا بضعة امتار داخل حدود قطاع غزة، والاهم من كل هذا هل نجح في نزع سلاح فصائل المقاومة مثلما اصر طوال ايام المفاوضات العشرين؟

***

الصواريخ موجودة ولم تتوقف عن التناسل في مرابضها تحت الارض، والانفاق ما زالت على حالها، وما جرى تدميره سيعاد بناؤه او بديله، في ايام او اسابيع، وشاهدنا السيد محمود الزهار وقادة المقاومة الآخرين يتجولون في الشوارع ويحتفلون مع المحتفلين بالنصر دون اي حراسة او اجراءات امنية مشددة.

لنذهب الى ما هو ابعد من ذلك، ونسأل نتنياهو مرة اخرى، لماذا يحتفل اهل القطاع حتى الصباح بالانتصار ويرقصون طربا لهزيمته بالشوارع، بينما لم نر اي احتفال في تل ابيب المحتلة او اي مدينة اخرى، بل نرى الوجوه الاسرائيلية العابسة المكفهرة، وغالبية ساحقة من مقالات ومقابلات في الصحف ومحطات التلفزة الاسرائيلية لجنرالات ورؤساء اركان حرب اسرائيليين تتحدث بصوت عال عن هزيمة اسرائيل وانتصار المقاومة؟

نتنياهو “يهذي” من شدة الضربة التي وجهتها اليه فصائل المقاومة عندما هزمت جيشه، وهجّرت مستوطنيه، واثارت الرعب في تل ابيب وحيفا وعكا واسدود والقدس المحتلة، وبثت الرعب في نفوس اكثر من ستة ملايين مستوطن قضوا الخمسين يوما الماضية من عمر العدوان في الملاجيء.

موشيه يعلون وزير الدفاع الاسرائيلي يهدد بقوله “سنضرب حماس بطريقة اقوى اذا هاجمتنا”، وهذا تهديد اجوف، فماذا يستطيع ان يفعل اكثر مما فعل في الحرب الاخيرة، هل سيقتل اطفالا اكثر؟ هل سيدمر ابراجا اعلى؟ وهل سيقصف ما تبقى من المدارس في القطاع؟

***

المقاومة خرجت من هذه الحرب منتصرة وموحدة، بينما خرجت منها اسرائيل مهزومة ومنقسمة ومنهارة نفسيا ومعنويا وهذا هو الفارق الكبير الذي يريد نتنياهو ويعلون تجنب الحديث عنه في مؤتمراتهم الصحافية التضليلة والتبريرية.

سنترك نتنياهو يكذب ويبرر ويضلل مثلما شاء وكيفما شاء، فأكاذيبه لن تنطلي على احد، فالحقائق ساطعة على الارض، والعالم كله شاهدها ووثقها، وباذن الله سنراه في الاشهر القادمة مطاردا هو وكل جنرالاته، ووزير دفاعه، من قبل محكمة الجنايات الدولية والبوليس الدولي كمجرمي حرب للمثول امام العدالة.

ننتظر الرد المصري على اقوال نتنياهو هذه، لانها تشكل اهانة لهم، وتشكك في مصداقيتهم، وتضعهم في خانة التواطؤ، ونأمل ان لا يطول انتظارنا طويلا.

غزة انتصرت ومن حقها ان تحتفل وان نحتفل معها.. واسرائيل هزمت ومعها كل المتواطئين العرب.. وثقافة المقاومة والصمود هي عنوان التغيير في المرحلة المقبلة

من حق غزة ان تحتفل.. من حق الشعب الفلسطيني وكل الشعوب العربية والاسلامية ان تحتفل ايضا، ليس بوقف العدوان، وانما بالانتصار عليه، وهزيمته وكل الذين يقفون خلفه او تواطأوا معه، والعرب منهم على وجه الخصوص، سواء بصمتهم المريب، او بانتظارهم المتلهف لسحق طائرات نتنياهو ودباباته للظاهرة الاشرف في هذه الامة، ظاهرة المقاومة والصمود.
المقاومة بفصائلها كافة انتصرت لانها بثت الرعب وعلى مدى 51 يوما في نفوس ستة ملايين اسرائيلي، قضوا معظم وقتهم في الملاجيء خوفا من الصواريخ التي هطلت عليهم كالمطر، وهي ما لم يفعله اي نظام عربي آخر.
المقاومة انتصرت لانها حققت توازن الردع، واظهرت قدرة على ادارة المعركة بكفاءة عالية وغير مسبوقة، فاجأت الاسرائيليين مثلما فاجأت اصدقاءهم العرب.
اسرائيل تعودت احد أمرين في معظم حروبها السابقة، الاول ان يرفع العرب الرايات البيضاء ويولون الادبار مع اول غارة اسرائيلية تستهدفهم، والثانية ان ينزح المواطنون العرب في هجرات جماعية الى اقرب مناطق آمنة.

***
ما حدث في هذه الحرب وكل الحروب الاسرائيلية السابقة هو العكس تماما، وهنا يكمن الاعجاز، فالمقاومة لم ترفع الرايات البيضاء مطلقا، ولم ترهبها طائرات (اف 16) الامريكية الصنع والاحدث في ترسانة الدمار الاسرائيلية، والشعب الفلسطيني في قطاع غزة لم يترك ارضه، ولن يتركها حتى لو فتحوا له كل معابر الارض ومنافذها، ولم يحاول مطلقا كسر الطوق المفروض عليه من الجانب المصري لانه قرر الشهادة واقفا فوق انقاض منازله.
المستوطنون الاسرائيليون في مستوطنات شمال غزة هم الذين هربوا وهجروا منازلهم خوفا ورعبا بعد عملية نحال عوز التي هزت كل النظريات الدفاعية العسكرية الاسرائيلية، عندما خرج لهم المقاومون من تحت الارض عبر النفق، وقتلوا كل الجنود الاسرائيليين، وصوروا عمليتهم البطولية هذه بأعصاب باردة وكأنهم في نزهة.
هذا الانتصار تحقق ايضا ليس بصمود الشعب الفلسطيني ومقاومته فقط، وانما المفاوضون ايضا الذين قاوموا كل الضغوط بشجاعة ورجولة، وتمسكوا بكل مطالبهم المشروعة في رفع الحصار وفتح المعابر والغاء المنطقة الحدودية الآمنة المحظور الزراعة فيها، ومد عمق منطقة الصيد البحري الى حوالي 12 ميلا، وتأجيل الميناء البحري وفتح المطار الى جولات لاحقة.
نتنياهو سقط، ومستقبله السياسي انتهى مكللا بالعار، فهذه غزة التي هزمت الاسكندر المقدوني، مثلما هزمت سلفه اولمرت تلحق به والدولة التي يرأس مجلس وزرائها هزيمة مهينة ومذلة.
فماذا سيقول نتنياهو للاسرائيليين المستوطنين الذين وعدهم بوقف صواريخ المقاومة التي تستهدفهم وتقض مضاجعهم الى الابد، وظلت تدك معاقلهم حتى الدقائق الاخيرة من وقف اطلاق النار، وكيف سيبرر لهم فشله في تدمير الانفاق ونزع سلاح المقاومة والقضاء عليها قضاء كاملا؟
ليس غريبا ان ينقسم المجلس الوزاري المصغر، مجلس الحرب، على نفسه تجاه القبول بوقف اطلاق النار فهؤلاء يدركون انهم خرجوا مهزومين وان ناخبيهم سيضربونهم بالاحذية، لان هذا العدوان لم يحقق ايا من اهدافه، بل خرجوا منه كمجرمي حرب سيطاردون قريبا من قبل البوليس الدولي من اجل تقديمهم امام محكمة الجنايات الدولية.
اسرائيل خسرت الرأي العام العالمي، او معظمه، ولن تستطيع مطلقا تضليله في المستقبل مثلما فعلت دائما، فالعالم كله شاهد بالصوت والصورة اشلاء الاطفال التي قصفت منازلهم، والعجزة الذين دمرت ملاجئهم، والمستشفيات التي دمرتها فوق رؤوس جرحاها، فالصورة لا تكذب.
ابطال غزة الذين طوروا هذه الصواريخ وهندسوا الانفاق وتحلوا بأعصاب فولاذية طوال الخمسين يوما من عمر العدوان، وكانوا شرفاء يتحلون بأعلى اخلاق الحرب عندما لم يقتلوا طفلا اسرائيليا واحدا، وظلوا يحصرون قتلاهم في الجنود فقط، على عكس الجنود المتحضرين الذين لم يستأسدوا الا على الاطفال.
قادة المقاومة ورجالها في غزة انتصروا لانهم اكتسبوا مهاراتهم العسكرية من اكاديميات الكرامة وعزت النفس والصمود، وليس من كليات التخاذل والجبن والخوف من العدو، التي تخرج منها القادة العرب وابناؤهم، وقادة جيوشهم حملة النياشين المزورة.
شكرا لاهل غزة، وشكرا لشهدائها وجرحاها لقد علمونا معنى التضحية من اجل الاوطان، مثلما علمونا معنى الاعتماد على النفس والترفع عن الاستعانة بزعماء عرب وجيوشهم كانوا يعتقدون ان هناك بقايا نخوة وكرامة لديهم.

***
شكرا لتلك المرأة الغزاوية التي تمثل كل امهات واخوات وجدات الشهداء، التي قالت انها من حي الشجاعية البطل الذي دمرته الطائرات الاسرائيلية وخسرت بيتها مثلما فقدت احباءها من ابنائها وجيرانها واقاربها شهداء، ومع ذلك جاءت لكي تحتفل وتحيي المقاومة ورجالها بهذا الانتصار الذي صنعوه بأرواحهم ودمائهم وشدة بأسهم.
هنيئا لها بهذا الانتصار الذي سيكون مقدمة لانتصار اكبر، فالصواريخ موجودة، والعقول التي طورتها وهندسة الانفاق وخططت وقادت المعارك، موجودة ايضا، وستفاجيء اسرائيل بمعجزات جديدة اكثر خطورة مثلما فاجأتهم في العدوان الاخير.
ثقافة المقاومة عادت بقوة، وجيل جديد من القادة المقاومين اطل برأسه بقوة من وسط الركام وهو قطعا سيجب كل ما قبله، ويزيح كل “الديناصورات” من طريقه ويقود هذا الشعب لنيل كل حقوقه المشروعة من النهر الى البحر، وقيام دولة التسامح الواحدة التي يتعايش على ارضها الجميع، في اطار العدالة والمساواة.
غزة انتصرت لانها تستحق هذا الانتصار في زمن تكاثرت فيه الهزائم، وتعاظمت فيه المؤامرات على هذه الامة وعقيدتها، فشكرا مرة اخرى لها ولاهلها ولشهدائها، وكل حبه رمل على شاطيء بحرها الذي يشهد بهديره على كل هزائم الغزاة على مر عصور التاريخ.

“اصدقاء سورية” العرب ينقلون البندقية من كتف المعارضة الى كتف النظام.. والسعودية وقطر تستعدان للعودة الى “عرين الاسد” والفضل يعود للبغدادي ودولته ولكن…

 

 

اجتماع جدة الذي انعقد الاحد برئاسة الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي بحضور نظرائه في مصر والامارات وقطر وممثل عن الاردن تحت عنوان (اصدقاء سورية العرب) هو المؤشر الاقوى على تغيير اولويات حكومات هذه المجموعة وقلقها، او بالاحرى رعبها، من النجاحات الكبرى التي حققتها قوات “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية، ووصولها الى عمقها وهو امر غير مستبعد.

وربما لم يكن من قبيل الصدفة ان يتزامن هذا الاجتماع المفاجيء، والاول من نوعه، مع سقوط آخر معاقل النظام السوري في الرقة، اي مدينة الطبقة ومطارها العسكري في ايدي مقاتلي “الدولة الاسلامية”، مما يعني فتح الطريق الى مدينة حماة رابع اكبر المدن السورية، وحدوث انقلاب في الموقف الامريكي واولوياته في سورية وجوارها العراقي.

قلق هذه الدول، مجتمعة او منفردة، مبرر لان قوات الدولة الاسلامية باتت ترابط على حدود دولتين منها، المملكة العربية السعودية اولا، التي حشدت ثلاثين الف جندي على حدودها مع العراق في منطقتي عرعر ورفحة، وهي حدود تمتد لما يقرب 814 كليومترا، بعد قرار الحكومة العراقية سحب قواتها على الجانب الآخر منها لتعزيز صمود بغداد والتصدي لاي هجوم كاسح للدولة ووجود خمسة آلاف شاب سعودي يقاتلون في صفوف “الدولة”، اما بالنسبة الى مصر فان الفرع المغاربي لتنظيم “الدولة الاسلامية” الذي يتضخم بسرعة والمتمثل جزئيا في حركة “انصار الشريعة” فترابط قرب الحدود المصرية الغربية مع ليبيا، وهناك مؤشرات عن وجود خلايا للتنظيم في الصحراء الغربية المصرية نفذت احداها مجزرة في واحة “الفرارة” راح ضحيتها 23 جنديا في شهر رمضان المبارك.

***

كان لافتا ان تركيا احد ابرز اللاعبين الاساسيين في منظومة “اصدقاء سورية” استثنيت من هذا الاجتماع بسبب توتر علاقاتها مع السعودية والامارات نظرا لاتهامها بدعمها حركة الاخوان المسلمين في مصر وحركة “حماس″ في قطاع غزة، كما ان وزير خارجية الاردن السيد ناصر جودة تغيب “فجأة” عن الاجتماع وارسل مستشاره (غير المعروف) نواف التل، وهو عادة لا يقاطع اي اجتماعات لوزراء خارجية هذه المنظومة، موسعة كانت او ضيقة، وربما يعود هذا الغياب الى رغبة السلطات الاردنية في تجنب الالتزام بالاجندة الموضوعة، والقرارات التي يمكن ان تصدر عن الاجتماع، وهي ذات طابع امني وعسكري حتما، وتجنبا لانتقام الدولة التي اقامت امتدادات وربما خلايا في الاردن، واحتلت معبر طريبيل الحدودي مع العراق لفترة طويلة.

وزير الخارجية السعودي الذي خرج غاضبا من اول اجتماع لهذه المجموعة انعقد في تونس في شباط (فبراير) عام 2014 بحضور وزراء خارجية 114 دولة، باقتراح، او بالاحرى، ضغط من السيد احمد داوود اوغلو وزير خارجية تركيا في حينها، لانه لم يتبن قرارا صريحا بتسليح المعارضة السورية، التزم الصمت، ولم يدل بأي تصريحات حول طبيعة هذا الاجتماع واهدافه باستثناء القول، وباقتضاب شديد، وعبر وكالة الانباء السعودية الرسمية “انه جاء لبحث تطورات الاوضاع في سورية”، دون ان يحدد طبيعة هذه التطورات.

بحث تطورات الاوضاع في سورية، وفي مثل هذا التوقيت الذي غيرت فيه الولايات المتحدة ودول اوروبية اخرى اولوياتها من اسقاط النظام الى اسقاط “الدولة الاسلامية” يمكن فهمه على انه الاستعداد لفتح قنوات اتصال وتنسيق وتعاون امني وعسكري مع النظام السوري في الايام وربما في الاسابيع المقبلة.

تغيير الاولوية الامريكية في سورية يحتم تغيير اولويات “الشق العربي” من منظومة “اصدقاء سورية” التي اجتمعت في جدة، واعادة سورية النظام الى مقعدها في الجامعة العربية، والتخلي، ولو مؤقتا، عن المعارضة السورية والائتلاف الوطني الذي يمثلها، وهو الائتلاف الذي لم نقرأ تصريحا واحدا لرئيسه الجديد منذ شهرين، بل نراهن ان وزراء خارجية عرب كثر لا يعرفون اسمه وشكله.

خطر “الدولة الاسلامية” على دولة مثل المملكة العربية السعودية اكبر بكثير من خطر النظام السوري، وهو خطر لم يكن موجودا اساسا، ضعيفا كان او قويا، والانظمة تهتم باستقرار حكمها واستمراريته، اكثر من نشر قيم العدالة والديمقراطية والاصلاحات، ويكفي التذكير بأن الغالبية الساحقة من الشباب السعودي يميل الى فكر هذه الدولة، ويزداد اعجابه بها مع تزايد انجازاتها واتساع حدود دولتها ويتدفق للانضمام الى صفوفها، فهذه الدولة هي الاقرب للفكر الوهابي الذي تعلمه طوال القرون الماضية، وتطبق حرفيا ادبيات الحركة الوهابية والدولة السعودية الاولى التي تبنتها في ونشرتها بحد السيف وكفرت من يخالفها.

وزراء خارجية الدول الاربع الذين شاركوا في اجتماع جدة، وكانوا خلف “طرد” النظام السوري من الجامعة العربية، واعطاء مقعده للائتلاف الوطني المعارض في قمة الدوحة العربية عام 2013 وباصرار من امير قطر السابق، سيجدون انفسهم في الايام المقبلة يقفون في خندق واحد مع النظام وامريكا وايران وبريطانيا وفرنسا في مواجهة الخندق الذي تقف فيه “الدولة الاسلامية”، واستثناء الائتلاف السوري المعارض من الدعوة لهذا الاجتماع الرباعي هو مؤشر مهم يعكس هذا التحول.

الحرب الامريكية على الدولة الاسلامية وقواتها بدأت جويا بشن غارات بطائرات بطيار او بدونه على مواقعها في سد الموصل و”بيجي” وسنجار، ومنعت تقدمها نحو “اربيل”، وبدأت التعاون استخباريا مع نظام الرئيس الاسد لتبادل المعلومات عن مواقع الدولة وتجمعاتها، اثمرت عن تحسين دقة هجمات الطيران السوري على هذه المواقع في الفترة الاخيرة، في الرقة، ولكن هذه الدقة لم تمنع من سقوط مدينة الطبقة وتقدمها نحو اعزاز قرب حلب.

الجنرال مارتن ديمبسي قائد اركان الجيوش الامريكية يتبنى نظرية ضرورة هذا التعاون، ونقل الحرب الجوية الامريكية على “الدولة الاسلامية” الى الرقة ودير الزور ايضا، ففي المؤتمر الصحافي الذي عقده قبل ثلاثة ايام مع تشاك هاغل وزير الدفاع سأل نفسه سؤالا واجاب عليه، عندما قال “هل يمكن هزيمة “الدولة الاسلامية” بدون الهجوم على مواقعها في الجزء السوري من المناطق التي تسيطر عليها؟ الاجابة “لا”.

امريكا تصالحت مع ايران، ورفعت الحصار جزئيا عنها، وهي التي اعتبرتها العدو الاخطر الذي يهدد مصالحها في المنطقة، فما الذي يمنع مصالحتها مع نظام الرئيس الاسد الذي تفاخر يوما بأنه حمى ارواح المئات وربما الآلاف من الامريكيين بمشاركته الفاعلة في “الحرب على الارهاب” وتقديمه 26 الف وثيقة حول التنظيمات الارهابية لمساعدة امريكا في هذه الحرب التي ما زالت مستمرة حسب الادبيات والتصريحات الامريكية.

***

امريكا بدأت المصالحة مع نظام الرئيس الاسد، وبريطانيا تمهد للسير على الطريق نفسه، فمالكوم ريفكند وزير دفاعها وخارجيتها الاسبق ورئيس لجنة المخابرات في البرلمان شبه خطر “الخليفة” ابو بكر البغدادي ودولته بهتلر ودولته النازية، وقال تحالفنا مع جوزيف ستالين ضد هتلر فلماذا لا نتحالف مع الاسد في مواجهة البغدادي؟ اما لورد دانانت قائد الجيش البريطاني الاسبق، فقال في مقابلة مع الـ”بي بي سي” يوم السبت يجب التعامل مع نظام الاسد “تحت الطاولة او فوقها” لانه لا يمكن القضاء على الدولة الاسلامية بدون هذا التعاون لان اي غارات على مواقع الاخيرة داخل الاراضي السورية لا يمكن ان تتم دون موافقة النظام، بينما قال السفير البريطاني السابق في واشنطن السير كريستوفر ماير “العودة الى الاسد يبرره تقدم الدولة الاسلامية السريع على الارض مما يهدد استقرار منطقة الشرق الاوسط برمتها”.

باختصار شديد نقول ان منظومة “اصدقاء سورية” ستتحول، ان لم تكن تحولت، من دعم المعارضة السورية وتسليحها الى دعم النظام السوري وتسليحه، ولا نستغرب وجود الامير سعود الفيصل، او الامير عبد العزيز بن عبد الله وزير الدولة للشؤون الخارجية نجل العاهل السعودي الذي يعتبر من اصدقاء الرئيس السوري، قريبا جدا في دمشق، سواء في زيارات سرية او علنية، ونحن هنا لا نتحدث عن وزير خارجية قطر السيد خالد العطية فالقنوات مفتوحة حاليا بين الدولتين.

هذا التحول السريع في موقف “اصدقاء سورية” العرب هل جاء وفق حسابات دقيقة، وخطة استراتيجية ام انه “مقامرة” متسرعة مثل سابقه؟ وهل يمكن ان يؤدي تحالف الاصدقاء القدامى الجدد الى هزيمة “الدولة الاسلامية”؟

نترحم على مئتي الف شهيد سوري سقطوا في السنوات الثلاث الماضية تحت غطاء الربيع العربي والديمقراطية وحقوق الانسان، مثلما نأسف بكل الالم عن تدمير نصف سورية ان لم يكن اكثر تحت الغطاء نفسه، وانفاق مليارات الدولارات في هذا الخصوص.

امريكا تستعد للتدخل عسكريا في سورية ولكن لضرب “الدولة الاسلامية”.. ودعوة وزير بريطاني للتحالف مع الاسد عنوان المرحلة المقبلة.. ولكن هل ستكون المهلة سهلة وكم ستستغرق من الوقت وما هي فرص النجاح؟

اذا كان الشيخ اسامة بن لادن نجح في جر الامريكان وحلفائهم الى مصيدتي افغانستان والعراق، فان “الخليفة” ابو بكر البغدادي القرشي زعيم

“الدولة الاسلامية” على وشك ان يعيدهم الى مصيدة اكبر وهي العراق وسورية، بالنظر الى حالة “السعار” التي تسود العواصم الغربية بعد ذبح الصحافي الامريكي ستيف فولي امام الكاميرات من قبل مواطن بريطاني ملثم يدعى “جون” ويتحدث بلكنة ابناء الحواري العمالية الفقيرة في شرق لندن، حسب فتاوى خبراء اللهجات.

تنظيم “الدولة الاسلامية” ذبح الآلاف من المسلمين، بما في ذلك عناصر في جبهة “النصرة” الاقرب اليه فكريا وسياسيا، وولدت من رحم “القاعدة” نفسه، مثلما ذبح الآلاف من جنود النظام السوري وغرز رؤوسهم على قضبان حديدية دون رحمة او شفقة، حتى ان أحد مقاتلية من حملة الجنسية الاسترالية اعطى طفله الذي اصطحبه

معه للقتال في سورية، احد الرؤوس المذبوحة لكي “يلعب” بعا ويتصور وهو حاملها بفخر واعتزاز، ولكن بمجرد ذبح الصحافي فولي، وهو بالمناسبة لم يذبح لانه صحافي، وانما لانه امريكي، بدأ الرئيس باراك اوباما يقرع طبول الحرب، ويصف هذه الدولة بأنها “السرطان” الذي يجب استئصاله، اما وزير خارجيته جون كيري، الذي لم نسمع منه منذ مدة، فطالب بسحقه وتدميره، اما الجنرال شاك هاغل وزير الدفاع فوصفه، اي “تنظيم الدولة”، بأنه “اخطر مجموعة ارهابية واجهتها الولايات المتحدة في السنوات الاخيرة”.

***

قياديو “الدولة الاسلامية” و”العقول الاستراتيجية” التي تنظر لفكرها واهدافها، سيشعرون بسعادة غامرة من حالة الذعر هذه السائدة في الغرب، لانها تؤكد نجاح مخططاتهم واهدافهم، فاظهارهم بمظهر المتوحشين سفاكي الدماء، وهم كذلك، يسعدهم ويشفي غليلهم، لانهم يريدون نشر هذه الصورة الدموية لارهاب اعدائهم، على طريقة المغول وجنكيز خان والعباس مؤسس الدولة العباسية وخليفته ابو جعفر المنصور.

عبارة “حتمية القضاء على هذا التنظيم الارهابي” تتردد على السنة جميع المسؤولين الغربيين هذه الايام، حتى ان مالكوم ريفكيند وزير الدفاع والخارجية البريطاني الاسبق ورئيس لجنة الامن المخابرات في البرلمان البريطاني، لم يتردد في الدعوة للتعاون والتنسيق مع النظام السوري الذي كان من اشد المطالبين بالتدخل العسكري لاسقاطه في البرلمان، حتى الى ما قبل عام فقط، متبعا “القاعدة الفقية” التي يرددها بعض وعاظ السلاطين عندنا، وتقول “احيانا يحتاج الامر الى التعاون مع اشرار للتخلص من هم اكثر منهم شرا”، مثلما قال في حديث لصحيفة “الفايننشال تايمز″.. نشرته في عددها الصادر الجمعة.

السؤال الذي يتردد بقوة هذه الايام على السنة الكثيرين من رجال الصحافة والخبراء الاستراتيجيين وهو: هل يمكن القضاء على تنظيم “الدولة الاسلامية” بتوجيه ضربات جوية الى قواعدها داخل الاراضي العراقية فقط، اما داخل الاراضي السورية ايضا حيث اقامت دولة في الرقة ودير الزور رفعت عليها اعلامها وفرضت ضرائبها وطبقت الشريعة الاسلامية، قبل ان تضم الموصل والانبار ومحافظة صلاد الدين اليها؟، وهل يمكن الاكتفاء بهذه الضربات دون قوات ارضية؟

المسؤولون الامريكيون مرتبكون، وينعكس هذا الارتباك في اجاباتهم الممغمغة، ولكن الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة اركان الجيوش الامريكية اعترف الخميس بأنه لا يمكن هزيمة هذا التنظيم بضرب تجمعاته في الجانب العراقي فقط في تلميح واضح الى احتمال توجيه الطائرات الامريكية لقصف الرقة ودير الزور ومناطق سيطر عليها في شمال سورية، ولم يستبعد التدخل الارضي ايضا.

نسأل مرة اخرى، واعذرونا عن كثرة الاسئلة، عما سيكون عليه رد النظامين في سورية وايران ازاء هذا التدخل العسكري الامريكي الذي ما زال يتخذ حتى الآن صورة الضربات الجوية، ونقول هل ما زال مرفوضا ومكروها؟ ثم الا تخشى الدولتان ان يتوجه هذا التدخل لضرب قواعد واهداف حيوية لهما، اي في دمشق وطهران مثلا بعد الانتهاء من تنظيم “الدولة الاسلامية”، اذا تم القضاء عليه فعلا؟

سؤالنا الاخير، وهو الاخير فعلا، لماذا توجد “الدولة الاسلامية” في سورية ومن هو المسؤول عن ذلك؟ ألم تذهب الى هناك في اطار مباركة امريكية سعودية قطرية فرنسية بريطانية وغربية من اجل التعجيل باطاحة النظام السوري بأسرع وقت ممكن؟ واذا انكر هؤلاء انهم ارسلوها، الم يهيئوا لها الظروف والبيئة الحاضنة، بصورة مباشرة او غير مباشرة، سواء بدعمهم لنظام طائفي اقصائي ديكتاتوري في بغداد، او بارسال مليارات الدولارات واطنان الاسلحة لدعم المعارضة المسلحة في سورية، تسرب الكثير منها الى هذا التنظيم الارهابي؟

ندرك جيدا ان طرح هذه الاسئلة وغيرها يزعج الكثيرين، خاصة في صفوف قادة ومسؤولين عرب، لا يريدوننا، وغيرنا، ان نسمي الاشياء باسمائها، ونعود الى الجذور دون ان نكتفي بالامور السطحية، ولكن لا بد من قول الحقيقة كاملة، فالدولة الاسلامية او “داعش” مثلما يطلق عليها كارهوها وهم الاغلبية، هي نتاج سياسات خاطئة متهورة وانتقامية ثأرية قصيرة النظر، ستدفع المنطقة وشعوبها ثمنها من دمائها ووحدتها الوطنية والترابية.

***

القضاء على هذا التنظيم الذي يملك استراتيجية وفكرا واضحا، اختلفنا معهما او اتفقنا، سيحتاج الى وقت طويل، ربما عقود، لانه مستقل تماما في تسليحه وتمويله، ويملك جيشا عقائديا مدربا تدريبا جيدا يفوق تعداده السبعين الف مقاتل، ويسيطر على نصف العراق، وثلث سورية، وتحت حكمه سبعة ملايين انسان، والرقم والمساحة في تزايد.

في غمرة تسونامي الهجوم على هذا التنظيم في معظم اجهزة الاعلام العربي والتواصل الاجتماعي، لا بد من القاء نظرة تقويمية علمية موضوعية عليه، ومعرفة نقاط قوته وضعفه اذا كانت هناك محاولة جدية للقضاء عليه، وهي محاولة لن تكون سهلة في نظرنا، لان هذا التنظيم موجود في العراق منذ 13 عاما، وقبلها في افغانستان قبل عشرة اعوام، الم يقم ابو مصعب الزرقاوي واضع البذرة الاولى له في بلاد الرافدين بذبح رهائن امريكيين وبريطانيين بالسواطير نفسها والبدلة البرتقالية نفسها؟

امريكا وحلفاؤها العرب والايرانيون والغربيون امام مأزق خطير جدا ومن صنع ايديهم، تتواضع امامه كل المآزق الاخرى، بما في ذلك اخطار تنظيم “القاعدة” الأم.

واذا كانت الدول الاقليمية مثل ايران والسعودية ستتدخل خوفا على انظمتها ووحدة اراضيها ومواطنيها من هذا التسونامي، فان امريكا تخشى على ست شركات نفطية امريكية، ومصالحها واكثر من خمسة آلاف من مواطنيها في سفاراتها في “اربيل” عاصمة الحليف الكردي. كثرة عدد الدول في التحالف الجديد ليس ضمانة للانتصار، وعلينا ان نتذكر ان تحالف غزو العراق واحتلاله، اس البلاء في المنطقة ضم 36 دولة.

المستقبل لا يبشر الا بالمزيد من سفك الدماء العربية والاسلامية على يد الدولة الاسلامية او من يريدون سحقها، نقولها وفي الحلق غصة.

حماس حركة “ولاّدة” للقادة الاشداء والعقول المبدعة.. وستعوض حتما شهداءها القياديين الثلاثة بمن لا يقلون بأسا وابداعا.. واليكم الادلة الدامغة التي تؤكد ما نقول

في عام 1995 وبعد ايام معدودة من استشهاد مهندس المقاومة يحيى عياش، كنت في زيارة الى العاصمة الاردنية عمان لالقاء محاضرة سياسية واللقاء مع الفعاليات الفكرية والسياسية على هامشها، في اليوم الاخير اتصل بي احد اعضاء المكتب السياسي لحركة المقاومة الاسلامية “حماس″ طالبا اللقاء لطرح وجهة نظر الحركة حول بعض القضايا الملحة في حينها.

الرجل جاء متخفيا، والتقينا في سيارته الحمراء القديمة المتهالكة من نوع “تويوتا” في شارع جانبي للفندق الذي اقيم فيه، على ما اذكر، فالحركة كانت محظورة من العمل في الاردن في حينها بعد تصاعد عملياتها الاستشهادية واتهام السلطات الاردنية بالتستر عليها، التفاصيل كثيرة، ولكن ما اريد ذكره منها، انني خطأته، والحركة، في الاعلان عن تنفيذ الحركة اربعة عمليات استشهادية ستهز كيان العدو ثأرا وانتقاما لاغتيال الشهيد المهندس عياش، فوجهة نظري تقول في حينها ان عدم ذكر عدد العمليات الانتقامية مسبقا افضل تحسبا لعدم القدرة، لامر ما، على تنفيذها جميعا، وهنا قال لي الرجل، وبكلمات حاسمة، ان الحركة ستنفذ ما تعهدت به باذن الله، وستلقن الاسرائيليين درسا لن ينسوه انتقاما لقائدها يحيى عياش والايام بيننا.

الحركة نفذت خمس عمليات استشهادية في فترة زمنية قصيرة اولها في بلدة الخضيرة وثم القدس المحتلة، وتل ابيب، على ما اذكر، وليس اربع عمليات مثلما وعدت وتعهدت، واوقعت خسائر بشرية ومادية ومعنوية هائلة في الجانب الاسرائيلي، ويمكن الرجوع الى تلك العمليات الموثقة على الشبكة العنكبوتية (الانترنت) للمزيد من التفاصيل لمن اراد.

***

تذكرت الواقعة امس عندما ارتكبت الطائرات الاسرائيلية مجزرة في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، راح ضحيتها ثلاثة من قادة الذراع العسكري لكتائب القسام هم الشهداء رائد العطار، محمد ابو شمالة، ومحمد برهوم الذين شكلوا الخلية القيادية الميدانية للمنطقة الجنوبية، وكانوا خلف التطور النوعي لهندسة الانفاق والصناعات العسكرية الصاروخية، وخطف الجندي الاسرائيلي غلعاد شاليط، واسر الضابط هدار غولدن في عملية انفاق مماثلة اثناء العدوان الحالي.

حركة “حماس″ توعدت بالانتقام لشهدائها هذه المرة مثلما تعهدت في المرات السابقة، وهي حتما ستنفذ هذه المرة مثلما نفذت في كل المرات السابقة، وستعوض هؤلاء الرجال حتما، فهي حركة “ولاّدة” للمقاتلين الاشداء مثل ابناء شعبها الفلسطيني، ثم ان هؤلاء الرجال الثلاثة الذين انضموا الى قافلة الشهداء الطويلة عددا ومقاما، كانوا يتطلعون الى الشهادة ويتمنونها بل يستعجلونها ونالوها عن جدارة، وهذا ما لم تفهمه اسرائيل وحلفاؤها العرب والغربيين معا.

ما لا تدركه القيادة الاسرائيلية بشقيها السياسي والعسكري، ان التجارب اثبتت ان البدائل للقادة الشهداء يأتون اكثر تشددا وتصميما على المضي في المقاومة وتطوير ادائها وادواتها، فالمجاهد محمد الضيف جاء عوضا للمهندس يحيى عياش وحمل الراية بعده وبعد استشهاد احمد الجعبري عام 2012 وكان خير خلف لخير سلف، مثلما تقول ادبيات جناح القسام، مقرونه بالحقائق العسكرية المتمثلة في القفزة الكبيرة في التسليح وحرب الانفاق وتطور ابعاد ومدى الصواريخ وفعاليتها، ويمكن القول نفسه على الفترة التي تولى فيها الشهيد احمد الجعبري قيادة كتائب القسام بعد استشهاد صلاح شحادة في غارة اسرائيلية عام 2002 نسفت منزله، وقتلت جميع افراد اسرته ودمرت ثلاث عمارات مجاورة ومن فيها، في واحدة من ابشع المجازر في حينها.

ما لا يدركه نتنياهو وجنرالاته، وادركه شارون ورابين من قبلهم، انهم لن يستطيعوا هزيمة قطاع غزة وشعبها، مهما امتلكوا من اسباب القوة، فهؤلاء يعيشون من اجل المقاومة والشهادة، ومن استمع لنساء القطاع العظيمات يؤكدن هذه الحقيقة، وهن يشيعن اطفالهن الشهداء وازواجهن، ويقدمن درسا في الوقت نفسه في الكرامة والشهامة والصمود والايمان لكل قادة الجيوش العربية وزعمائهم دون اي استثناء.

***

غزة ليست دولة عظمى حتى يهدد نتنياهو بأنه سيشن حرب استنزاف ضدها، وحماس لا تملك الجيش الذي يحتل الترتيب الرابع على قائمة اقوى الجيوش في العالم، كما انها تقاتل وحدها بلا عمق عربي، فقد تواطأت ويتواطأ العمق العربي مع العدو الاسرائيلي ضدها، ولكنها قادرة، ببأس رجالها وايمانهم، على الصمود والانتصار باذن الله، مثلما انتصرت على شارون الذي سحب جنوده ومستوطنيه هاربا في ليلة ظلماء، وقبله اسحق رابين الذي تمنى ان تغرق في البحر لاستعصائها عليه وجيشه واجهزته الامنية.

الانتصار امر نسبي، والصمود كذلك، واسرائيل وكل داعميها العرب تورطوا في هذا العنوان الابرز للمقاومة في القطاع لا تزيد مساحته عن 150 ميلا مربعا واسمه قطاع غزة، فالعبرة ليست بالمساحة الجغرافية صغرت او كبرت، وانما في عزائم الرجال الذين يحمونها ويدافعون عنها واراداتهم الحديدية، ولعمري انهم الرجال الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، واكرر في الختام مقولة عضو المكتب السياسي لحركة “حماس″ في سيارته الحمراء القديمة المتهالكة والعرق يتصبب من جسمه وجسمي من شدة الحر: والايام بيننا.