قراءة في “دبلوماسية اللحظة الاخيرة” السعودية لانقاذ مجلس التعاون الخليجي من الانقسام.. واسباب زيارة الوفد السعودي الثلاثي المفاجئة للدوحة وما سر تعدد الزيارات والمهل؟ ولماذا سيكون اجتماع جدة السبت حاسما في كل الاتجاهات؟

انتهت الحرب العسكرية الاسرائيلية على قطاع غزة ومن المتوقع ان يؤدي اتفاق وقف اطلاق النار الذي رعته السلطات المصرية الى التفرغ لحرب دبلوماسية اخرى، ربما لا تقل شراسة، بين المحور المصري السعودي الاماراتي البحريني، وبين المحور التركي القطري الذي وقف ويقف في الخندق الآخر المقابل.

بعد غد السبت يعقد وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي اجتماعا في مدينة جدة غرب المملكة العربية السعودية لبحث التقرير الذي وضعته لجنة متابعة تنفيذ “اتفاق الرياض” الخاص بأزمة سحب السفراء من الدوحة (بدأت في آذار مارس من هذا العام) بشكل خاص والخلافات الخليجية مع السلطات القطرية بشكل عام.

تقرير اللجنة اشار الى عدم قيام الى دولة قطر بالالتزام بتنفيذ بنود الاتفاق وابرزها وقف التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج الاخرى، من بينها تجنيس معارضين خليجيين وتوفير الملاذ الآمن لهم، وعدم اتخاذ سياسات خارجية تلحق الضرر بمجلس التعاون الخليجي ودوله، في اشارة الى حركة الاخوان المسلمين وتبني موقفها الرامي الى اطاحة النظام المصري الحالي والعودة الى السلطة التي سلبت منها واطلاق سراح قيادتها المعتقلة.

وزير الخارجية القطري السيد خالد العطية رفض توقيع تقرير اللجنة المذكورة اسوة بزملائه الخمسة الآخرين اثناء اجتماع عقد في هذا الخصوص في جدة قبل عشرة ايام وغادر الى الدوحة غاضبا، وهو موقف منطقي، فكيف يوقع على تقرير يدين دولته، ويمهد لفرض عقوبات عليها من قبل شقيقاتها في المجلس؟

***

العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز شكل وفدا من ثلاثة امراء كبار برئاسة وزير الخارجية سعود الفيصل، ووزير الداخلية محمد بن نايف، ورئيس المخابرات خالد بن بندر، والثلاثة من احفاد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، وطلب منه التوجه الى الدوحة ولقاء المسؤولين فيها، في زيارة وصفتها صحيفة “الشرق الاوسط” المقربة من النظام السعودي بأنها “دبلوماسية اللحظة الاخيرة” لتسوية ازمة العلاقات مع قطر التي القت بظلالها على مسيرة مجلس التعاون الخليجي وشلتها جزئيا، او كليا، طوال الاشهر الستة الماضية.

تشكيل الوفد من ثلاثة امراء، الاول من الصقور الذين لا يكنون الكثير من الود للنظام الحالي في قطر وسياساته، اي الامير سعود الفيصل، والثاني من “الحمائم” الذي يعرف بعلاقته الوثيقة مع هذا النظام وصداقته القوية بالامير القطري الشاب تميم بن حمد آل ثاني، ويتردد باستمرار على الدوحة في زيارات خاصة معلنة وغير معلنه، والثالث الامير خالد بن بندر رئيس جهاز الاستخبارات الذي يوصف بجديته وموضوعيته، علاوة على “وسطيته”، هذا التشكيل للوفد جاء مقصودا، اي للايحاء للسلطات القطرية بأنه لا يوجد صراع اجنحة في السعودية، او آراء متباينة بشأن الخلاف معها، وان الكل مجمع على ضرورة تنفيذها اتفاق الرياض وبنوده كافة، او تحمل نتائج عدم التنفيذ التي ربما تشمل اغلاق حدود برية وعقوبات اقتصادية وتجميد العضوية في مجلس التعاون.

الوفد الثلاتي قضى ساعة ونصف الساعة في الدوحة فقط، التقى خلالها الامير القطري، مما يوحي ان المسألة تنحصر في تسليم رسالة محددة او “انذار”، والاستماع الى الرد الفوري عليها، حيث لم يكن هناك اي مجال للمجاملات الخليجية التقليدية ومآدب الغداء او العشاء الرسمية المتبعة في هذا الصدد، فقد كانت زيارة “جافة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

الزيارة تمت وانتهت وسط تكتم شديد، ولم ترشح اي معلومات حول نتائجها او ما دار فيها، خاصة من الجانب القطري المضيف، ولكن الصحف السعودية او المحسوبة عليها في لندن، اكدت عدم نجاحها في اقناع الجانب القطري بالتجاوب مع ما هو مطلوب منه تنفيذه في اتفاق الرياض، بينما التزمت الصحف القطرية في الدوحة او تلك التي تصدر في الخارج الصمت المطبق، ولم تتناول زيارة الوفد السعودي للدوحة الا بشكل روتيني تقليدي على طريقة وكالات الانباء الرسمية.

مسؤول كويتي قامت دولته بجهود وساطة مكثفة لاحتواء هذه الازمة الخليجية بعد ان عجزت عن ايجاد حلول جذرية لها، قال ان ما هو مطلوب من قطر، وبكل بساطة، اصدار تعليمات فورية لقناة “الجزيرة” بتغيير خطابها الاعلامي، فيما يتعلق بالاوضاع في مصر وتطوراتها، اي التوقف عن دعم الاخوان المسلمين وتوجيه اي انتقاد لحكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، ووضع آلية واضحة لوقف التجنيس للمعارضين الخليجيين، ومن البحرين والامارات خصوصا، في اطار سقف زمني محدد.

لا نعتقد ان السلطات القطرية ستلبي اي من الطلبين في غضون اليومين القادمين السابقين لاجتماع وزراء الخارجية في مدينة جدة، ولو كانت مستعدة لذلك لفعلتها قبل اشهر، لان تحالفها مع حركة الاخوان المسلمين استراتيجي وفي اطار تحالف اكبر مع قوى اقليمية مثل تركيا، واي تغيير لخط “الجزيرة” السياسي، اي التوقف عن دعم الاخوان ومصالحة الرئيس السيسي بالتالي يعني بدء العد التنازلي لاضمحلال هذه المحطة، وفقدانها لما تبقى لها من مصداقية ونفوذ وتأثير، بالتالي تراجع اهمية الدولة القطرية التي تعتمد عليها كورقة اساسية في يدها لدعم سياساتها الخارجية المتشعبة.

الخلاف بين قطر وشقيقاتها لا يعود، في اعتقادنا، بالدرجة الاولى الى مسائل داخلية مثل قضية التجنيس واحتضان المعارضين، وانما الى قناة “الجزيرة” ودورها وحملاتها ضد نظام السيسي، واحتضانها لحركة الاخوان المسلمين والانتصار لها وفكرها واهدافها، وهي ستستمر في هذه السياسة مهما تعاظمت الضغوط الخليجية عليها فيما يبدو، بدليل تعيينها الزميل ياسر ابو هلالة المعروف بميوله الاسلامية مديرا عاما لقناة “الجزيرة” في تحد يحمل في طياته استفزازا لمن يريدون تغيير خط المحطة.

***

السعودية تقف اليوم امام تحديات خطيرة جدا، ابرزها خطر القوة المتنامية لـ”الدولة الاسلامية” بقيادة ابو بكر البغدادي الحسيني “القرشي” التي تحاكي، بصورة او بأخرى، الحركة الوهابية في صيغتها البكر الاولى، وتهدد باجتياح المملكة فكريا وعقائديا وعسكريا في الوقت نفسه، مثلما تواجه ايضا، اي السعودية، انقلابا في اولويات الولايات المتحدة ودول اوروبا في تحشيد القوى لمواجهة هذا الخطر “الاسلامي السني المتشدد”، وليس اسقاط النظام السوري، ولو مرحليا على الاقل.

ما يقلق القيادة السعودية هو انجذاب نسبة كبيرة من الشباب السعودي الى هذا الفكر المتشدد للدولة الاسلامية، واعجابهم بـ “انتصاراتها” على الارض في العراق وسورية وتساقط المدن والقواعد العسكرية مثل الذباب امام زحفها، حيث قدر استطلاع غير رسمي اجري على وسائل التواصل الاجتماعي تأييد 92 بالمئة من الشباب السعودي لـ”الدولة الاسلامية”، ومهما كانت نسبة الخطأ في هذا الاستطلاع فانه يظل مرعبا للسلطات السعودية، وهذا ما يفسر هبة العلماء الرسميين والائمة وتجنيدهم لتجريم هذه “الدولة” وفكرها، وتحذير الشباب السعودي من الانضمام اليها، وكان لافتا في المقابل، وهذا خطر اشد ايضا، التزام “علماء الصحوة” الاسلاميين السعوديين الصمت تجاه هذه الظاهرة وعدم ادانتها ومحاربتها مثلما طلب منهم العاهل السعودي، في وسائل الاعلام الرسمية، او على مواقعهم في وسائل التواصل الاجتماعي حيث يحظون بملايين المتابعين في السعودية وحدها.

في ظل هذا التحدي تريد القيادة السعودية حشد مجلس التعاون الخليجي وتوحيد صفوفه لتحصين بيتها الداخلي، وتشكيل تحالف مصري خليجي اردني في مواجهته وهذا الطموح لا يتأتى، او يصبح اكثر صعوبة في التحقيق، جزئيا، او كليا، في ظل حالة الشلل الراهنة التي يعيش في ظلها المجلس بسبب تغريد قطر في سرب آخر وتوظيف دخل سنوي يصل الى 200 مليار دولار في دعم سياسات ومواقف وجماعات ترى السعودية انها خطر عليها، وهذا ما يمكن ان يفسر المهل العديدة التي اعطتها لدولة قطر، والوفود العديدة من الامراء التي بعثتها الى الدوحة لاقناعها في التجاوب مع طلباتها لانها لا تريد التصعيد وتدرك مخاطره في الوقت نفسه، ولكن الخيارات بدأت تضيق امامها بعد ان طفح كيلها مثلما يبدو لاي متابع لتحركاتها.

يمكن القول ان اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في جدة يوم السبت، ربما يكون مختلفا عن كل الاجتماعات السابقة بالنظر الى المعطيات والقضايا المتفجرة التي سببت فيها فاما ان تذعن السعودية وحلفاؤها لهذا “الجنوح” القطري وتقرر التعايش معه، او تلجأ لمواجهته، وليس هناك اي مؤشرات حتى كتابة هذه السطور تفيد بامكانية التوصل الى اتفاق يحول دون تطور الخلافات الى عقوبات او قطيعة الا اذا حدثت معجزة، ولكننا لسنا في زمن المعجزات، والخليجية منها بالذات، والايام المقبلة حافلة وحاسمة على اكثر من صعيد، وفي اكثر من اتجاه، وليس امامنا اي خيار آخر غير انتظار المفاجآت، ويبدو انها ستكون كبيرة ومن الوزن الثقيل والله اعلم!

نتنياهو يكذب.. ويدعي تحقيق انجازات وهمية.. ويحاول التملص من اتفاق الهدنة.. هذه اهانة لمصر وننتظر ردا قويا منها على هذا “الهذيان” الناجم عن ضخامة الهزيمة

عبد الباري عطوان

عندما يقول بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل في مؤتمر صحافي “ان حماس لم تحقق اي من مطالبها” وبعد اقل من 24 ساعة من بدء تطبيق اتفاق وقف اطلاق النار، فاما انه يكذب على نفسه ومستوطنيه، ويحاول امتصاص حالة الغضب التي يواجهها عن طريق اساليب الخداع والتضليل التي ظل يمارسها طوال السنوات العشرين الماضية وفقدت مفعولها وتحطمت على صخرة الصمود في قطاع غزة، او انه لا يريد تطبيق بنود الاتفاق، وهذا غير مستبعد، وهنا تكون مشكلته مع مصر راعية هذا الاتفاق والضامن الاساس له.

دعونا نفترض جدلا ان “حماس″ وباقي فصائل المقاومة الاخرى لم تحقق اي من مطالبها، ونسأل نتنياهو في المقابل عما اذا كان حقق مطالبه التي اراد تحقيقها من شنه هذا العدوان الدموي على قطاع غزة؟ بمعنى آخر هل قضى على صواريخ المقاومة ومنصاتها، هل دمر الانفاق فعلا، وكيف، وهو الذي لم تتقدم دباباته الا بضعة امتار داخل حدود قطاع غزة، والاهم من كل هذا هل نجح في نزع سلاح فصائل المقاومة مثلما اصر طوال ايام المفاوضات العشرين؟

***

الصواريخ موجودة ولم تتوقف عن التناسل في مرابضها تحت الارض، والانفاق ما زالت على حالها، وما جرى تدميره سيعاد بناؤه او بديله، في ايام او اسابيع، وشاهدنا السيد محمود الزهار وقادة المقاومة الآخرين يتجولون في الشوارع ويحتفلون مع المحتفلين بالنصر دون اي حراسة او اجراءات امنية مشددة.

لنذهب الى ما هو ابعد من ذلك، ونسأل نتنياهو مرة اخرى، لماذا يحتفل اهل القطاع حتى الصباح بالانتصار ويرقصون طربا لهزيمته بالشوارع، بينما لم نر اي احتفال في تل ابيب المحتلة او اي مدينة اخرى، بل نرى الوجوه الاسرائيلية العابسة المكفهرة، وغالبية ساحقة من مقالات ومقابلات في الصحف ومحطات التلفزة الاسرائيلية لجنرالات ورؤساء اركان حرب اسرائيليين تتحدث بصوت عال عن هزيمة اسرائيل وانتصار المقاومة؟

نتنياهو “يهذي” من شدة الضربة التي وجهتها اليه فصائل المقاومة عندما هزمت جيشه، وهجّرت مستوطنيه، واثارت الرعب في تل ابيب وحيفا وعكا واسدود والقدس المحتلة، وبثت الرعب في نفوس اكثر من ستة ملايين مستوطن قضوا الخمسين يوما الماضية من عمر العدوان في الملاجيء.

موشيه يعلون وزير الدفاع الاسرائيلي يهدد بقوله “سنضرب حماس بطريقة اقوى اذا هاجمتنا”، وهذا تهديد اجوف، فماذا يستطيع ان يفعل اكثر مما فعل في الحرب الاخيرة، هل سيقتل اطفالا اكثر؟ هل سيدمر ابراجا اعلى؟ وهل سيقصف ما تبقى من المدارس في القطاع؟

***

المقاومة خرجت من هذه الحرب منتصرة وموحدة، بينما خرجت منها اسرائيل مهزومة ومنقسمة ومنهارة نفسيا ومعنويا وهذا هو الفارق الكبير الذي يريد نتنياهو ويعلون تجنب الحديث عنه في مؤتمراتهم الصحافية التضليلة والتبريرية.

سنترك نتنياهو يكذب ويبرر ويضلل مثلما شاء وكيفما شاء، فأكاذيبه لن تنطلي على احد، فالحقائق ساطعة على الارض، والعالم كله شاهدها ووثقها، وباذن الله سنراه في الاشهر القادمة مطاردا هو وكل جنرالاته، ووزير دفاعه، من قبل محكمة الجنايات الدولية والبوليس الدولي كمجرمي حرب للمثول امام العدالة.

ننتظر الرد المصري على اقوال نتنياهو هذه، لانها تشكل اهانة لهم، وتشكك في مصداقيتهم، وتضعهم في خانة التواطؤ، ونأمل ان لا يطول انتظارنا طويلا.

غزة انتصرت ومن حقها ان تحتفل وان نحتفل معها.. واسرائيل هزمت ومعها كل المتواطئين العرب.. وثقافة المقاومة والصمود هي عنوان التغيير في المرحلة المقبلة

من حق غزة ان تحتفل.. من حق الشعب الفلسطيني وكل الشعوب العربية والاسلامية ان تحتفل ايضا، ليس بوقف العدوان، وانما بالانتصار عليه، وهزيمته وكل الذين يقفون خلفه او تواطأوا معه، والعرب منهم على وجه الخصوص، سواء بصمتهم المريب، او بانتظارهم المتلهف لسحق طائرات نتنياهو ودباباته للظاهرة الاشرف في هذه الامة، ظاهرة المقاومة والصمود.
المقاومة بفصائلها كافة انتصرت لانها بثت الرعب وعلى مدى 51 يوما في نفوس ستة ملايين اسرائيلي، قضوا معظم وقتهم في الملاجيء خوفا من الصواريخ التي هطلت عليهم كالمطر، وهي ما لم يفعله اي نظام عربي آخر.
المقاومة انتصرت لانها حققت توازن الردع، واظهرت قدرة على ادارة المعركة بكفاءة عالية وغير مسبوقة، فاجأت الاسرائيليين مثلما فاجأت اصدقاءهم العرب.
اسرائيل تعودت احد أمرين في معظم حروبها السابقة، الاول ان يرفع العرب الرايات البيضاء ويولون الادبار مع اول غارة اسرائيلية تستهدفهم، والثانية ان ينزح المواطنون العرب في هجرات جماعية الى اقرب مناطق آمنة.

***
ما حدث في هذه الحرب وكل الحروب الاسرائيلية السابقة هو العكس تماما، وهنا يكمن الاعجاز، فالمقاومة لم ترفع الرايات البيضاء مطلقا، ولم ترهبها طائرات (اف 16) الامريكية الصنع والاحدث في ترسانة الدمار الاسرائيلية، والشعب الفلسطيني في قطاع غزة لم يترك ارضه، ولن يتركها حتى لو فتحوا له كل معابر الارض ومنافذها، ولم يحاول مطلقا كسر الطوق المفروض عليه من الجانب المصري لانه قرر الشهادة واقفا فوق انقاض منازله.
المستوطنون الاسرائيليون في مستوطنات شمال غزة هم الذين هربوا وهجروا منازلهم خوفا ورعبا بعد عملية نحال عوز التي هزت كل النظريات الدفاعية العسكرية الاسرائيلية، عندما خرج لهم المقاومون من تحت الارض عبر النفق، وقتلوا كل الجنود الاسرائيليين، وصوروا عمليتهم البطولية هذه بأعصاب باردة وكأنهم في نزهة.
هذا الانتصار تحقق ايضا ليس بصمود الشعب الفلسطيني ومقاومته فقط، وانما المفاوضون ايضا الذين قاوموا كل الضغوط بشجاعة ورجولة، وتمسكوا بكل مطالبهم المشروعة في رفع الحصار وفتح المعابر والغاء المنطقة الحدودية الآمنة المحظور الزراعة فيها، ومد عمق منطقة الصيد البحري الى حوالي 12 ميلا، وتأجيل الميناء البحري وفتح المطار الى جولات لاحقة.
نتنياهو سقط، ومستقبله السياسي انتهى مكللا بالعار، فهذه غزة التي هزمت الاسكندر المقدوني، مثلما هزمت سلفه اولمرت تلحق به والدولة التي يرأس مجلس وزرائها هزيمة مهينة ومذلة.
فماذا سيقول نتنياهو للاسرائيليين المستوطنين الذين وعدهم بوقف صواريخ المقاومة التي تستهدفهم وتقض مضاجعهم الى الابد، وظلت تدك معاقلهم حتى الدقائق الاخيرة من وقف اطلاق النار، وكيف سيبرر لهم فشله في تدمير الانفاق ونزع سلاح المقاومة والقضاء عليها قضاء كاملا؟
ليس غريبا ان ينقسم المجلس الوزاري المصغر، مجلس الحرب، على نفسه تجاه القبول بوقف اطلاق النار فهؤلاء يدركون انهم خرجوا مهزومين وان ناخبيهم سيضربونهم بالاحذية، لان هذا العدوان لم يحقق ايا من اهدافه، بل خرجوا منه كمجرمي حرب سيطاردون قريبا من قبل البوليس الدولي من اجل تقديمهم امام محكمة الجنايات الدولية.
اسرائيل خسرت الرأي العام العالمي، او معظمه، ولن تستطيع مطلقا تضليله في المستقبل مثلما فعلت دائما، فالعالم كله شاهد بالصوت والصورة اشلاء الاطفال التي قصفت منازلهم، والعجزة الذين دمرت ملاجئهم، والمستشفيات التي دمرتها فوق رؤوس جرحاها، فالصورة لا تكذب.
ابطال غزة الذين طوروا هذه الصواريخ وهندسوا الانفاق وتحلوا بأعصاب فولاذية طوال الخمسين يوما من عمر العدوان، وكانوا شرفاء يتحلون بأعلى اخلاق الحرب عندما لم يقتلوا طفلا اسرائيليا واحدا، وظلوا يحصرون قتلاهم في الجنود فقط، على عكس الجنود المتحضرين الذين لم يستأسدوا الا على الاطفال.
قادة المقاومة ورجالها في غزة انتصروا لانهم اكتسبوا مهاراتهم العسكرية من اكاديميات الكرامة وعزت النفس والصمود، وليس من كليات التخاذل والجبن والخوف من العدو، التي تخرج منها القادة العرب وابناؤهم، وقادة جيوشهم حملة النياشين المزورة.
شكرا لاهل غزة، وشكرا لشهدائها وجرحاها لقد علمونا معنى التضحية من اجل الاوطان، مثلما علمونا معنى الاعتماد على النفس والترفع عن الاستعانة بزعماء عرب وجيوشهم كانوا يعتقدون ان هناك بقايا نخوة وكرامة لديهم.

***
شكرا لتلك المرأة الغزاوية التي تمثل كل امهات واخوات وجدات الشهداء، التي قالت انها من حي الشجاعية البطل الذي دمرته الطائرات الاسرائيلية وخسرت بيتها مثلما فقدت احباءها من ابنائها وجيرانها واقاربها شهداء، ومع ذلك جاءت لكي تحتفل وتحيي المقاومة ورجالها بهذا الانتصار الذي صنعوه بأرواحهم ودمائهم وشدة بأسهم.
هنيئا لها بهذا الانتصار الذي سيكون مقدمة لانتصار اكبر، فالصواريخ موجودة، والعقول التي طورتها وهندسة الانفاق وخططت وقادت المعارك، موجودة ايضا، وستفاجيء اسرائيل بمعجزات جديدة اكثر خطورة مثلما فاجأتهم في العدوان الاخير.
ثقافة المقاومة عادت بقوة، وجيل جديد من القادة المقاومين اطل برأسه بقوة من وسط الركام وهو قطعا سيجب كل ما قبله، ويزيح كل “الديناصورات” من طريقه ويقود هذا الشعب لنيل كل حقوقه المشروعة من النهر الى البحر، وقيام دولة التسامح الواحدة التي يتعايش على ارضها الجميع، في اطار العدالة والمساواة.
غزة انتصرت لانها تستحق هذا الانتصار في زمن تكاثرت فيه الهزائم، وتعاظمت فيه المؤامرات على هذه الامة وعقيدتها، فشكرا مرة اخرى لها ولاهلها ولشهدائها، وكل حبه رمل على شاطيء بحرها الذي يشهد بهديره على كل هزائم الغزاة على مر عصور التاريخ.

“اصدقاء سورية” العرب ينقلون البندقية من كتف المعارضة الى كتف النظام.. والسعودية وقطر تستعدان للعودة الى “عرين الاسد” والفضل يعود للبغدادي ودولته ولكن…

 

 

اجتماع جدة الذي انعقد الاحد برئاسة الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي بحضور نظرائه في مصر والامارات وقطر وممثل عن الاردن تحت عنوان (اصدقاء سورية العرب) هو المؤشر الاقوى على تغيير اولويات حكومات هذه المجموعة وقلقها، او بالاحرى رعبها، من النجاحات الكبرى التي حققتها قوات “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية، ووصولها الى عمقها وهو امر غير مستبعد.

وربما لم يكن من قبيل الصدفة ان يتزامن هذا الاجتماع المفاجيء، والاول من نوعه، مع سقوط آخر معاقل النظام السوري في الرقة، اي مدينة الطبقة ومطارها العسكري في ايدي مقاتلي “الدولة الاسلامية”، مما يعني فتح الطريق الى مدينة حماة رابع اكبر المدن السورية، وحدوث انقلاب في الموقف الامريكي واولوياته في سورية وجوارها العراقي.

قلق هذه الدول، مجتمعة او منفردة، مبرر لان قوات الدولة الاسلامية باتت ترابط على حدود دولتين منها، المملكة العربية السعودية اولا، التي حشدت ثلاثين الف جندي على حدودها مع العراق في منطقتي عرعر ورفحة، وهي حدود تمتد لما يقرب 814 كليومترا، بعد قرار الحكومة العراقية سحب قواتها على الجانب الآخر منها لتعزيز صمود بغداد والتصدي لاي هجوم كاسح للدولة ووجود خمسة آلاف شاب سعودي يقاتلون في صفوف “الدولة”، اما بالنسبة الى مصر فان الفرع المغاربي لتنظيم “الدولة الاسلامية” الذي يتضخم بسرعة والمتمثل جزئيا في حركة “انصار الشريعة” فترابط قرب الحدود المصرية الغربية مع ليبيا، وهناك مؤشرات عن وجود خلايا للتنظيم في الصحراء الغربية المصرية نفذت احداها مجزرة في واحة “الفرارة” راح ضحيتها 23 جنديا في شهر رمضان المبارك.

***

كان لافتا ان تركيا احد ابرز اللاعبين الاساسيين في منظومة “اصدقاء سورية” استثنيت من هذا الاجتماع بسبب توتر علاقاتها مع السعودية والامارات نظرا لاتهامها بدعمها حركة الاخوان المسلمين في مصر وحركة “حماس″ في قطاع غزة، كما ان وزير خارجية الاردن السيد ناصر جودة تغيب “فجأة” عن الاجتماع وارسل مستشاره (غير المعروف) نواف التل، وهو عادة لا يقاطع اي اجتماعات لوزراء خارجية هذه المنظومة، موسعة كانت او ضيقة، وربما يعود هذا الغياب الى رغبة السلطات الاردنية في تجنب الالتزام بالاجندة الموضوعة، والقرارات التي يمكن ان تصدر عن الاجتماع، وهي ذات طابع امني وعسكري حتما، وتجنبا لانتقام الدولة التي اقامت امتدادات وربما خلايا في الاردن، واحتلت معبر طريبيل الحدودي مع العراق لفترة طويلة.

وزير الخارجية السعودي الذي خرج غاضبا من اول اجتماع لهذه المجموعة انعقد في تونس في شباط (فبراير) عام 2014 بحضور وزراء خارجية 114 دولة، باقتراح، او بالاحرى، ضغط من السيد احمد داوود اوغلو وزير خارجية تركيا في حينها، لانه لم يتبن قرارا صريحا بتسليح المعارضة السورية، التزم الصمت، ولم يدل بأي تصريحات حول طبيعة هذا الاجتماع واهدافه باستثناء القول، وباقتضاب شديد، وعبر وكالة الانباء السعودية الرسمية “انه جاء لبحث تطورات الاوضاع في سورية”، دون ان يحدد طبيعة هذه التطورات.

بحث تطورات الاوضاع في سورية، وفي مثل هذا التوقيت الذي غيرت فيه الولايات المتحدة ودول اوروبية اخرى اولوياتها من اسقاط النظام الى اسقاط “الدولة الاسلامية” يمكن فهمه على انه الاستعداد لفتح قنوات اتصال وتنسيق وتعاون امني وعسكري مع النظام السوري في الايام وربما في الاسابيع المقبلة.

تغيير الاولوية الامريكية في سورية يحتم تغيير اولويات “الشق العربي” من منظومة “اصدقاء سورية” التي اجتمعت في جدة، واعادة سورية النظام الى مقعدها في الجامعة العربية، والتخلي، ولو مؤقتا، عن المعارضة السورية والائتلاف الوطني الذي يمثلها، وهو الائتلاف الذي لم نقرأ تصريحا واحدا لرئيسه الجديد منذ شهرين، بل نراهن ان وزراء خارجية عرب كثر لا يعرفون اسمه وشكله.

خطر “الدولة الاسلامية” على دولة مثل المملكة العربية السعودية اكبر بكثير من خطر النظام السوري، وهو خطر لم يكن موجودا اساسا، ضعيفا كان او قويا، والانظمة تهتم باستقرار حكمها واستمراريته، اكثر من نشر قيم العدالة والديمقراطية والاصلاحات، ويكفي التذكير بأن الغالبية الساحقة من الشباب السعودي يميل الى فكر هذه الدولة، ويزداد اعجابه بها مع تزايد انجازاتها واتساع حدود دولتها ويتدفق للانضمام الى صفوفها، فهذه الدولة هي الاقرب للفكر الوهابي الذي تعلمه طوال القرون الماضية، وتطبق حرفيا ادبيات الحركة الوهابية والدولة السعودية الاولى التي تبنتها في ونشرتها بحد السيف وكفرت من يخالفها.

وزراء خارجية الدول الاربع الذين شاركوا في اجتماع جدة، وكانوا خلف “طرد” النظام السوري من الجامعة العربية، واعطاء مقعده للائتلاف الوطني المعارض في قمة الدوحة العربية عام 2013 وباصرار من امير قطر السابق، سيجدون انفسهم في الايام المقبلة يقفون في خندق واحد مع النظام وامريكا وايران وبريطانيا وفرنسا في مواجهة الخندق الذي تقف فيه “الدولة الاسلامية”، واستثناء الائتلاف السوري المعارض من الدعوة لهذا الاجتماع الرباعي هو مؤشر مهم يعكس هذا التحول.

الحرب الامريكية على الدولة الاسلامية وقواتها بدأت جويا بشن غارات بطائرات بطيار او بدونه على مواقعها في سد الموصل و”بيجي” وسنجار، ومنعت تقدمها نحو “اربيل”، وبدأت التعاون استخباريا مع نظام الرئيس الاسد لتبادل المعلومات عن مواقع الدولة وتجمعاتها، اثمرت عن تحسين دقة هجمات الطيران السوري على هذه المواقع في الفترة الاخيرة، في الرقة، ولكن هذه الدقة لم تمنع من سقوط مدينة الطبقة وتقدمها نحو اعزاز قرب حلب.

الجنرال مارتن ديمبسي قائد اركان الجيوش الامريكية يتبنى نظرية ضرورة هذا التعاون، ونقل الحرب الجوية الامريكية على “الدولة الاسلامية” الى الرقة ودير الزور ايضا، ففي المؤتمر الصحافي الذي عقده قبل ثلاثة ايام مع تشاك هاغل وزير الدفاع سأل نفسه سؤالا واجاب عليه، عندما قال “هل يمكن هزيمة “الدولة الاسلامية” بدون الهجوم على مواقعها في الجزء السوري من المناطق التي تسيطر عليها؟ الاجابة “لا”.

امريكا تصالحت مع ايران، ورفعت الحصار جزئيا عنها، وهي التي اعتبرتها العدو الاخطر الذي يهدد مصالحها في المنطقة، فما الذي يمنع مصالحتها مع نظام الرئيس الاسد الذي تفاخر يوما بأنه حمى ارواح المئات وربما الآلاف من الامريكيين بمشاركته الفاعلة في “الحرب على الارهاب” وتقديمه 26 الف وثيقة حول التنظيمات الارهابية لمساعدة امريكا في هذه الحرب التي ما زالت مستمرة حسب الادبيات والتصريحات الامريكية.

***

امريكا بدأت المصالحة مع نظام الرئيس الاسد، وبريطانيا تمهد للسير على الطريق نفسه، فمالكوم ريفكند وزير دفاعها وخارجيتها الاسبق ورئيس لجنة المخابرات في البرلمان شبه خطر “الخليفة” ابو بكر البغدادي ودولته بهتلر ودولته النازية، وقال تحالفنا مع جوزيف ستالين ضد هتلر فلماذا لا نتحالف مع الاسد في مواجهة البغدادي؟ اما لورد دانانت قائد الجيش البريطاني الاسبق، فقال في مقابلة مع الـ”بي بي سي” يوم السبت يجب التعامل مع نظام الاسد “تحت الطاولة او فوقها” لانه لا يمكن القضاء على الدولة الاسلامية بدون هذا التعاون لان اي غارات على مواقع الاخيرة داخل الاراضي السورية لا يمكن ان تتم دون موافقة النظام، بينما قال السفير البريطاني السابق في واشنطن السير كريستوفر ماير “العودة الى الاسد يبرره تقدم الدولة الاسلامية السريع على الارض مما يهدد استقرار منطقة الشرق الاوسط برمتها”.

باختصار شديد نقول ان منظومة “اصدقاء سورية” ستتحول، ان لم تكن تحولت، من دعم المعارضة السورية وتسليحها الى دعم النظام السوري وتسليحه، ولا نستغرب وجود الامير سعود الفيصل، او الامير عبد العزيز بن عبد الله وزير الدولة للشؤون الخارجية نجل العاهل السعودي الذي يعتبر من اصدقاء الرئيس السوري، قريبا جدا في دمشق، سواء في زيارات سرية او علنية، ونحن هنا لا نتحدث عن وزير خارجية قطر السيد خالد العطية فالقنوات مفتوحة حاليا بين الدولتين.

هذا التحول السريع في موقف “اصدقاء سورية” العرب هل جاء وفق حسابات دقيقة، وخطة استراتيجية ام انه “مقامرة” متسرعة مثل سابقه؟ وهل يمكن ان يؤدي تحالف الاصدقاء القدامى الجدد الى هزيمة “الدولة الاسلامية”؟

نترحم على مئتي الف شهيد سوري سقطوا في السنوات الثلاث الماضية تحت غطاء الربيع العربي والديمقراطية وحقوق الانسان، مثلما نأسف بكل الالم عن تدمير نصف سورية ان لم يكن اكثر تحت الغطاء نفسه، وانفاق مليارات الدولارات في هذا الخصوص.

امريكا تستعد للتدخل عسكريا في سورية ولكن لضرب “الدولة الاسلامية”.. ودعوة وزير بريطاني للتحالف مع الاسد عنوان المرحلة المقبلة.. ولكن هل ستكون المهلة سهلة وكم ستستغرق من الوقت وما هي فرص النجاح؟

اذا كان الشيخ اسامة بن لادن نجح في جر الامريكان وحلفائهم الى مصيدتي افغانستان والعراق، فان “الخليفة” ابو بكر البغدادي القرشي زعيم

“الدولة الاسلامية” على وشك ان يعيدهم الى مصيدة اكبر وهي العراق وسورية، بالنظر الى حالة “السعار” التي تسود العواصم الغربية بعد ذبح الصحافي الامريكي ستيف فولي امام الكاميرات من قبل مواطن بريطاني ملثم يدعى “جون” ويتحدث بلكنة ابناء الحواري العمالية الفقيرة في شرق لندن، حسب فتاوى خبراء اللهجات.

تنظيم “الدولة الاسلامية” ذبح الآلاف من المسلمين، بما في ذلك عناصر في جبهة “النصرة” الاقرب اليه فكريا وسياسيا، وولدت من رحم “القاعدة” نفسه، مثلما ذبح الآلاف من جنود النظام السوري وغرز رؤوسهم على قضبان حديدية دون رحمة او شفقة، حتى ان أحد مقاتلية من حملة الجنسية الاسترالية اعطى طفله الذي اصطحبه

معه للقتال في سورية، احد الرؤوس المذبوحة لكي “يلعب” بعا ويتصور وهو حاملها بفخر واعتزاز، ولكن بمجرد ذبح الصحافي فولي، وهو بالمناسبة لم يذبح لانه صحافي، وانما لانه امريكي، بدأ الرئيس باراك اوباما يقرع طبول الحرب، ويصف هذه الدولة بأنها “السرطان” الذي يجب استئصاله، اما وزير خارجيته جون كيري، الذي لم نسمع منه منذ مدة، فطالب بسحقه وتدميره، اما الجنرال شاك هاغل وزير الدفاع فوصفه، اي “تنظيم الدولة”، بأنه “اخطر مجموعة ارهابية واجهتها الولايات المتحدة في السنوات الاخيرة”.

***

قياديو “الدولة الاسلامية” و”العقول الاستراتيجية” التي تنظر لفكرها واهدافها، سيشعرون بسعادة غامرة من حالة الذعر هذه السائدة في الغرب، لانها تؤكد نجاح مخططاتهم واهدافهم، فاظهارهم بمظهر المتوحشين سفاكي الدماء، وهم كذلك، يسعدهم ويشفي غليلهم، لانهم يريدون نشر هذه الصورة الدموية لارهاب اعدائهم، على طريقة المغول وجنكيز خان والعباس مؤسس الدولة العباسية وخليفته ابو جعفر المنصور.

عبارة “حتمية القضاء على هذا التنظيم الارهابي” تتردد على السنة جميع المسؤولين الغربيين هذه الايام، حتى ان مالكوم ريفكيند وزير الدفاع والخارجية البريطاني الاسبق ورئيس لجنة الامن المخابرات في البرلمان البريطاني، لم يتردد في الدعوة للتعاون والتنسيق مع النظام السوري الذي كان من اشد المطالبين بالتدخل العسكري لاسقاطه في البرلمان، حتى الى ما قبل عام فقط، متبعا “القاعدة الفقية” التي يرددها بعض وعاظ السلاطين عندنا، وتقول “احيانا يحتاج الامر الى التعاون مع اشرار للتخلص من هم اكثر منهم شرا”، مثلما قال في حديث لصحيفة “الفايننشال تايمز″.. نشرته في عددها الصادر الجمعة.

السؤال الذي يتردد بقوة هذه الايام على السنة الكثيرين من رجال الصحافة والخبراء الاستراتيجيين وهو: هل يمكن القضاء على تنظيم “الدولة الاسلامية” بتوجيه ضربات جوية الى قواعدها داخل الاراضي العراقية فقط، اما داخل الاراضي السورية ايضا حيث اقامت دولة في الرقة ودير الزور رفعت عليها اعلامها وفرضت ضرائبها وطبقت الشريعة الاسلامية، قبل ان تضم الموصل والانبار ومحافظة صلاد الدين اليها؟، وهل يمكن الاكتفاء بهذه الضربات دون قوات ارضية؟

المسؤولون الامريكيون مرتبكون، وينعكس هذا الارتباك في اجاباتهم الممغمغة، ولكن الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة اركان الجيوش الامريكية اعترف الخميس بأنه لا يمكن هزيمة هذا التنظيم بضرب تجمعاته في الجانب العراقي فقط في تلميح واضح الى احتمال توجيه الطائرات الامريكية لقصف الرقة ودير الزور ومناطق سيطر عليها في شمال سورية، ولم يستبعد التدخل الارضي ايضا.

نسأل مرة اخرى، واعذرونا عن كثرة الاسئلة، عما سيكون عليه رد النظامين في سورية وايران ازاء هذا التدخل العسكري الامريكي الذي ما زال يتخذ حتى الآن صورة الضربات الجوية، ونقول هل ما زال مرفوضا ومكروها؟ ثم الا تخشى الدولتان ان يتوجه هذا التدخل لضرب قواعد واهداف حيوية لهما، اي في دمشق وطهران مثلا بعد الانتهاء من تنظيم “الدولة الاسلامية”، اذا تم القضاء عليه فعلا؟

سؤالنا الاخير، وهو الاخير فعلا، لماذا توجد “الدولة الاسلامية” في سورية ومن هو المسؤول عن ذلك؟ ألم تذهب الى هناك في اطار مباركة امريكية سعودية قطرية فرنسية بريطانية وغربية من اجل التعجيل باطاحة النظام السوري بأسرع وقت ممكن؟ واذا انكر هؤلاء انهم ارسلوها، الم يهيئوا لها الظروف والبيئة الحاضنة، بصورة مباشرة او غير مباشرة، سواء بدعمهم لنظام طائفي اقصائي ديكتاتوري في بغداد، او بارسال مليارات الدولارات واطنان الاسلحة لدعم المعارضة المسلحة في سورية، تسرب الكثير منها الى هذا التنظيم الارهابي؟

ندرك جيدا ان طرح هذه الاسئلة وغيرها يزعج الكثيرين، خاصة في صفوف قادة ومسؤولين عرب، لا يريدوننا، وغيرنا، ان نسمي الاشياء باسمائها، ونعود الى الجذور دون ان نكتفي بالامور السطحية، ولكن لا بد من قول الحقيقة كاملة، فالدولة الاسلامية او “داعش” مثلما يطلق عليها كارهوها وهم الاغلبية، هي نتاج سياسات خاطئة متهورة وانتقامية ثأرية قصيرة النظر، ستدفع المنطقة وشعوبها ثمنها من دمائها ووحدتها الوطنية والترابية.

***

القضاء على هذا التنظيم الذي يملك استراتيجية وفكرا واضحا، اختلفنا معهما او اتفقنا، سيحتاج الى وقت طويل، ربما عقود، لانه مستقل تماما في تسليحه وتمويله، ويملك جيشا عقائديا مدربا تدريبا جيدا يفوق تعداده السبعين الف مقاتل، ويسيطر على نصف العراق، وثلث سورية، وتحت حكمه سبعة ملايين انسان، والرقم والمساحة في تزايد.

في غمرة تسونامي الهجوم على هذا التنظيم في معظم اجهزة الاعلام العربي والتواصل الاجتماعي، لا بد من القاء نظرة تقويمية علمية موضوعية عليه، ومعرفة نقاط قوته وضعفه اذا كانت هناك محاولة جدية للقضاء عليه، وهي محاولة لن تكون سهلة في نظرنا، لان هذا التنظيم موجود في العراق منذ 13 عاما، وقبلها في افغانستان قبل عشرة اعوام، الم يقم ابو مصعب الزرقاوي واضع البذرة الاولى له في بلاد الرافدين بذبح رهائن امريكيين وبريطانيين بالسواطير نفسها والبدلة البرتقالية نفسها؟

امريكا وحلفاؤها العرب والايرانيون والغربيون امام مأزق خطير جدا ومن صنع ايديهم، تتواضع امامه كل المآزق الاخرى، بما في ذلك اخطار تنظيم “القاعدة” الأم.

واذا كانت الدول الاقليمية مثل ايران والسعودية ستتدخل خوفا على انظمتها ووحدة اراضيها ومواطنيها من هذا التسونامي، فان امريكا تخشى على ست شركات نفطية امريكية، ومصالحها واكثر من خمسة آلاف من مواطنيها في سفاراتها في “اربيل” عاصمة الحليف الكردي. كثرة عدد الدول في التحالف الجديد ليس ضمانة للانتصار، وعلينا ان نتذكر ان تحالف غزو العراق واحتلاله، اس البلاء في المنطقة ضم 36 دولة.

المستقبل لا يبشر الا بالمزيد من سفك الدماء العربية والاسلامية على يد الدولة الاسلامية او من يريدون سحقها، نقولها وفي الحلق غصة.

حماس حركة “ولاّدة” للقادة الاشداء والعقول المبدعة.. وستعوض حتما شهداءها القياديين الثلاثة بمن لا يقلون بأسا وابداعا.. واليكم الادلة الدامغة التي تؤكد ما نقول

في عام 1995 وبعد ايام معدودة من استشهاد مهندس المقاومة يحيى عياش، كنت في زيارة الى العاصمة الاردنية عمان لالقاء محاضرة سياسية واللقاء مع الفعاليات الفكرية والسياسية على هامشها، في اليوم الاخير اتصل بي احد اعضاء المكتب السياسي لحركة المقاومة الاسلامية “حماس″ طالبا اللقاء لطرح وجهة نظر الحركة حول بعض القضايا الملحة في حينها.

الرجل جاء متخفيا، والتقينا في سيارته الحمراء القديمة المتهالكة من نوع “تويوتا” في شارع جانبي للفندق الذي اقيم فيه، على ما اذكر، فالحركة كانت محظورة من العمل في الاردن في حينها بعد تصاعد عملياتها الاستشهادية واتهام السلطات الاردنية بالتستر عليها، التفاصيل كثيرة، ولكن ما اريد ذكره منها، انني خطأته، والحركة، في الاعلان عن تنفيذ الحركة اربعة عمليات استشهادية ستهز كيان العدو ثأرا وانتقاما لاغتيال الشهيد المهندس عياش، فوجهة نظري تقول في حينها ان عدم ذكر عدد العمليات الانتقامية مسبقا افضل تحسبا لعدم القدرة، لامر ما، على تنفيذها جميعا، وهنا قال لي الرجل، وبكلمات حاسمة، ان الحركة ستنفذ ما تعهدت به باذن الله، وستلقن الاسرائيليين درسا لن ينسوه انتقاما لقائدها يحيى عياش والايام بيننا.

الحركة نفذت خمس عمليات استشهادية في فترة زمنية قصيرة اولها في بلدة الخضيرة وثم القدس المحتلة، وتل ابيب، على ما اذكر، وليس اربع عمليات مثلما وعدت وتعهدت، واوقعت خسائر بشرية ومادية ومعنوية هائلة في الجانب الاسرائيلي، ويمكن الرجوع الى تلك العمليات الموثقة على الشبكة العنكبوتية (الانترنت) للمزيد من التفاصيل لمن اراد.

***

تذكرت الواقعة امس عندما ارتكبت الطائرات الاسرائيلية مجزرة في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، راح ضحيتها ثلاثة من قادة الذراع العسكري لكتائب القسام هم الشهداء رائد العطار، محمد ابو شمالة، ومحمد برهوم الذين شكلوا الخلية القيادية الميدانية للمنطقة الجنوبية، وكانوا خلف التطور النوعي لهندسة الانفاق والصناعات العسكرية الصاروخية، وخطف الجندي الاسرائيلي غلعاد شاليط، واسر الضابط هدار غولدن في عملية انفاق مماثلة اثناء العدوان الحالي.

حركة “حماس″ توعدت بالانتقام لشهدائها هذه المرة مثلما تعهدت في المرات السابقة، وهي حتما ستنفذ هذه المرة مثلما نفذت في كل المرات السابقة، وستعوض هؤلاء الرجال حتما، فهي حركة “ولاّدة” للمقاتلين الاشداء مثل ابناء شعبها الفلسطيني، ثم ان هؤلاء الرجال الثلاثة الذين انضموا الى قافلة الشهداء الطويلة عددا ومقاما، كانوا يتطلعون الى الشهادة ويتمنونها بل يستعجلونها ونالوها عن جدارة، وهذا ما لم تفهمه اسرائيل وحلفاؤها العرب والغربيين معا.

ما لا تدركه القيادة الاسرائيلية بشقيها السياسي والعسكري، ان التجارب اثبتت ان البدائل للقادة الشهداء يأتون اكثر تشددا وتصميما على المضي في المقاومة وتطوير ادائها وادواتها، فالمجاهد محمد الضيف جاء عوضا للمهندس يحيى عياش وحمل الراية بعده وبعد استشهاد احمد الجعبري عام 2012 وكان خير خلف لخير سلف، مثلما تقول ادبيات جناح القسام، مقرونه بالحقائق العسكرية المتمثلة في القفزة الكبيرة في التسليح وحرب الانفاق وتطور ابعاد ومدى الصواريخ وفعاليتها، ويمكن القول نفسه على الفترة التي تولى فيها الشهيد احمد الجعبري قيادة كتائب القسام بعد استشهاد صلاح شحادة في غارة اسرائيلية عام 2002 نسفت منزله، وقتلت جميع افراد اسرته ودمرت ثلاث عمارات مجاورة ومن فيها، في واحدة من ابشع المجازر في حينها.

ما لا يدركه نتنياهو وجنرالاته، وادركه شارون ورابين من قبلهم، انهم لن يستطيعوا هزيمة قطاع غزة وشعبها، مهما امتلكوا من اسباب القوة، فهؤلاء يعيشون من اجل المقاومة والشهادة، ومن استمع لنساء القطاع العظيمات يؤكدن هذه الحقيقة، وهن يشيعن اطفالهن الشهداء وازواجهن، ويقدمن درسا في الوقت نفسه في الكرامة والشهامة والصمود والايمان لكل قادة الجيوش العربية وزعمائهم دون اي استثناء.

***

غزة ليست دولة عظمى حتى يهدد نتنياهو بأنه سيشن حرب استنزاف ضدها، وحماس لا تملك الجيش الذي يحتل الترتيب الرابع على قائمة اقوى الجيوش في العالم، كما انها تقاتل وحدها بلا عمق عربي، فقد تواطأت ويتواطأ العمق العربي مع العدو الاسرائيلي ضدها، ولكنها قادرة، ببأس رجالها وايمانهم، على الصمود والانتصار باذن الله، مثلما انتصرت على شارون الذي سحب جنوده ومستوطنيه هاربا في ليلة ظلماء، وقبله اسحق رابين الذي تمنى ان تغرق في البحر لاستعصائها عليه وجيشه واجهزته الامنية.

الانتصار امر نسبي، والصمود كذلك، واسرائيل وكل داعميها العرب تورطوا في هذا العنوان الابرز للمقاومة في القطاع لا تزيد مساحته عن 150 ميلا مربعا واسمه قطاع غزة، فالعبرة ليست بالمساحة الجغرافية صغرت او كبرت، وانما في عزائم الرجال الذين يحمونها ويدافعون عنها واراداتهم الحديدية، ولعمري انهم الرجال الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، واكرر في الختام مقولة عضو المكتب السياسي لحركة “حماس″ في سيارته الحمراء القديمة المتهالكة والعرق يتصبب من جسمه وجسمي من شدة الحر: والايام بيننا.

فشل نتنياهو في اغتيال الضيف نسف آخر آماله في تحقيق “انتصار” دموي في حرب اذلته ودمرت مستقبله السياسي واطلق رصاصة الرحمة على “مفاوضات مغشوشة”.. فماذا سيفعل السيسي الآن.. وماذا سيفعل عباس ايضا؟

 

تلقى بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي والطاقم الامني والعسكري الداعم له في العدوان الوحشي الدموي على قطاع غزة صفعة كبرى الاربعاء عندما جرى الكشف عن فشل محاولتهم اغتيال المجاهد محمد الضيف قائد كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الاسلامية “حماس″، فقد كان واضحا ان نتنياهو الذي لم يحقق اي من الاهداف التي توعد بتحقيقها، اراد من عملية الاغتيال هذه ان تكون “الجائزة” الكبرى التي يقدمها للاسرائيليين المنهاريين القلقين لتبرير هذه الحرب، ولكن “كيده رد الى نحره”.

لا نستغرب مطلقا ان تكون الآلة الاعلامية والاستخباراتية الاسرائيلية هي من “فبرك” قصة اطلاق الصواريخ هذه على مدينة بئر السبع من قطاع غزة لتوفير الذريعة لاغتيال المجاهد الضيف بعد وصول معلومات استخبارية تحدد مكان تواجده الذي استهدفته الطائرات الاسرائيلية، تماما مثلما جرى “تلفيق” مقتل المستوطنين اليهود الثلاثة واتهام حركة “حماس″ بالوقوف خلفها من اجل خلق الذرائع لشن العدوان الحالي، ألم يلفق الموساد تفجير الكنس اليهودية في مصر لتهجير يهودها الى فلسطين المحتلة، وفعل الشيء نفسه في دور السينما في بغداد وللغرض نفسه؟

هذا الاختراق للهدنة، لا يعتبر مفاجئا بالنسبة الى كل من يعرف التاريخ الاسرائيلي في خيانة الوعود والعهود والاتفاقات اطلق رصاصة الرحمة على مفاوضات فاشلة جرى استخدامها وتوظيفها من اجل اجهاض انتصار الصامدين في غزة، ووسيلة ضغط لنزع سلاح المقاومة، ونقل تجربة “الرشوة” الاقتصادية في الضفة الغربية المرتبطة بالتنسيق الامني لحماية الاحتلال ومستوطنية الى قطاع غزة، فالاجراءات والترتيبات بدأت على قدم وساق لعقد مؤتمر للمانحين تحت عنوان اعادة اعمار غزة.

***

نتنياهو اراد تحقيق عدة اهداف من وراء عملية اغتيال المجاهد محمد ضيف الفاشلة:

*الاول: محاولة كسب الحرب النفسية التي خسرها بامتياز بفعل ادارة المقاومة لازمة العدوان بكفاءة عالية، من خلال التأكيد على ان الاجهزة الامنية الاسرائيلية نجحت في اختراق الاجنحة العسكرية، وانه باستطاعتها الوصول الى اكبر رأس فيها، الامر الذي يمكن ان يثير حالة من البلبلة وهز الثقة بالنفس.

*الثاني: تجفيف القيادات العسكرية التاريخية الجبارة لحركة حماس وتصفيتها جسديا، بحيث يصعب تعويضها، فبعد اغتيال صلاح شحادة عام 2002، واحمد الجعبري في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2012، وقبلهما المهندس يحيى عياش عام 1995، اعتقدت الاجهزة الامنية الاسرائيلية انها ستصل الى المجاهد الضيف بالطريقة نفسها، صحيح ان هناك جيل جديد تخرج من اكاديمية هؤلاء العسكرية، ولكن من الصعب تعويض تلك الادمغة المبدعة بسهولة.

*الثالث: نسف مفاوضات القاهرة التي اثبتت لها صلابة الوفد الفلسطيني المفاوض، واختلافه عن كل الوفود الاخرى، ووعيه بالخدع واساليب المراوغة الاسرائيلية، وتمسكه بالثوابت التي حددها المجاهد الضيف في كلمته القصيرة وغير المسبوقة في حتمية رفع الحصار وفتح المعابر والافراج عن الاسرى وبقية الشروط الاخرى المعروفة.

المقاومة الفلسطينية فعلت خيرا عندما قررت انهاء مهزلة مفاوضات القاهرة هذه، ومواصلة التصدي للعدوان الاسرائيلي ووضع جميع الاطراف، و”الوسيط” المصري خاصة، امام مسؤولياتهم، فالوفد الفلسطيني المفاوض اظهر كل مرونة ممكنة في مواجهة التعنت الاسرائيلي، ولكنه في الوقت نفسه منع دخول المفاوضات الى مناطق “محرمة”، مثل نزع سلاح المقاومة كشرط لتلبية الاحتياجات الامنية الاسرائيلية.

فصائل المقاومة يجب ان لا تستجيب مطلقا لكل الدعوات المصرية للعودة الى المفاوضات الا اذا تحقق امرين اساسيين: الاول حدوث تغيير في الموقف المصري يجعل من مصر شريكا فعلا مع الجانب الفلسطيني، وطرفا اصيلا في مواجهة هذا العدوان الاسرائيلي، بعد ان افشلت اسرائيل الدور المصري بطريقة مهينة بخرقها للهدنة، اما الثاني فيجب ان يتجسد في استعداد اسرائيلي جدي وغير مشروط في تلبية المطالب الفلسطينية العشرة الاساسية.

ندرك جيدا ان هناك اصواتا تتحدث عن الخلل في موازين القوى، وتتحدث باسهاب عن حجم المعاناة المتضخم في اوساط المشردين، الذين يعيشون وسط انقاض منازلهم، او في مدارس وكالة الغوث التابعة للامم المتحدة، وهذه الاصوات ليست جديدة على اي حال، وهناك مثلها المئات في اوساط السلطة في رام الله تدعي الواقعية، وهي لم تكن كذلك عندما اطلقت “فتح” الرصاصة الاولى في الفاتح من يناير عام 1965، وبدأت الكفاح المسلح ببنادق صدئة، ولكن الجديد الذي لا يدركه هؤلاء ان الشعب الفلسطيني لم يعد ينخدع بمثل هذه “العقلانية” المحبطة وفلاسفتها، وبات اكثر التفافا حول المقاومة، واكثر تبنيا لثقافتها وبات يتطلع الى حياة كريمة بعيدا عن ذل الحصار وسياسات التجويع، والصور القادمة من قطاع غزة عبر الفضائيات، عربية واجنبية تؤكد هذه الحقائق والصور لا تكذب.

نتنياهو الذي اذلته غزة، وكسرت شوكة غروه، ودمرت امن مستوطنيه المزعوم، واظهرته “كبطل” في قتل الاطفال والرضع، وكشفت الوجه الدموي البشع للحركة الصهيونية للمرة الالف وبصورة يستحيل اخفاؤها في ظل وسائل التواصل الاجتماعي، نتنياهو هذا قد يتصرف في الايام المقبلة، بعد ان تلقى هذه الصفعة القوية، مثل النمر الجريح ويوجه خبطات عشوائية لقتل المزيد من الضحايا، بما في ذلك توسيع حربه البرية التي لا ترهب المقاومة ورجالها الرجال على اية حال، ولذلك يجب وضع هذا الاحتمال في عين الحسبان.

***

لم نناشد الزعماء العرب لنجدة الشعب الفلسطيني، ولن نناشدهم، فهؤلاء في معظمهم متواطئون مع العدوان، ويريدون افناء كل اهل غزة الذين يفضحون هذا التواطؤ، ولكننا نناشد اهلنا في الضفة الغربية بأن يضاعفوا من احتجاجاتهم وهبتهم الجماهيرية، ويمارسون ضغطا على هذه السلطة المتكلسة المستمرة في التنسيق الامني، وعدم القيام بأي خطوة سياسية او امنية، لنصرة شعبها في قطاع غزة، فابناء غزة اهلهم، واطفالهم الشهداء اطفالهم ايضا، وفي الفم ماء.

اليس عيبا ان تقبل هذه السلطة ورئيسها، وفي ظل صمود الكرامة والبطولة في غزة، بأن تقتحم القوات الاسرائيلية منزل المناضلة خالدة جرار عضو المكتب السياسي في الجبهة الشعبية، الذي يقع على مرمى حجر من منزل الرئيس عباس، وتأمر بإبعادها الى بلدة اريحا دون ان تحرك ساكنا، ولماذا تحرك، وهي التي لم تتحرك نخوتهم وكرامتهم مطلقا في قطاع غزة على اي حال على مدى اكثر من شهر من العدوان.

التلاحم الشعبي البطولي بين الشعب والمقاومة يحقق المعجزات في غزة، ويقلب كل المعادلات، ويبث الرعب في نفوس الاسرائيليين، ويدفع مستوطنيهم للهرب من مستوطناتهم شمال القطاع للمرة الاولى منذ ستين عاما.

المجاهد محمد الضيف خسر زوجته ورضيعا قدمهم في سبيل الله وقضية الامة العادلة، ولكنه كسب محبة العالم الاسلامي بأسره، ناهيك عن محبة شعبه، الامر الذي سيزيده وكل زملائه في اذرعة المقاومة قوة وصلابة، فعندما يقدم القادة ابناءهم فلذة اكبادهم وزوجاتهم شهداء فلعمري انهم قدوة في التضحية والبطولة تؤكد تصميمهم على نصر بات قريبا.

هل ينجح التحالف الامريكي الايراني السعودي في هزيمة “الدولة الاسلامية”؟ وماذا لو لم ينجح؟ وكيف ستكون صورة المنطقة؟

عندما تدخل المملكة العربية السعودية في حلف مع ايران، وتنسق الولايات المتحدة الامريكية امنيا مع نظام الرئيس السوري بشار الاسد الذي كانت تدعم المعارضة بالمال والسلاح لاسقاطه حتى قبل عام، وتنهار حكومة السيد نوري المالكي برصاصة رحمة من حليفها الايراني الاوثق الذي وضع العراق، اي المالكي، كله في خدمتها وحوله الى منطقة نفوذ لها، عندما تحدث هذه “المعجزات” كلها في طرفة عين فتش عن ظاهرة اسمها “الدولة الاسلامية” التي قلبت كل موازين القوى وقربت بين الاضاد في المنطقة، واشعلت نيران حرب اخرى في معركة ملتهبة بالحروب في معظم اجزائها.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هذه الايام هو عن مصادر القوة التي تملكها هذه الدولة دون غيرها من المنظمات الاسلامية المماثلة، بحيث يتبلور هذا التحالف الاقليمي الدولي ضدها، وبمثل هذه السرعة والحماس؟

قبل الاجابة على هذا السؤال لا بد من التأكيد على ان تحالف الاضداد هذا ليس سابقة، وانما هو تكرار لسوابق اخرى عديدة حدثت في مختلف حقب التاريخ، فالزعيم البريطاني ونستون تشرتشل تحالف مع ستالين عدوه الشيوعي الديكتاتوري اللدود لمواجهة خطر النازية الذي كان يهدد البلدين معا، مثلما تحالفت المملكة العربية السعودية المعروفة بعدائها للبعث وكل الاحزاب القومية مع الرئيس صدام حسين لمواجهة الثورة الخمينية، واستقبلت 500 الف جندي امريكي على اراضيها للتخلص منه، اي الرئيس صدام، لاحقا بعد غزو قواته للكويت، والشيء نفسه يقال عن تحالف الاسلام الاصولي مع الولايات المتحدة لاخراج القوات السوفيتية من افغانستان، وكيف تطور عداء شرسا وحربا ضد الارهاب وهجمات الحادي عشر من سبتمبر، والقائمة تطول.

***

مصادر قوة “الدولة الاسلامية” تكمن في مجموعة من العوامل الرئيسية يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

*اولا: تقديم نفسها على انها المدافع عن الاسلام السني في مواجهة عمليات التهميش والاقصاء الذي تعرض ويتعرض له في اماكن كثيرة من المنطقة وخاصة في العراق، وسط صمت وعجز مرجعيات سنية راسخة على حد وصف منظريها، اي الدولة.

*ثانيا: اتباعها اساليب دموية وعنيفة قاسية لارهاب خصومها سيرا على نهج “ثورات” علمانية واسلامية سابقة مثل الثورة الفرنسية (اعدم في المرحلة الاولى منها 42 الف شخص من بينهم 17 الفا بالمقصلة) وثورة كرومويل في بريطانية البروتستانتية التي يؤرخ لها بعض المؤرخين بأنها مقدمة للديمقراطية البريطانية، وهي ثورة قتل فيها 60 الف شخص، ولكن اقرب الامثلة الى ما تفعله الدولة الاسلامية الآن وربما تطبقه هو نموذج جنكيز خان القائد المغولي الذي قتل الكثير من قومه قبل ان يقتل الملايين من البشر في سياسته التي تقوم على “الصدمة والرعب”، ولا ننسى ابو جعفر المنصور الذي ثبت اركان الامبراطورية العباسية على بحور من سفك الدماء للخصوم، ونحن هنا نقر بأن هذه المجازر الارهابية، واي تكرار لها من قبل “الدولة الاسلامية” هو عمل مدان وغير مبرر، ونحن هنا نؤرخ لهذه الظاهرة وجذورها الدموية، مع ايماننا بالفارق الهائل بين قيم الثورة الفرنسية ومنطلقات الدولة الاسلامية وممارسات الجانبين، منعا لأي تأويل.

*الثالث: فشل ثورات ما يسمى بالربيع العربي في تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، واعادة الكبرياء والكرامة للعرب، وقيام انظمة ديكتاتورية على انقاضه في معظم البلدان، والتدخلات الغربية لحرف هذه الثورات عن مسارها، كلها عوامل ادت الى خلق فراغ سارعت التنظيمات الاسلامية المتشددة الى محاولة ملئه بسرعة، ومن بينها تنظيما “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة” اللذان وجدا التسهيلات والحاضنة العربية والغربية في بداية الامر في اطار “فورة” اعطاء الاولوية لاسقاط النظام السوري ومثيلاتها في ليبيا لاسقاط نظام معمر القذافي، وباقي القصة معروفة.

*رابعا: تمكن “الدولة الاسلامية”، ولاول مرة من بين اقرانها بمساحة شاسعة من الاراضي تمثل ربع العراق وثلث سورية، ونجاحها في ادارتها وتوفير الخدمات لستة ملايين انسان يقيمون تحت حكمها، بعد اعوام من الفوضى الدموية والفساد والقمع، فحركة “القاعدة” الام كانت تحت مظلة حركة طالبان في افغانستان، اي لم تتمتع بأي استقلال ذاتي، ولم تملك الحرية الكاملة في التحرك، وكان هناك جناح في حكومة الامارة المضيفة تعارضها وتطالب بطردها.

*خامسا: الاكتفاء الذاتي بالمال والسلاح، فالاسلحة التي غنمتها “الدولة الاسلامية” من القوات العراقية التي هربت بعد اجتياحها للموصل في العراق ومن مخازن الجيش السوري الحر التي “غنمتها” من مخازنه في مدينة “اعزاز″ في شمال غرب سورية قرب الحدود التركية كانت احدث ما انتجته صناعة السلاح الامريكية.

*سادسا: نجحت “الدولة الاسلامية” في تجنيد اكثر من 50 الفا من الشباب المسلم من مختلف انحاء العالم، من بينهم ستة آلاف انضموا اليها في الشهر الماضي فقط اعجابا بانتصاراتها، حسب احصاءات المركز السوري لحقوق الانسان المعارض، ونصف هؤلاء من غير السوريين، والرقم مرشح للتصاعد بشكل كبير في الاشهر المقبلة، فنسبة كبيرة من الشباب المسلم المحبط يرى في الدولة ومقاتليها نموذج القوة الذي يتطلع اليه، وحتى نقرب الصورة اكثر لا بد من الاشارة بشكل خاص الى اعجاب المراهقين، مسلمين كانوا او غير مسلمين، بالعاب الكمبيوتر الدموية، وكذلك اعجاب جيلنا في مراهقته بافلام العنف ورعاة البقر وابطالها مثل جون واين مع الفارق الكبير في المقارنة، فالشباب ينجذب في معظمه الى العنف والقوة والبأس خاصة في بلداننا.

*سابعا: تحول معظم الدول العربية الى دول فاشلة او شبه فاشلة، تحكمها انظمة مركزية ضعيفة الامر الذي يحولها الى بيئة ملائمة للجماعات المتشددة ذات الطابع الارهابي ولنا في ليبيا والعراق واليمن ومناطق عديدة في سورية ولبنان خارجة على سلطة الدولة خير الامثلة في هذا الصدد.

***

البيان الرسمي الذي اصدره مفتي السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ الثلاثاء وقال فيه “ان الفكر المتطرف والاعمال الارهابية التي ينفذها تنظيما الدولة الاسلامية والقاعدة (لم يذكر جبهة النصرة) هو العدو الاول للاسلام”، واضاف “ان هذه الجماعات المتطرفة لا تحسب على الاسلام”، واكد، وهذا هو الاخطر “انه يصح في اتباع القاعدة وتنظيم الدولة الاسلامية حديث نبوي يدعو الى قتلهم” ووصف هؤلاء بانهم “امتداد للخوارج”.

هذا البيان من رئيس الهيئة الاسلامية الاعلى في السعودية هو اول واقوى استجابة لتحريض العاهل السعودي للعلماء الذين اتهمهم بالكسل لهذه الظاهرة، كما انه انعكاس قوي لمدى قلق المملكة منها والخوف من وصولها الى نسيجها الاجتماعي.

قلق السلطات السعودية وخوفها بلغا قمتهما بعد استفتاء اجري على وسائل التواصل الاجتماعي، اكد ان 92 بالمئة من الشباب السعودي يؤيد “الدولة الاسلامية” وفكرها وممارساتها، وحتى لو كانت نسبة الخطأ في هذا الاستفتاء 50 بالمئة فان ما تبقى يثير الرعب حقا، وهذا ما يفسر اعلان السلطات السعودية عن تنظيم استفتاء رسمي حول المسألة نفسها في اوساط الشباب السعودي، وهو استفتاء غير مسبوق لو تم فعلا، فالسعودية لا تعرف الاستفتاءات مثلما لا تعرف الانتخابات بالصورة المعروفة.

هل يستطيع التحالف الغربي الاقليمي المتسارع التبلور هزيمة “الدول الاسلامية”؟

الاجابة ليست سهلة، فامريكا العظمى تحارب تنظيم “القاعدة” منذ عشرين عاما تقريبا، وغزت دولتين تحت عنوان القضاء على خطره، ولكنها لم تنجح كليا في اجتثاثه، بل ازداد خطورة وفتح فروعا في مختلف دول الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وها هو يتطور الى صيغة اخطر في تنظيمي “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة”، وها هي امارة طالبان التي اطاحت حكمها قبل 13 عاما على وشك العودة الى حكم افغانستان.

انخراط دول اسلامية مثل ايران والسعودية والعراق وسورية في التحالف الجديد ضد تنظيم “الدولة الاسلامية” هو تطور غير مسبوق، لكن من الصعب الجزم بأنه سيكون افضل حظا من التحالفات السابقة التي ضمت دولا عربية واسلامية ايضا في اطار محاربة الارهاب والقاعدة على وجه الخصوص، لكن المفاجآت واردة في كل الاحوال.

بقي ان نقول ان هذه التحالفات تظل مؤقتة، تنتهي بانتهاء اسبابها، فتشرتشل والغرب من خلفه استأنف الحرب الباردة ضد امبراطورية “الشر” السوفيتيية الشيوعية حتى اسقطها، والجماعات الجهادية الاسلامية التي تحالف معها الغرب ضد السوفييت في افغانستان انقلبت عليه، وهزمته جزئيا او كليا في العراق، وقريبا في افغانستان، وثوار ليبيا الذين حاربوا تحت اجنحة طائرات الناتو باتوا يُقصفون حاليا بالطريقة نفسها التي كانت تقصف هذه الطائرات عدوهم معمر القذافي وكتائبه، قبل ثلاثة اعوام فقط، ان لم يكن بصورة اكثر شراسة.

“الدولة الاسلامية” الخطر الاكبر الذي يهدد المنطقة وانظمتها، ونتفق مع كل الآراء التي تقول انها ستشكل تهديدا لامريكا واوروبا في المستقبل، وما تحذيرها باغراق هذه الدول في بحور من الدم كرد على الغارات الامريكية على مواقعها الا احد المؤشرات في هذا الصدد، ولكن يجب ان نعترف انها نتاج مباشر للتدخل الغربي والاقليمي العسكري والمالي في الدولتين التي اقامت دولتها على اراضيهما، اي سورية والعراق، وهو التدخل الذي ادى الى استشهاد مليون عراقي و200 الف سوري حتى الآن والحسابة مستمرة في العد.

تنظيم “الدولة الاسلامية” الارهابي في نظر معارضيه الكثر، بدأ في احداث عملية تغيير شاملة وربما جذرية في المنطقة لن تتوقف باستمراره او هزيمته، والشيء الآخر المؤكد ان الحرب ضده ستطول لان القضاء عليه لن يكون سهلا، بل مكلفا جدا بشريا وماديا فكم كلفت الحرب الامريكية على التنظيم الام القاعدة حتى الآن، وكيف تحولت عمليات السفر الى جحيم؟ وسيحتاج الامر الى سنوات وربما الى عقود، ونقول هذا رغم اننا نعلم جيدا ان هناك من يختلف معنا في هذا الرأي مثلما اختلف مع رأينا في سورية وليبيا وعملية السلام العربية الاسرائيلية.

قرار مجلس الامن بتشريع الغارات الامريكية لتصفية “الدولة الاسلامية” تكرار لنظيره الليبي.. ولو كنت مكان الرئيس الاسد لشعرت بالقلق الشديد وهذه هي مبرراتي

ذكرت وكالة انباء الاناضول التركية الاحد نقلا عن ناشطين سوريين معارضين ان الطائرات الحربية التي شنت عشرات الغارات الجوية على معاقل تنظيم “الدولة الاسلامية” في مدينة الرقة وريفها ليست تابعة للنظام وانما امريكية.

ونقلت الوكالة عن ناشطين في المدينة، الاول هو ماهر الاسعد، والثاني وسام الصالح، بأن ما يجعلهما يعتقدان ان الطائرات المغيرة امريكية، وليست سورية، ان لون بعضها كان داكن السواد، وصوت هديرها مختلف عن نظيراتها السورية التي لم تتوقف عن شن غاراتها على المدينة، مضافا الى ذلك ان اصابتها للاهداف اكثر دقة.

قطعا هؤلاء النشطاء ليسوا خبراء عسكريين في علوم الطائرات ولكن لم يصدر حتى كتابة هذه السطور اي تأكيد او نفي رسمي، سواء من الولايات المتحدة الامريكية او السلطات السورية، لمثل هذه الراوية، ولكن ما يرجحها ان القرار الذي تبناه مجلس الامن الدولي يوم السبت بالاجماع تحت البند السابع من ميثاق الامم المتحدة الذي يبيح استخدام القوة صنف جبهتي “النصرة” و”الدولة الاسلامية” في خانة “المنظمات الارهابية” التي تهدد السلام والامن الدوليين”، مما يوفر الغطاء الشرعي الدولي للغارات التي بدأتها الطائرات الامريكية منذ عشرة ايام ضد قوات تابعة للدولة الاسلامية حالت دون تقدمها نحو اربيل الكردية، وكسرت الحصار الذي فرضته على مدينة سنجار، حيث الاغلبية الازيدية.

***

قرار مجلس الامن الدولي الذي بارك قصف التنظيمين وقواتهما وتجفيف منابع التمويل المالي لهما من خلال وضع ست شخصيات كويتية وسعودية على قائمة الارهاب، وتجريم اي تعامل تجاري مع التنظيمين، هذا القرار لم يحصر التدخل العسكري ضدهما في العراق، وترك الامر مفتوحا مما يرجح اعطاء ضوء اخضر للطائرات الامريكية للاغارة على اماكن سيطرة “الدولة الاسلامية” في الاراضي السورية، الرقة، ودير الزور على وجه التحديد.

واذا صحت هذه الانباء بتوسيع الادارة الامريكية لغاراتها ضد اهداف الدولة الاسلامية داخل سورية، وهي تبدو اقرب الى الصحة، فان هذه “السابقة” قد تأتي في سياقين:

*الاول: ان تكون جاءت، اي الغارات الامريكية، في داخل الاراضي السورية، بناء على تفاهم روسي امريكي بمباركة السلطات السورية نفسها، وفي اطار صفقة مع النظام نفسه في دمشق، بعد ان تغيرت الاولويات الامريكية ولم يعد اسقاط النظام على قمتها كما كان الحال قبل ثلاث سنوات.

*الثاني: ان تكون الولايات المتحدة قررت القيام بهذه الغارات للقضاء على خطر الدولة الاسلامية ومنع توسعها، دون اي تشاور مع السلطات السورية او الحصول على مباركتها باعتبارها تحصيل حاصل، وان هذه المناطق، اي محافظتي الرقة ودير الزور لا يخضعان لسيادة الحكومة المركزية في دمشق وخارج سيطرتها، في الوقت الراهن ولذلك لن تعترض عليها.

لا نرجح اي من الاحتمالين فكلاهما غير مستبعد، فاللافت ان روسيا صوتت لصالح قرار مجلس الامن الدولي المذكور الذي تقدم به مندوب بريطانيا (لاحظو من تقدم بمشروع القرار) دون اي تحفظات، واللافت ايضا ان السيد بشار الجعفري مندوب سورية في الامم المتحدة الذي عارض بشدة اي تدخل عسكري امريكي في بلاده، او غيرها، رحب بالقرار الاممي، مؤكدا “ان سورية تعتبر شريكا اساسيا في الحرب على الارهاب”، ولكن السفير البريطاني مارك ليال غرانت رد عليه بسرعة بقوله “ان الرئيس الاسد يتحمل جانب كبير مسؤولية الارهاب ولا يمثل الحل”.

خطورة هذا القرار الاممي بالنسبة الى سورية، الذي ربما لم يتنبه اليه المندوب السوري في الامم المتحدة، انه ربما يتعرض، بسبب غموضه، لتفسيرات عديدة من ضمنها انتقال الغارات الامريكية، وبعد الانتهاء من مهمة القضاء على “التنظيمين الارهابيين” المذكوريين في العراق وسورية، التوجه الى دمشق، او فرض شروط اقوى تؤدي الى دعم المعارضة بالسلاح الحديث والمتطور للتسريع باسقاط النظام بعد ازالة المخاوف الكبرى المتمثلة في الجماعات الاسلامية المتشددة التي كانت عقبة في طريق التسليح.

عودة الولايات المتحدة الى العراق عبر نافذة الدولة الاسلامية وخطرها، ربما تشكل تطورا اكبر في المنطقة تترتب عليه نتائج اكثر خطورة من وضعها الاحتلالي السابق، لان هيمنة الطائرات الامريكية بطيار او بدونة، على شمال العراق يعني عودة الحظر الجوي مثلما كان عليه الحال قبل الاحتلال، وهو الحظر الذي استخدم بشقيه الشمالي والجنوبي كمقدمة لانهاك النظام واضعاف قبضته العسكرية، تمهيدا لاسقاطه.

نشرح اكثر ونقول ان تدخل حلف الناتو في ليبيا الذي جاء بقرار اممي تحت البند السابع من ميثاق الامم المتحدة، ويحمل الرقم 1973 لم ينص على التدخل العسكري صراحة، وانما بفرض حظر جوي في ليبيا لحماية الليبيين من “مجازر” كان يعدها نظام الزعيم الليبي معمر القذافي، وباقي القضة معروفة ولا داعي لتكرارها، وما زالت روسيا تضرب رأسها الما من جراء الخديعة المهينة التي تعرضت لها بعد تصويتها لصالح القرار.

***

ما لا يعرفه الامريكان والبريطانيون وحلفاؤهم العرب الذين يقفون خلف هذا القرار الاممي ويطالبون بالمزيد من الغارات والقوات الامريكية في شمال العراق انهم يقوون “الدولة الاسلامية” على وجه الخصوص، ويعطونها صك براءة من كل التهم التي جرى ويجري توجيهها اليها بأنها صنيعة امريكية، بعد ان سقطت تهمة ولادتها من رحم السلطات السورية، حتى ان بعض مواقع التواصل الاجتماعي تداولت بشكل مكثف رواية منسوبة للسيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الامريكية السابقة، قيل انها اعترفت في مذكراتها بأن امريكا هي التي اسست “الدولة الاسلامية”، وشخصيا قرأت هذه المذكرات ولم اجد اثرا لهذه الرواية، وقبل ان تنفيها السلطات الامريكية جملة وتفصيلا.

التدخل العسكري الامريكي المقتصر حاليا على الغارات الجوية ولحماية الاكراد والازيديين، يأتي نسخة طبق الاصل عن تدخل حلف الناتو في ليبيا، ولكن مع فارق اساسي وهو انضمام ايران الى الدول العربية مثل السعودية وحكومة بغداد الى الفريق المؤيد له وبحماس غير مسبوق.

لا نريد ان نستبق الاحداث ونتنبأ بالغيب، ولكن معرفتنا بالمخططات الامريكية، وتعرضنا كعرب ومسلمين للدغ اكثر من مرة من الجحر الامريكي وثعابينه، ومسلسل الذرائع والاكاذيب السابقة لتدمير بلداننا وتمزيقها، كلها تجعلنا نتعامل بحذر شديد مع هذه المخططات ونشك في نوايا اصحابها.

فعندما يحذر ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا من نشوء “دولة ارهابية” على سواحل البحر المتوسط في مقال نشره في صحيفة “الصنداي تلغراف” في اشارة الى الدولة الاسلامية، ويعتبر خطر هذا التنظيم ليس بعيدا عن بريطانيا والقارة الاوروبية، ويحث الغرب على التجاوب “بشكل امني صارم” لموجهته، مؤكدا “ان القضاء على هذا للتنظيم بالضربات الجوية فقط”، فان هذا يذكرنا بتحريض سلفه توني بلير الذي سبق غزو العراق عام 2003، وعبأ الرأي العام البريطاني ومن ثم الغربي خلفه.

لو كنت مكان الرئيس السوري بشار الاسد لشعرت حتما بالقلق، لان نظرية عدو عدوي صديقي لا تصلح في هذه الحالة اي مع الامريكان والبريطانيين العائدين الى العراق بقوة، فالهدف الآن هو الموصل والرقة ودير الزور، لكن العين حتما على دمشق.

الامريكيون عائدون الى العراق.. اهلا وسهلا: “الدولة الاسلامية” ترحب بكم.. وقد تجدون ما لا يسركم.. في المرة الاولى خرجتم مهزومين.. ترى هل ستنتصرون في المرة الثانية؟

اضطر السيد نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي سحب ترشيحه لرئاسة الوزراء لولاية ثالثة تحت “ضغط دولي”، ولكن الحقيقة مغايرة لذلك تماما، فمن اطاح به “عمليا” “الدولة الاسلامية” والتحالف الذي تتزعمه باستيلائها على ستة محافظات عراقية في لمح البصر، ووصول قواتها الى ما يقرب من الثلاثين كيلومترا من “العاصمة” الكردية اربيل، وعلى بعد ستين كيلومترا اخرى من بغداد.

تنحي المالكي، الذي لم نر احدا يذرف دمعة واحدة على رحيله، بما في ذلك اقرب حلفائه سواء في طهران او دمشق، او حتى في التحالف الوطني الشيعي، ربما يشكل خطوة على طريق حل الازمة السياسية في العراق، ولكنه من الصعب ان يقود الى الاستقرار الذي يتطلع اليه العراقيون ودول اقليمية ودولية عديدة متورطة في الملف العراقي.

السيد حيدر العبادي الذي من المفترض ان يقود البلاد الى هذا الاستقرار جاء من رحم حزب الدعوة الذي يتزعمه السيد المالكي اولا، ولا يملك الخبرة السياسية والقيادية المطلوبة ثانيا، وليس لديه اي مشروع يعتد به لتحقيق المصالحة الوطنية وتكريس الهوية العراقية الجامعة العابرة للطائفية ثالثا.

ولكن هذا لا يعني انه لا يجب ان يعطى الفرصة الكافية، والدعم المطلوب لمحاولته قيادة البلاد الى بر الامان المفترض بعد ثماني سنوات عجاف من حكم سلفه، سادها التهميش والاقصاء وانعدام الامن والخدمات الاساسية، واستفحال الفساد.

***

العودة العسكرية الى العراق مجددا تمثلت في انطلاق طائرات مقاتلة من طراز اف 18 من حاملة امريكية في مياه الخليج يوم الثامن من آب (اغسطس) الحالي لوقف تقدم قوات الدولة الاسلامية نحو اربيل بعد انهيار قوات البشمرغة الكردية امامها، بالطريقة نفسها التي انهارت فيها قوات المالكي في الموصل وجوارها، تحت عنوان كسر الحصار المفروض على عشرات الآلاف من ابناء الطائفة الازيدية في جبل سنجار، هذه العودة ربما تكون مقدمة لتورط امريكي اكبر في العراق يمتد لسنوات ان لم يكن اكثر، بالرغم من حذر الرئيس باراك اوباما الشديد في هذا المضمار.

التدخل الامريكي الاول صيف عام 1990 جاء تحت شعار “تحرير” الكويت، والثاني في ربيع عام 2013 من اجل “تحرير” العراق من اسلحة الدمار الشامل، اما الثالث الذي نرى ارهاصاته حاليا فمن اجل القضاء على خطر “الدولة الاسلامية” وحماية كردستان العراق وابناء الطائفة الازيدية.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة يتمحور حول عدم تحرك حاملات الطائرات الامريكية لحماية ابناء الموصل او الرقة او دير الزور بالطريقة نفسها التي يتم من خلالها التحرك حاليا لانقاذ الاشقاء الاكراد والازيديين من مجازر هذا التنظيم الاسلامي المتشدد، ونحن هنا لا نريد اقحام قطاع غزة في هذه المقارنة، ومليونين من ابنائه المحاصرين والمقصوفين اسرائيليا.

مأساة العراق، بل مأساة المنطقة بأسرها، تكمن في التدخلات العسكرية الامريكية الدموية التي ادت، وتؤدي الى تفكيك البلاد، وتمزيق وحدتها الوطنية، والجغرافية والمذهبية والعرقية، واغراقها في حروب طائفية، والتدخل العسكري الامريكي الحالي لن يكون استثناء.

ادارة الرئيس اوباما قالت انها لن ترسل قوات برية على غرار ما فعلت اثناء غزو واحتلال العراق عام 2003 (ارسلت 150 الف جندي)، ولكنها ستكتفي بالغارات الجوية، ولكن من قال ان هذه الغارات يمكن ان تحل المشكلة، فقد فعلتها امريكا وحلفاؤها في ليبيا واسقطت النظام، ولكن النتائج جاءت كارثية حتى ان كثيرين في ليبيا باتوا يترحمون على ايام النظام الديكتاتوري السابق، فالغارات الجوية دون قوات على الارض سيكون اثرها محدودا، والتزاوج بين الاثنين غير مضمون النجاح ايضا هذه المرة لان هناك فرقا شاسعا بين دولة البغدادي ودولة صدام حسين من حيث الظروف والمسؤوليات والحظر الجوي والحصار الخانق الذي استمر عشر سنوات.

وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي عقدوا اجتماعا طارئا الجمعة اعلنوا في نهايته تعزيز الدعم العسكري للمقاتلين الاكراد في شمال العراق، وتسليحهم بأسلحة حديثة متطورة، ولكن لماذا المقاتلين الاكراد فقط، اليس هذا التصرف، بالتركيز عليهم دون غيرهم، يضعهم في خانة “الحلفاء” للغرب، ويبرر للدولة الاسلامية وقواتها مواصلة الحرب ضدهم؟

لا ننكر مطلقا ان الغارات الامريكية نجحت في انقاذ الآلاف من ابناء الطائفة الازيدية الذين فروا بأرواحهم خوفا من دموية قوات الدولة الاسلامية، وسياسة الاعدامات الفورية لمن لا يقبلون بشروطها في اعتناق الاسلام، وهذا عمل انساني مقدر، ولكن ماذا لو اعطى هذا التدخل نتائج عكسية، وصعد شهية القتل لدى هؤلاء المتشددين في حق هؤلاء باعتبارهم “عملاء” لامريكا في نظرهم؟

من الواضح ان الولايات المتحدة قررت ان تجعل من طائراتها المقاتلة سلاحا جويا للحكومة العراقية الجديدة التي يعكف على تشكيلها حاليا السيد حيدر العبادي، ولكن ونسأل مرة اخرى، ماذا لو جاءت هذه الحكومة ضعيفة ولم تلبِ رغبات الدول المرحبة بها في توسيع قاعدتها التمثيلية من حيث ارضاء جميع الكتل الطائفية والسياسية والعشائرية، وفشلت في حل الازمات العراقية المتفاقمة، وسحب الغطاء السني عن دولة ابو بكر البغدادي؟

تنظيم “القاعدة الام” ورط امريكا والغرب في غزو العراق واحتلاله، وتكبده هزيمة كبرى، وخسائر مالية وبشرية ضخمة (6000 جندي امريكي) وتريليونات الدولارات وتنظيم “القاعدة الوريث” الممثل في الدولة الاسلامية سيورطها في حرب دموية ثانية “متدحرجة”، ربما تنتهي في نهاية المطاف بحرب طائفية تشمل المنطقة بأسرها، وهجمات “ارهابية” تستهدف الغرب ومصالحه في الداخل والخارج وبطرق اشرس.

صحيح ان محاولات احياء قوات “الصحوات” العشائرية “السنية” التي جاءت من بنات افكار الجنرال الامريكي ديفيد بترايوس لمواجهة تنظيم “القاعدة” في ذروة قوّة هجماته ضد القوات الامريكية في العراق بعد عامي 2006 و2008، وجرى تجنيد حوالي 80 الف متطوع مقابل 200 دولار للشخص قد نجحت في تقليص انشطة تنظيم “القاعدة” واخراجه من معظم المناطق السنية، ولكن الصحيح ايضا ان تنظيم الدولة الاسلامية الحالي مختلف كليا عن “التنظيم الام” ليس لانه يحقق اكتفاء ذاتيا في المال والسلاح، ويسيطر على اراض تشكل ما يقرب من مساحة بريطانيا، وحتى نكون اكثر دقة حوالي ربع العراق وثلث سورية، وانما ايضا لانه يملك اكثر من ثلاثين الف عنصر جميعهم يريدون الشهادة، ولا يريدون العودة الى بلادهم الاصلية احياء، ويملكون خبرة قتالية عالية جدا اكتسبوها في الحرب لمدة ثلاث سنوات في سورية.

***

الصيغة المطورة من “القاعدة” والممثلة في “الدولة الاسلامية” تمثل حالة خاصة غير مسبوقة، من حيث الاكتفاء الذاتي في ميدانين اساسيين: الاول هو المال حيث تجلس على كنز مقداره سبعة مليارات دولار، ومخزون من الاسلحة الحديثة غنمتها من الجيش العراقي يكفيها لسنوات قادمة، وهذا لم يتوفر لاي تنظيم بل دول قائمة في المنطقة.

حتى لو تم اخراج قوات “الدولة الاسلامية” من بعض المدن العراقية، فانها يمكن ان تتحصن في غابة اسمنت اسمها مدينة الموصل ثاني اكبر المدن في العراق بتعداد سكاني يزيد عن مليوني نسمة، وحتى اذا خسرت الموصل، وهذا لن يتم في غضون اشهر او سنوات، يمكن ان تنسحب الى الرقة ودير الزور في الجانب الآخر من حدود سايكس بيكو التي اجتثتها، وتتحصن فيهما.

اتحاد جميع الدول المتقاتلة على ارض العراق في خندق واحد في مواجهة هذه “الدولة” يعكس حجم خطورتها، فمن كان يتصور ان السعودية وايران وسورية ومصر والعراق تضع خلافاتها المذهبية والاستراتيجية جانبا وتقف جنبا الى جنب في هذا الخندق المقابل لوضع حد لخطر دولة البغدادي هذه؟

جيش الصحوات الذي تحالف مع الامريكان، ثم عاد وتحالف مع الدولة الاسلامية، والآن يعود الى الحضن الامريكي مجددا ليقاتل تحت راية حيدر العبادي وحتى قبل ان يشكل حكومته لا يمكن التعويل عليه، فاذا كانت المسألة مسألة مال فان تنظيم “الدولة الاسلامية” يملك اموالا اكثر، وبات قادرا على تأمين وتحقيق رغبتين اساسيتين لمن يقاتل في صفوفه، الاولى الارتقاء الى الجنة حيث الحوريات ودار البقاء والحشر مع الصحابة والصديقين والمرسلين، اما الثانية فالمكافأة المالية المجزية لمن يريدها وتقدر بضعف ما تدفعه الصحوات ومن يدعمونها (حوالي 600 دولار).

المشهد السياسي والعسكري برمته يقف امام انقلاب كبير في التحالفات وربما في الحدود ايضا، حيث ستختفي بعضها وينشأ بعض آخر على اسسس مذهبية وعرقية، ولا نستبعد ان يترحم الكثيرون على الربيع العربي وثوراته باعتباره، واعتبارها، مجرد “مزحة” صغيرة.

سواء ذهب المالكي، او جاء العبادي، فان عملية التغيير الاكثر شراسة ودموية زاحفة بقوة على العراق والمنطقة بأسرها.