استيلاء “الدولة الاسلامية” على “عين العرب” سيورط تركيا في حرب شرسة وطويلة في سورية والعراق.. فهل خطط البغدادي لهذه “المصيدة”؟ وكيف سيكون “الشرق الاوسط” الجديد؟ وهل سيخرج اردوغان فائزا؟

نجاح قوات “الدولة الاسلامية” في اقتحام مدينة “عين العرب” والسيطرة على مواقع استراتيجية فيها، بعد حصار استمر اكثر من اسبوعين، ووسط مقاومة شرسة من المقاتلين الاكراد المدافعين عنها، يشكل نقطة تحول استراتيجية في الصراع الدائر حاليا في المنطقة، ومستقبل خطط التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة (50 دولة) لتصفية هذه “الدولة” والقضاء على قواتها باعتباره هدفا يحتل قمة اولوياته.

اللافت ان هذا “النجاح” المفاجيء جاء رغم القصف الجوي المكثف من قبل الطائرات الامريكية الحديثة لمواقع “الدولة” واستحكاماتها حول المدينة من الجهات الاربع طوال الاسابيع الثلاثة الماضية، الامر الذي يؤكد ان القصف الجوي وحده لن يحقق اهدافه، مما يحتم التدخل العسكري الارضي في اسرع وقت ممكن.

وربما لم يكن من قبيل الصدفة ان يتزامن سقوط المدينة (عين العرب)، ومواقع استراتيجية داخلها وحولها، مع تبني البرلمان التركي بالاغلبية (298 صوتا مقابل رفض 98) طلب التفويض الذي تقدم به السيد احمد داوود اوغلو رئيس الحكومة لاعطاء الضوء الاخضر للقوات المسلحة التركية بالتدخل عسكريا في اطار التحالف الامريكي، برا وجوا، في العراق وسورية، للقضاء على تنظيم “الدولة الاسلامية” قضاء مبرما، والسماح لقوات وطائرات اجنبية (امريكية) باستخدام القواعد العسكرية الموجودة على الاراضي التركية (قاعدة انجرليك الجوية).

***

هذا التفويض البرلماني يضع الرئيس رجب طيب اردوغان في وضع داخلي وخارجي صعب للغاية، لان اي خطأ في الحسابات قد يؤدي الى نسف كل انجازاته السياسية والاقتصادية التي جعلت حزبه العدالة والتنمية يفوز في جميع الانتخابات البرلمانية والرئاسية والبلدية على مدى السنوات الاثني عشر الماضية.

فاكبر حزب معارض في البرلمان التركي (الحزب الشعب الجمهوري) صوت ضد هذا التفويض، الامر الذي دفع السيد اوغلو الى اتهامه بتأييد “الدولة الاسلامية” (داعش)، مما يعني انه يريد ان ينأى بنفسه عن هذه الخطوة بالغة الخطورة، وتجنب تبعاتها.

استيلاء قوات “الدولة الاسلامية” على مدينة عين العرب يعني سيطرتها على شريط محاذ لتركيا يمتد من اقصى شرق الحدود السورية الى اقصى نقطة في غربها، ولن تفقد هذه السيطرة الا من خلال حرب برية يشارك فيها عشرات الآلاف من الجنود.

ولا نستبعد ان يكون هدف “الدولة الاسلامية” من اقتحام هذه المدينة والاستيلاء عليها في ذروة القصف الجوي الامريكي هو استدراج وتوسيع الحرب البرية ضدها ومواقعها لخلط الاوراق، والحاق خسائر كبيرة في القوات التركية التي من الواضح انها ستقوم بالدور الاكبر في هذه الحرب، واحراج الرئيس اردوغان وحكومته امام مواطنيه الاتراك خاصة، اذا تصاعدت اعداد القتلى، وامتدت العمليات الارهابية الى العمق التركي، وطالت صناعة السياحة التي تشكل مصدرا اساسيا للدخل (35 مليار دولار سنويا)، الى جانب تداعيات اخرى مثل تصدع الجبهة الداخلية وتصاعد تكاليف الحرب ماديا وبشريا.

الرئيس اردوغان كان ذكيا عندما اجل اي تدخل في الحرب ريثما جرى الافراج عن جميع الدبلوماسيين الرهائن لدى “الدولة الاسلامية” كانوا في قنصلية بلاده في الموصل (49 دبلوماسيا)، ولكن الدخول في الحرب ربما يعرض ارواح مئات او حتى آلاف من الجنود الاتراك للخطر، ويدفع بـ”الدولة الاسلامية” الى تدمير ضريح سليمان باشا اب السلاطين العثمانين، حيث يحاصره المئات من قواتها في الوقت الراهن استعدادا لتدميره فور اقرار البرلمان التركي بالتدخل عسكريا للقضاء عليها.

ارسال طائرات تركية لضرب اهداف خارج الحدود التركية ليس جديدا، فقد طاردت هذه الطائرات مقاتلي حزب العمال الكردستاني داخل الاراضي الشمالية العراقية قبل احتلال العراق وفي اطار معاهدة مع حكومة بغداد، كما ارسلت قوات للسيطرة على الجزء التركي من قبرص في مطلع السبعينات، ولكنها المرة الاولى التي ترسل فيها قوات الى الارضي السورية والعراقية معا في حرب مفتوحة على جميع الاحتمالات ومرشحة للتوسع والامتداد لعدة سنوات.

لا نعرف تفاصيل خطة التدخل التركية في اطار التحالف الامريكي “الخمسيني”، وكيفية هذه المشاركة، فقرار البرلمان صدر في ساعة متأخرة الخميس، لكن ما يمكن ان نتكهن به ان السيد اردوغان قرر ان يضع كل ثقله العسكري والسياسي خلف هذا التحالف، ويجعل من بلاده “باكستان” اخرى بالمقارنة مع دور الاخيرة في الحرب الامريكية لاخراج القوات السوفيتية من افغانستان اولا، ثم اسقاط حكم حركة طالبان في كابول بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ثانيا.

“الدولة الاسلامية” ليست حركة “الطالبان” كما انها لا تشبه تنظيم “القاعدة” والظروف العسكرية والسياسية المحيطة بالتنظيمين، فهي تسيطر على اراضي اكبر من مساحة بريطانيا العظمى، وتملك اسلحة حديثة متطورة، ووفر لها التحالف الدولي غطاء “شرعيا اسلاميا”، حسب ادبياتها، قد يمكنها من تجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين العراقيين والسوريين والاسلاميين من مختلف انحاء العالم للقتال في صفوفها.

***

الرئيس اوباما اعترف بأنه اخطأ في تقدير قوة “الدولة الاسلامية” وخطرها، وربما يكون مصيبا هذه المرة، لان عدد قوات هذه الدولة التي هزمت جيشا عراقيا تكلف بناؤه وتسليحه 25 مليار دولار، واستولت على نصف العراق وثلث سورية يزيد عن مئة الف مقاتل ومسلح تسليحا “مجانيا” جيدا من غنائم الجيش العراقي الامريكية، وحتى تتم هزيمته يحتاج الامر الى اكثر من مئة الف جندي على الارض، حسب تقديرات السير الجنرال ديفيد ريتشارد قائد الجيش البريطاني السابق.

نستطيع ان نقول الآن، وبعد قرار البرلمان التركي، واقتحام مدينة “عين العرب” ان حربا حقيقية ستبدأ، وتحالفات جديدة ستنشأ، وشرق اوسط جديد مختلف سيولد، ولا احد يستطيع ان يتنبأ بالشكل الذي سيكون عليه وطبيعة المعادلات السياسية والعسكرية التي ستحكمه.

تركيا اردوغان وضعت كل بيضها في سلة اوباما وحلفه، ولم تفعل ذلك الا بعد اتفاقها معه على كل التفاصيل، ومن ابرزها سورية بدون الرئيس بشار الاسد، بعد ان تحول خلاف الرئيس اردوغان معه الى ثأر شخصي مهما كلف الامر، فهل تحصل على ما تريد آجلا ام عاجلا، وما هو موقف ايران وروسيا والصين؟ وهل ستستمر في موقف المتفرج؟

الايام المقبلة ستحمل لنا الاجابات وليس امامنا غير الانتظار (وتعداد الضحابا) الذي لا نملك غيره ومعنا معظم شعوب المنطقة التي ستدفع الثمن في نهاية المطاف ايا كان المنتصر او المهزوم.

اردوغان يقدم على المغامرة الاخطر في تاريخه وتركيا بالانضمام الى “التحالف الامريكي” للقضاء على “الدولة الاسلامية”.. فهل يكون رأس الاسد هو الثمن. وماذا لو اخطأ في الحساب وما هي الانعكاسات على جبهته الداخلية؟

 

يقف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان امام واحد من اخطر التحديات التي تواجهها بلاده في تاريخها الحديث، بتقدم حكومته (الثلاثاء) مشروع قرار للبرلمان يجيز استخدام القوة، بشقيها البري والجوي، في سورية وانضمامها الى التحالف الامريكي الذي شكله الرئيس باراك اوباما لاضعاف تنظيم “الدولة الاسلامية” تمهيدا لتصفيته نهائيا.

الرئيس اردوغان اعلن الاحد ان بلاده لا يمكنها البقاء خارج التحالف الدولي الذي يحارب تنظيم “الدولة الاسلامية” في سورية والعراق، الامر الذي ينهي حالة الحذر والتردد التي تمسك بها طوال الاشهر الماضية.

البرلمان التركي الذي سيعقد جلسته الحاسمة يوم الخميس سيقر حتما طلب الحكومة، وسيعطي الرئيس اردوغان الضوء الاخضر للانضمام الى التحالف وبدء التدخل عسكريا في سورية والعراق فورا، فحزب العدالة والتنمية الحاكم يملك الاغلبية فيه، وهو بالتالي لا يمكن ان يرفض طلب زعيمه.

هناك سؤالان يطرحان نفسيهما بقوة: الاول حول كيفية تسارع تطورات الموقف التركي من الحذر المطلق الى المشاركة الكاملة، والثاني حول الثمن الذي سيحصل عليه الرئيس اردوغان مقابل هذه المشاركة؟

***

الصحافيون الاتراك الذين رافقوا الرئيس اردوغان على طائرته وهو في طريق عودته من نيويورك التي قضى فيها خمسة ايام لحضور اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة الى انقرة عاصمة بلاده، كشفوا في تقاريرهم انه تلقى مكالمة هاتفية بالغة الاهمية من الرئيس اوباما تلاها اجتماع مغلق مع جو بايدن نائب الرئيس الامريكي، ومن المعتقد انه اتفق على الخطوط العريضة مع الرئيس الامريكي حول التدخل في سورية والعراق وبحث التفاصيل مع نائبه بايدن.

التفاصيل التي تسربت الى الصحافيين وتعكس الخطة التركية يمكن اختصارها في ثلاث نقاط رئيسية:

*الاولى: اقامة منطقة حظر جوي في الجانب السوري بالتعاون مع طيران التحالف على غرار مناطق الحظر التي اقيمت في جنوب العراق وشماله، ويمنع على اي طيران حربي سوري للاقتراب منها او اختراقها.

*الثانية: التدخل العسكري التركي البري والجوي لقصف، ومن ثم الاستيلاء، على الاراضي التي يسيطر عليها تنظيم “الدولة الاسلامية” في الرقة ودير الزور والحزام الارضي الكردي الممتد على الحدود التركية السورية من آقصى الشرق الى اقصى الغرب السوري.

*الثالثة: تسوية دائمة للصراع في سورية، تقوم على اساس اقامة حكومة جديدة على انقاض النظام الحالي، وتقوية المعارضة السورية بعد اعادة غربلتها، وتدريب وحدات عسكرية جديدة في تركيا والسعودية والاردن يتم اختيارها بعناية فائقة بالمعايير نفسها التي اختيرت فيها قوات الامن الفلسطينية في رام الله تحت اشراف الجنرال الامريكي دايتون (فحص دقيق من اربع مخابرات: الاسرائيلية والامريكية والاردنية والفلسطينية) وتكون هذه الوحدات هي نواة الجيش السوري الجديد (السعودية ستدرب 5000 جندي) وصلت الدفعة الاولى منهم الى احد قواعدها العسكرية.

الرئيس اردوغان اكد ان جميع طلباته حظيت بالموافقة من قبل الادارة الامريكية، ونستطيع ان نستشف من ذلك ان ابرز هذه المطالب اطاحة النظام السوري “كمكافأة” لتدخله البري والجوي في سورية والعراق في اطار التحالف الامريكي، مما قد يعني ان حذره وتردده في الانضمام اليه كان من قبيل رفع السعر والحصول على اكبر صفقة ممكنة، خاصة بعد ان نجح في اطلاق سراح جميع دبلوماسييه المحتجزيين لدى “الدولة الاسلامية” (49 دبلوماسيا كانوا في القنصلية التركية في الموصل ساعة الاستيلاء عليها)، بايهام زعيمها السيد ابو بكر البغدادي ورجاله بأنه لن ينضم الى التحالف الامريكي.

لا نعرف كيف سيكون رد النظام السوري على هذه الخطوة التركية، وما اذا كان يعتبرها لا تشكل اي خطر عليه مثلما تعاطى مع الغارات الامريكية التي انتهكت السيادة السورية وقصفت مواقع “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة” و”احرار الشام”، ام انه سيعتبرها تهديدا له، فاذا قبلنا بأن الادارة الامريكية ابلغته مسبقا بهذه الضربات الجوية ونسقت معه، فانه من الصعب علينا، وربما الكثير مثلنا، توقع اي تنسيق مسبق بين السلطات السورية وحكومة الرئيس اردوغان في اقامة منطقة حظر جوي ومنطقة عازلة داخل الاراضي السورية، الا اذا حدثت معجزة خلف الكواليس لا نعرف كنهها، واذا كانت السلطات في دمشق تعتبرها، اي خطة التدخل التركية معادية لها وخطرا عليها فكيف سيكون ردها، ورد الحليف الروسي؟

ولعل موقف “الدولة الاسلامية” واخواتها في “النصرة” و”احرار الشام” من هذه المشاركة التركية مع قوات “التحالف الصليبي”، حسب ادبيات هذا المثلث وتوصيفاته، ربما يكون مختلفا واقل دبلوماسية و”غمغمة” من موقف النظام السوري، فتنظيم “الدولة الاسلامية” قد يشعر بالخديعة من قبل السلطات التركية، عندما صدق انها لن تنضم للتحالف الذي يريد تصفيتها وافرج عن رهائنها بالتالي، وربما يلجأ الى الانتقام بطريقة او باخرى، خاصة انه هدد بضرب الموسم السياحي التركي الذي يعود على الخزينة بأكثر من 30 مليار دولار سنويا، وكذلك رفع الحصانة عن قبر السلطان سليمان شاه الاب العثماني المؤسس، وربما تفجيره اسوة بالمقامات والاضرحة الاخرى، اذا انضمت تركيا الى التحالف.

***

لا بد ان الرئيس اردوغان، وهو الذي يوصف بقمة الدهاء، قد حسب حسابا دقيقا لكل هذه الاحتمالات مجتمعة او متفرقة، لانه يتصرف اليوم بطريقة مختلفة، بل متناقضة، من وقفته على الحياد اثناء العدوان الامريكي على العراق عام 2003، ورفض ان ينضم الى التحالف الامريكي واوعز الى البرلمان بالتصويت ضد هذا الانضمام او السماح باستخدام الطائرات الامريكية لقاعدة “اجيرليك” الجوية، لتوفير الغطاء الديمقراطي الشرعي له.

الرئيس اردوغان تردد في الانضمام الى غارات “الناتو” ضد ليبيا عام 2011 لاسقاط نظام العقيد معمر القذافي الذي اعطاه عقودا بما يقرب من الثلاثين مليار دولار لاعادة تعمير البنى التحتية لليبيا بعد سنوات من الحصار، ولكنه اضطر للتراجع، والمشاركة بالتالي، بعد ان اعاد الامريكان تذكيره بأن المادة 51 من ميثاق حلف “الناتو” الذي هو عضو فيه تفرض عليه ذلك، وتعهدوا له بحفظ مصالح تركيا كاملة في العهد الليبي الجديد الذي سيكون مستقرا مزدهرا، ولكن هذا لم يحدث، وربما لن يحدث قريبا، في ظل الغياب الكامل للدولة الليبية الذي قد يستغرق سنوات وربما عقودا.

ليبيا تظل بعيدة عن تركيا، وان اي خطأ في الحسابات يظل محتملا، فبين البلدين آلاف الكيلومترات من مياه البحر المتوسط، ولكن الحال مختلف تماما في سورية والعراق، فهناك آلاف الكيلومترات من الحدود المشتركة بين البلدين وتركيا، والامريكان يمكن ان يهربوا من المنطقة بطائراتهم ومستشاريهم وبعض المتواطئين معهم، مثلما فعلوا في العراق والصومال وليبيا وقريبا جدا في افغانستان، لكن اين سيهرب اردوغان اذا لم تسر رياح التدخل بما تشتهي سفنه؟

شكرا “لكريستينا” رئيسة الارجنتين التي تفوقت انوثتها علىى”رجولة” الكثير من زعماء العرب.. وفضحت النفاق الامريكي حول الارهاب.. وانتصرت لشهداء غزة والعراق وافغانستان

كنت وما زلت، اتمنى لو ان السيدة كريستينا فيرنانديز دي كريشنر، واحفظوا هذا الاسم جيدا، زعيمة للامة العربية كلها دون استثناء، فبينما ينشغل قادة ووزراء خارجية دول عربية بتقبيل ايادي السيدة تسبي ليفني وزيرة “العدل” الاسرائيلية، احد ابرز مجرمي الحرب الثانية والثالثة على قطاع غزة، ويتمسحون بها تبركا، ويتنافسون على اظهار “اعتدالهم” وحرصهم على السلام والتطبيع، تقف هذه المرأة الشجاعة على منصة مجلس الامن الدولي لتتحدث عن تناقضات السياسة الامريكية وتفضح اكاذيبها، وتكشف وجهها العدواني القبيح وانيابها المتعطشة لسفك الدماء، دماء العرب والمسلمين على وجه الخصوص.

السيدة كريستينا هاجمت سياسة الولايات المتحدة العدوانية التي تتغطى بغطاء الحرب على الارهاب، وقالت بالفم الملان ودون تلعثم وبلغة قوية: “كنتم تدعمون المعارضة الذين قلتم لنا انهم ثوار واليوم نجتمع في هذا المجلس لمحاربة هؤلاء الثوار بعد ان تبين انهم ارهابيون، واصدرتم قرارا بمحاربة تنظيم “القاعدة” بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر، واستبحتم بلاد وقتلتم مئات الآلاف من ابنائها تحت هذه الذريعة في العراق وافغانستان وما زالت هاتان الدولتان تعانيان من الارهاب بالدرجة الاولى”.

وذهبت هذه السيدة الى ما هو ابعد من ذلك عندما انتصرت لضحايا الارهاب الاسرائيلي في قطاع غزة، وهو ما لم يفعله اي زعيم عربي، عندما قالت “غضضتم النظر عن فداحة الكارثة التي ارتكبتها اسرائيل وموت العديد من الضحايا الفلسطينيين وركزتم كل اهتمامكم بالصواريخ التي سقطت عليها والتي لم تؤثر او تحدث اي خسائر في اسرائيل”، واضافت “اليوم نجتمع هنا لاصدار قرار دولي حول تجريم “الدولة الاسلامية” ومحاربتها وهذه الدولة مدعومة من دول انتم تعرفونها اكثر من غيركم ، وهي (الدول العربية) حليفة لدول كبرى اعضاء في مجلس الامن”.

***

قطعوا عنها الترجمة حتى لا تصل كلماتها الى العالم بأسره، والقنوات الفضائية التي كانت تبث وقائع الجلسة على الهواء مباشرة، وادعوا ان هذا الانقطاع، الذي لم يحدث مطلقا في تاريخ مجلس الامن، جاء بسبب خلل فني، فالاخ الامريكي الاكبر لم يعجبه قطعا هذا الكلام، فلجأ الى اساليب الارهاب الفني والتقني لحجب الحقائق عن من ينتظرون سماعها.

الزعماء العرب الذين اعتلوا منبر الجمعية العامة للامم المتحدة القوا كلمات باهتة، مملة، تقطر نفاقا لامريكا، وتسهب في ابراز خطورة ارهاب “الدولة الاسلامية” والاسلام المتشدد، ولم يعرج الا القليل جدا منهم، وعلى استحياء شديد، للارهاب الاسرائيلي.

امريكا لا تستطيع “توبيخ” رئيسة الارجنتين لانها وقفت في خندق الشهداء والجرحى واليتامى في قطاع غزة، لانها رئيسة منتخبة، وتتزعم دولة تحرص على سيادتها، وتحترم شعبها، وقبل كل هذا وذاك تنحاز لقيم العدالة وحقوق الانسان والكرامة في العالم بأسره ولا تخاف امريكا، فالخوف لا مكان له في ثقافتها وتراثها.

نعم انهم يحشدون الطائرات من اكثر من اربعين دولة، لمواجهة “الارهاب الاسلامي” وليس الارهاب الاسرائيلي، ويفتخر طيارون يقولون انهم عرب، وينتمي بعضهم الى اسر حاكمة، بأنهم يدمرون آبارا نفطية عربية، بينما يجتمع قادتهم، او وزراء خارجيتهم، بالسيدة ليفني على مائدة العشاء لتوثيق العلاقات وتكريس التطبيع، والاشادة بالسياسات الاسرائيلية الحضارية في تدمير قطاع غزة.

***

نكتب بغضب لاننا نشعر بالقهر والخذلان ومرارات الهزيمة، ونحن نرى افعال حكامنا، وكيف تنهب ثرواتنا امام اعيننا، وكيف تزهق ارواح المزيد من ابنائنا بقذائف طائراتنا المقاتلة التي لم نر اي منها في الحروب مع اسرائيل وربما لن نراها جنبا الى جنب مع نظيراتها البريطانية والامريكية.

بسبب هذا الهوان والتفريط وانعدام الوطنية يتدفق الآلاف من الشباب العرب الى سورية والعراق للانضمام الى صفوف جماعات الاسلام السياسي المتشدد، وقطعا سيزداد هذا التدفق مع كل طلعة جوية للطائرات العربية او الامريكية في البلدين.

اقول شكرا للسيدة كريستينا.. شكرا على شجاعتها.. وشكرا على انوثتها التي تفوقت على رجولة من يدعون انهم رجال، شكرا انها نطقت بالحق دون ان تخشى امريكا، وطائراتها وصواريخها واساطيلها، وهنيئا للزعماء العرب تمسحهم بالسيدة ليفني، واستجدائهم لرضاها، واذا كانت الشعوب لن تحاسبهم، وهذه قمة المأساة، فان التاريخ لن يرحمهم.

هذه الشعوب التي انجبت كاسترو وتشافيز وموراليس وجيفارا ليس غريبا عليها ان تنجب هذه “النمرة” كريستينا ولا عزاء للجبناء.

بعد قصف الطائرات الامريكية لحمص هل سيأتي الدور على دمشق قريبا ام بعيدا.. ثم تجفيف منابع التمويل لـ”الدولة الاسلامية” هل سيكون مقدمة لتجريف مئات المليارات الخليجية؟

 

التحالف الامريكي الذي يقاتل “الدولة الاسلامية” وباقي الفصائل المتشددة على الارض السورية يتوسع، وطلعاته الجوية تتضاعف يوما بعد يوم، وتستهدف مواقع في مدن جديدة، ولكن لا احد يقول لنا اين ستنتهي هذه الحرب وكيف، ومن اجل من كل هذا الحشد الدولي، العسكري والسياسي والمالي، من اجل القضاء على تنظيم تقول وكالة الاستخبارات الامريكية ان تعداد مقاتليه لا يزيد عن ثلاثين الفا.

فاما ان تنظيم “الدولة الاسلامية” وحلفاءه اكبر بكثير واقوى من التقديرات الامريكية، او ان التحالف الذي يريد اجتثاثه والقضاء عليه اضعف من انجاز هذه المهمة في مدى زمني منظور، والا كيف نفهم تقدم مقاتلي “الدولة الاسلامية” في محافظة الحسكة، وفي الحزام الكردي على طول الحدود السورية التركية، ويوشك ان يستولي على مدينة عين العرب التي يحاصرها منذ ايام، رغم القصف المكثف لقواعده منذ اربعة اسابيع على الاراضي التي يسيطر عليها وتزيد مساحتها عن مساحة الاردن؟

اليوم اغارت الطائرات الامريكية المقاتلة على مواقع لـ”الدولة الاسلامية” في قلب مدينة حمص، واخرى بالقرب من مدينة حلب، فما الذي يمنع هذه الطائرات، وقد استباحت الاجواء السورية دون اي معارضة او مقاومة، من قصف دمشق او اللاذقية تحت الذريعة نفسها؟

الشيء الوحيد الذي نعرفه في غمرة هذا السيرك الاعلامي التضليلي ان العرب، والدول الخليجية على وجه التحديد، هي التي ستدفع نفقات هذه الحرب كاملة، وفوقها بضعة مليارات كفارق للعملة، فليس المهم بالنسبة الى الولايات المتحدة مشاركة بضعة طائرات من خمس دول عربية، مثل السعودية والامارات وقطر في طلعات جوية لتدمير مصافي نفطية لـ”الدولة الاسلامية”، وانما توفير الغطاء العربي السني اولا، وتسديد النفقات كاملة في ظل الازمات الاقتصادية الخانقة التي تعيشها الولايات المتحدة والدول الغربية الاخرى.

***

بالامس قال غوردون آدمز الاستاذ في الجامعة الامريكية في واشنطن، والمسؤول السابق عن الميزانية في عهد الرئيس الاسبق بيل كلينتون ان هذه الحرب ستكلف الخزانة الامريكية ملياري دولار شهريا تقريبا، وهذا التقدير في المراحل الاولى فقط، ويمكن ان تزيد عدة اضعاف اذا ما توسع نطاق الحرب الى تدخل بري، هذا على افتراض ان الامور ستسير على ما يرام، ودون اي خطأ في الحسابات، او دخول اطراف اخرى الى حلبتها مثل روسيا التي بدأت نغمتها في معارضة التدخل الامريكي تتزايد في الايام الثلاثة الماضية، على اعتبار انه غير شرعي، ويفتقد الى تفويض اممي.

ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني الذي حصل بالامس على ضوء اخضر من البرلمان البريطاني للمشاركة في الغارات الجوية ضد “الدولة الاسلامية” في العراق فقط، توقع ان تستمر هذه الحرب لخمس سنوات دون ان يشرح ولشعبه كيف ولماذا.

علمتنا التجارب السابقة، وما اكثرها ان المرحلة التالية لاي قصف جوي هو تدخل القوات البرية، فالطائرات الامريكية قصفت القوات العراقية في الكويت وجوارها اربعين يوما متواصلة ولم تتورع عن قصف القوات العراقية المنسحبة على طريق المطلاع نحو البصرة، وبعد ذلك بدأت الحرب البرية، ولم تخسر قوات التحالف قتيلا واحدا، وتكرر الشيء نفسه عام 2003 حيث سبق القصف الجوي السجادي اقتحام قوات الغزو للعاصمة بغداد، ولم تخسر القوات الغازية الا 138 جنديا، وارتفع الرقم الى ثلاثة آلاف بفعل عمليات المقاومة.

السياسيون الامريكيون يؤكدون في كل مناسبة انهم لن يتدخلوا في اي حرب برية، وسيتركوا هذه المهمة للجيش العراقي الذي سيتم عملية اعادة تأهيله، والقوات المعارضة السورية، “المعتدلة” ابتداء من تدريب 5000 عنصر في قواعد عسكرية في المملكة العربية السعودية، وقدر الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة اركان الجيوش الامريكية عدد القوات المطلوبة على الارض لمحاربة “الدولة الاسلامية” بحوالي 15 الف مقاتل.

اذا افتراضنا ان السعودية ستدرب خمسة آلاف، وسيكون معظمهم من الجنود الذين انشقوا عن جيش بلادهم، فمن اين ستأتي امريكا بالعشرة آلاف جندي الآخرين؟ ثم كيف ستكون كفاءة هؤلاء الجنود الذين سيعاد تأهيلهم على يد مدربين سعوديين؟ خاصة ان القوات السعودية عانت كثيرا اثناء مواجهتها لجماعة الحوثيين، واستغرق امر اخراجهم من 400 قرية احتلوها في جنوب المملكة اكثر من ثلاثة اشهر رغم الفارق الضخم في العدد والعدة بين الجانبين.

***

لا احد يتحدث عن الاجندات السرية، او الصورة التي ستنتهي عليها المنطقة بعدها، والدولة الجديدة التي ستنشأ، والاخرى التي ستنتهي وتزال من الخريطة كليا، فهذا موضوع محرم لا يجب تناوله او الخوض فيه او السؤال عنه خاصة من قبل ابناء المنطقة الذين سيكون الخاسرين في نهاية المطاف.

النظرية الامريكية التي تعتبر العمود الفقري في العقيدة الامريكية على مر العصور تقول ان هناك “فرصة ما” في جميع الحروب يجب انتهازها وتوظيفها لمصلحة الاقتصاد والشعب الامريكي بالتالي، ولا بد ان الفرصة الذهبية في الحرب “المفتعلة” الحالية هي الاستيلاء على اكثر من ثلاثة تريليونات دولار من الاموال العربية المستثمرة في صناديق سيادية وبنوك اجنبية، سواء في الدول او الافراد.

في عام 1973 خرج علينا هنري كيسنجر بنظريته حول تدوير عائدات النفط، وتشكيل قوات التدخل الامريكي السريع لتأمينها، وما يجري حاليا هو التطبيق الثالث لهذه الخطة.

فليفرح الطيارون والطيارات العرب الذين ساهموا بطائراتهم من طراز “اف 16″ بتدمير مصافي نفط تسيطر عليها “الدولة الاسلامية” لتجفيف مصادرها التمويلية، ولكنهم لا يعرفون ان ثمن مشاركتهم في هذه الحرب المحسوبة بدقة، سيكون تجفيف ارصدتهم ومدخرات اجيالهم، او معظمها في نهاية المطاف، والايام بيننا.

مشاركة الطيارين العرب غير المسبوقة في الحرب على “الدولة الاسلامية” واخواتها.. ما هي الدوافع والاخطار.. ومن اين اخترع اوباما تنظيم “خراسان” الارهابي؟ وما هو الهدف القادم؟

بعد ان شاهدت بعض صور الطيارين من خمس دول عربية (السعودية، الامارات، قطر، البحرين، الاردن) يلوحون من نوافذ طائراتهم الامريكية الحديثة من طراز “اف 16″ باشارة النصر، والابتسامة مرسومة على وجوههم او وجوههن السمراء (قائدة طائرة اماراتية شاركت في القصف)، بعد عودتهم وانجازهم لمهامهم في تدمير مواقع واهداف لتنظيمات جهادية متشددة (الدولة الاسلامية، جبهة النصرة، احرار الشام) وقتل اكبر قدر ممكن من هؤلاء ومعهم العديد من المدنيين وربما الاطفال ايضا، اقول بعد هذه المشاهدة، اغمضت عيني وسرحت في حلم يقظة طويل (لم امر بهذه التجربة منذ سن المراهقة لكثرة الكوابيس العربية ولعدم وجود وقت لمثل هذه الاحلام) وتخيلت ان هؤلاء الطيارين والطيارات عائدون لتوهم الى قواعدهم، من مهمة في فلسطين المحتلة، تصدوا خلالها للطائرات الاسرائيلية التي تقصف الجوعى المحاصرين العزل في قطاع غزة.

على اي حال الاحلام كلها، يقظة او منام، مشروعة ومحببة، وليست محظورة بمقتضى قوانين الارهاب الامريكية والعربية، وربما هي الوحيدة التي تبقت لهذه الامة وابنائها، في هذا الزمن المتردي الذي لا نعتقد ان له مثيل في تاريخ هذه الامة في كل حقباته.

***

وزارة الدفاع الامريكية اكدت، عبر المتحدثين باسمها، ان المقاتلات العربية، شاركت بكثافة في الضربات الاخيرة ضد مواقع “الدولة الاسلامية” في سورية، وان عشر مقاتلات منها (سعودية واماراتية) اغارت برفقة ست مقاتلات امريكية على مصافي النفط الخاضعة لسيطرة هذه الدولة ودمرتها تدميرا كاملا.

مهمة الطيارين العرب سهلة، وليست محفوفة بأي أخطار على الاطلاق، فالاجواء صافية، والضحايا من اهل البيت (عرب ومسلمون)، والعدو لا يملك رادارات ولا مدفعية او صواريخ مضادة للطائرات، والدولة السورية التي هددت باسقاط اي طائرة تنتهك اجواءها، تعتبر نفسها، ومثلما قالت صحيفة “الوطن” السورية تقاتل في خندق واحد مع القوات الامريكية ضد الارهاب”.

هذه الغارات، وداخل سورية بالذات، تجعلنا نفهم اسباب عدم تزويد امريكا ومنعها دول عربية من تسليم صواريخ (آي باد) المحمولة على الكتف لشل سلاح الطيران السوري، لانها كانت تخشى سقوطها او بعضها، في ايدي الجماعات المتشددة وتستخدمها ضد الطائرات الامريكية والعربية في مرحلة لاحقة مثلما نرى حاليا.

لا نعرف ما اذا كانت هذه الدول العربية الخمس سترسل قوات ارضية في مرحلة لاحقة، وبعد ان يفرغ بنك اهداف الغارات الجوية، ولا يبقى شيء لهذه الطائرات لكي تقصفه بعد انجاز مهمة تدمير مصافي النفط البدائية وبعض مقار الجماعات الارهابية و”بناها التحتية”، ولكن ما يمكن ان نتكهن به انها ربما لم تقدم على هذه المهمة، اي المشاركة الجوية، لو لم تحصل على تعهد امريكي بالذهاب في هذه الحرب الى هدفها النهائي، اي تغيير النظام السوري، تماما مثلما فعلت عندما شاركت مع طائرات حلف الناتو في قصفها لليبيا، واسقاط النظام الليبي في نهاية المطاف.

لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسي عزز تكهناتنا هذه عندما اعلن ظهر الخميس في حديث لراديو (فرانس انفو) “ان اعداء بلاده في سورية يتضاعفون وان العدو الاول هو الاسد، ومن ثم تنظيم الدولة الاسلامية الذي يعمل لصالحه”.

كلام وزير الخارجية الفرنسي على درجة كبيرة من الاهمية، ويرسم الخطوط العريضة لهذه الحرب، والمهام المرسومة لكل طرف مشارك فيها، وكل ما نسمعه من احاديث عن الديمقراطية وحقوق الانسان والتطرف الاسلامي هو نوع من التضليل تماما مثل اكذوبة اسلحة الدمار الشامل العراقية.

الرئيس اوباما قال لنا في خطابه الاخير الذي اعلن فيه عن بدء الضربات الجوية داخل الاراضي السورية انه عجل بهذه الضربات لان تنظيم “خراسان” التابع لتنظيم “القاعدة” كان يخطط للقيام بعمليات ارهابية في امريكا ودول اوروبية اخرى انطلاقا من سورية، واقسم بالله، انني اتابع كل صغيرة وكبيرة متعلقة بتنظيم “القاعدة” منذ نشأته عام 1996، وكتبت كتابين حوله، والثالث في الطريق، ولم اسمع مطلقا باسم هذا التنظيم (خراسان) الا من الرئيس الامريكي اوباما، ثم ما حاجة الدكتور ايمن الظواهري لتأسيس تنظيم جديد على الارض السورية للقيام بمثل هذه العمليات، ولديه ثلاثة تنظيمات كبرى مثل “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة” و”احرار الشام”، علاوة على عشرات التنظيمات الصغيرة التي تتبنى فكر “القاعدة” وايديولوجيتها؟ ثم كيف سينفذ هذا التنظيم عمليات ضد امريكا، و”التنظيم الام” لم ينجح في تنفيذ اي “عملية ارهابية” منذ عشرة اعوام تقريبا بسبب اجراءات الطوارىء المشددة في كل مطارات الغرب؟!

التحالف الدولي الجديد الذي تتزعمه الولايات المتحدة يسير وفق مخطط مدروس بعناية، الفصل الاول منه يمكن اختصاره في نقطتين:

*الاول: تجفيف المنابع المالية لتنظيم “الدولة الاسلامية” من خلال قصف 22 مصفاة بدائية للنفط في منطقتي دير الزور والرقة، وهي المصافي التي كانت تدر مليوني دولار يوميا.

*الثانية: تجفيف المنابع البشرية من خلال اصدار قرار عن مجلس الامن الدولي وفق البند السابع من ميثاق الامم المتحدة يمنع ويجرم اي دولة تسمح بمرور المقاتلين الاجانب للانضمام الى الجماعات الارهابية، وتنظيم “الدولة الاسلامية” على وجه الخصوص.

***

الهدفان تحققا جزئيا اليوم بتدمير المصافي المذكورة وآبار نفط اخرى، واعلان تركيا عن ترحيل الف شاب من جنسيات متعددة كانوا في طريقهم للالتحاق بـ”الدولة الاسلامية”، وعندما نقول جزئيا فان تنظيم “الدولة الاسلامية” يستطيع الاستغناء عن هذا المدخول النفطي لخمسة اعوام، اذا ما صحت التقديرات الاجنبية التي تقول انه يملك ارصدة مالية تتراوح بين خمسة وسبعة مليارات دولار، اما بالنسبة لالتحاق المقاتلين في صفوفه، فليس كل هؤلاء يمرون عبر الاراضي التركية، فهناك مقاتلون محليون من سورية والعراق، وعلينا ان نتذكر ان هناك حوالي 250 الف لاجيء غير شرعي في بريطانيا وحدها دخلوها بطرق غير شرعية، ومن خلال المهربين او مساعدتهم.

عندما كان يقول بعضنا ان هدف امريكا وحلفاءها تجميع “الارهابيين الاسلاميين” في بقعة واحدة والقضاء عليهم دفعة واحدة، كان هناك، ومن الاسلاميين خاصة من يشكك في هذا الكلام في غمرة حماسة لدعم ومساندة المعارضة المسلحة في سورية التي تقاتل لاسقاط النظام، فالذين كانوا يسمحوا للمتشددين الاسلاميين القادمين من مختلف انحاء العالم، بالمرور عبر تركيا والاردن والعراق، وتدريبهم وتمويلهم، هم الذين يرسلون طائراتهم لقصفهم والقضاء عليهم بالتالي.

هذه حرب “متدحرجة” ما زالت في ايامها او اسابيعها الاولى، ولذلك من الصعب اطلاق احكام حاسمة بشأنها ونتائجها، فقد تتغير الاهداف، وتنقلب التحالفات، وينسحب منها البعض، وينضم البعض الآخر، وتنتقل بنادق البعض من الكتف الايسر الى الايمن او العكس، فالحروب دائما مليئة بالمفاجآت، وليس كل المخططات وتطبيقاتها تنتهي بالطريقة التي يريدها مخططوها.

القصف الجوي الامريكي استهدف الاراضي السورية.. والنظام والمعارضة يتسابقان للترحيب به.. ماذا يحدث في المنطقة.. وكيف يتوحد عرب “الممانعة” و”الاعتدال” خلف هذا التدخل العسكري الذي سيقتل الآلاف وربما مئات الآلاف من السوريين ايضا؟ وماذا عن السيادة؟

عبد الباري عطوان

لم تحتج الطائرات الحربية الامريكية وصواريخ “التوماهوك” اذنا من السلطات السورية لضرب مواقع لتنظيم “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة” جناحي تنظيم “القاعدة” الى جانب “احرار الشام” داخل الاراضي السورية، لان امريكا باتت الحاكم الناهي المسيطر على المنطقة، ولذلك لا تعترف بسيادة اي دولة عربية على اراضيها او اجوائها، فالسيادة لها فقط، وما على الآخرين غير تقديم “البيعة” لساكن البيت الابيض الذي لم يبق له غير تنصيب نفسه”خليفة” للمسلمين، والعرب منهم خاصة، سنة او شيعة.

انها حرب امريكية بامتياز وبغطاء عربي اسلامي من دول محور “الممانعة”، ومن دول محور “الاعتدال”، من المسلمين السنة، ومن المسلمين الشيعة على حد سواء، فقد تساوى الجميع، وذابت الفوارق المذهبية والعقائدية والسياسية وبات الجميع، ودون اي استثناء يخدم الاجندات العسكرية والسياسية الامريكية، وهو استثناء تاريخي غير مسبوق في تاريخ المنطقة، فلم نسمع صوتا معارضا واحدا لهذا التدخل، ولو من قبيل التحذير من العواقب.

اربع دول خليجية، علاوة على الاردن، تباهت علانية بالمشاركة في هذه الضربات الامريكية، ليس من خلال فتح قواعدها الجوية، وخزائنها المالية، وانما ايضا بارسال طائرات للمشاركة الفعلية في الغارات على مواقع الجماعات الاسلامية المتشددة التي ساهمت بدور كبير، مباشر او غير مباشر، في تمويلها وتسليحها، ووصولها الى ما وصلت اليه من قوة وعنفوان، من اجل تصفيتها، حتى لو ادت هذه الغارات الى قتل مدنيين سوريين ابرياء، ومن بينهم اطفال ونساء بطبيعة الحال، فلا نعتقد ان مقاتلي الجماعات الجهادية المتشددة سيقفون وسط الصحراء السورية ويقولون للطائرات الامريكية تفضلي اقصفينا، كما ان هذه الجماعات لا تملك قواعد او مقرات لوزارات او بنوك مركزية او قصور لقادتها حتى تكون هدفا واضحا، وانما ستذوب قياداتها وافرادها وسط السكان بحيث تصبح ابرة وسط جبل من القش.

***

الشعب السوري لم يعد يعرف هذه الايام على يد من سيقتل، على يد النظام وبراميله المتفجرة، ام على يد فصائل المعارضة المسلحة وقصفها، ام بقذائف الطائرات الامريكية المغيرة، ام بحمم صواريخ “توماهوك”، ام قنابل الطائرات الخليجية، الامريكية الصنع، التي من المفترض ان تكون “قنابل صديقة”.

الجميع يتفق حاليا ويتكاتف ويتحالف على قتل المواطنين السوريين سواء كانوا في خندق النظام او في خندق المعارضة، ودون ان يكون لهذا الشعب اي ذنب، غير انه كان وسيظل عربيا مسلما مخلصا لعروبته واسلامه وقضايا امته.

سوريا تحولت الى حقل تجارب للقتل واختبار فاعلية الاسلحة الحديثة، فها هي الادارة الامريكية ووزارة دفاعها “البنتاغون” ترسل احدث ما في ترسانتها ومخازنها من اسلحة وطائرات مثل طائرة “اف 22″، الى الاجواء السورية للمرة الاولى منذ دخولها الخدمة، لتجرب حظها في القتل، وقياس مدى دقة وفعالية صواريخها، واداء طياريها.

ندرك جيدا ان مشاركة طائرات حربية خليجية في الحرب على الجماعات الاسلامية المتشددة هي مشاركة “رمزية”، او “كمبارس″ عمليا، فالمهمة الكبرى ملقاة على كاهل الطائرات الامريكية، ولكنها مشاركة خطرة جدا، وعلى درجة كبيرة من الاهمية ستظهر مخاطرها لاحقا، لانها توفر “الغطاء الشرعي” العربي والاسلامي لهذه الحرب الامريكية، وتوزع دم الجماعات الاسلامية المتشددة على القبائل العربية، التي اصبحت دولا ترفع اعلاما على مضاربها “العصرية”، وتعطي “صك براءة” لامريكا وكل جرائمها السابقة واللاحقة في حق اهل المنطقة.

نعرف اليوم الموعد او التاريخ الذي يؤرخ لبداية هذه الحرب، ولكننا لا نعرف، ولن نعرف في المستقبل المنظور، متى ستنتهي، وكيف ستنتهي، ومن الخاسر والرابح فيها، وان كنا نشك بأننا كعرب ومسلمين سنكون من الرابحين بالقياس الى جميع الحروب الامريكية السابقة في منطقتنا، امريكا لن تواجه الا الحد الادنى من الخطر، لانها تقاتل من الجو، بينما الخطر الاكبر سيلحق بالذين سيقاتلون على الارض، وهم بكل تأكيد من العرب والمسلمين، سواء كانوا يقاتلون في الخندق الامريكي او الآخر المقابل له.

الغارات الجوية الامريكية “العربية” المشتركة قد تغير معادلات كثيرة في المنطقة، ولن نستغرب ان نرى في الايام او الاسابيع المقبلة “توحد” اكبر ثلاثة فصائل اسلامية فرقهما العداء، والخلاف الايديولوجي، ونقصد بذلك “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة” و”احرار الشام” وهي اكثر الفصائل المعارضة قوة وشكيمة وتأثيرا، ولن نستبعد حدوث اعمال انتقامية ضد الحكومات العربية والاسلامية التي شاركت في هذه الحرب بطرق مباشرة او غير مباشرة من قبل هذه الجماعات وانصارها، ونحن نتحدث هنا عن الاردن والدولة الخليجية الاربع الاخرى (السعودية، قطر، الامارات، البحرين).

جميع التدخلات العسكرية الغربية التي قادتها امريكا في المنطقة خلقت دولا فاشلة، وفوضى امنية عسكرية، وملاذا للجماعات الجهادية المتطرفة، وانهيارا للدولة ومؤسساتها وعدم وجود اي بديل افضل، ولنا في ليبيا والعراق وسورية خير الامثلة.

نعم هناك انصار ومؤيدون لهذه الحرب، ولكن اكثر الناس تأييدا وحماسا هم الذين يقفون في خانة الانظمة الحليفة او حتى غير الحليفة لواشنطن التي ترى في “الدولة الاسلامية” خطرا عليها، وكأن هذه الدولة قوة عظمى تملك الطائرات الحربية واسلحة نووية وصواريخ باليستية، ولكن ماذا عن الغالبية الساحقة من الشباب المحبط الذي يعاني من البطالة والفقر والحرمان والفساد والتهميش؟ وماذا لو لم تنجح هذه الحرب في تحقيق اهدافها؟

***

نسأل هذا السؤال لان الرئيس الامريكي باراك اوباما الذي قال في خطابه قبل اسبوعين انه سيهزم “الدولة الاسلامية” مثلما هزم “القاعدة” كان يجافي الحقيقة، او يضلل مواطنيه، فاذا كان هزم القاعدة فعلا لماذا يضرب جماعة “خراسان” التي يقول ان مواطنا كويتيا يقف خلفها (عبد الرحمن الفضلي) وكانت تخطط لشن هجمات ضد الغرب، وتعتبره فرعا لتنظيم “القاعدة” ثم لماذا يعود الى العراق بطائراته وصواريخه بعد اربع سنوات لمحاربة تنظيم “الدولة الاسلامية” وجبهة النصرة واحرار الشام والقضاء عليها قضاء مبرما؟ وهو الذي اعلن ان الحرب على الارهاب اعطت اؤكلها والعراق “تحرر” وبات نموذجا في الديمقراطية والاستقرار.

“الدولة الاسلامية” تشكل خطرا كبيرا، وتعتنق ايديولوجية دموية يختلف معها غالبية المسلمين لدمويتها وارهابيتها، ولكن علينا ان نسأل هل القتل على ايدي سفاحي “الدولة الاسلامية” محرم بينما هو حلال زلال اذا جاء بصواريخ الطائرات الامريكية والعربية المشاركة معها في عمليات القتل الجوي هذه؟

وهذا النظام السوري الذي بارك هذه الحرب ورحب بها لاستئصال الارهاب، الا يدرك انه المستهدف الاول في هذه الحرب، سواء بعد القضاء على التنظيمات الارهابية او ربما قبلها؟

المنطقة مقبلة على كارثة جديدة ربما تكون اكثر خطرا وتدميرا من كل سابقاتها، وسيهرب الامريكيون مثلما هربوا بعد كل تدخلاتهم العسكرية وهزائمهم السابقة، ونحن العرب الذين سندفع الثمن من دمنا ومالنا ووحدتنا الجغرافية والديمغرافية والاسلامية.

الدولة اليمنية انهارت للأسف.. والبلد على ابواب التفتت.. وهناك ثلاثة سيناريوهات متوقعة في الاشهر المقبلة من بينها عودة الملكية.. والسعودية انتظرت الخطر من الشمال فجاءها من الجنوب

نجحت قوات “انصار الله” الحوثية في الاستيلاء على جميع مؤسسات الدولة في العاصمة اليمنية صنعاء، ابتداء من وزارة الدفاع ومرورا بالمستشفيات وانتهاء بالمصرف المركزي، ودون اي مقاومة تذكر، حتى ان وزير الداخلية ناشد اجهزته الامنية بعدم المقاومة والتعاون مع “الفاتحين” الجدد.

السيد محمد سالم باسندوة رئيس الوزراء اليمني استقال واتهم الرئيس عبد ربه منصور هادي بالديكتاتورية، ووجه رسالة الى الشعب اليمني انه قدم استقالته لاتاحة الفرصة لانجاح اتفاق بين الرئيس و”انصار الله”.

المبادرة الخليجية التي كانت الرافعة الاساسية للانتقال السلمي للسلطة انهارت، وكذلك المؤسسة العسكرية امام تقدم القوات الحوثية، وبات اليمن على حافة مرحلة جديدة قد تحمل عناوين عديدة ابرزها التقسيم، والتفتيت، والحرب الاهلية والقبلية، والطائفية، ولا ننسى الفوضى العارمة على غرار ما حدث ويحدث في ليبيا، وربما سورية ايضا.

الوضع اليمني كان دائما وضعا شائكا يستعصي على الفهم، ولكن ما تعيشه البلاد حاليا من تطورات متسارعة على الارض فاجأ الجميع، واصابهم بحيرة كبيرة، ولا يستطيع اي احد، ان يقدم تفسيرا وافيا ومقنعا، باستثناء بعض التكهنات من هنا وهناك، فالجميع في حالة من الضياع.

صمت المملكة العربية السعودية الجارة الشمالية والنافذة لليمن عما يحدث من تطورات، وعدم تدخلها لانقاذ الرئيس اليمني وحكومته هو السؤال الاكبر الذي يتردد على السنة اليمنيين هذه الايام، فهناك من يقول ان هناك قرارا سعوديا باجتثاث حركة الاخوان المسلمين في اليمن الممثلة في حزب الاصلاح بكل تفرعاته القبلية (آل الاحمر) والعقائدية، والعسكرية (اللواء علي محسن الاحمر)، وطالما ان التيار الحوثي هو الذي يقوم بهذه المهمة نيابة عنها فلا بأس.

وهناك من يؤكد ان هناك تنسيقا قويا بين الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح وانصاره في المؤسستين الامنية والعسكرية من جهة، وحركة “انصار الله” الحوثية في الجهة الاخرى لتعطشه للانتقام من “آل الاحمر” الذين انتصروا للثورة ضده وعملوا على اطاحة نظامه، ووقفوا خلف محاولة الاغتيال الفاشلة التي كادت ان تقضي على حياته.

***

اليمنيون، والنخبة السياسية منهم على وجه الخصوص يطرحون الكثير من علامات الاستفهام حول موقف المملكة العربية السعودية، ويقولون صراحة نحن على دراية بالاستراتيجية السعودية في محاربة حركة “الاخوان المسلمين” باعتبارها “اس البلاء” في نظرهم، واجتثاثها في كل مكان تتواجد فيه بما في ذلك اليمن، ولكن لماذا دعمت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ضدها في مصر، ولم تدعم عبد ربه منصور هادي في اليمن وهو رجلها بالقدر نفسه ماليا وعسكريا؟

ويسألون ايضا: هل تقبل السعودية بهيمنة من قبل “اعدائها” الحوثيين المدعومين من ايران على اليمن خاصرتها الجنوبية الاضعف، ومصدر التهديد التاريخي لها، حسب ادبياتها السياسية.

السيد جمال بن عمر المبعوث الدولي اعلن اكثر من مرة انه توصل الى اتفاق ينص على تشكيل حكومة وحدة وطنية يمينة تتولى ادارة شؤون البلاد، وقبل بها الرئيس هادي وكذلك القيادة الحوثية يوم السبت، وتجدد هذا الاعلان مساء اليوم الاحد، ولكن ما جرى من سيطرة للتيار الحوثي، وانهيار للجيش وقوات الامن امام زحفها على المؤسسات العامة ومعظم صنعاء ربما يضع هذا الاتفاق امام خيارين: الاول هو الغاؤه من الاساس، او ادخال المزيد من التعديلات على بنوده وبما يلبي كل شروط التيار المنتصر في صنعاء، وتظل فرص تطبيقه ناهيك عن فرص صموده موضع شك الكثيرين في اليمن ونخبته السياسية.

سيناريوهات كثيرة يقف على اعتابها هذا البلد بعد هذا الانقلاب الكبير في كل المعادلات السياسية والقبلية والعسكرية والاقليمية التي كانت تحكمه طوال السنوات الخمسين الماضية يمكن ايجازها في النقاط التالية:

*السيناريو الاول: ان يستولي الحوثيون على السلطة، ويعيدون النظام الملكي مثلما كان عليه الحال قبل الثورة عام 1962، فالهاشميون موجودون في اليمن، وزاد حضورهم في الفترة الاخيرة، وما زالوا يتطلعون للعودة الى السلطة، والجيل الثالث منهم تعلم في الخارج واكثر تعليما وخبرة من الاجيال السابقة.

*السيناريو الثاني: ان يتحول السيد عبد الملك الحوثي زعيم “انصار الله” الى “مرشد اعلى” لليمن على طريقة السيد علي خامنئي في ايران، ويمسك بزمام الامور في يديه، ويحكم البلاد من خلال حكومة تنفيذية قوية يتزعمها شخصية موالية له.

*السيناريو الثالث: ان يبقى الرئيس اليمني الحالي عبد ربه منصور هادي في السلطة “شكليا” ودون اي صلاحيات ولو لفترة مؤقتة، ويكون التيار الحوثي هو صاحب القرار الحقيقي في البلاد، ويحكم من خلف ستار.

*السيناريو الرابع: هو الفوضى المسلحة، وتفكك الدولة لان التيار الحوثي غير مهتم ببسط سلطته على الجنوب، ويحصر اهتمامه في المناطق الزيدية فقط في الشمال، فمن جنوب صنعاء وحتى مدينة تعز يعتبر اليمنيون الشوافع انفسهم في حل من الدولة ومن يريد اساسا محاولة السيطرة على مناطق جنوبية مقسومة بين الحراك الجنوبي الذي يريد الانفصال، ومناطق الجنوب الشرقي التي يسيطر على معظمها تنظيم “القاعدة” او بالاحرى يتواجد فيها بشكل مكثف.

من الصعب علينا تفضيل “سيناريو” معين على الآخر فالصورة ضبابية الى جانب كونها مأساوية في اليمن، والشعب اليمني الفقير المنهك المسحوق يعيش حالة غير مسبوقة من خيبة الامل، ويشعر بالخذلان من الدولة والجيران والمجتمع الدولي في الوقت نفسه، وخاصة انه يرى نفاق هذا المجتمع الدولي في ابشع صوره في العراق وسورية، فها هي امريكا تجيش الجيوش وترسل الطائرات لضرب قوات الدولة الاسلامية لانها هجّرت المسيحيين واليزيديين واقتربت من اربيل عاصمة تركستان العراق، ولا تعير اليمن وشعبه اي اهتمام.

الدولة انهارت في اليمن، وكل عمليات “الترقيع″ المقترحة من المبعوث الدولي او غيره لن تمنع هذا الانهيار، وان منعته فلفترة قصيرة، لنا في ليبيا خير مثال للأسف الشديد، ولذلك قد يكون السيناريو الاخير هو الاكثر ترجيحا، فلا احد يهتم باليمن للأسف، وكل الاهتمام ينصب حاليا على “الدولة الاسلامية” في الشمال العربي.

انهيار الدولة اليمينة ومؤسساتها سيشكل عامل عدم استقرار للجوار الخليجي، وللمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، فمجلس التعاون الخليجي ارتكب اكبر خطيئة في تاريخه عندما اهمل اليمن وجوّع شعبه، ووضع العراقيل امام انضمامه الى ناديه الثري، ولم يضع مبكرا خططا حقيقية للتنمية والاستقرار من خلال مشاريع تحفز اقتصاده، وتخلق فرص العمل لشبابه العاطل حيث تصل نسبة البطالة في صفوفه الى اكثر من خمسين في المئة، وطالما انه لا يريد فتح اسواق العمل في الدول الخليجية له.

***

مثلما ترتعد دول الجوار الليبي من فوضى السلاح وخطر الجماعات الاسلامية المتشددة على امنها واستقرارها، فان دول الخليج، والسعودية خصوصا قد تواجه الاخطار نفسها، فهناك اكثر من ثلاثين مليون قطعة سلاح في اليمن، ابتداء من البندقية حتى الدبابة ومدافع الهاون، والاخطر من ذلك انها ستجد نفسها في مواجهة حركات اسلامية شيعية واخرى سنية على الدرجة نفسها من التشدد، ولن نستغرب ان نصحو على انباء فتح فرع جديد لـ”الدولة الاسلامية” في اليمن.

كيف ستتعاطى هذه الدول الثرية مع هذا “التسونامي” الزاحف اليها لا نعرف.. ولكن كل ما نعرفه انه ليس لديها اي استراتيجية او خطط في هذا الخصوص مثلما كان الحال عليه في اماكن اخرى وخاصة العراق قبل الغزو الامريكي وبعده.

الصورة قاتمة.. والاخطار كبيرة.. ولكن هذا هو حال المنطقة بأسرها.. ومن الصعب ان يكون اليمن استثناء رغم كل اطرائنا ومديحنا لثورته السلمية ونموذجها الفريد في الانتقال السلمي للسلطة، وهو نموذج انهار ولم يصمد طويلا، مثل معظم النماذج العربية البديلة الاخرى.

خطة اوباما تقسّم المعارضة السورية.. وانباء عن مصالحة وشيكة بين “داعش” و”النصرة” يرعاها الشيخ المقدسي.. وهل تفجير قيادة “احرار الشام” نفذته مخابرات عربية ولماذا؟

صادق مجلس الشيوخ الامريكي الخميس على خطة الدعم للمعارضة السورية التي عرضها الرئيس الامريكي باراك اوباما بهدف تجنيدها لمواجهة قوات “الدولة الاسلامية” (داعش) واخراجها من المناطق التي تسيطر عليها في الرقة ودير الزور وشمال حلب ومناطق كردية اخرى.

خطة الرئيس اوباما تقف على ساقين رئيسيين في هذا المضمار:

*الاولى: اختيار الفصائل والجماعات السورية “المعتدلة” من اجل ان تكون نواة لمجموعة “الصحوات”.

*الثانية: تدريب وتسليح 5000 عنصر يتم اختيارهم بعناية بالمعايير نفسها التي تم من خلالها اختيار قوات الامن الفلسطينية، اي الانضباط التام، والولاء المطلق لقيادتهم، والالتزام بتنفيذ ما هو مطلوب منهم من مهام، وعدم وجود اي ميول اسلامية او وطنية لديهم، وذلك كدفعة اولى، ومعظم هؤلاء سيكونون من المنشقين عن الجيش العربي السوري.

وكالة المخابرات المركزية (سي اي ايه) هي التي وضعت خطط التدريب والتسليح، وهي التي ستختار العناصر المطلوبة وفق ما جاء في خطة الرئيس اوباما التي عرضها على مجلس النواب والشيوخ للمصادقة عليها.

التدريب سيتم في معسكرات خاصة في كل من المملكة العربية السعودية والاردن، اما التسليح بأسلحة نوعية سيكون من مهمة الجيش الامريكي، وهناك من يحدد هذه الاسلحة بصواريخ “مان باد” المضادة للطائرات، و”لاو” المضادة للدروع، علاوة على مدفعية “هاون” وبنادق متطورة ودبابات وعربات مجنزرة.

***

الفصائل السورية المعارضة المرشحة لتنفيذ المخطط الامريكي، حسب احدث التسريبات، هي جبهة ثوار سورية (جمال معروف) و”جيش المجاهدين”، و”لواء الفرسان”، و”حركة حزم”، و”اجناد الشام”، و”صقور الغاب”، والاتحاد الديمقراطي الكردستاني.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة وبعد عملية الفرز الامريكية هذه، عن مصير اكثر من الف فصيل مقاتل على الارض السورية، واين سيذهب هؤلاء، وهل انتهى دورهم مبكرا؟

من المنطقي القول ان معظم هؤلاء اما سيذهبون الى بيوتهم، هذا اذا بقي لهم بيوت، او ينضمون لتنظيم “الدولة الاسلامية” خاصة اذا كانت عقيدتهم القتالية اسلامية، وكرد فعل على استبعادهم.

هناك مخاوف عديدة عبر عنها عدد كبير من اعضاء “الكونغرس″ ومجلس الشيوخ الذين عارضوا خطة الرئيس اوباما وصوتوا ضدها، وهي مخاوف مشروعة:

*الاولى: سقوط الاسلحة والمعدات الامريكية “النوعية” التي ستقدم الى الفصائل “المختارة” في ايدي قوات “الدولة الاسلامية”، مثلما حدث عندما استولت هذه القوات على مخازن الجيش السوري الحر في “اعزاز″ قرب حلب، او مثلما حدث في ليبيا قبل ذلك.

*الثانية: ان تستخدم هذه الفصائل الاسلحة ضد النظام السوري وليس ضد قوات “الدولة الاسلامية” على اعتبار ان اسقاط النظام يمثل الاولوية بالنسبة اليها.

ما سبق يظل في خانة الافتراضات، ولكن ما هو مؤكد ان انشقاقات كبيرة ستشهدها ساحة المعارضة السورية المسلحة، سياسية وعسكرية، خاصة في صفوف الجبهات الاسلامية، حيث من المعتقد ان نسبة كبيرة من عناصرها اما ستنضم الى “الدولة الاسلامية” او “جبهة النصرة” لانها لا تريد ان تقاتل تحت العلم الامريكي على الارض، واجنحة الطائرات الامريكية والفرنسية التي ستقصف من الجو، حسب ادبيات معظمها او المقربين منها على مواقع التواصل الاجتماعي.

مصادر عليمة داخل المعارضة السورية لم تستبعد ان تكون مخابرات دولة عربية هي التي تقف خلف تصفية خمسين قياديا في تنظيم “احرار الشام” السوري المتشدد في تفجير جرى الاعداد له جيدا، بالتنسيق مع المخابرات الامريكية، لوجود اعتقاد راسخ بأن هذا التنظيم لن يشارك في المخطط الامريكي الجديد ولن يقاتل ضد “الدولة الاسلامية”، وان زعيم التنظيم حسان عبود الذي كان من بين الضحايا ترأس الاجتماع الذي انعقد في ملجأ تحت الارض قرب مدينة ادلب، وان من ابرز القضايا على جدول الاعمال رفض القتال تحت لواء امريكا، وما يرجح ذلك انه لم تعلن اي جهة مسؤوليتها عن هذا التفجير الذي ما زال غامضا، بما في ذلك المخابرات السورية.

ويسود اعتقاد راسخ في اوساط المعارضة الرافضة للمخطط الامريكي بأن نسبة كبيرة جدا من عناصر “احرار الشام” في طريقها للانضمام الى “الدولة الاسلامية” او جبهة “النصرة” باعتبارها الاقرب ايديولوجيا، اذا لم تكن قد انضمت بالفعل.

خطة الرئيس اوباما قسمت المعارضة السورية المسلحة وجبهاتها المقاتلة للنظام عمليا على الارض، ومن غير المستبعد ان تشهد الايام او الاسابيع المقبلة، “مصالحة” بين العدوين اللدوديين، اي جبهة “النصرة” وتنظيم “الدولة الاسلامية” على ارضية رفض الاولى مقاتلة الثانية، وتحدثت مصادر وثيقة عن قيام الشيخ ابو محمد المقدسي منظر الجماعات الجهادية المقيم حاليا في مدينة الزرقاء في الاردن بجهود كبيرة في هذا الصدد حققت نتائج ملموسة.

الشيخ “المقدسي” اكد انه لن يقف في معسكر القوات والجبهات التي تقاتل تحت راية التحالف الامريكي ضد “الدولة الاسلامية”، وقال انه سيضع خلافه معها جانبا.

السؤال الثاني الذي لا يمكن تجنبه هو حول رد “الدولة الاسلامية” على هذا المخطط الامريكي، وعن الخطوات التي اتخذتها او ستتخذها لمواجهته؟

***

الجواب اوردته الجمعة وكالة الصحافة الفرنسية عندما قالت “ان جهاديو تنظيم الدولة الاسلامية سيطروا على اربعين قرية كردية حول بلدة عين العرب (كوباني بالكردية) في شمال سورية، ما يرفع الى ستين عدد القوى الكردية التي سيطر عليها التنظيم في هذه المنطقة خلال 48 ساعة، بحسب المرصد السوري لحقوق الانسان (المعارض).

فمن اللافت ان جهاديي “الدولة الاسلامية” ما زالوا يملكون زمام المبادرة والمفاجأة حتى الآن على الاقل، رغم القصف الجوي الامريكي، فالتحرك شمالا، والسيطرة على هذه القرى في زمن قياسي لم يتوقعه احد، ولم يحسب حسابه احد في الوقت نفسه.

الانباء القادمة من محافظتي الرقة ودير الزور تفيد بأن جهاديي “الدولة” اختفوا من الشوارع وكذلك دباباتهم وعرباتهم المسلحة، واندسوا وسط المدنيين والمناطق الاسمنتية المأهولة كخطوة للاستعداد لحرب عصابات قادمة.

النواب والشيوخ الذين ابدوا شكوكهم في خطة الرئيس اوباما وفرص نجاحها، وبالتالي صوتوا ضدها، يقفون على ارضية قوية في رأينا، فالحرب التي اختارها الرئيس اوباما، وبأعين مفتوحة، وبعد تلكؤ استمر ثلاث سنوات، من الصعب الفوز فيها، وقد تستمر لسنوات، وستكون مكلفة حتما ماديا وبشريا، وقد تعطي نتائج عكسية تماما غير تلك التي خطط لتحقيقها.

استبعاد تجاوب اوباما مع عرض الاسد للتعاون ضد “الدولة الاسلامية”.. ولكن ما هي اسباب هذا التحول في الموقف السوري من “الصقورية” الى “الليونة” والتهدئة؟

 

الجميع يعيش “محنة” اسمها “الدولة الاسلامية” في منطقة الشرق الاوسط، ولكن الامور تبدو نسبية، فهناك من يعتقد انه اكثر تحصينا ازاء الاخطار التي تشكلها، ولكن البعض الآخر الذي يرى انه على رأس قائمة المستهدفين، ولذلك يستعجل التدخل العسكري الامريكي ويصلي من اجله ليل نهار.

الآراء تختلف وتتقاطع، فهناك من يعتقد ان المملكة العربية السعودية والاردن الاكثر قلقا وخوفا، لاسباب عديدة ابرزها تطلع الخليفة ابو بكر البغدادي الى استعادة الاماكن المقدسة في الحجاز، ووجود تأييد قوي لدولته وايديولوجيتها في اوساط الشباب السعودي، وهناك من يرى ان رادار “الدولة الاسلامية” مسلط على الاردن لانها الحلقة الاضعف، ولان قطاعا من شعبها يرفض انضمامها الى التحالف الامريكي، وقطاع آخر منه يتعاطف مع السيد البغدادي يأسا واحباطا من الفقر والفساد وتغول الجار الاسرائيلي.

لا نختلف مع وجهات النظر السابقة واصحابها، ولكننا نعتقد ان ايران وسورية ربما يكونان الاكثر قلقا ورعبا من استراتيجية التدخل العسكري الامريكية في المنطقة، لانها قد تتضمن مشروعا لضربهما في نهاية المطاف، فهما يحتلان المرتبة الثانية على سلم الاولويات الامريكية وحلفائها العرب في المنطقة.

***

ارسال السيد محمد جهاد اللحام رئيس مجلس الشعب السوري (البرلمان) يوم الاثنين رسائل الى رئيس مجلس النواب والشيوخ الامريكي يدعوهم فيها للتعاون مع سورية من اجل انقاذ ارواح السوريين والامريكيين على حد سواء من احتمال هجوم ارهابي بالقنبلة القذرة من قبل تنظيم “الدولة الاسلامية” او “جبهة النصرة”، هذا الارسال هو مؤشر على تزايد منسوب القلق والخوف لدى السلطات السورية، وانقلاب في توجهات دبلوماسيتها.

فقبل ايام معدودة كانت الدكتورة بثينة شعبان مستشارة الرئيس السوري تستخدم لهجة تهديدية قوية ضد الولايات المتحدة في حال اقدمت طائراتها الحربية على اختراق الاجواء السورية وضرب مواقع للدولة الاسلامية دون التنسيق مع حكومتها، كما لوح السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري الى احتمال تصدي سورية للطائرات الامريكية هذه والعمل على اسقاطها، اذا كانت غاراتها احادية الجانب ولا تحترم السيادة السورية.

فما هي دوافع هذا التغيير في الموقف السوري من “الصقورية” الى “الاعتدال” فجأة وتكرار عرض التعاون مع واشنطن، لكن من نافذة الكونغرس هذه المرة بعد اغلاق ابواب الادارة كليا من قبل الرئيس باراك اوباما ووزير خارجيته اللذين اكدا بحسم رفضهما لاي تنسيق مع النظام السوري في حال تقرر نقل الهجمات الجوية الامريكية الى داخل الاراضي السورية.

لا نستبعد ان تكون السلطات السورية اطلعت، او قدرت، ان الاستراتيجية العسكرية الامريكية التي يعكف الرئيس اوباما حاليا على وضعها بعد اكتمال استشاراته للمسؤولين العسكريين الامريكيين تتضمن في بعض فصولها توجيه ضربات داخل الاراضي السورية لتجمعات قوات “الدولة الاسلامية” ومؤسساتها، وتقديم اسلحة متقدمة للمعارضة السورية المسلحة “المعتدلة” من بينها صواريخ “اي باد” المضادة للطائرات التي يمكن ان تشّل قدرات السلاح الجوي السوري، وذلك لاغرائها على التحول الى “قوات صحوات” تتولى مهمة قتال “الدولة الاسلامية” على الارض، والتقدم للاستيلاء على المناطق التي تنسحب منها قواتها (الدولة الاسلامية) بسبب كثافة الغارات الجوية، مثلما فعلت كل من قوات الجيش العراقي والبشمرغة الكردية وقوات بدر وعصائب اهل الحق في العراق في الايام الاخيرة بعد انسحاب قوات الدولة من مدينة ارملي بعد قصف جوي مكثف من الطائرات الامريكية.

من المستبعد ان تقبل الادارة الامريكية العروض السورية بالتعاون من اجل مواجهة “الدولة الاسلامية” والقضاء على خطرها، لاسباب عديدة ابرزها “الفيتو” السعودي، وثانيها حسم ادارة اوباما لامرها، والتخلي عن ترددها، وتحدي المحور الروسي الصيني الايراني على ارض الشرق اوسطية انتقاما لهزيمتها في اوكرانيا.

العلاقات السعودية الامريكية عادت الى طبيعتها الاستراتيجية السابقة بشكل تدريجي، و”الحرد” السعودي الذي ظهر في اوضح صوره في مثل هذا الوقت من العام الماضي، عندما رفض الامير سعود الفيصل القاء كلمة بلاده في اجتماع الجمعية العامة للامم المتحدة، وتبع هذا الرفض بآخر اكثر قوة عندما رفض عرضا باحتلال مقعد مؤقت في مجلس الامن (احتله الاردن)، هذا “الحرد” انطوى بعد تراجع النوايا الامريكية الغربية في توثيق التحالف مع ايران وضمها الى الحلف الجديد ضد دولة البغدادي.

يبدو ان التكتيك الامريكي في التلويح بورقة التحالف مع ايران وسورية “ارعب” السلطات السعودية، ودفعها الى “تليين” مواقفها الغاضبة من الولايات المتحدة بسبب سياساتها الداعمة للاخوان المسلمين، والباردة تجاه نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والتجاوب كليا مع المطالب الامريكية والدخول في التحالف الجديد، مقابل تخلي امريكا عن تقاربها مع ايران وسورية، واتضح هذا “التليين” في دعمها للتحالف الامريكي والجلوس في مقعد قيادته واستخدام نفوذها مع العشائر السنية العراقية لدعمه.

في بداية “الهلع″ الامريكي من تنظيم “الدولة الاسلامية” سمعنا اصواتا تطالب بالتعاون مع النظام السوري على قاعدة “ان عدو عدوي صديقي” وذهب احد كبار المسؤولين البريطانيين مثل مالكوم ريفكند وزير الدفاع والخارجية البريطاني الاسبق الى التذكير بأن ونستون تشرشل تحالف مع عدوه ستالين ضد هتلر لتبرير التقارب والتنسيق مع الرئيس الاسد، ولكن يبدو ان ادارة اوباما الآن قلبت المعادلة واصبحت تؤمن بأن “عدو عدوي عدوي”، في العلن على الاقل.

فعندما لا يستبعد مارتين ديمبسي ارسال قوات امريكية الى العراق اذا دعت الحاجة، وعندما يؤكد تشاك هيغل وزير الدفاع ان الضربات الجوية ستستهدف ايضا معاقل تنظيم “الدولة الاسلامية” في سورية، ويطالب بالشيء نفسه حيدر العبادي رئيس وزراء العراق الجديد، ورجل المرحلة الحالية، فمن حق سورية ان تقلق، وان تصل الى قناعة مفادها ان امريكا ماضية قدما في خططها لاطاحة النظام الحالي كمكافأة للسعودية وقطر والاردن على وقوفها في خندقها ضد هذا الخطر الذي يعتبره الوزير هيغل خطرا يهدد العالم بأسره، وكأن تنظيم “الدولة الاسلامية” يملك صواريخ باليستية عابرة للقارات وترسانة ضخمة من الرؤوس النووية والكيمائية!

***

القوات الامريكية عائدة الى العراق، وربما خطواتها الاولى محاولة استعادة الموصل، كما قال الجنرال ديمبسي، ففي ظل رفض تركيا المشاركة الارضية، ونأي السعودية بنفسها عن اي اقتراح بارسال وحدات من جيشها الى بيئة معادية في العراق، واستعداد الاردن بارسال “قوات خاصة” فقط، وتأكيد وزير خارجية مصر ان الجيش المصري لا يقاتل الا لحماية شعبه وحدود بلاده، لم يبق الا ارسال قوات “المارينز″ الامريكية تحت غطاء تدريب القوات العراقية والكردية.

انها مصيدة كبرى لا نعرف من سيكون ضحاياها في نهاية المطاف، هل هم الامريكيون، ام الايرانيون ام السوريون ام السعوديون، وهل ستتطور الامور الى حرب عالمية ثالثة؟

علمتنا التجارب السابقة انه من المؤكد ان العرب واموالهم وارضهم هم الضحية الاكبر، وان امريكا ستنقلب عليهم مثلما فعلت في السابق عندما تحقق اهدافها وتستعيد وجودها في المنطقة مجددا، فمن الذي خسر من اطاحتها بالرئيس العراقي صدام حسين، ومن الضحية لتدخلها في ليبيا وسورية واليمن؟

العرب تعودوا على الدخول في التحالفات الخطأ، والاتفاقات الخطأ، وتصديق الوعود الخطأ.. فهل ستكون تحالفاتهم الجديدة، والوعود والاتفاقات الامريكية مختلفة هذه المرة؟

السيد علي خامنئي المرشد الاعلى للثورة الايرانية قال قبل اسبوع ان بلاده رفضت الدخول في الحلف الامريكي، وتوعد بأن الرئيس اوباما سيندم كثيرا على تدخله العسكري في المنطقة مرة اخرى، ونجزم بأن العرب سيندمون ايضا، مثلما ندموا بعد كل مغامرة عسكرية امريكية سابقة، ونرجوا ان نكون مخطئين.

مؤتمرات “المرعوبين” تتناسل.. كلهم يريدون تصفية “دولة البغدادي” ولكنهم يخشون انتقامها.. وكيف يمكن ان ينجح تحالف عسكري بدون مشاركه تركيا وايران؟ وكم مرة سيعاد تأهيل الجيش العراقي والمعارضة السورية؟!

تكاثر الاجتماعات، وتناسلها، حول كيفية حشد تحالف دولي لشن حرب لاضعاف “الدولة الاسلامية” تمهيدا للقضاء عليها يذكرنا بمنظومة “اصدقاء سورية” وشقيقتها الكبرى منظومة “اصدقاء ليبيا” حيث حولت المنظومتان الدوليتن الى حالة من الفوضى المسلحة، والتفتيت الديمغرافي والجغرافي والحروب الاهلية، ولا نعرف ما اذا كان حظ هذه المنظومة “العراقية السورية” الجديدة سيكون افضل.

صباح اليوم اجتمع وزراء خارجية ثلاثين دولة معظمهم من العرب والاوروبيين من اجل الاتفاق على خطط عسكرية،  وتوزيع الادوار في الحرب الوشيكة على “الدولة الاسلامية” التي تسيطر على اراضي تشكل نصف العراق وثلث سورية.

انه تحالف “المرعوبين” او المترددين” في افضل الاحوال، فكل الدول المشاركة في هذه المؤتمرات واللقاءات تتهرب من الالتزام بأي دور فاعل في الحرب، اما خوفا من “الدولة الاسلامية” بزعامة السيد ابو بكر البغدادي القرشي، او عدم الثقة بهذا التحالف والدول المشاركة فيه، او الخوف من النتائج التي يمكن ان تترتب على حربه الجديدة، والجهل الامريكي الفاضح بالمنطقة، ونسيجها الاجتماعي والسياسي والمذهبي.

***

فبالامس تجلى هذا الجهل في ابشع صوره عندما ذكرت وكالة المخابرات المركزية الامريكية (CIA) في تقرير رسمي لها انها اخطأت في تقدير عدد المقاتلين تحت لواء دولة السيد البغدادي، وقالت ان عدد هؤلاء الحالي ثلاثين الفا وليس عشرة آلاف، مثلما قالت في بيانات تقديرية سابقة.

نطمئن وكالة المخابرات الامريكية بأن تقديرها الجديد خاطيء مثل القديم ايضا، فحسب معلوماتنا ومن مصادر وثيقة يفوق العدد المئة الف مقاتل، ومرشح لزيادة كبيرة بمقدار الربع على الاقل في الاشهر الثلاثة المقبلة، حيث بدأ المئات من مقاتلي الجماعات الاسلامية المسلحة والمقاتلة على الارض السورية لاسقاط النظام مثل، احرار الشام والجبهة الاسلامية والجيش الاسلامي، وحتى تنظيم جبهة “النصرة” نفسه ينشقون عن تنظيماتهم، وينضمون الى “الدولة الاسلامية” بعد الاعلان عن تأسيس هذا التحالف الامريكي الجديد وبدء القصف القوي، وساهم في هذا التحول مواقف بعض المرجعيات الدينية الجهادية مثل الشيخ ابو محمد المقدسي، الذي اكد انه لن يدعم مطلقا هذا التحالف الغربي، ولن يقف في خندقه، فـ”الدولة الاسلامية” التي يختلف معها شرعيا، تظل احد فروع التيار الاسلامي الجهادي، ولا اكشف سرا (والكلام لكاتب هذه السطور) اذا قلت ان المقدسي عتب في حضوري على صديقه ورفيق سجنه الشيخ عمر ابو عمر “ابو قتادة” لانه ادلى بتصريح من داخل زنزانة سجنه في المحكمة وصف فيه “الدولة الاسلامية” بأنها “فقاعة” وتمنى، وفي حضور ابن الاخير ايضا، لو انه لم يدل بمثل هذا التصريح.

فكيف يمكن ان ينجح تحالف امريكا الجديد في القضاء على خطر “الدولة الاسلامية” واكبر دولتين اقليميتين لا تشاركان فيه، ولا تقران مخططاته واهدافه، ونقصد هنا تركيا التي اكدت انها لن ترسل قوات، ولن تسمح للطائرات الامريكية والغربية الاخرى باستخدام قاعدة “انجيرليك” الجوية القريبة من الموصل كمنطلق لغاراتها الجوية لضرب تجمعات تلك الدولة، اما الدولة الاخرى فهي ايران التي قال مرشدها العام السيد علي خامنئي “ان بلاده رفضت طلبا امريكيا للتعاون في مكافحة تنظيم “الدولة الاسلامية” لان ايدي الامريكيين “ملطخة بالدماء”.

القيادة التركية تتحلى بالحكمة والخوف معا، فهي تخشى على ارواح 49 من دبلوماسييها من مواجهة مصير الرهائن الامريكيين والبريطانيين الذين ذبحوا بطريقة وحشية وامام عدسات الكاميرا لمشاركة دولهم في الحرب على “الدولة الاسلامية” وقصف مواقعها او تسليح اعدائها (البشمرغة)، مثلما تخشى ايضا على موسمها السياحي الذي يدر على خزينتها 35 مليار دولار سنويا، وتشعر بالريبة من التوجهات الغريبة بتسليح الاكراد، اما ايران فتريد انقاذ حليفها السوري في دمشق، وتخشى ان يكون الهدف الثاني، وتشترط مشاركته في الحلف الامريكي الجديد جنبا الى جنب معها، كبوليصة “تأمين” من الغدر الامريكي.

الامريكيون بدأت تصطك ركبهم خوفا ورعبا، فقد اكدوا انهم لن يبدأوا الحرب الشاملة على “الدولة الاسلامية” الا بعد تحقيق ثلاثة اشياء:

*الاول: تدريب المعارضة السورية وتسليحها في قواعد عسكرية في السعودية والاردن.

*الثاني: تأهيل الجيش العراقي وفق اسس عسكرية حديثة حتى يتولى الدور الاكبر في الحرب الارضية ضد “الدولة الاسلامية”.

*الثالث: تسليح قوات “البشمرغة” الكردية العراقية واخضاعها لتدريبات عسكرية على ايدي خبراء امريكيين وفرنسيين وبريطانيين لتحسين قدراتها العسكرية والفنية لتشكيل سد حصين لحماية مناطق الحكم الذاتي الكردية.

واذا انتظرنا تأهيل قوات المعارضة السورية في السعودية والجيش العراقي في بغداد، وتسليح البشمرغة حتى تبدأ العمليات العسكرية الشاملة، فاننا نطمئن “الدولة الاسلامية” بأن الهجوم المنتظر لن يتم قبل عدة اشهر او حتى اعوام.

ونسأل: كم مرة ستؤهل الولايات المتحدة الجيش العراقي؟ الا تكفي عشر سنوات من التدريب والتسليح كلفت الخزينة العراقية اكثر من 25 مليار دولار على الاقل، ثم جاءت النتيجة هروب ثلاثين الفا من خيرة جنوده امام اول طلقة لقوات “الدولة الاسلامية” في الموصل؟!

اما عن تدريب المعارضة السورية المسلحة في السعودية وقواعدها العسكرية، فاسمحوا لنا ان نسأل ايضا بكل البراءة: هل المدربون السعوديون اكثر كفاءة من نظرائهم الاردنيين والامريكان الذين دربوا هذه المعارضة وسلحوها على مدى السنوات الثلاث الماضية، وانهارت بدورها في المواجهات مع “الدولة الاسلامية” وجنودها في الرقة ودير الزور في الشرق، وادلب واعزاز وبعض مناطق ريف حلب في الشمال؟

امريكا تورطت في هذه الحرب الزاحفة، وتريد توريط المنطقة بأسرها معها تماما مثلما فعلت في حربيها الاولى والثانية في العراق التي ادت الى استشهاد اكثر من مليون عراقي.

***

“الدولة الاسلامية” دولة دموية شرسة، بل مغرقة في دمويتها وهمجيتها ولا احد يستطيع ان يقول غير ذلك، وذبحها الرهائن الاجانب امام الكاميرات مدان، وهم في الاساس اما صحافيون او عمال اغاثة، مما يعني ان هذا الذبح للابرياء غير مبرر، ولكن (ونصر على لكن) الم تذبح الطائرات الامريكية آلاف الجنود العراقيين المنسحبين من الكويت على طريق المطلاع وهم يرفعون الرايات البيضاء على دباباتهم المنسحبة وشاهدنا هذه الجزرة بالصوت والصورة في كانون الثاني (يناير) عام 1991؟ الم تحرق الطائرات البريطانية اهالي مدينة درسدن الالمانية بأسلحتها الكيماوية حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وسقوط هتلر؟

المجازر الا تبريء بعضها، والخطآن لا يصنعان صوابا، لكن نود فقط ايضاح بعض فصول التاريخ الحديث جدا لمن نسيها، او يحاول تناسيها، وسط السيرك الحالي الذي نشاهده في جدة وباريس وقريبا في المنامة.