سورية وتثوير شيعة الخليج

بعد اقل من يوم من البيان الذي اصدره مجلس التعاون الخليجي، وانتقد فيه الاستخدام المفرط للقوة من قبل السلطات السورية في حق مواطنيها المطالبين بالاصلاح والتغيير الديمقراطي، وبعد خمسة اشهر من اعمال المواجهات والقتل، دعت الجامعة العربية هذه السلطات الى الوقف الفوري لكافة اعمال العنف والحملات الأمنية ضد المدنيين، حفاظاً على الوحدة الوطنية للشعب السوري، وحقناً لدماء المدنيين والعسكريين، ومنع التدخلات الاجنبية.

اللافت ان هذين البيانين جاءا بعد ايام من صدور بيان مماثل عن مجلس الامن الدولي، والتحذير الذي اصدره رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين الى الرئيس السوري بشار الاسد، وقال فيه إنه يسير في طريق خطر باعتماده على الحلول الامنية واراقة دماء شعبه، وبعد صرخة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان التي قال فيها ان صبر بلاده قد نفد، وكشف عن عزمه ارسال وزير خارجيته السيد احمد داوود اوغلو الى دمشق 'الثلاثاء' حاملا رسالة شديدة اللهجة في هذا الصدد.
الرد الرسمي السوري على جميع هذه البيانات والتحذيرات جاء اكثر دموية من كل الردود السابقة المماثلة، فقد قتلت قوات الجيش والامن السورية حوالى 66 شخصا في هجماتها التي شنتها امس بالدبابات والمدرعات على مدينتي دير الزور وحمص، بينما استمرت في حصار مدينة حماة، وواصلت عمليات التمشيط داخلها، ورقم الضحايا مرشح للارتفاع مع تقدم ساعات الليل.
السلطات السورية اعربت عن 'اسفها' لصدور بيان مجلس التعاون الخليجي ولهجته القوية، وعدم اشارته الى الهجمات التي يشنها مسلحون ضد قواتها، تصفهم بأنهم 'ارهابيون' ينتمون الى حركات اسلامية متطرفة، تهدف الى زعزعة استقرار البلاد كمقدمة لاطاحة النظام.
هذا 'الاستئساد' من قبل مجلس التعاون الخليجي لم يأت من فراغ، ولا بد ان هناك 'طبخة ما' يجري اعدادها في الغرف المغلقة، دفعت بدول المجلس الى اصدار هذا البيان فجأة، وهي التي حرصت طوال الاشهر الخمسة الماضية على 'مغازلة' النظام السوري، وارسال الوفود للتضامن معه، دون ان تتوقف في الوقت نفسه عن توظيف آلتها الاعلامية الفضائية الجبارة في خدمة الجماعات السورية المعارضة، لفضح الممارسات الدموية التي تجري على الارض، وبلغ هذا التوظيف ذروته اثناء اقتحام دبابات الجيش السوري مدينة حماة وقتل حوالى مئتين من ابنائها في اقل من يومين.
من الواضح ان هناك عوامل عديدة دفعت الى خروج هذا البيان الخليجي المدعوم ببيان آخر من الجامعة العربية، ابرزها ضخامة اعداد الشهداء الذين سقطوا من جراء تكثيف السلطات السورية لهجمتها الامنية والعسكرية، وتزايد الضغوط الداخلية، اي من قبل الشعوب الخليجية ومؤسساتهم الدينية خاصة، على الحكومات للخروج عن صمتها واتخاذ مواقف داعمة للانتفاضة الشعبية، وتزايد انتقادات المعارضة السورية لهذا الصمت العربي والخليجي عامة، تجاه هذه المذابح.
***
وقد يجادل البعض بان هذه الحكومات الخليجية التي اكتشفت فجأة نعمة الاصلاح واهميتها، وباتت تلح على نظيرتها السورية لتطبيقها، هي الاكثر حاجة لتطبيقه، وكان الاجدر بها ان تبدأ به بنفسها تجاوبا مع مطالب شعوبها 'المؤدبة' حتى الآن، وهذا جدل ينطوي على بعض الصحة. فالحكومات الخليجية تدرك هذه الحقيقة وتتجاهلها، كما تجاهلتها لعقود نظيراتها العربيات الاخريات، ولكنها اصدرت بيانها هذا مكرهة او مضطرة، لتحويل انظار شعوبها الى هدف خارجي، اي سورية، وامتصاص بوادر نقمة شعبية تتكشف تحت الرماد.
صحيح ان الحكومات الخليجية، وبفضل ما حباها الله به من ثروات هائلة، لا تواجه انتفاضات شعبية تضطر الى اللجوء للوسائل القمعية بمواجهتها، على غرار ما حدث في سورية وتونس واليمن ومصر، ولكن علينا ان نتذكر امرين مهمين، الاول ان البحرين وهي دولة خليجية واجهت احتجاجات غاضبة تطالب بالاصلاح، ادت الى تدخل قوات سعودية لدعم توجهات النظام بقمعها، والثاني ان الانتفاضات في دول الفقر الجمهورية جاءت بعد اكثر من اربعين عاما من الصبر والسكينة والتحمل الاعجازي، الى ان جاء عنصر التفجير الذي اشعل أوارها ونسف كل المعادلات والنظريات القائمة.
عندما كنا نقول ان الفيل المصري بدأ يتحرك بعد لامبالاة طال امدها، سخر منا البعض، واعتقد اننا نبالغ في تفاؤلنا بقرب اندلاع الثورة في هذا البلد الغارق في الفساد ومصادرة الحريات والتغول في نهب ثروات فقرائه من قبل مافيا رجال الاعمال، المدعومة من قبل النظام، وها هي الايام تثبت كيف استطاع هذا الفيل اكتساح كل رموز الفساد والقهر، وتقديم رأس النظام وزبانيته الى العدالة، في محاكمة هي الأكثر حضارية في هذه المنطقة من العالم.
الأمر المؤكد ان الانتفاضة السورية غير مرشحة للتوقف قريبا، فالشعب السوري عاقد العزم على استرداد كرامته وحريته، والأمر المؤكد ايضا ان السلطات السورية ليست في وارد التراجع عن حلولها الامنية والعسكرية الدموية، وغير آبهة في الوقت نفسه بالضغوط العربية والدولية المكثفة التي تستهدفها حاليا من مختلف الجهات.
ما يمكن استنتاجه من خلال رصد تطورات الوضع في سورية والمنطقة، هو اننا نقف امام تحشيد واستقطاب طائفيين، قد يتطوران الى حرب اقليمية واسعة بتحريض خارجي، وادوات عربية واسلامية محلية، اذا لم يعِ النظام السوري خطورة الطريق الذي يسير فيه، ويعالج الامور بحكمة، بعيدا عن السياسات التي تنطوي على الكثير من العناد والعجرفة.
احد المتحدثين باسم النظام السوري فاجأنا بالامس عندما اماط اللثام وبصورة فجة، عن إمكانية الانزلاق الى هذه الهاوية الطائفية، اثناء لقاء اجرته معه محطة 'العربية' الفضائية في برنامجها 'بانوراما'،عندما قال إن دول الخليج تستضيف مؤتمرات للمعارضة السورية على اراضيها، وتطلق فضائيات تحرّض طائفيا ضد سورية، وحذر، او بالاحرى، هدد، بأن بلاده تستطيع القيام بالشيء نفسه، وتحرك الاقليات، او الجماعات الشيعية في الدول الخليجية ضد انظمتها، ولكنها امتنعت عن ذلك حتى الآن بسبب التزام قيادتها بالمنطلقات القومية والفكر العلماني المناهض للطائفية بأشكالها كافة.
***
التحذير خطير، ورسالة مقصودة، فلا احد يتحدث عبر الفضائيات من الناطقين باسم النظام دون تنسيق مسبق مع مرجعياته في معظم الحالات، ان لم يكن كلها. فالنظام في سورية ما زال متماسكا، وان كان قد انهك من قبل طرقات مطرقة الاحتجاجات الموجعة، فلم نسمع حتى الآن عن اي انشقاقات مهمة في سلكه الدبلوماسي او السياسي، على غرار ما حدث في دول اخرى مثل اليمن وليبيا. ولكن هذا لا يعني انه في الوقت الذي فقد فيه الكثير من شرعيته بفعل اندلاع المظاهرات والاحتجاجات في معظم المدن والبلدات، باستثناء مركزين رئيسيين هما حلب ودمشق، ما زال يملك بعض الاوراق المرعبة والتحالفات التي لا يمكن التقليل من شأنها.
السلطات السورية تشتكي من وجود بعض الجماعات المسلحة التي تطلق النار على قواتها، وهناك ادلة على صحة بعض التقارير في هذا الخصوص، وهذا امر متوقع على اي حال، فعندما تتعرض المدن واهلها لهجمات دموية من قبل قوات الامن والجيش، فمن غير المستغرب ان يلجأ بعض الافراد الى السلاح دفاعا عن النفس، فلكل قاعدة شواذ، ولكن الغالبية الساحقة من الاحتجاجات سلمية الطابع، والغالبية الساحقة من الشهداء هم من المدنيين العزل.
ما نخشاه ان تتطور الاوضاع الى حرب اهلية طائفية، خاصة ان جهات عديدة تدفع باتجاهها وبقوة هذه الايام، داخلية وخارجية، وهذه الحرب لو اندلعت لن تحرق سورية فقط، وانما المنطقة بأسرها. فهل تتعظ السلطات السورية، وتوقف مجازرها لوقف هذا السيناريو المرعب قبل حدوثه.. وتفسح المجال للاصلاحات التي تتحدث عنها دون ان نراها.. نأمل ذلك؟.