عندما يرفض الرئيس ترامب ادانة منفذ مجزرة المسجدين في نيوزيلندا ووصفه بالارهابي فانها لن تكون الأخيرة.. نحن امام تطور خطير وغير مسبوق لظاهرة “الاسلاموفوبيا”. وهذه هي الأسباب

عبد الباري عطوان

بينما تدخل الحرب التي يشنها التحالف الأمريكي للقضاء على تنظيم “الدولة الإسلامية” مرحلتها الأخيرة بعد حصارها في آخر معاقلها في بلدة “الباغوز″ السورية شرق الفرات، يفاجأ العالم الإسلامي بظاهرة جديدة ربما لا تقل خطورة، تتمثل في مجزرة المسجدين في مدينة كرايست تشيرش النيوزيلندية التي نفذها متطرف يميني متعصب، وادت الى مقتل 50 مصليا متعبدا اعزلا.

ظاهرة “الاسلاموفوبيا”، او العداء للمسلمين في أوروبا والعالم الغربي عموما، ليست جديدة، ولكن الجديد انها بدأت تأخذ طابعا إرهابيا مسلحا، وتنتقل من البيانات والكتابات التحريضية وتدنيس المقابر، الى الهجمات الدموية، ومن الاعمال الفردية او المحدودة، الى الاعمال المنظمة والمؤطرة أيديولوجيا ومؤسساتيا.

التطور الأخطر الذي كشفت عنه مجزرة المسجدين أيضا، هو انها يمكن ان تكون قمة جبل الثلج، فهناك منظومة تتضخم في ظل التركيز الغربي على ظاهرة “الإرهاب الإسلامي” والصاق هذه التهمة بالمسلمين وحدهم، وتصوير المجتمع الغربي على انه الضحية.

***

برينتون تارانت منفذ المجزرة المذكورة ارتكب جريمته بعد تحضير جيد، وتحت وقع الموسيقى، واستخدام ألة تصوير توثق كل خطواته، من باب بيته حتى اقتحام المسجد واطلاق النار على المصلين، والاجهاز عليهم الواحد تلو الآخر.

أيديولوجية هذا العنصري الإرهابية وثقها في رسالة من 73 صفحة، كشف فيها انه ينفذ هجومه الدموي دفاعا عن العرق الأبيض، وثأرا لضحايا هجمات نفذها المسلمون في أوروبا، وانطلاقا من العداء للمهاجرين وتزايد اعدادهم بشكل كبير يهدد المجتمعات الغربية البيضاء، ويعتبرهم محتلين وغزاة ويجب القضاء عليهم.

كان لافتا ان القدوة التي يقتدي بها هذا الارهابي المجرم هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومجموعة المحرضين الاعلامين الذين يروجون لعنصريته البغيضة، داخل الولايات المتحدة وخارجها، في اطار منظومة من دور النشر، ومواقع قوية على وسائل التواصل الاجتماعي.

صحيح ان الحكومات الغربية تدرك خطر هذه الجماعات العنصرية على امن واستقرار بلدانها، وتؤكد على المساواة في المواطنة، وحماية المهاجرين وارواحهم ومصالحهم بالتالي، ولكن الخطورة تكمن في تنامي الأحزاب والمنظمات والايديولوجيات التي تشكل الحواضن لهؤلاء، والنتائج التي يمكن ان تترتب على أعمالهم هذه التي يصنفونها في اطار الانتقام والثأر، في تحد واضح للحكومات.

الرئيس ترامب هو المنظر والأب الروحي لهذا الفكر الاقصائي الدموي التي يوفر له الدعم، والغطاء الرسمي، ليس فقط عندما منع مواطني سبع دول إسلامية من دخول الولايات المتحدة، وانما أيضا عندما رفض، وبكل وقاحة، وصف منفذ مجزرة نيوزيلندا بالإرهابي، وقدم تعزية “باهته” لأهالي ضحاياها.

هذه المجزرة تقدم هدية قيمة للجماعات الإسلامية المتطرفة، وعلى رأسها تنظيم “داعش” “القاعدة”، وتسهل عمليات التجنيد التي ستتصاعد لآلاف الشبان المحبطين والمستهدفين من قبل اليمين العنصري في الدول الغربية.

سيطرة قوات سورية الديمقراطية على مدينة الباغوز آخر جيوب تنظيم “داعش” في شرق الفرات، قد لا تكون نهاية هذا التنظيم، وانما انتقاله من مرحلة التمكين ودولة الخلافة الى مرحلة العمل السري وما تعنيه من التركيز على الاعمال الإرهابية الأقل كلفة، والأكثر دموية وتأثيرا، فالبيئة الحاضنة لهذه الجماعات والمنظمات المتطرفة، والأسباب التي أدت الى ظهورها بالقوى التي ظهرت بها خلال السنوات الخمس الماضية، وابرزها التدخلات العسكرية الغربية، والتهميش والاذلال، والطائفية، وغياب الحكم الرشيد، ما زالت موجودة.

الحكومات الغربية ارتكبت جريمة كبرى عندما “تساهلت” تجاه ظاهرة “الاسلاموفوبيا” ولم تتخذ الإجراءات القانونية المطلوبة لمواجهتها، مثلما تعاطت مع ظاهرة “العداء للسامية”، ولا يمكن ان ننسى كعرب ومسلمين تصريحات بوريس جونسون، وزير الخارجية البريطاني السابق، التي تطاول فيها على المسلمات المنقبات عندما وصفهن بـ”صناديق البريد”، ولا تصريحات ترامب التي ادلى بها اثناء زيارته للندن وحذر فيها الحكومة البريطانية بقوله “الهجرة بدأت تغير النسيج الاجتماعي في الدول الأوروبية، ويجب التعامل بسرعة معها”، وأضاف “الإسلام يكرهنا”، ونسي ان اول من غير النسيج الاجتماعي للشعوب هم المهاجرون والغزاة البيض الأوروبيون الذين غزو أمريكا الشمالية وابادوا سكانها الأصليين وقتلوا عشرات الملايين منهم.

***

مؤسف ان تلتزم الحكومات الإسلامية في معظمها الصمت تجاه اتساع نطاق ظاهرة “الاسلاموفوبيا”، ولا تقدم على أي تحرك حقيقي لحث نظيراتها الغربية لمحاربتها، ووضع حد لانتشارها وهي التي لبت دائما النداءات الغربية، والأمريكية تحديدا لمواجهة الجماعات الاسلامية المصنفة على قوائم الإرهاب.

مجزرة مسجدي “كرايس تشيرش” النيوزيلندية ربما تكون الأولى من حيث ضخامة عدد الضحايا، والحقد العنصري الذي كشف عنه منفذها، ولكنها قطعا لن تكون الأخيرة، في ظل وجود زعماء غربيين لا يتورعون عن اظهار كل أنواع الكراهية للمسلمين على رأسهم زعيم اسمه ترامب، يحظى بصداقة ودعم طابور طويل من القادة العرب والمسلمين.