الى المطبيعن العرب الذين نصبوا نتنياهو زعيما وحاميا في مؤتمر وارسو.. هل قرأتم تصريحات حليفه الحاخام ميخائيل التي تريد إبادة العرب وتحويل غزة الى مقبرة؟ ولماذا نعتقد ان “فتواه” بأن لغة القوة هي الوحيدة التي نفهمها كعرب ستقود الى أخرى معاكسة وقريبا؟ وهل هي صدفة ان تتزامن هذه العنصرية مع الذكرى الثامنة للازمة السورية ودخول حرب اليمن عاما الخامس؟

عبد الباري عطوان

لا نعتقد ان الكثير من الزعماء العرب حلفاء بنيامين نتنياهو الذين شارك وزراء خارجيتهم في مؤتمر وارسو الأخير الذي أسس للناتو العربي، والتطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، قد قرأوا تصريحات الحاخام العنصري المتطرف ميخائيل بن أري، التلميذ المخلص والوفي للحاخام الفاشي مائير كاهانا، التي ادلى بها يوم امس لموقع “كيكار هشبات”، وقال فيها ان العرب لا يفهمون غير لغة القوة، ومن يتجرأ منهم للحديث ضد اليهود لن نسمح له بالبقاء على قيد الحياة، فلا تعايش مع هؤلاء الذين علمنا الحاخام كاهانا انه لا تعايش معهم، ويجب طردهم الى سورية وجميع البلاد التي جاءوا منها، حتى لو اطلعوا عليها، فانهم وفي ظل حالة الانكار التي يعيشونها سيديرون وجههم الى الناحية الأخرى.

الحاخام ميخائيل بن آري، ليس زعيما لمنظمة يهودية متطرفة محظورة، وانما زعيم حزب سيكون عضوا اصيلا في قائمة تكتل اليمين الذي يتزعمه بنيامين نتنياهو التي سيخوض على أساسها انتخابات الكنيست الشهر المقبل، ويمكن في حال فوزه بأعلى المقاعد، ان يصبح، أي بن آري، وزيرا للامن او الخارجية، او الثقافة، وربما تكون اول زياراته الخارجية، وبعد توليه المنصب الجديد، الى حلفائه العرب، وفي منطقة الخليج العربي خصوصا، سيرا على خطى نتنياهو نفسه، ووزيرة ثقافته ميري ريغيف، الأشد تطرفا وعنصرية.

***

نتفق مع الحاخام بن آري، ونقولها وفي الحلق مرارة، ان العرب الذين يتحدث عنهم لا يعرفون غير لغة القوة، وهي اللغة التي أجبرت بعضهم الى رفع راية الاستسلام، والتملق للاسرائيليين، على امل ان تكون دولتهم هي رأس الحربة في الدفاع عنهم في مواجهة الخطر الإيراني المزعوم الذي يزعزع امن المنطقة واستقرارها، مثلما بصم وزراء خارجية مؤتمر وارسو العرب على “توصية” نتنياهو، ومعلمه الأمريكي مايك بومبيو، اللذين وجها هذه الدعوة للمشاركة في هذا التجمع الذي اريد له ان يكون حجر الأساس السياسي للناتو العسكري العربي الإسرائيلي الجديد.

ما لا يدركه الحاخام بن آري ان الإسرائيليين لا يفهمون غير لغة القوة أيضا، فعندما كانت منظمة التحرير الفلسطينية حركة مقاومة كان الإسرائيليون يستجدون الجلوس معها على مائدة المفاوضات، وعندما كانت مصر وسورية تتزعمان معسكر المواجهة، كانت العروض الإسرائيلية للسلام التي يحملها وزراء الخارجية الامريكان والأوروبيين تنهال عليهم، وخاصة عندما كانت حرب الاستنزاف في مدن القناة وسيناء في ذروتها، والأيام دوارة، ولا شيء يبقى على حاله.

منظمة التحرير الفلسطينية ومعظم فصائلها وقعت في مصيدة أوسلو، مثلما وقعت قبلها مصر في حفرة كامب ديفيد، وتحولت قوى الامن الفلسطينية التي شكلها الجنرال دايتون الى أدوات في خدمة الاحتلال ومقاومة المقاومة، في أقذر سابقة من نوعها في تاريخ الاحتلالات على مر القرون.

هذه الغطرسة العنصرية الإسرائيلية لن تطول، ليس بسبب ذكاء العرب وانما لغباء الإسرائيليين وسوء تقديرهم، وقصر ذاكرتهم، ولاعتقادهم ان هذا الوضع العربي المهين سيستمر لمئات السنين، فممارسات الإسرائيليين المهينة هذه هي التي ستعيد الزمن الذي كان يستجدي فيه شمعون بيريز القيادة الفلسطينية أسبوعين بدون جنائز، ويجند العالم بأسره لوقف العمليات الاستشهادية، ويهرع الامريكان والاوروبيون الى تشكيل لجنة رباعية ووضع خريطة طريق للوصول الى السلام الدائم.

فاذا كان الحاخام ميخائيل الذي بات على بعد شهر من دخول الكنسيت يطالب بمحو غزة من الوجود، وتحويلها الى مقبرة لمليونين من أبنائها، فان عليه ان يتوقع ان يشجع صعود من يشاركونه المطالب نفسها ولكن بالاتجاه الآخر، وفي المعسكر الآخر.

الإسرائيليون يريدون الآن حشد العالم الغربي بأسره، ومعظم حلفائهم العرب، ضد ايران وحزب الله وسورية، ومعظم العراق، ولا ننسى حركات المقاومة في قطاع غزة، ويستخدمون البيت الأبيض الأمريكي ورئيسه ترامب لتجويع هذه الدول وشعوبها، ويتوقعون ان يكون الرد الرقص طربا في الشوارع استقبالا لهم، وكم هم مخطئون.

***

لا يعرف هؤلاء ان الخرائط تتغير وبسرعة غير مسبوقة، وان هناك “دول مواجهة” أخرى ما زالت تضع اصبعها على الزناد، ولديها مئات الآلاف من الصواريخ التي تعجز كل القبب الحديدية عن التصدي لها، وجميعها جرى تصنيعها وتطويرها ذاتيا، وبات سلاح الجو الإسرائيلي وطائراته الامريكية الحديثة عاجزا عن حسم الحروب واذلال الأنظمة مثلما كان عليه الحال في الماضي.

قولوا عنا ما شئتم.. قولوا عنا حالمين.. قولوا عنا متفائلين، أكثر من اللازم، ولكننا نكتفي بتذكيركم، ونحن وانتم نقف على أبواب العام الثامن للازمتين السورية والليبية، والخامس للحرب اليمنية، والعشرين للاحتلال الأمريكي لأفغانستان، ان رهاناتكم كلها فشلت وانهارت، وان رهاناتنا نحن في المعسكر المضاد لنظيريه الأمريكي الإسرائيلي هي التي تفوز.. ورؤيتنا الوطنية هي التي تتحقق.. والأيام بيننا.