لهذه الأسباب نشعر بالقلق من تدخل هنري ليفي في شأن الحراك الجزائري ونصائحه “الملغومة”… عجلة التغيير انطلقت ولن تتوقف.. ولن يكون هناك “برادعي آخر”.. والضمانة الكبرى هي الوعي الشعبي الذي فرض بحضاريته جميع مطالبه المشروعة ولن يسمح بعودة التاريخ الى الوراء.. واليكم قراءة مختلفة للمشهد الجزائري

عبد الباري عطوان

ان يدعو “الفيلسوف” الفرنسي برنارد هنري ليفي الذي يعرّفه البعض بأنه “عراب” ثورات “الربيع العربي”، الشعب الجزائري الى المزيد من الاحتجاجات لإسقاط الرئيس بوتفليقة والنظام الحاكم برمته، ويقول “ان الثورة في منتصف الطريق”، فهذا يشكل تدخلا “غير بريء” في الشأن الداخلي الجزائري وفي توقيت “محسوب”، يسيء لهذه الثورة، ويحاول تشويهها، وبذر بذور الفتنة لزعزعة الاستقرار الداخلي، وبما يؤدي الى فوضى دموية في نهاية المطاف تحقق طموحاتهم.

الحراك الشعبي الجزائري، الذي اظهر أروع صور الانضباط والمسؤولية الوطنية، في مواجهة المحاولات التي تستهدف بلاده ووحدتيها الترابية والديمغرافية، ليس بحاجة الى نصائح هنري ليفي، لأنه حراك اتسم بأرقى أنواع السلمية، وتجنب كل الأيديولوجيات السياسية والمذهبية والعرقية الهدامة، ونأى بنفسه عن كل ما يفرق الجزائريين، حافظ على الهوية الوحدة الجامعة.

***

الشعب الجزائري يتمتع بحساسية خاصة رافضة لكل أنواع التدخل الخارجي في شؤونه، وخاصة اذا جاءت من فرنسا، المستعمر القديم او الولايات المتحدة المستعمر الجديد، وكل من يستقوي بالخارج يعتبر في نظره “عميلا” و”مدسوسا”، ولا يريد الخير لبلاده، مهما تستر خلف شعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان على أهميتها.

في بدايات الثورة الليبية، وعندما كانت سلمية محضة تعبر عن مطالب شعبية مشروعة، وقف غالبية الجزائريين في خندقها، ولكن بمجرد تدخل طائرات حلف “الناتو”، بطلب فرنسي بريطاني وقيادة أمريكية، تغير هذا الموقف كليا، ليس تعاطفا مع النظام الليبي، وانما للريبة والشك بنوايا واهداف هذا التدخل من قبل المثلث الاستعماري المعادي الذي يرى المنطقة من المنظور الإسرائيلي، والاستعماري القديم المتجدد.

هنري ليفي الذي تباهى بأن تدخله لتسليح الثورة الليبية، تدخل الناتو كان انطلاقا من “صهيونيته” ومصالح الدولة الإسرائيلية، وحرصه على ان تكون الحكومة الجديدة في ليبيا اول من تفتح سفارة في القدس المحتلة، لا يمكن ان تكون منطلقات دعوته هذه كلها لدعم الاستقرار والتنمية والتقدم في الجزائر، وكشفت الوثائق الفرنسية والإيطالية بأن السبب الرئيسي لتدخل الرئيس ساركوزي وتابعه ديفيد كاميرون، ومستشاريهما غير الرسميين توني بلير وهنري ليفي، هو الانتقام من الزعيم الليبي معمر القذافي لأنه قاوم الهيمنة الاستعمارية على القارة الافريقية، ورصد عشرات الاطنان من الذهب لتغطية “الدينار الافريقي” الذي كان عازما على إصداره كبديل لليورو الأوروبي والدولار الأمريكي لتحقيق الاستقلال الاقتصادي، وما يؤكد هذه الحقيقة ان الرئيس باراك أوباما حرص على التعبير عن الندم الشديد لمشاركة بلاده في الحرب على ليبيا، بعد ان اتضحت امامه الحقائق.

نعم نحن نؤمن بنظرية المؤامرة، ولا نخفي ذلك، لأننا اكتوينا بنارها في العراق وليبيا واليمن وسورية، ولكننا في الوقت نفسه نطالب بالتصدي لكل المؤامرات واصحابها بالتسلح بالوعي والدهاء والموقف المسؤول، ونشهد ان الشعب الجزائري بمختلف اعماره، قدم لنا نموذجا مشرفا في هذا الصدد.

الشعب الجزائري نزل الى الشوارع في معظمه ليس لإهانة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة واذلالة والانتقام منه، وانما لرفضه العهدة الخامسة، والاطاحة بالمجموعة الفاسدة التي تحيط به، وارادت استخدامه كواجهة لإدارة البلاد وفق مصالحها، ودون أي اعتبار لوجوده، والإصرار على تهميشه وقواه الحية (الشعب)، الآن تعيش الدولة الجزائرية حالة من الصحوة المسؤولة تمثلت في منع هذه “المهزلة”، ودفع الرئيس بوتفليقة، او من يحكم بإسمه الى الرضوخ للمطالب الشعبية المشروعة، في اجراء “مرجعات” شاملة عناوينها الأبرز سحب الرئيس لترشيحه، وتأجيل الانتخابات  لفترة قصيرى نأمل ان لا تطول، واقالة رئيس الوزراء، وتشكيل اللجنة الوطنية المستقلة للحوار الوطني، ولجنة أخرى مستقلة للانتخابات، ولفترة انتقالية محدودة.

هناك مخاوف لدى البعض من ان تكون هذه “المراجعات” محاولة للالتفاف على الحراك الشعبي ومطالبه، من خلال التمديد للعهدة الرابعة، سنة او اكثر، يتم خلالها “سرقة” الانتصار الحراكي، مثلما قالت المجاهدة الايقونة جميلة بوحيرد، ووصل هذا التشكيك لدرجة وصف السيد الأخضر الابراهيمي، الذي سيتسلم قيادة “الندوة الوطنية المستقلة” من قبل البعض بأنه محمد برادعي آخر، في إشارة الى التجربة المصرية، وهذه المخاوف مفهومة، بل مشروعة أيضا، ولكن الحراك الشعبي الجزائري، بما اظهره من قوة وزخم ووعي وانضباط هو الضمانة الحقيقية لمنع تكرار التجربة المصرية، او أي تجربة أخرى مماثلة، فما اسهل النزول الى الشوارع والميادين للتصدي لأي إنحراف، كما ان المؤسسة العسكرية الجزائرية التي تشكل “شبكة الأمان” في نظر الكثيرين تماما مثل نظيراتها في دول عديدة في العالم الثالث، مثل باكستان ومصر، بل وفي روسيا والصين وفنزويلا أيضا، لا يمكن، بل لا يجب، ان تسمح بإنزلاق البلاد الى فوضى دموية تحول الجزائر الى “دولة فاشلة” على غرار ما يحدث في ليبيا، مع التأكيد على حتمية البقاء في التكنات، لان الدولة المدنية الديمقراطية هي العنوان الوحيد للاستقرار والتقدم.

***

نفتخر بالدولة الجزائرية وكل مؤسساتها التي أظهرت اقوى مظاهر الوحدة الوطنية، والحرص على امن البلاد واستقرارها، واستمعت، ومن ثم تجاوبت، مع كل المطالب الشعبية المشروعة في التغيير، ونحن على ثقة انها، وهي التي اكتوت من جمر العشرية السوداء، لا يمكن، بل لا يجب ان تتوقف في منتصف الطريق، وات تستمر في الانحياز الى الشعب الذي هو مصدر جميع السلطات.

الجزائر كانت رأس حربه في مواجهة المخططات الاستعمارية في المشرق والمغرب، بل وفي القارة الافريقية بأسرها، وشاركت في كل الحروب ضد العدو الإسرائيلي بالرجال والمال والسلاح، وتصدت لكل الضغوط الامريكية التي ارادت تدمير منظمة “أوبك” والهيمنة على آلية تسعير النفط الخام، وبما يخدم الاقتصاديات الغربية، وليس شعوب الدول المنتجة الفقيرة، ولهذا هناك من يريد ويحاول حرف الحراك المشروع عن أهدافه، ودفع البلاد الى الصدامات الدموية، ولا نستبعد ان يكون هنري ليفي وحكومة ماكرون الفرنسية من بين هؤلاء.

الآن وبعد ان حقق الحراك الشعبي معظم أهدافه، ان لم يكن كلها، فان الحوار الوطني الجدي المسؤول هو الطريق الذي سيؤدي الى انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، تتمخض عن قيادة شابه تحقق الوفاق الوطني، وتقتلع الفساد من جذوره، وتقود الجزائر الى التنمية الحقة، وتضعها في المكانة التي تستحق إقليميا ودوليا.

نحن مع هذا الحوار.. لأننا مع الجزائر وشعبها، الجزائر التي قدمت لنا ولقضايانا العادلة الكثير، وخاصة القضية الفلسطينية، ولهذا نكتب عنها انطلاقا من حب الحريص والواثق بأنها ستتجاوز هذه الازمة، وتعود قوية، بل اقوى من أي وقت مضى.. والأيام بيننا.