ازمة صواريخ “اس 400″ الروسية لتركيا هل ستؤدي الى “تجميد” عضوية انقرة في حلف الناتو؟ ولماذا يصر اردوغان على المضي قدما بها رغم تهديد ترامب بعقوبات اقتصادية؟ ولماذا لا نستبعد حدوث “مقايضة” في اللحظة الأخيرة تكون مفاجئة للكثيرين تجنبا للأسوأ؟

عبد الباري عطوان

تقف العلاقات الامريكية التركية على ابواب ازمة استراتيجية كبيرة في ظل إصرار الرئيس رجب طيب اردوغان المضي قدما في شراء صفقة صواريخ “اس 400″ الروسية، وتهديد الإدارة الامريكية بفرض عقوبات على تركيا وإلغاء صفقة طائرات “اف 35″ التي كانت في طريقها الى انقرة كرد على هذا الاختراق التركي الذي يوصف بأنه شق لحلف “الناتو”، وانتهاك لميثاقه من دولة عضو، أي تركيا.

الرئيس اردوغان اكد يوم الأربعاء انه سيمضي قدما في شراء هذا النوع المتقدم من الصواريخ، وان التراجع يعتبر عملا غير أخلاقي، ويدرس إمكانية شراء النسخة الأكثر تطورا، أي “اس 500″ أيضا.

استلام تركيا للدفعة الأولى من صواريخ “اس 400″ سيتم في شهر حزيران (يونيو) المقبل، أي بعد ثلاثة اشهر، ولهذا تتكثف الضغوط والتهديدات الامريكية والأوروبية، وتزايد احتمالات “تجميد” عضوية تركيا في حلف الناتو، تحت ذريعة انها، أي الصواريخ، لا تنسجم مع الأنظمة الدفاعية الغربية الأوروبية والأمريكية الصنع.

***

الرئيس اردوغان قال ان شراء هذه الصواريخ الروسية لا يتعارض مع صفقة أخرى لشراء صواريخ “باتريوت” الامريكية بقيمة 3.5 مليار دولار، ولكن الإدارة الامريكية لا تتفق مع هذا الرأي، وتؤكد ان على تركيا الاختيار بين الصواريخ الروسية او الامريكية، واذا اختارت الروسية فان عليها ان تتوقع عقوبات اقتصادية، وقد يكون من بينها تدمير الليرة التركية، مثلما هدد الرئيس دونالد ترامب بكل وقاحة اكثر من مرة في الأشهر الأخيرة، في واحد من ابشع أساليب “البلطجة”.

أمريكا تشعر بقلق كبير من تقدم الصناعات العسكرية الروسية التي باتت تشكل تهديدا خطيرا لنظيراتها الامريكية لتطورها التقني اللافت، علاوة على تدفق عشرات المليارات من الدولارات على الخزينة الروسية، وشراء دولة مثل تركيا العضو المؤسس لحلف الناتو، والحليف التاريخي لواشنطن صفقات صواريخ روسية سيشجع دولا أخرى على السير في الاتجاه نفسه، وتراجع صناعة السلاح الامريكية التي تشكل احد اركان الاقتصاد والنفود الأمريكي.

انها حرب “عض أصابع″ بين الرئيسين اردوغان وترامب، ولا نعرف من سيصرخ أولا فيها، وما يمكن ان يترتب على هذا الصراخ من نتائج لاحقة.

الرئيس اردوغان يرى ان مصلحته وبلاده تكمن في التقرب من الروس، لان هذا التقارب يعني استمرار التعاون الاقتصادي الضخم بين البلدين، الذي يصل حجمه حوالي 50 مليار دولار سنويا في الوقت الراهن، ويمكن ان يصل الى مئة مليار دولار في السنوات الخمس المقبلة مثلما يطمح زعيما البلدين، خاصة في قطاع السياحة، حيث يتدفق ستة ملايين سائح روسي سنويا على المنتجات التركية، مضافا الى ذلك ان روسيا باتت اقرب الى وجهة النظر التركية فيما يتعلق بالملف الكردي، واخطاره على الامن القومي التركي.

ويمكن القول في المقابل أيضا ان اغضاب الإدارة الامريكية الحالية المتهورة يمكن ان يؤدي الى فرض عقوبات اقتصادية على تركيا أولا، وزيادة الدعم الأمريكي للحركات الكردية المسلحة سواء على الأراضي السورية (قوات سورية الديمقراطية)، او داخل العمق التركي خاصة تلك ذات الطابع الانفصالي، وسمعنا الرئيس اردوغان يطالب واشنطن بأخذ جميع الأسلحة التي قدموها لدعم الاكراد تحت ذريعة محاربة “الدولة الإسلامية” في حال انسحاب القوات الامريكية، او بيعها لتركيا، لكن بقاءها معهم يشكل خطا احمر.

***

هناك رأي بأن الأمور قد تصل الى الصدام المباشر بين البلدين، وان سياسة “عض الأصابع″ المذكورة آنفا قد تنتهي بحل وسط، او مقايضة بالأحرى بين الجانبين التركي والامريكي ابرز تفاصيلها ان يتخلى الرئيس اردوغان عن شراء الصواريخ الروسية مقابل ان تتخلى أمريكا عن حلفائها الاكراد، ولكن التصريحات التي ادلى بها الرئيس اردوغان في مقابلة تلفزيونية توحي بأنه مصمم على السير قدما في هذه الصفقة.

من الصعب علينا ترجيح مثل هذا الخيار، المقايضة، خاصة ان الازمة في بدايتها، ولا يوجد أي مؤشر على احتمالات حدوث تنازل من أي من الطرفين، وان كنا لا نستبعد، ومن خلال الرجوع الى سوابق مماثلة في هذا المضمار، ان حدوث “تسوية ما” تحول دون حدوث الطلاق النهائي بين الحليفين التركي والامريكي.. بسبب النتائج الخطيرة التي ستترتب على هذا الطلاق عليهما معا، فأمريكا لا تستطيع تحمل النتائج التي يمكن ان تترتب على خسارة تركيا.. كما ان تركيا تتجنب دائما خسارة حليفها الأمريكي والصدام معه.. وما حدث اثناء ازمة اجتياح القوات التركية لقبرص التركية عام 1974 ربما يؤكد هذه الحقيقة.. والله اعلم.