لهذه الاسباب خدمت استقالة ظريف النظام الإيراني واحرجت اعداءه.. لماذا كان نتنياهو اكثر الشامتين ترحيبا؟ وما هي الدروس المستخلصة عربيا من هذه الاستقالة؟

عبد الباري عطوان

ردود الفعل الشامتة التي سادت بعض وسائل الاعلام العربية والغربية المعادية لإيران تجاه استقالة محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني لم تعمر الا ساعات معدودة، فقد عاد الرجل الى موقعه قويا، وخرج النظام الإيراني الكاسب الأكبر في نهاية المطاف.

ان يكون السيد ظريف ضحية خلافات بين الجناحين المحافظ والمعتدل داخل النظام الايراني فهذا امر طبيعي يعكس تباين الآراء، وتصادمها في بعض الأحيان، ولمصلحة الدولة وأهدافها، وهذا يحسب للنظام، ويؤكد حالة من الديمقراطية في صفوفه، اختلف معها البعض او اتفق، على عكس الكثير من اقرانه في منطقة الشرق الأوسط عموما، وفي صفوف خصومه العرب تحديدا.

الرجل شعر بالإهانة عندما جرى استبعاده من حضور لقاءات المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، والرئيس حسن روحاني، مع الرئيس السوري بشار الأسد في زيارته التاريخية لطهران، وهذا من حقه، فهو قائد الدبلوماسية الإيرانية، واستحق هذه القيادة لإنجازاته الكبرى في إدارة المفاوضات ببراعة ودهاء حول الاتفاق النووي، واستبعاده بهذه الطريقة “الفجة” من قبل خصومه كانت خروجا عن كل الأعراف المتبعة، وتسيء للدولة الإيرانية، قبل ن تسيء للرجل، ولهذا سارعوا الى رفض استقالته وخروجه من حلبة السياسة في هذه المرحلة الحرجة والخطيرة التي تم بها البلاد.

***

كان السيد ظريف شجاعا عندما رد على هذه الإهانة، بإعلان استقالته وبطريقة حضارية في قمة التهذيب، عبر وسائل التواصل الاجتماعي (الانستغرام)، وعاد الى بيته مطمئنا، رافع الرأس عاليا، ولو أقدم على هذه الخطوة وزير في دولة عربية، من تلك التي تقف في خندق العداء لإيران، وتشارك في الحصار ضدها، ربما لما بقي على قيد الحياة.

الاعتذار العلني الذي تلقاه وعلى اعلى المستويات عن هذه “الخطيئة” سواء برفض قبول استقالته من رئيسه حسن روحاني، او بتأكيد اللواء قاسم سليماني، رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني والرجل القوي، انه (أي ظريف) هو المسؤول فعليا عن السياسة الخارجية الإيرانية، ومعاودته ممارسة وظيفته رسميا، وعمليا بان يكون اول اتصال له بعد استقالته بالسيد وليد المعلم، نظيره السوري، كلها مؤشرات تؤكد على طوي ملف الازمة، وعودة المياه الى مجاريها.

التراجع عن الخطأ فضيلة، ورد الاعتبار لهذا الرجل بطريقة حضارية سريعة، يقدم درسا للجوار العربي يشرح أسباب نجاح ايران عسكريا ودبلوماسيا وسياسيا على مستوى المنطقة والعالم في الوقت الذي يزداد العرب تخلفا في شتى المجالات، وينتقلون من حفرة الى أخرى اكبر واعمق، وينفقون التريليونات من الدولارات لشراء حماية الأعداء واستجداء صداقتهم.

***

السيد ظريف صاحب الابتسامة التي تحير خصوم بلاده وتربكهم، لم يأت الى وظيفته لأنه قريب من هذا الزعيم او ذاك المليونير، او لأنه ينتمي الى اسرة حاكمة تو عشيرة، وانما لأنه يملك المؤهلات العلمية التي تؤهله لهذه المهمة من أعرق الجامعات الامريكية، وهذا هو الفارق بينه وبين العديد من نظرائه العرب، نقولها وفي الحلق مرارة.

فرحة الشامتين الباحثين عن أي انتصار ضد ايران، مهما كان صغيرا، لم تعمر طويلا بعودة السيد ظريف الى قمة الدبلوماسية الإيرانية مجددا، وهذا لا يعني انه سيكون مخلدا فيها لعقود، فديناميكية التغيير، وضخ دماء كفاءات جديدة في هيكلية الدولة ومؤسساتها من ابرز سمات النجاح والتقدم والانجاز التي تتبناها الدول صاحبة المشاريع السياسية والاقتصادية.

ابتسامة السيد ظريف التي باتت درسا في العلوم الدبلوماسية عادت بقوة، وانعكست اكتئابا على وجوه الشامتين وما اكثرهم، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو الذي كان اول المرحبين بالاستقالة، وهذا الترحيب ينطوي على الكثير من المعاني، والدلالات بالنسبة الينا الذين نعتبر دولة الاحتلال الإسرائيلي الخطر والعدو الأكبر الذي يهدد وجودنا وامننا واستقرارنا.