لماذا يتصاعد القلق الإيراني من زيارة الأمير بن سلمان لباكستان؟ وكيف انقلب عمران خان رئيس وزرائها ضدها وتوجه الى الرياض؟ هل هو المال فعلا؟ وماذا لو نفذ الجنرال سليماني تهديداته بالانتقام لضحايا التفجير الانتحاري الأخير في السعودية؟ وهل بدأت عملية نقل العنف والإرهاب الى العمق الإيراني؟

عبد الباري عطوان

عاملان رئيسيان يقفان وراء حالة التوتر المتصاعدة هذه الأيام في العلاقات السعودية الإيرانية، التي يمكن ان تتطور الى اعمال عسكرية انتقامية، من الجانب الإيراني تحديدا:

  • الأول: التفجير الانتحاري الذي استهدف حافلة عسكرية تابعة للحرس الثوري الإيراني في مدينة زاهداف جنوب شرق ايران، قرب الحدود الباكستانية الأسبوع الماضي وراح ضحيته 27 عنصرا من الحرس الثوري.

  • الثاني: الزيارة التي قام بها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي الى باكستان، ونجاحها في احياء العلاقات الاستراتيجية، والتنسيق الأمني والعسكري بين البلدين على هامشها، والاتفاقات الصناعية والاستثمارية التي جرى توقيعها وبلغت قيمتها عشرين مليار دولار تعهدت السعودية بدفعها، وتفاهمات “سرية” حول تعاون نووي بين البلدين.

اكثر من مسؤول عسكري إيراني اتهم المملكة العربية السعودية والباكستان بالوقوف خلف هذا الهجوم الانتحاري الذي وصفه قاسم سليماني، رئيس فيلق القدس، بأنه كان مؤلما جدا، ولذلك “فان الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستثأر بالتأكيد لدماء شهدائها من العملاء وستهاجم هذه الزمرة الخبيثة في أي نقطة كانت”، في إشارة الى كل من باكستان والسعودية”.

***

وما يعكس قلق ايران من هذا التقارب الباكستاني السعودي الذي تجسد اثناء زيارة ولي العهد السعودي لاسلام اباد تصريحات لمسؤولين عسكريين إيرانيين غير مسبوقة على اعلى مستوى:

  • الأول: التحذير الذي جاء على لسان اللواء يحيى رحيم صفوي، المستشار العسكري للمرشد الإيراني الأعلى، والرئيس السابق للحرس الثوري الذي وجهه للسلطات الباكستانية من التعويل على السعودية، معتبرا ان هذه الدولة لن تعمر طويلا ومستشهدا في خطاب القاه في أصفهان اثناء تشييع ضحايا التفجير المذكور، بتقرير لـ16 معهدا ومركزا للأبحاث في أوروبا قال انه لن تكون هناك دولة اسمها السعودية عام 2030، وستكون ايران اقوى دولة في المنطقة.

  • الثاني: اللوم والعتب الذي وجهه الجنرال سليماني في حفل تأبين آخر في مدينة بابل بمحافظة مازندران الى الحكومة والشعب الباكستاني الذي قال فيه “ان باكستان كانت تعتبر ايران عمقها الاستراتيجي”، وتابع قائلا “لقد اعلنا لقادة باكستان مرارا دعمنا مكانة بلدهم ودورها في المنطقة، والسؤال الموجه لها بعد دعم الذين يقفون خلف الهجوم الانتحاري الأخير المدعوم سعوديا: اين تتجهون؟”، واختتم تصريحه بالقول “ان دولة قامت بتقطيع احد رعاياها اربا تريد اليوم بمالها توريط باكستان مع جيرانها”.

الرد الإيراني على هذا التنسيق السعودي الباكستاني تمثل في امرين: الأول الكشف عن غواصة حاملة للصواريخ الباليستية من النوع المتوسط في ميناء بندر عباس، والاعلان عن اطلاق مناورات بحرية غدا الجمعة لمدة ثلاثة أيام في مضيق هرمز، وبحر عُمان، وشمال المحيط الهندي في منطقة مساحتها مليوني كم مربع.

اكثر ما تخشاه القيادة الإيرانية ان تسعى السعودية في شخص الأمير محمد بن سلمان الى إقامة حلف عسكري باكستاني سعودي يحاصرها من الجنوب الشرقي (باكستان)، ومن الغرب (السعودية والامارات والبحرين)، ودعم الجماعات العرقية والطائفية داخل ايران وتحريضها على القيام بأعمال عنف وإرهاب تزعزع استقرارها الداخلي في المرحلة المقبلة.

الأمير بن سلمان كشف عن هذا المخطط في مقابلة مع الزميل داوود الشريان على شاشة “ام بي سي” قبل عامين تقريبا، عندما قال ان السعودية لن تنتظر ايران حتى تأتي اليها، وتشن حربا عليها، بل ستقوم بنقل هذه الحرب الى العمق الإيراني ملمحا الى تثوير الحركات الانفصالية العرقية (العربية والبلوشية والاذرية والكردية) التي تشكل في مجموعها نصف الشعب الإيراني.

عمران خان، رئيس الوزراء الباكستاني، اعلن عندما تولى منصبه الجديد بحرصه على اقامة علاقات استراتيجية مع ايران، واكد ان طهران هي العاصمة الأولى التي سيزورها وليس الرياض، ويبدو ان هذه التصريحات كان الهدف منها “استفزاز″ السعودية لتقديم مساعدات مالية اكبر لإنقاذ الاقتصاد الباكستاني المنهار لأسباب عديدة، ابرزها الفساد، ووقف مليارين من المساعدات السنوية الامريكية بحجة عدم مكافحة باكستان الإرهاب بالقدر الكافي، ويبدو ان خطته حققت اغراضها، ولكن هذا “التحول” قد لا يكون خاليا من المخاطر، وانقلاب مضاد في مواقف السيد عمران غير مستبعد، اذا وضعنا في الاعتبار ان 25 بالمئة من الجيش والشعب الباكستاني من أبناء الطائفة الشيعية.

***

رصد الأمير بن سلمان 20 مليار دولار دعما اقتصاديا لباكستان اثناء زيارته هذه، ولهذا جاءت إشارة اكثر من مسؤول إيراني الى دور المال السعودي في استمالة اسلام اباد، والسيد خان لم ينف ذلك، وقال على هامش مشاركته في قمة دافوس الصحراء للاستثمار أواخر العام الماضي، انه يأسف لمقتل الصحافي خاشقجي، ولكنه يسعى الى المال لإنقاذ اقتصاد بلاده.

اذا تأكد بأن هناك دورا للسعودية وباكستان في عملية زاهدان الانتحارية، ودعم الجماعات “السنية” الانفصالية البلوشية، فان هذا قد يؤدي الى تصعيد عسكري، وربما انتقام إيراني، والسؤال هو عن الرد المنتظر من قبل السيد عمران خان على هذه التحذيرات من الجار الايراني، ومدى عمق تنسيقه مع السعودية في حصار ايران وتصدير اعمال العنف والارهاب الى داخلها؟

قائد الحرس الثوري الجنرال محمد علي الجعفري طالب الرئيس حسن روحاني، ومجلس الامن القومي الإيراني باعطائه الضوء الأخضر للثأر وتنفيذ عمليات انتقامية لضحايا التفجير المذكور، فهل سيتم تلبية طلبه، وأين سيكون الانتقام في هذه الحالة وكيف؟ وماذا يمكن ان يترتب عليه من تبعات؟

التصعيد الإيراني السعودي دخل دائرة خطرة جدا، في تزامن مع مؤتمر وارسو الذي شاركت فيه السعودية ودول خليجية، وبدعم امريكي إسرائيلي، اعتبر ايران مصدر التهديد الأساسي لأمن واستقرار وسلام منطقة الشرق الأوسط.. فهل ستكون جولة الأمير بن سلمان الآسيوية، ومحطتها الأهم اسلام اباد، هدفها التحضير لحرب استنزاف ايران وحصارها.. الله اعلم.