لماذا صعّد الرئيس الأسد هجومه الشرس على اردوغان فجأة؟ وما علاقته بهزيمة “الدولة الاسلامية” التي باتت  وشيكة؟ وهل ستختفي “داعش” تماما من الخريطة؟ ومن سيملأ الفراغ الذي ستتركه في شرق الفرات؟ وما هو مصير قوات سورية الديمقراطية ذات الغالبية الكردية بعد تخلي الامريكان عنها؟

عبد الباري عطوان

في غضون أيام، وربما ساعات، سيتم الإعلان رسميا عن انتهاء “دولة الخلافة” الذي اعلن قيامها ابو بكر البغدادي، زعيم “الدولة الإسلامية” (داعش) من على منبر الجامع الكبير في الموصل صيف عام 2014، فالمقاتلون الباقون على قيد الحياة باتوا وعائلاتهم محاصرين في مساحة لا تزيد عن نصف كيلومتر مربع في قرية الباغوز شرق الفرات، ولم يعد امامهم الا احد خيارين، الأول هو الاستسلام لقوات سورية الديمقراطية، او القتال حتى الموت بعد رفض كل مطالبهم بالمغادرة الى ادلب، ولكن السؤال المطروح الآن هو عما سيحدث في منطقة شمال سورية وشرق الفرات، ومن سيملأ الفراغ الناجم عن هزيمة هذه “الدولة”؟ واخيرا هل ستكون هذه الهزيمة هي نقطة النهاية، ام بداية جديدة مختلفة لهذا التنظيم.

قبل الإجابة على هذه الأسئلة لا بد من التوقف عند حالة الجدل الدائرة حاليا في الأوساط الأوروبية حول كيفية التعاطي مع حوالي 800 مقاتل يحملون الجنسيات البريطانية والفرنسية والإيطالية والألمانية والايرلندية، وجرى اسرهم من قبل قوات سورية الديمقراطية، ويقبعون حاليا في سجونها، علاوة عن الآلاف من زوجاتهم واطفالهم، فهل ستسمح هذه الدول بعودة هؤلاء الى دولهم التي يحملون جنسياتها في أوروبا ام اغلاق أبواب العودة في وجوههم باعتبارهم إرهابيين؟ ولماذا يغرد دونالد ترامب بنصائح للدول الاوروبية باستقبالهم ولا يفعل ذلك بنفسه، ويقدم مثلا لهم؟

***

لا بد من العودة الى الوراء سبع سنوات على الأقل، والتذكير بأن حكومات أوروبية اعتبرت هؤلاء مقاتلين شرعيين من اجل الحرية في سورية، واطاحة النظام فيها، وسهلت سفر هؤلاء الى ميادين القتال وسط مباركة سياسية من مجموعة دول “أصدقاء سورية” التي كانت تضم 65 دولة، وتغطية إعلامية قدمت هؤلاء كأبطال، ونحن كنا شهودا على هذه “الزفة”، ومتابعين لها عن قرب من الجانب الأوروبي، بحكم اقامتنا على الأقل.

الامر الآخر الذي لا يمكن ان نتجاهله ان ديفيد كاميرون، رئيس وزراء بريطانيا، وفرانسوا هولاند، رئيس فرنسا في حينها، ذهبا الى بروكسل في 16 اذار (مارس) 2013، ومارسا ضغوطا كبيرة على الاتحاد الأوروبي لاصدار قرار برفع الحظر عن ارسال السلاح الى سورية، لتسهيل عملية تسليح هؤلاء المقاتلين وغيرهم، للتسريع بتغيير النظام في دمشق.

تقتضي علينا الأمانة والموضوعية ان نعترف بأن السيدة انجيلا ميركل، المستشارة الألمانية عارضت بقوة، ومعها دول أوروبية اخرى، هذا المسعى الفرنسي البريطاني لتخفيف حظر السلاح، واعتبرت تسليح المعارضة في حينها يمكن ان يؤدي الى سقوط الأسلحة في ايدي الجماعات المتطرفة واشعال سباق تسلح يؤدي الى تقويض امن المنطقة واستقرارها، وان ايران وروسيا ستبادران في حال تسليح المعارضة السورية الى دعم النظام السوري بكل احتياجاته من الأسلحة وبما يعزز صمود، ودعم “حزب الله” ودخوله الى الميدان السوري أيضا، وضرورة الاخذ في الاعتبار كل انعكاسات ذلك على لبنان والمنطقة.

كل المخاوف التي حذرت منها السيدة ميركل تحققت حرفيا، وها هي روسيا تملك اليد العليا ليس في سورية، وانما في المنطقة بأسرها ايضا، وها هي ايران تملك وجودا قويا في الأرض السورية، وها هو “حزب الله” بات يملك الجيش الثاني الأكثر قوة بعد الجيش الإسرائيلي، وها هو الجيش العربي السوري يستعيد اكثر من 80 في المئة من الأراضي السورية، والباقي في الطريق، ولا ذكر مطلقا للمعارضة السورية وهيئاتها وقيادتها هذه الأيام.

ما نريد قوله، ان هؤلاء المقاتلين هم أوروبيون في الأساس، ويجب ان يعودوا وعائلاتهم الى نقطة انطلاقهم، وان يتم التعاطي معهم وفق القوانين المرعية، وهم في رأينا يشكلون قمة جبل الثلج في سياسات التدخلات العسكرية الأوروبية والأمريكية القائمة على الخداع والتضليل الهادفة الى تدمير دول في منطقة الشرق الأوسط، وبما يخدم الدولة العبرية واستمرار هيمنتها، وحروبها واحتلالها للأراضي العربية.

نعود الى الأسئلة التي طرحناها سابقا في بداية هذا المقال، ونقول بأننا لا نعتقد بأن تنظيم “الدولة الإسلامية” سيختفي من الوجود بانهيار خلافته ودولته، لان الظروف الذي أدت الى صعوده ما زالت باقية بطريقة او بأخرى، ويجب التعاطي معها بعقليات جديدة مدروسة وغير طائفية، وابرزها التدخلات الامريكية، وسياسات التهميش والاقصاء لبعض حواضنه العراقية والسورية، وغياب الحكم الرشيد والعدالة الاجتماعية، واستفحال الفساد، والتوزيع العادل للثروة في معظم الدول العربية والإسلامية.

“داعش” الذي ورث التنظيم الام “القاعدة”، بعد هزيمة الأخير بفعل الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001، قد يلجأ الى الخطة “B”، اي إعادة تجميع صفوفه واللجوء الى العمل السري تحت الأرض، الذي يعتبر اقل كلفة من التمكين والتمدد فوقها، والتخلص من أعباء الدولة وادارتها وتوفير الخدمات الرئيسية الأمنية والمعيشية “لمواطنيها” وسط بيئة معادية لما يترتب على ذلك من أموال وجهد، وفي حال عدم اللجوء الى هذه الخطة، فان هناك احتمالا آخر، أي ان ينشأ تنظيم جديد من رحمه اكثر تشددا ودموية فيما هو قادم من أيام، وتاريخ المنطقة حافل بالأمثلة، وهذا موضوع آخر.

***

ختاما نقول ان المنطقة، وسورية والعراق تحديدا، تقف على اعتاب تغييرات كبرى، فمن سيملأ الفراغ الذي سينجم عن انهاء وجود “داعش” هو الدول السورية بدعم من الروس ومحور المقاومة الذي تشكل أحد ابرز اركانه، ولا نعتقد ان الهجوم الشرس الذي شنه الرئيس بشار الأسد في خطابه الذي القاه يوم امس امام رؤوساء للمجالس المحلية، على الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ولأول مرة بعد غياب طويل، جاء من قبيل الصدفة، وانما يشكل توصيفا للمرحلة المقبلة التي عنوانها الأبرز تعافي سورية سياسيا وعسكريا، ويقول بكل صراحة ان الدولة السورية تنتقل من مرحلة الدفاع الى الهجوم.

 لا نعرف ما هي المعطيات التي دفعت الرئيس الأسد لشن هذا الهجوم، ولكن كون الخطاب جاء بعد أيام من انعقاد قمة سوتشي الثلاثية الإيرانية التركية الروسية، فان هذا يشي بالكثير، عن نقاط الخلاف والاتفاق بين اللاعبين الرئيسيين فيها، وتباين وجهات النظر الروسية والتركية في قضايا عديدة على الارض السورية.

معلوماتنا تفيد بأن الروس والايرانيين عارضوا كل المطالب التركية بإقامة منطقة آمنة في شمال شرق سورية، واصروا على عودتهما كاملة الى سيادة الدولة السورية، وما يعزز ذلك التصريحات التي صدرت عن قيادة قوات سورية الديمقراطية التي تستجدي الاتحاد الأوروبي هذه الأيام بعدم التخلي عنها، واعرابها عن استعدادها بتقديم تنازلات للدولة السورية بتقاسم حقول النفط، والعائدات الضريبية معا، ورفع العلم السوري الرسمي فوق مقراتها.

قوات سورية الديمقراطية التي حظيت بدعم الامريكان وتسليحهم، وتحدت الدولة السورية، تنتهي مهمتها ودورها بمقتل او خروج آخر مقاتلي “الدولة الإسلامية” (داعش) من شرق الفرات، وستكون في موقف ضعيف لا يؤهلها من املاء شروطها على دمشق، بعد تخلي الامريكان والأوروبيين المتوقع عنها، مثلما تخلو عن المعارضة السورية.. والعديد من “الحلفاء” الذين راهنوا عليها، والقائمة طويلة جدا، وسينضم اليها بعض القادة العرب.. والأيام بيننا.