لماذا نعتقد بأن استنجاد زعيم الانقلاب الفنزويلي بوساطة بابا الفاتيكان بداية لإنحسار “ثورته”؟ وما هي أوجه الشبه بين تدخل “التحالف العربي” في اليمن والامريكي في فنزويلا؟ وهل سيسير مادورو على خطى الأسد ويرفض الدعوات الامريكية بالمغادرة؟

عبد الباري عطوان

ان يستنجد خوان غوايدو، رئيس الانقلاب في فنزويلا ببابا الفاتيكان فرانسيس الذي يعتبر اول من تولى هذا المنصب الروحي من امريكا الجنوبية، ويحثه على التوسط لحل الازمة الفنزويلية، فهذا يعني انه بدأ يدرك ان “ثورته” بدأت تفقد قوتها، وتواجه صعوبات كبرى للوصول الى أهدافها في اطاحة حكم نيكولاس مادورو البوليفاري اليساري المعادي للهيمنة الامريكية.

غوايدو الذي نسق انقلابه هذا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبعض الزعماء الآخرين الموالين لواشنطن في أمريكا الجنوبية مثل قادة البرازيل وكولومبيا وباراغواي، اثناء زيارة سرية قام بها الى العاصمة الامريكية، من المفترض ان لا يلجأ الى الفاتيكان، وهو الذي يحظى بدعم الولايات المتحدة وكندا ومعظم دول الاتحاد الأوروبي، فماذا يمكن ان يقدم له البابا فرانسيس غير “الدعوات” عن بُعْد، هذا اذا قرر الانحياز لمعسكره في هذه الازمة الداخلية، ولكن البابا خيب امله واختار الحياد وعدم التدخل كعادته في معظم النزاعات المماثلة، ان لم يكن كلها.

الأمم المتحدة اتخذت الموقف الحيادي نفسه، وواصلت التعامل مع حكومة مادورو الشرعية، حسب ما جاء على لسان المتحدث باسمها، وأكدت تأييدها للحوار بين جميع الأطراف للتوصل الى حل سياسي للازمة يجنب البلاد سفك الدماء.

***

انقلاب غوايدو بدأ يفقد زخمه، بسبب انحسار التأييد الشعبي له، ومعارضة المؤسسة العسكرية له ودعمها الحاسم لنظام الرئيس مادورو الشرعي، فالمظاهرات التي دعا اليها رئيس الانقلاب لم تحظ بتجاوب جماهيري كبير رغم الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها الشعب الفنزويلي تحت الحصار، وكان عدد المشاركين فيها اقل بكثير من عدد المشاركين في الأخرى المضادة الموالية للرئيس، كما ان كل الحملات الدعائية الامريكية حول حدوث انشقاق في الجيش الفنزويلي وجنرالاته ثبت عدم دقتها، ان لم يكن كذبها بشكل فاضح.

الانقلاب الفنزويلي يذكرنا ببدايات الثورة السورية، وتضخيم محطات فضائية معروفة للانشقاقات في السلك الدبلوماسي والجيش وبعض الوزارات للإيحاء بأن سقوط النظام كان وشيكا، لنكتشف انها حملات دعائية من جهات ودول خليجية معروفة، وتنطوي على الكثير من المبالغة والتحريض، والاهم من ذلك ان نسبة لا بأس بها من السفراء والوزراء المنشقين حصلوا على مبالغ مالية هائلة مقابل انشقاقهم، وبعد مساومات شرسة مع “الوسطاء” لرفع الثمن.

الجيش الفنزويلي، ورغم المعاناة الشديدة، والظروف الصعبة التي تعيشها البلاد، وهجرة أكثر من ثلاثة ملايين فنزويلي الى الدول المجاورة بحثا عن لقمة العيش، لم ينشق ولم يتمرد على قيادته، والانشقاقات حصلت بشكل واضح في صفوف معسكر المعارضة الموالية لرئيس الانقلاب، حيث عارض بعض اجنحتها التدخل العسكري الخارجي لأنه ربما يفجر حربا أهلية تدمر البلاد كليا.

أمريكا تتعاطى مع الوضع في فنزويلا بطريقة تعاطي التحالف العربي مع اهل اليمن، أي انها تفرض حصارا تجويعيا خانقا، مع قصف جوي وغزو ارضي، ثم تقوم بإرسال المساعدات الإنسانية لإنقاذ الشعب اليمني او الفنزويلي من المجاعة.

نقول هذا بمناسبة وصول اول شاحنات من الغذاء الامريكية الى الشعب الفنزويلي، والضجة الإعلامية المرافقة لها، فنزويلا لا تحتاج الى هذه المساعدات، ويكفي ان ترفع الحكومة الامريكية “التجميد” عن الأموال الفنزويلية في مصارفها من عوائد النفط (تشتري ثلث النفط الفنزويلي) وتوقف مؤامراتها لكي تعيش البلاد في بحبوحة، وتشتري كل احتياجاتها من الطعام والمواد الضرورية الأخرى.

***

كان اليوت ابرامز، احد المنظرين المحافظين الجدد الذي اختاره الرئيس دونالد ترامب لكي يكون مندوبا له في الازمة الفنزويلية، في قمة الوقاحة عندما طالب مادورو بمغادرة كاراكاس، لأنه من الأفضل للمسار الديمقراطي ان يكون خارج البلاد، وان هناك عدة دول مستعدة لاستقباله مثلما قال في تصريحات ادلى بها امس.

الا يذكرنا هذا الكلام بدعوات أمريكية وتركية وخليجية مماثلة جرى توجيهها لكل من الرئيسين بشار الأسد ومعمر القذافي في بداية ما يسمى بثورات الربيع العربي للمغادرة الى ملاذات آمنة في موسكو وباريس؟

مادورو لن يغادر فنزويلا.. ولا نستبعد ان من سيغادرها هو غوايدو، رئيس الانقلاب، الى واشنطن على وجه التحديد، هذا اذا قبلت به، ولم تغلق أبوابها في وجهه، مثلما فعلت مع عملاء آخرين اكثر أهمية منه مثل شاه ايران.

الثورة البوليفارية في فنزويلا التي بذر بذرتها الأولى هوغو شافيز هي التي ستنتصر، او هكذا نأمل ونصلي، ونفتخر بذلك.. والأيام بيننا.