سبع نقاط في حديث السيد نصر الله ترسم خريطة طريق للمرحلة المقبلة.. هل جرى اتخاذ قرار قصف تل ايبب بعد أي عدوان إسرائيلي مقبل على سورية؟ ولماذا ركز على الصواريخ “الدقيقة” طوال الوقت؟ وما المصدر الحقيقي لخطرها؟ ولماذا نثمن الرد السوري الحازم على رسالة السعودية التي حملها البشير للاسد؟

عبد الباري عطوان

اعتقد الكثيرون، ونحن لسنا من بينهم، ان السيد حسن نصر الله سيظهر على شاشة قناة “الميادين” ليلة السبت، شاحبا، هزيلا، محاطا بالأطباء والممرضات، وجالسا على سرير ابيض، او كرسي متحرك، بسبب حملة الشائعات التي انتشرت على وسائل الاعلام الإسرائيلية وبعض مريديها في قنوات عربية أخرى، ولكن املهم خاب، وظهر الرجل باسما، ومتحدثا لبقا كعادته، متقد الذهن، ومُرتب الأفكار، مقدما لعشرات الملايين من المشاهدين الذين كانوا ينتظرون اطلالته، خريطة طريق للمرحلة المقبلة، وتحليلا استراتيجيا متكاملا لما جرى، ويجري، وقد يجري من احداث وتطورات في المنطقة، مدعما بكم هائل من المعلومات التي يكشف عنها لأول مرة.

السيد نصر الله في هذا الحديث لم يثبت فقط انه “سيد” المقاومة، وانما “سيد” الحرب النفسية أيضا، فقد بث المزيد من الرعب في نفوس الإسرائيليين، وألبهم على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يخدعهم، ويستعد لمغامرة عسكرية لأسباب انتخابية او شخصية (تهم الفساد) قد تكلفهم الكثير من الكوارث، ولهذا حاول الأخير، أي نتنياهو، ان يمتص هذه “الضربة الاستباقية” للسيد نصر الله بالتحذير من القوة العسكرية “الفتاكة” للجيش الاسرائيلي، ولكنه تحذير بلا قيمة، ويزيد المستوطنين الإسرائيليين قلقل على قلق، لان هذه القوة الفتاكة ثبت زيفها في آخر حروبها ضد المقاومة اللبنانية عام 2006، وامام ابطال قطاع غزة في العدوان الأخير قبل شهر، فصاروخ واحد اصاب عسقلان جنوب فلسطين المحتلة دفع نتنياهو للهرولة الى مصر طالبا النجدة، ومستجديا وقفا لإطلاق النار كان الأسرع من نوعه (بعد 48 ساعة).

***

كل ما ورد في المقابلة على لسان السيد نصر الله يمكن تصنيفه في زاوية الأهمية الاستراتيجية، سواء حديثه عن الانفاق، او عن الجدار الإسرائيلي على الحدود اللبنانية، او الوضع اللبناني الداخلي، ولكن ما لفت نظرنا، ونظر الإسرائيليين وحلفائهم العرب حتما عدة قضايا رئيسية، نراها عناوين رئيسية وقراءة مهمة للمستقبل:

  • الأول: تأكيده امتلاك “حزب الله” قدرا “كافيا” من الصواريخ “الدقيقة” القادرة على ضرب اهداف نوعية إسرائيلية، عسكرية ومدنية، مثل المطارات (المدنية والعسكرية)، ومحطات الماء والكهرباء، ومخازن الامونيا السامة، في حيفا وما بعد حيفا، وحتى المفاعل النووي في ديمونا.

  • ثانيا: حديثه الصريح والواضح، وللمرة الأولى، ان عملية اجتياح الجليل وتحريره مستمرة، وجزءا أساسيا في استراتيجية المقاومة، وهذا الاجتياح سيكون من كل الحدود وليس من اربع انفاق، مثلما قال نتنياهو وأجهزة مخابراته الفاشلة.

  • ثالثا: كل فلسطين ستكون ميدان الحرب المقبلة، وصواريخ المقاومة ستضرب كل المدن وعلى رأسها تل ابيب.

  • رابعا: شرارة هذه الحرب قد تأتي من خلال ارتكاب نتنياهو خطأ في سورية او قطاع غزة، وحذره والإسرائيليين بأنهم سيندمون ندما كبيرا لان ثمن أي عدوان سيكون باهظا.

  • خامسا: في “أي لحظة” قد يتم اتخاذ قرار من قبل سورية ومحور المقاومة، للتعاطي بطريقة مختلفة مع الاعتداءات الإسرائيلية في سورية، ومن بينها ضرب تل ابيب، فمحور المقاومة كان يعطي الأولوية في السابق للأمور الداخلية، وبات الآن في موقف اقوى للتعاطي مباشرة مع العدوان الإسرائيلي، بمعنى آخر زمن الصمت وعدم الرد قد يكون ولى.

  • سادسا: أكد ان صفقة القرن جرى تجميدها، لان ضلعها الأهم، أي الأمير محمد بن سلمان الذي كان مكلفا بتسويقها عربيا مقابل البقاء في الحكم لنصف قرن، تحاصره الازمات محليا وعربيا وخارجيا وبات بحاجة لمن ينقذه.

  • سابعا: المأزق في شرق الفرات تركي كردي، وعودة اردوغان الى “اتفاقية اضنة” اعترافا بأن عودة الجيش السوري الى الشمال والشرق هو المخرج للجميع، وان ادلب تشكل حرجا لتركيا لوجود جبهة النصرة، وان الحل السلمي هو الأرجح.

***

نثني على رأي السيد نصر الله بأن اعتراف ترامب بالهزيمة في سورية والمنطقة وسحب قواته، هو الذي دفع بعض العرب للهرولة الى دمشق، وأثلج صدرنا عندما قال ان القيادة السورية رفضت رسالة حملها الرئيس عمر البشير من السعودية ودول خليجية بالتقدم بطلب العودة الى الجامعة العربية، وقالت له هذه القيادة أبلغهم بأن من اخرج سورية من الجامعة عليه اعادتها اليها.. هذه هي سورية التي نعرفها، سورية الاباء وعزة النفس، والتمسك بالثوابت في أشد الأوقات حراجة.

وما أثلج صدرنا أكثر ان السيد نصر الله أكد ان سورية ستكون وفيه لكل من وقفوا معها في اوقاتها الحرجة، مثلما ستظل وفية لواجباتها العربية والقومية، ولن تتخلى عن مسؤولياتها في هذا المضمار رغم ما في حلقها من مرارة.

السيد نصر الله كان “كبيرا” كعادته في الحديث عن السيد سعد الحريري، وعن بعض الأصوات “النشاز″ في التيار الوطني اللبناني الحر، ولم ينجر مطلقا الى المُهاترات الكلامية لصغار القوم.

 إذا كان الصمت لشهرين او ثلاثة يأتي بكل ما تقدم من رؤى استراتيجية مطمئنة، وتشفي غليل من راهنوا على محور المقاومة، فأهلا به، ولا عزاء لمن راهنوا على نتنياهو واكاذيبه، وتوقعوا الأسوأ، محور المقاومة ينتصر، نقطة على السطر.