فنزويلا ليست ليبيا ولا العراق.. والتدخل الأمريكي العسكري فيها محكوم بالفشل.. المواجهة الأولى في مجلس الامن تنتهي بالهزيمة.. والمحور الروسي الصيني الجديد المدعوم من قوى إقليمية عظمى سيهزم مشاريع الانقلابات الامريكية.. وهذه هي ادلتنا

عبد الباري عطوان

بعد ان دمرت الولايات المتحدة الامريكية معظم دول الشرق الأوسط، ابتداء من العراق ومرورا بسورية وليبيا وانتهاء باليمن، ها هي تريد تكرار سيناريو التدمير، وفرض الحصارات نفسها في أمريكا الجنوبية، ابتداء من فنزويلا التي فرضت عليها حصارا تجويعيا خانقا انتقاما من سياساتها الاشتراكية الداعمة لقضايا الحق في العالم، ومحاولة لإرهاب الآخرين في المنطقة الذين يفكرون في تبني نهجها الاستقلالي، ومعارضة الهيمنة الامريكية.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي ادعى كذبا معارضته للتدخل العسكري في العراق، ولأسباب انتخابية صرفة، ها هو يحاول السير على نهج جورج بوش الابن، وغزو فنزويلا، وتغيير نظام الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو، خليفة هوغو شافيز، الذي تحدى أمريكا وهيمنتها، وانحاز للفقراء في جميع انحاء العالم، خاصة في أمريكا وبريطانيا، عندما ارسل اليهم النفط مجانا، ودعم الشعبين الفلسطيني والإيراني، علاوة على السوري، في مواجهة الحصارين الأمريكي والإسرائيلي، وادان المؤامرة في سورية وقبلها في العراق.

نعم، اقتصاد فنزويلا في حالة من الانهيار، والناتج القومي انخفض الى النصف العام الماضي، ونسبة التضخم وصلت الى حوالي مليون في المئة، ولكن هذا الانهيار لم يأت بسبب سوء الإدارة مثلما يروج “الخبراء” الذين يقفون في خندق أمريكا، وانما لسبب الحصار الخانق والمحكم.

***

علمتنا تجارب العراق وليبيا واليمن وقطاع غزة انه عندما تضع الحكومات وقطاع غزة انه عندما تضع الحكومات الامريكية خططا لتغيير الانظمة التي تعارض هيمنتها، وترفض سيطرتها على أسعار النفط، وتقاوم الغطرسة الإسرائيلية، تلجأ الى الحصار الاقتصادي، لإضعاف الأنظمة الوطنية المستهدفة وتضع الزعماء، والمجموعة المحيطة بهم، على قوائم الإرهاب، لإرهابها، وزعزعة استقرارها الداخلي، تحريضا لشعوبها على الثورة والتمرد، وبما يبرر التدخل العسكري ويسهّل مهماته.

فنزويلا ليست ليبيا او العراق، لان الظروف تغيرت، وامريكا لم تعد صاحبة الكلمة العليا في العالم، القادرة على استصدار قرارات من الأمم المتحدة ومجلس امنها لتبرير جرائمها، وتوفير الغطاء الاممي لها، وما حدث في مجلس الامن بالأمس من سقوط مهين لمشروع القرار الأمريكي بالاعتراف بالرئيس الانتقالي الجديد خوان غويدو الا التأكيد الاوضح لما نقول.

اليوم هناك الثنائي الروسي الصيني المدعوم من قوى إقليمية عظمى مثل ايران وتركيا والمكسيك والهند وجنوب افريقيا، والقادر على النزول الى ميدان التحدي بكل قوة وصلابة، في وجه مشاريع الهيمنة الامريكية.

أمريكا ستجد صعوبة كبيرة لتنفيذ مخططها في تغيير النظام في فنزويلا، وفرض رجلها غويدو رئيسا، لان المؤسسة العسكرية الفنزويلية تدعم الرئيس مادورو وتعتبره الرئيس الشرعي، وترفض الانقلاب الأمريكي، وكذلك هو حال المحكمة الدستورية العليا.

ان يقوم غويدو بزيارة سرية الى الولايات المتحدة، ويعرج على حلفائها، او بالأحرى عملائها، في البرازيل وكندا وكولومبيا والأرجنتين، ويعود ليعلن نفسه رئيسا، وتبادر إدارة ترامب بالاعتراف به خلال دقائق فهذا نوع جديد من “الانقلابات” غير مسبوق، الم يطالب الرئيس ترامب وزير دفاعه جيمس ماتيس ومستشاره للأمن القومي السابق اتش ار ماكماستر بوضع خطة لغزو فنزويلا واغتيال الرئيس بشار الأسد.

من هو الاتحاد الأوروبي حتى يوجه إنذارا الى الرئيس مادورو بضرورة اجراء انتخابات حرة ونزيهة في غضون ثمانية أيام والا سيتم سحب الاعتراف به كرئيس ومنحه لخصمة زعيم المعارضة، هل الاتحاد الأوروبي يملك شرعية دولية في هذا المضمار، وهل اصبح بديلا عن الأمم المتحدة؟ وهل ما زلنا نعيش في القرن التاسع عشر زمن الاستعمار الأوروبي؟

نعم.. هناك مليون نازح فنزويلي هاجروا الى دول الجوار بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة في بلادهم، الا يذّكرنا هؤلاء بعشرة ملايين لاجئ ونازح سوري، وثلاثة ملايين ليبي، ومجاعات واوبئة تحصد أرواح الشعب اليمني، وقبلها مليونا لاجئ عراقي الى سورية والأردن، ولا يمكن ان ننسى اللاجئين الفلسطينيين، الم يهاجر هؤلاء نتيجة للتدخلات والحصارات والحروب الامريكية الإسرائيلية التي تدعمها ودول الاتحاد الأوروبي؟

***

نقف في خندق مادورو في مواجهة هذه المؤامرة الامريكية دون أي تردد، ليس لأنه رئيس منتخب حصل على 67 بالمئة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية الأخيرة (أيار الماضي)، وانما أيضا لأنه رفض الهيمنة الامريكية، وانحاز الى الفقراء، وطالب بأسعار عادلة للنفط، ولا يملك قصورا او طائرات فارهة، ويعيش حياة بسيطة، ويرتدي الملابس التي يرتديها شعبه، ولم يغير قميصه الأحمر، مثل معلمه شافيز، وفوق كل هذا وذاك وقف دائما في خندق القضايا العادلة وعلى رأسها قضية العرب الأولى، ورفض الحروب والحصارات الامريكية في المنطقة.

المشروع الأمريكي انهزم في سورية والعراق وفي ايران، وقمة ترامب في وارسو انهارت قبل ان تبدأ، والحصار النفطي على ايران يتآكل، وصفقة القرن ماتت وتحللت، وإسرائيل تعيش قلقا وجوديا بسبب صواريخ المقاومة، ولهذا نحن على ثقة بأن أي تدخل عسكري امريكي في فنزويلا سيفشل ويعطي نتائج كارثية سترتد دمارا على اصحابه، فهذه الغطرسة الامريكية يجب ان يتم وضع حد لها وفي اسرع وقت ممكن، والا فان عالمنا سيتجه نحو فوضى دموية.. وربما تكون الازمة الفنزويلية الحالية هي البداية.. والأيام بيننا.