هل ستنجح “نصائح” نتنياهو في اخراج القوات الإيرانية من سورية بعد ان فشلت غارات طيرانه؟ ولماذا تطالب أمريكا العراق بحل ونزع سلاح 67 فصيلا من الحشد الشعبي من أسلحته الآن؟ وما علاقة هذا الطلب بتحريض رئيس الوزراء الإسرائيلي المتصاعد ضدها؟ وهل سيرضخ له عادل عبد المهدي؟

عبد الباري عطوان

ليس من عادة بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، ان يوجه النصائح لأعدائه وخصومه، لان القادة الإسرائيليين، ومنذ تأسيس كيانهم على الأراضي الفلسطينية المحتلة، تعودوا ان يتعاطون مع هؤلاء الخصوم بلغة “غطرسة القوة” والتفوق العسكري الجوي والارضي والبحري، ولهذا كانت النصيحة التي وجهها رئيس الوزراء الإسرائيلي الى ايران بالخروج سريعا من سورية اثناء حفل تنصيب الجنرال افيف كوخافي، رئيسا لأركان الجيش الإسرائيلي خلفا لغادي ايزنكوت خروجا عن هذا التقليد، وتغير معادلات القوة والضعف في المنطقة في غير صالح دولة الاحتلال.

نتنياهو هدد الإيرانيين بأنه سيواصل سياسته الحازمة دون خوف، اذا لم يتقبلوا نصيحته هذه ويغادرون الأراضي السورية بسرعة، واعترف قبلها (أي اطلاق هذه النصيحة) بيومين ان إسرائيل هي المسؤولة عن مهاجمة مخزن للأسلحة قرب مطار دمشق يعود الى ايران وحزب الله، يوم الجمعة الماضي، في سابقة غير مألوفة، اثارت العديد من علامات الاستفهام.

لا نعتقد ان الإيرانيين سيتلقفون نصيحة نتنياهو هذه، وينفذون ما ورد فيها من مطالب بسحب قواتهم وحلفائهم من سورية، لانهم لم يذهبوا اليها بتصريح من نتنياهو ومباركة حلفائه الامريكان، بل سيفسرونها على انها دليل ضعف، واعتراف بالفشل، وانعكاس لقلق صاحبها ودولته وجيشه مما هو قادم من أيام.

***

نتنياهو الذي يتولى حاليا حقيبة وزارة الحرب في حكومته بعد استقالة حليفه السابق افيغدور ليبرمان، كشف ان سلاح الجو الإسرائيلي هاجم مئات الأهداف لإيران في سورية، على مدى السنوات السبع الماضية من عمر الازمة، ولم يستطع بالتالي ترهيب الإيرانيين، واجبارهم على سحب قواتهم، فماذا يستطيع ان يفعل اكثر من ذلك؟

هذا الفشل الإسرائيلي يمكن ان يكون عائدا في نظرنا الى ثلاثة أمور أساسية:

  • الأول: ان نتنياهو يكذب، وان جميع الأهداف الإيرانية التي استهدفتها طائراته وصواريخه في سورية كانت “وهمية” ومن صنع خياله، لان الوجود الإيراني العسكري يزداد قوة ليس في سورية فقط وانما في لبنان والعراق واليمن وقطاع غزة (حركتا حماس والجهاد الإسلامي).

  • الثاني: وجود منظومات دفاعية سورية قوية ومتطورة على الأرض تصدت بكفاءة عالية لهذه الغارات، وحالت دون وصولها الى أهدافها بدعم روسي.

  • الثالث: ان هذا الوجود الإيراني ليس بالقدر الكبير عددا وقوة عسكرية، وان حديث نتنياهو عنه ينطوي على الكثير من المبالغة، لابتزاز الأطراف الامريكية والعربية، وتسويق بضاعته حول الخطر الإيراني الذي يهدد المنطقة.

هذه الاحتمالات الثلاثة، مجتمعة او متفرقة واردة، وغير مستبعدة، فلو كانت هذه الغارات الإسرائيلية على اهداف إيرانية فاعلة، لما بقي جندي او مستشار إيراني على الارض السورية، خاصة طوال السنوات الست الماضية، التي كانت تسرح فيها الطائرات الإسرائيلية، وتمرح في الأجواء السورية بحرية مطلقة، لعدم وجود صواريخ ودفاعات جوية قادرة على التصدي لها، مثلما هو الحال حاليا في ظل تطوير منظومات دفاعية صاروخية حديثة، وتسليم الجيش العربي السوري صواريخ “اس 300″ الروسية، الامر الذي دفع الطائرات الإسرائيلية على استخدام الأجواء اللبنانية وعدم التجرؤ على دخول السورية لإطلاق صواريخها على اهداف في العمق السوري.

ما لفت نظرنا في خطاب نتنياهو في حفل تنصيب رئيس هيئة اركان جيشه الجديد حديثه عن الحرب ضد ايران بأسلوب ينطوي على الحذر و”المسكنة”، خاصة عندما قال “هناك تحد مركزي يواجهنا يتمثل في ايران وفروعها الإرهابية، ومواطنو إسرائيل سيواجهون هذا التحدي متحدين لضمان الخلود لإسرائيل”.

وما يجعلنا نتوقف عند هذه الفقرة من خطابه، مطالبة أمريكا اليوم (الثلاثاء) الحكومة العراقية بحل 67 فصيلا تعمل تحت مظلة الحشد الشعبي العراقي، وهو طلب امريكي غير مسبوق، فجميع هذه الفصائل كانت تحظى بمباركة أمريكا عندما كانت تقاتل الى جانب قواتها، بتنسيق او بدونه، للقضاء على تواجد “الدولة الإسلامية” او (داعش) على الأراضي العراقية، فما الذي تغير الآن؟

للإجابة على هذا السؤال نقول ان الذي تغير هو ان العراق بدأ يستعيد عافيته، وقوته، وهويته الوطنية تدريجيا، وباتت هذه الفصائل، او قيادتها، تطالب بإنسحاب جميع القوات الامريكية (عددها 5500 جندي) من الأراضي العراقية، وترفض استخدام هذه القوات والقواعد الامريكية فيها، لتوجيه أي ضربات ضد سورية وايران، وبات خطابها السياسي والإعلامي يعكس عداء واضحا لإسرائيل وتضامنا أوضح مع سورية.

***

القوات الإيرانية وأذرعتها العسكرية دخلت الى سورية بطلب من قيادتها، وامتزجت دماء جنودها مع دماء الجنود السوريين الذين استهدفتهم الغارات الإسرائيلية، ونجزم بأنها لن تخرج الا بعد استعادة الجيش العربي السوري لقوته وعنفوانه، وكل الأراضي السورية الخارجة عن سيطرة الدولة، فعندما كانت سورية قوية، مستقرة، لم يتواجد على ارضها جندي إيراني واحد.

يؤلمنا كعرب ان يتحدث نتنياهو في كل خطاباته الأخيرة عن خطر إيراني وجودي لإسرائيل، بينما يتباهى بأن رئيس هيئة اركانه الجديد أجرى لقاءات مكثفة مع نظرائه في الجيوش العربية عندما كان نائبا لرئيس هيئة الأركان واقام معهم صداقات حميمة، وعانقهم امام الكاميرات وخلفها.

نكتفي بهذا القدر.. ولا نحتاج الى المزيد من الشرح.