وزير الخارجية الفرنسي لم يجاف الحقيقة عندما اكد ان “صفقة القرن” لم تعد مطروحة الآن.. “صفقة وارسو” تتقدم عليها والتحالف السني العربي رأس حربتها.. لماذا سنحتفل بفشلها مثلما احتفلنا بإنهيار منظومة “أصدقاء سورية” ومشروعها العدواني الأمريكي؟

عبد الباري عطوان

لم يجاف جان ايف لورديان، وزير الخارجية الفرنسي الحقيقة عندما أعلن في مؤتمره الصحافي الذي عقده في الأردن الاحد ان “صفقة القرن” لم تعد مطروحة الآن، ليس لان الفلسطينيين من مختلف الاتجاهات يرفضونها، وانما لان الاحداث في المنطقة تجاوزتها، مثلما تجاوزت القضية الفلسطينية نفسها، والفضل في ذلك يعود للحكومات العربية التي بدأت، وتبحرت في التطبيع مع إسرائيل دون أي التزام بها، او حل الدولتين، العمود الفقري لمبادرة السلام العربية غير المأسوف عليها.

“صفقة القرن الكبرى” سيتم طبخها في مؤتمر وارسو الذي دعا الى عقده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وحمل الدعوات اليه مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، الذي يقوم بجولة حاليا في منطقة الشرق الأوسط لتحشيد الدول المرشحة لعضوية حلف الناتو السني لتكون رأس حربة فيها.

***

بومبيو في خطابه الذي القاه في الجامعة الامريكية في القاهرة قبل بضعة أيام لم يتطرق للقضية الفلسطينية الا بأربع كلمات فقط، وبشكل عابر ومبهم، دون الحديث عن حل الدولتين، لان هذه القضية لم تعد محور الاحداث في المنطقة والعالم، ولا تشكل أي تهديد للامن والاستقرار الاممي، لان اصحابها لا يحاربون إسرائيل وانما بعضهم البعض، فذروة طموحات الرئيس محمود عباس هو تحطيم حركة “حماس″ في قطاع غزة، وقمة اهداف الحركة الأخيرة هو سحب الشرعية منه، ومن سلطته.

منظومة وارسو التي ستبحث كيفية التصدي للنفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، تذكرنا بالتحالف الذي تشكل بزعامة أمريكا، وانطلق من باريس لمحاربة “الدولة الإسلامية” او (داعش)، وتكون من اكثر من سبعين دولة، ووفرت حكومات عربية عديدة الغطاء “الشرعي” العربي والإسلامي له، مثلما وفرت أيضا الغطاء الجوي بإرسال ما في ترساناتها من طائرات “اف 16″ الامريكية الصنع.

“صفقة القرن” الجديدة التي ستعلن في قمة وارسو يوم 14 شباط (فبراير) المقبل، سيكون هدفها ايران ومحور المقاومة والحركات العسكرية التي تشكل اذرعته الضاربة في سورية والعراق ولبنان وفلسطين المحتلة.

إسرائيل وحكومات حلف الناتو العربي السني ستشكل مجتمعة رأس الحربة في “حلف وارسو” الجديد بنكهة أمريكية أوروبية، ولعل اختيار العاصمة البولندية التي تستضيف صواريخ الردع النووي الامريكية الموجهة لروسيا، لهذه المهمة، لم يكن من قبيل الصدفة، وانما جاء وفق حسابات دقيقة ومدروسة، وتحديا لروسيا نفسها.

***

“صفقة القرن” الامريكية التي وضع تفاصيلها بنيامين نتنياهو، وتبناها جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب، وحاول الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي تسويقها عربيا، فشلت لأن “المحلل” الفلسطيني رفضها لأبعادها الخطيرة في تصفية القضية الفلسطينية، بمباركة عربية، و”صفقة وارسو” المقبلة ستفشل أيضا وستواجه المصير نفسه، تماما مثل منظومتي “أصدقاء سورية” وقبلها “أصدقاء ليبيا”، وما يجري حاليا في البلدين من فشل فاضح للمشروعين الغربيين فيهما هو دليلنا الأكبر.

محور المقاومة ليس مثل “الدولة الإسلامية” لأنه يضم دولا اجتازت الاختبار العراقي والسوري والفلسطيني بنجاح كبير، وشكل قدرات ردع صاروخية هائلة، كما وكيفا في الوقت نفسه، وتملك إرادة قتالية عالية وغير مسبوقة، ولهذا سنحتفل بفشل “منظومة وارسو” مثلما احتفلنا بإنهيار منظومة “أصدقاء سورية”.. والأيام بيننا.