هل التقارب التركي الباكستاني المتصاعد يأتي ردا على الغزل السعودي لسورية؟ ولماذا تتزايد التكهنات حول رغبة اردوغان إقامة “طوق سني” لحصار السعودية ومحورها في فنائها الشرقي؟ وهل موافقة عمران خان على وضع فتح الله غولن وحركته على قائمة الإرهاب واغلاق مدارسه قي باكستان الخطوة الأولى؟

عبد الباري عطوان

بينما تنشغل المملكة العربية السعودية بمحاكمة المتهمين في جريمة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، وتعثر تطبيق اتفاق الحديدة في اليمن، استقبل “غريمها” الأبرز رجب طيب اردوغان، زعيمي دولتين إسلاميتين، على درجة كبيرة من الأهمية، الأول هو السيد عمران خان، رئيس وزراء باكستان، الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، والثاني السيد برهم صالح، رئيس العراق، الذي يتعافى بسرعة ويحاول استعادة دوره العربي والإقليمي.

الرئيس اردوغان الذي بات يدرك جيدا ان الازمة السورية تقترب من نهايتها، وان التحالف السعودي الاماراتي المصري يريد ان يستعيد علاقاته مع الرئيس بشار الأسد عبر بوابة الاعمار، لمحاصرة بلاده، استبق الامر وبات يخطط لمحاصرة هذا الحلف الثلاثي بالتسلل الى فنائه الشرقي، وترسيخ وجوده في أفغانستان وباكستان، وهذا ما يفسر استقباله الحار لضيفيه في انقرة، والسيد خان على وجه الخصوص، وتوثيق العلاقات التجارية بين البلدين (تركيا وباكستان)، في مجال الصادرات العسكرية خاصة، والاعلان عن قمة ثلاثية تركية باكستانية أفغانية في الربيع المقبل في إسطنبول.

اما على صعيد العلاقات مع العراق، فكان لافتا أيضا، ومن خلال البيان المشترك، ان الرئيسين، اردوغان وصالح، اتفقا على وضع استراتيجية مشتركة بين البلدين لمكافحة الإرهاب، الامر الذي يعني ان العراق يوافق بشكل مباشر على تجديد الاتفاق الذي جرى توقيعه بين انقرة وبغداد في زمن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، ويقضي بالسماح للطائرات التركية بمطاردة خلايا حزب العمال الكردستاني والمنظمات الكردية الموالية له داخل الأراضي العراقية، أي إقليم كردستان العراق.

محمود قريشي، وزير خارجية باكستان، الذي رافق عمران خان اثناء زيارته لتركيا، اكد ان بلاده وتركيا تقفان في خندق واحد فيما يتعلق بجميع القضايا الاستراتيجية، وسيحرصان على زيادة التنسيق والتعاون بينهما في المجالات كافة، وخاصة التبادل التجاري حيث تتطلع باكستان الى الاستثمارات والخبرات التركية في مجالات البنى التحتية والصناعات العسكرية (وقعت باكستان صفقة طائرات مروحية مع تركيا بمقدار مليار دولار).

ما يعزز كلام السيد قريشي، اصدار المحكمة الباكستانية العليا قرارا باعتبار حركة “الخدمة” التي يتزعمها الداعية التركي فتح الله غولن “حركة إرهابية”، وحظر جميع أنشطتها في باكستان وتسليم مدارسها الى الحكومة التركية.

***

حرب التنافس على باكستان بين تركيا والسعودية تبلغ ذروتها هذه الأيام، ومن الواضح ان الرئيس اردوغان الذي يحظى بدعم قطري وايراني وعراقي بات متقدما بمراحل فيها، ويريد تطويق المحور السعودي المصري الاماراتي بحزام إسلامي سني مضاد، ويبدو انه يحقق نجاحا مضطردا في هذا المضمار، وهذا ما يفسر الانفتاح المتسارع من قبل السعودية والامارات نحو سورية، وطلب الأولى من المعارضة السورية التي تتواجد في مقرات رسمية على ارضها رفع العلم السوري الرسمي على هذه المقرات، والا الرحيل فورا.

السيد عمران خان، زعيم باكستان طموح، ويتمتع بدرجة عالية من الذكاء، وهو الذكاء المدعوم بدرجة جامعية عالية من جامعة أكسفورد، ونقله من لاعب كريكيت الى اعلى منصب سياسي في بلاده، ولذلك ينطلق من مصالح بلاده وطموحاتها في احتلال مكانتها كدولة عظمى نووية وحيدة في العالم الإسلامي، وهذا ما يفسر مشاركته في قمة دافوس الصحراء للاستثمار في السعودية قبل شهر مستغلا حاجة السعودية الى وجود شخصيات عالية فيه بعد مقاطعة الغرب بسبب اعترافها بارسال “فريق الموت” لاغتيال خاشقجي، وعودته الى بلاده بستة مليارات دولار كمساعدات مالية، ودون ان يقدم أي تنازل سياسي، مضافا الى ذلك ان علاقته مع أمريكا تعيش حالة من التدهور بعد ان أوقفت الأخيرة جميع مساعداتها تقريبا، وبات يبحث عن البديل.

هناك سؤال من شقين يطرح نفسه في ظل متابعة هذه الخطوات والتحالفات التي يقيمها الرئيس اردوغان، وما يمكن ان يترتب عليها من تبعات وردود فعل متوقعة:

  • الأول: الى متى سيستمر اردوغان في اللف والدوران حول دمشق، وتجاوزها في كل هذه التحركات، وهو الذي يقيم علاقات استراتيجية مع حلفائها الإيرانيين والروس، والآن العراقيين.

  • الثاني: هل ستطمئن السلطات السورية لهذا التقارب السعودي الاماراتي الوشيك، وتقف في خندق خصميها السابقين في مواجهة تركيا عدوها اللدود وحليفه القطري؟

تطورات شمال سورية، وبالتحديد من منطقة ادلب وريفها، وما يجري فيها من معارك بين هيئة تحرير الشام (النصرة)، وحركة نور الدين زنكي، وموقف تركيا منها، الى جانب تطورات شرق الفرات، ربما تعطي بعض الإجابات في هذا المضمار، فمن الواضح ان هناك مخطط لجر تركيا الى صدام عسكري مع وحدات الجيش العربي السوري المتأهبة في المنطقة، وهذا ما لا نتمناه ونأمل تجاوزه.

***

لا نستبعد ان يكون الرئيس اردوغان يحتفظ بورقة الانفتاح على دمشق حتى اللحظة الأخيرة، خاصة انه يدرك جيدا ان ايران، وبعد الانسحاب الأمريكي، باتت في موقع المنتصر على الأرض السورية، وان حليفه الروسي بات يملك اليد العليا، ليس في سورية فقط، وانما في المنطقة الشرق أوسطية برمتها.

لا نعتقد ان السوريين سيطمئنون للغزل السعودي الجديد بعد معاناتهم طوال السنوات الثماني الماضية من تدخلات أصحابه عسكريا في شؤونهم الداخلية، ولا نستبعد ان يدرك الرئيس اردوغان ان الجبهة السورية يمكن ان تكون احد اهم مراكز التهديد لأمن بلاده واستقرارها اذا لم يتحرك سريعا نحو دمشق ملوحا بأموال حليفه القطري، ودورها في إعادة الاعمار، وعلمتنا تجارب الاعوام الماضية ان كل الاحتمالات واردة في منطقة الشرق الأوسط الأكثر تغيرا في خرائط تحالفاتها في العالم بأسره.

الدهاء السوري يقف حاليا في برج الانتظار مراقبا ومتابعا، ويفرك يديه فرحا في ظل هرولة الكثيرين نحوه طالبين وده، مبقيا جميع أوراقه قريبه الى صدره، وسيختار في نهاية المطاف ما يخدم مصالحه وإعادة اعمار بلاده، ولكن هذا لا يعني النسيان.

انها مرحلة كظم الغيظ لا اكثر ولا اقل.. والله اعلم.