لماذا نختلف مع الرئيس البشير في استخدام مصطلح “المؤامرة” في توصيفه لاحتجاجات السودان الشعبية الحالية؟ وهل يتلقى المتظاهرون تعليمات من مخابرات وسفارات خارجية فعلا؟ وما هي النصيحة التي نوجهها اليه للخروج من الازمة الحالية؟

عبد الباري عطوان

دعا تحالف أحزاب المعارضة والمستقلين في السودان الى احتجاجات غاضبة في جميع المدن السودانية يوم الجمعة للمطالبة بمحاربة الفساد، وإنقاذ الاقتصاد المنهار، وتخفيف الضغوط المعيشية على المواطنين بسبب الغلاء وارتفاع الأسعار، وأخيرا المطالبة بتنحي الرئيس عمر حسن البشير الذي يُحَمِله المتظاهرين المسؤولية عن كل جوانب الازمة التي تعيشها البلاد منذ سنوات.

محاولات الرئيس البشير لإمتصاص هذه الغضبة الشعبية فشلت حتى الآن فيما يبدو في تهدئة الشارع السوداني رغم انه لجأ الى أسلوب العصا والجزيرة، العصا، أي استخدام القبضة الحديدية وإطلاق النار على المتظاهرين حتى الآن، والجزرة، عندما اطلق العديد من الوعود لحل الازمات، وزيادة الرواتب للعاملين في الدولة وتحسين الخدمات.

في خطابه الذي القاه اليوم الخميس بمناسبة ذكرى استقلال السودان، تحدث الرئيس السوداني عن “مؤامرة خارجية”، وقال ان السودان كان على رأس قائمة من 7 دول عربية يتم السعي لتدميرها هي مصر وسورية وتونس والعراق وليبيا واليمن، وحمّل الحصار الاقتصادي، ووجود السودان على قائمة الإرهاب المسؤولية عن انفجار الشارع السوداني، ولكنه لم يعترف مطلقا بفشله وحكوماته على مدى ثلاثين عاما من إدارة البلاد بشكل جيد، والاستعانة بالكفاءات في هذا الصدد، وما اكثر الكفاءات السودانية في شتى المجالات، وتعزيز الحياة الديمقراطية في البلاد.

***

لا نعتقد ان الرئيس البشير كان مصيبا في حديثه حول ثلاثة أمور أساسية على الاقل:

  • الأول: وضع نفسه في القائمة نفسها مع مصر والعراق وسورية واليمن التي تسعى المؤامرة الغربية الى تدميرها.

  • الثاني: اتهام المتظاهرين او بعضهم، بتلقي التعليمات من السفارات الأجنبية، وقال بالحرف الواحد “لن نلعب بأمن البلاد مع أناس تعطيهم التعليمات مخابرات وسفارات اجنبية”.

  • الثالث: ان المظاهرات السودانية سلمية، وغير مسلحة، ولم يتم تأسيس تحالف من 65 دولة لدعمها، مثلما حدث في “ثورات” سورية وليبيا، او غزو عسكري مثلما حدث في اليمن والعراق، فالرئيس ترامب غير مستعد ان ينفق 70 مليار دولار لدعم “ثورة” السودان مثلما اعتراف بدعم “ثورة” سورية.

لو كان الرئيس البشير كال مثل هذه الاتهامات، وادلى بمثل هذه الاقوال، قبل ان ينقلب على سياساته وحلفائه في محور المقاومة، ونحن نتحدث هنا عن ايران وسورية والعراق واليمن، ويتجه الى الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة العربية، ويرسل قواته للحرب في اليمن، لاتفقنا معه، ووقفنا في خندقه، لان السودان عارضت غزو العراق وتدميره، مثلما وقفت ضد حرب الانفصال في اليمن عام 1994، ودعمت فصائل المقاومة الفلسطينية، والإسلامية منها تحديدا بالمال والسلاح، وانتصرت لحروب “حزب الله”، سواء حرب تحرير لبنان عام 2000 وما قبلها، او العدوان الإسرائيلي في تموز (يوليو) عام 2006، وتعرض للقصف أمريكيا واسرائيليا وجرى وضعه على قائمة الإرهاب، ولكن ان يقول الرئيس البشير ما قاله بعد ان “غير جلده” وقطع العلاقات مع ايران بحجة نشر التشيع في السودان، ووقف الى جانب الفصائل المسلحة في الحرب السورية، وانتصر الى الحلف السعودي الاماراتي في الحرب اليمنية، وسمح للطائرات الإسرائيلية المدنية باستخدام الأجواء السودانية في رحلاتها الافريقية، فانه من حقنا ان نقول له انه من الصعب علينا، والكثير غيرنا، القبول بطرحه وتبريراته في هذا المضمار.

كيف يتعرض السودان لمؤامرة خارجية، وحكم الرئيس البشير يجمع بين أصدقاء أمريكا واعدائها في الوقت نفسه، فهو يحظى بدعم المحور التركي القطري، ومحطة “الجزيرة”، ذراعه الإعلامي الضارب، وحركة “الاخوان المسلمين” في العالم بأسره، ومن الناحية الثانية يقاتل في الخندق السعودي الاماراتي المضاد في اليمن، ويرسل أكثر من خمسة آلاف من خيرة قواته الخاصة متجاهلا مشاعر ملايين السودانيين الرافضين لهذه المشاركة، ولأول مرة يجمع بسياساته بين محطتي “الجزيرة” و”العربية” خلف مواقفه، وهو انجاز “اعجازي” يعتبر من عجائب الدنيا السبع.

الرئيس البشير ذهب من النقيض الى النقيض، وجمع الصيف والشتاء تحت خيمة سياساته ضمن شعار محاولة إيجاد حلول لازمات السودان الاقتصادية والمالية، واخراجها من قائمة الإرهاب الامريكية بمساعدة أصدقائه السعوديين والاماراتيين الجدد، ولكن جميع محاولاته هذه باءت بالفشل.

جاره المصري الشمالي استطاع الحصول على 50 مليار دولار من الدول الخليجية في غضون ثلاثة أعوام، ودون ان يرسل جنديا واحدا الى اليمن، او يطالب بتغيير النظام في سورية، او يقطع علاقاته بالكامل مع ايران، وحلفائها في العراق والمنطقة، ولهذا أوضاعه الاقتصادية تتحسن ولو ببطيء، بينما أحوال السودان الذي قدم الكثير من “التنازلات” تزداد تدهورا.

معركة الرئيس البشير من اجل البقاء تبدو صعبة ومتعثرة في الوقت نفسه، فاجتهاداته التي اتبعها على مدى ثلاثين عاما من الحكم لم تنجح في تحقيق طموحات الشعب السوداني المشروعة في الاستقرار والحد الأدنى من الانتعاش الاقتصادي، ولا نعتقد ان أي وعود بالإصلاح ومحاربة الفساد، وزيادة رواتب العاملين في الدولة التي تعهد بها في خطابه الأخير ستعطي ثمارها، فقد اتسع الخرق على الراقع.

***

ننصح الرئيس البشير بالسير على خطى السيدة تيريزا ماي، رئيس وزراء بريطانيا، التي صمدت في وجه كل الضغوط من قبل حزبها الحاكم، وهي النصيحة التي انقذتها من الهزيمة عندما جرى طرح الثقة في قيادتها لحزبها، وتتلخص في تعهدها بعدم خوض الانتخابات البرلمانية المقبلة على رأسه، أي حزبها، فأنقذت ماء وجهها وامتصت غضب الكثيرين، ولو الى حين.

فهل يفعل الرئيس البشير الشيء نفسه ويعد حزبه، والشعب السوداني بأنه لن يترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ويترك الساحة للشباب من داخل حزبه لقيادة البلاد نحو مستقبل قد يكون أفضل، بعد ان استنفذ كل الحيل الموجودة في جعبته على مدى 30 عاما؟

نتمنى ان يعمل بهذه الصيغة النصيحة، والسودان حافل بالتجارب المماثلة الناصعة (سوار الذهب)، ولا نريد للبشير مصير صديقه روبرت موغابي، رئيس زيمبابوي، ويقضي بقية حياته في قرية على ضفاف النيل، يستنشق الهواء العليل، ويأكل من خيرات السودان الطازجة، العضوية، الخالية من أي جينات صناعية، مثلما نتمنى ان يحترم الشعب السوداني خياره هذا، اذا ما اختاره فعلا، ويمنحه حصانة من أي ملاحقات قضائية حقنا للدماء، وحفاظا على السودان ووحدتيه الترابية والديمغرافية.