كيف اختلفنا في الـ”بي بي سي” على كل شيء باستثناء حتمية رحيل ترامب في العام الجديد؟ وما هي الأسباب التي استندنا اليها؟ ولماذا نحترم قرار القيادة العراقية بإهانته ورفض لقائه اثناء زيارته لبلاهم متسللا؟ وهل ستكون قواته هدفا لهجمات المقاومة قريبا؟

عبد الباري عطوان

كنا أربعة كتاب، الأولى بريطانية مشهورة، والثاني مؤلف امريكي كبير فاز بجائزة البوليتزر المعروفة، والثالثة إيطالية، ورابعهم الداعي لكم بطول العمر، جمعنا برنامج في محطة تلفزيون “بي بي سي” العالمية، للحديث عن توقعاتنا لأحداث العام الجديد ومفاجآته.

اختلفنا على “الشرق الأوسط” وحروبه، و”البريكسيت”، أي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ووضع أوروبا وبريطانيا السياسي والاقتصادي بعده، مثلما اختلفنا أيضا على قضايا دولية أبرزها الحرب التجارية، ولكن المفاجأة اننا اتفقنا جميعا على ان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيواجه ضغوطا ضخمة منذ اليوم الأول من العام الجديد، واحتمالات طرده من البيت الأبيض مدانا بتهم عديدة على رأسها الفساد والمحسوبية، وتضليل الرأي العام الأمريكي، والسياسات الخارجية الفاشلة، اكبر بكثير من احتمالات بقائه، حيث من المقرر ان يقدم المحقق الأمريكي روبرت مولر تقريره النهائي حول “تواطؤ” ترامب مع التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بينما يستعد الديمقراطيون الذين سيسيطرون على مجلس النواب لفتح ملفات فضائحه الجنسية والمالية، وتهربه وصهره جاريد كوشنر من الضرائب، وتنظيم جلسات استماع قد تشمل استدعائه للمثول امامها بشكل مهين.

***

ترامب يخطط لخوض معركة من فصلين، الأول ان يترك تأثيرا ايجابيا في واشنطن بتنفيذه لوعوده الانتخابية، اعتماد على بعض إنجازاته الاقتصادية مثل تحفيز معدلات النمو، وتخفيض معدلات البطالة الى النصف (4 بالمئة)، اما الثاني فهو الفوز بولاية رئاسية ثانية، ولكنه قد يفشل في الحالين، لان احتمال سحب الثقة عنه في مجلس الشيوخ والنواب في الأسابيع القليلة القادمة تبدو كبيرة جدا، وقد يتم التوصل الى تسوية تقضي بمغادرته السلطة مقابل التمتع بحصانة قانونية ضد أي ملاحقات مستقبلية.

انهيار بورصة “وول ستريت” بأكثر من ثلاثة آلاف نقطة في أيام معدودة، وتوقعات معظم الخبراء بأن هذا الانهيار لن يتوقف، في ظل حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي تعيشها الولايات المتحدة حاليا بسبب سياسات ترامب الحمقاء المتهورة، دفعت الكثير من النواب وأعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الى الانتقال من خندق الحياد، الى خندق المعارضة، والمواجهة له، والخوف من هزيمة ساحقة للحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة، تتواضع امامها هزيمة الجمهوريين وفقدهم الأغلبية في مجلس النواب في الانتخابات النصفية الاخيرة

انهيار أسهم مؤشر “داوجونز″ في بورصة “وول ستريت” خطير لانها تمثل خسارة كبيرة ليس لطبقة رجال الاعمال والطبقة المتوسطة، التي تشكل محور اهتمام نسبة كبيرة من المساهمين والمستثمرين، فيها، والحال نفسه يقال عن صناديق التقاعد التي تستثمر نسبة كبيرة من ارصدتها فيها، وهؤلاء يشكلون جميعا القاعدة الرئيسية للناخبين الجمهوريين، والديمقراطيين أيضا واثريائهم خصوصا.

اما اذا انتقلنا الى منطقتنا، أي الشرق الاوسط، فان التخبط هو العنوان الأبرز لسياسات ترامب طوال العامين الاولين من رئاسته، فـ”صفقة قرنه” خلقت من المشاكل اكثر مما قدمت من حلول، ومن راهن عليهم لتسويقها وابرزهم الأمير محمد بن سلمان، وليل العهد السعودي، يواجه تهديدات خطيرة قد تطيح به من منصبه ابرزها مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وفشل الحسم عسكريا في اليمن، قراره بسحب قواته جميعا من سورية (2200 جندي) ونصفها من أفغانستان (14 الف جندي) لم تؤكد هزيمته وانهيار مشاريعه فقط، وانما قلصت شعبيته، وهزت هيبته، في أوساط المؤسستين السياسية والعسكرية الحاكمتين في الولايات المتحدة.

الزيارة الأخيرة التي قام بها ترامب الى قاعدة “عين الأسد” في العراق لقضاء أعياد الميلاد وسط جنوده، واستغرقت بضع ساعات، جاءت تأكيدا على ما نقول، فترامب الذي قال ان بلاده اتفقت سبعة تريليون دولار في الشرق الأوسط، من بينها خمسة تريليونات في حرب العراق وحدها، تسلل الى القاعدة الامريكية المذكورة آنفا مثل اللص، ولم يبلغ القيادة العراقية بموعد وصوله مطلقا خوفا على حياته، ورفض ان يلتقي الرئاسات العراقية الثلاث في بغداد للسبب نفسه، وقد احسنت هذه الرئاسات صنعا عندما عاملته بكل احتقار، مما يؤكد ان العراق الذي يمهد للانضمام بقوة الى محور المقاومة يتعافى، ويريد تصحيح مساره، والعودة الى حاضنته العربية، او هكذا نأمل.

تصوروا ان تنفق الولايات المتحدة سبعة تريلونات دولار في حروبها في منطقة الشرق الأوسط، ولا يستطيع رئيسها زيارة بغداد من الباب، خوفا على حياته، وبعد 15 عاما من انتهاء الحرب العراقية، وادعاء دولته النصر فيها؟

***

ترامب انهزم في سورية وأفغانستان واليمن وليبيا، وسيضطر مجبرا على سحب قواته يجر اذيال الخزي والعار، وها هم حلفاؤه في دول الخليج الذين راهنوا على نجاحه وبلاده في تغيير النظام في دمشق يهرولون الى العاصمة السورية طلبا للعفو والغفران ولإعادة العلاقات وتقديم التعهدات والوعود بالمشاركة في إعادة الاعمار، ولا نستبعد ان لا يطول بقاء القوات الامريكية في العراق (5500 جندي) أيضا، خاصة بعد إعلانه بأن قواعد بلاده فيه (أي العراق) ستستخدم في شن ضربات جوية ضد “الإرهاب” في سورية، وربما ايران أيضا، الامر الذي يؤكد الغباء والجهل بالتغييرات المستجدة في المنطقة أولا، والرفض المطلق لاي انتهاك للسيادة العراقية.

الزميلة البريطانية التي تكتب مقالا اسبوعيا في اكبر صحيفة بريطانية محافظة (ديلي تلغراف)، عارضت سحب ترامب قواته من سورية و”الشرق الأوسط” لان هذا يعني تسليم المنطقة لروسيا ورئيسها فلاديمير بوتين، فكان ردي “ولما لا” لم نحصل كأبناء المنطقة من الهيمنة الامريكية التي استمرت نصف قرن تقريبا غير الحروب ونهب الثروات، ولن تكون الهيمنة الروسية اكثر سوءا، وهي على أي حال جاءت بعد تقديم التضحيات وبناء على دعوة رسمية مثلما هو الحال في سورية، ونتيجة للعنصرية والغطرسة الامريكيتين وهزيمتهما في ميادين القتال.

ترامب طرد أكثر من عشرين مسؤولا مهما في البيت الأبيض آخرهم جيم ماتيس، وزير الدفاع، ونعتقد ان الدور زاحف بسرعة لكس يشرب من كأس الطرد نفسه، وعلى يد الكونغرس، ولهذا يرتجف حليفه بنيامين نتنياهو رعبا وخوفا، وكل حلفائه العرب الذين راهنوا عليه، وطبعوا العلاقات معه، ونحن نتحدث هنا عن الاخير، (نتنياهو)، وتابعه كوشنر.. والأيام بيننا.. وكل عام وانتم بالف خير.