انه موسم الحجيج الى الشام.. من هو الزعيم العربي الثاني الذي سيطرق أبواب دمشق بعد البشير.. السيسي ام العاهل الأردني ام امير الكويت؟ وماذا دار في الاجتماع المغلق بينه وبين الأسد؟.. وهل هناك رسائل سرية من العاهل السعودي والأمير القطري وربما اردوغان أيضا؟ ومن الذي يكسر عزلته حاليا سورية ام خصومها العرب؟

عبد الباري عطوان

الزيارة الخاطفة والمفاجئة التي قام بها الرئيس السوداني عمر البشير الى دمشق يوم امس الاحد، والاستقبال “الحار جدا” الذي حظي به من قبل الرئيس السوري بشار الأسد على ارض المطار، يشكل نهاية مرحلة وبداية أخرى في العمل العربي المشترك، عنوانها الرئيسي التسليم والاعتراف بانتصار سورية، وفشل المؤامرة التي كانت تقودها أمريكا وحلفاؤها لتفتيت وحدتيها الترابية والديمغرافية، وتغيير النظام فيها.

الرئيس البشير، اتفقنا معه او اختلفنا، سيدخل التاريخ كأول زعيم يكسر الحصار العربي، ويتخذ هذه الخطوة الجريئة، ولكنه قطعا لن يكون الزعيم العربي الأخير الذي سيطرق البوابة الدمشقية، فالطابور طويل، والسفارات المغلقة يعاد ترميمها، والرسائل السرية لم تتوقف، ولا نستبعد ان يكون التالي امير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد، والثالث هو الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي كان يقف خلف الضغط الأخير لاستعادة سورية لمقعدها في جامعة الدول العربية ومكانها في قلب العمل العربي المشترك الذي دخل حالة من الغيبوبة منذ خروجها، او بالأحرى إخراجها منه، في اطار المؤامرة الامريكية الإسرائيلية في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2011، وتمثل هذا الضغط بالطلب من البرلمان العربي اصدار بيان يتضمن هذه الدعوة.

***

الرئيس البشير لم يكن يمثل السودان فقط في هذه الزيارة، وانما يمثل محورا عربيا تقوده المملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى، أبرزها قطر ودولة الامارات العربية المتحدة الى جانب مصر، ادركت جميعها فداحة خطيئتها الكبرى في الانخراط في المؤامرة ضد سورية، تحت عناوين مضللة وزائفة، بقيادة الولايات المتحدة، ونعترف هنا بأن الأمور نسبية.

اللقاء المغلق الذي عقده الرئيس البشير مع مضيفه الرئيس الأسد في قصر الشعب الجمهوري يشي بالكثير عن الأسباب الحقيقية لهذه الزيارة والرسائل التي حملها الضيف السوداني من حلفائه العرب، وربما العاهل السعودي على وجه الخصوص، الذي أوقف دعمه كليا للمعارضة السورية، وحلّ الهيئة العليا للمفاوضات التي كانت الرياض مقرا لها، واكد في آخر بيان صدر عن اجتماع المجلس الوزاري الأخير يوم الاثنين الماضي على حتمية الحل السياسي للازمة السورية.

لا نستبعد ان يكون من ضمن الرسائل التي حملها الرئيس البشير واحدة من الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الذي بدأ يعيد حساباته الإقليمية، ويمهد لإعادة العلاقات مع سورية الأسد، وظهر ذلك جليا في الكلمة التي القاها السيد احمد جاويش اوغلو وزير خارجيته في منتدى الدوحة يوم امس ورحب فيها بالتعاون مع الرئيس السوري في حال إعادة انتخابه رئيسا في المستقبل من قبل شعبه في انتخابات حرة ونزيهة.

حالة الصدمة المصحوبة بالغضب، التي سادت بعض الأوساط العربية بسبب زيارة الرئيس البشير هذه، وخاصة أوساط المعارضة السورية وانصارها، بشقيها العلماني والإسلامي كانت متوقعة، وغير مستغربة، لأنه أي الرئيس البشير، كان يقف في خندقها طوال السنوات السابقة، وينتمي الى جبهة الإنقاذ السودانية المصنفة في خانة حركة “الاخوان المسلمين”، وارسل قوات للمشاركة في حرب اليمن تحت علم التحالف الذي يقاتل حركة “انصار الله” الحوثية التي تتلقى الدعم من ايران، حليفة سورية الرئيسية التي لعبت دورا محوريا في انتصارها، وافشال مخططات تغيير النظام فيها.

الرئيس البشير تعرض لانتقادات عديدة، أبرزها الانضمام للتحالف السعودي في حرب اليمن سعيا للحصول على المساعدات السعودية، وسربت القيادة الإسرائيلية العديد من الانباء التي تقول بأن المحطة الثانية لبنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، ستكون الخرطوم، لأنه، أي الرئيس البشير، ادرك ان التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي هو اقصر الطرق لرفع اسمه وبلاده من قائمة الإرهاب الامريكية، ومن لائحة المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، ولعل زيارته الخاطفة لدمشق النفي العملي لمعظم هذه الانتقادات، ان لم يكن كلها.

كان لافتا ان الرئيس البشير الذي تعرضت بلاده لأكثر من عدوان امريكي واسرائيلي بسبب احتضانها للمقاومة الإسلامية الفلسطينية (حركتا حماس والجهاد الإسلامي) حرص على التأكيد على ان سورية دولة مواجهة، وهي كلمة (مواجهة) انقرضت من القاموس الرسمي العربي منذ سنوات، مثلما حرص أيضا على “الاعراب عن امله باستعادة عافيتها ودورها في المنطقة بأسرع وقت ممكن، وان يتمكن شعبها من تقرير مستقبل بلده بنفسه بعيدا عن اي تدخلات خارجية”، وذهب الى ما هو ابعد من ذلك عندما اكد “ان السودان مستعد لتقديم كل ما بوسعه لدعم سورية ووحدة أراضيها”، وربما يوجد لديه حنين قوي للعودة الى حاضنته الأولى والأكثر دفئا، أي محور المقاومة، الذي خرج منه لأسباب ما زالت غير مقنعة بالنسبة الينا على الأقل.

الزعماء العرب يطرقون أبواب قصر الشعب السوري في قلب دمشق، لكسر عزلتهم وغربتهم وليس لكسر عزلة سورية وغربتها، بعد سبع سنوات عجاف من التيه لم يحصدوا خلالها غير الابتزاز الأمريكي ونهب أموالهم، وحرفهم عن قيم عروبتهم واسلامهم الصحيح، سورية لم تتغير بل هم الذين تغيروا وضلوا عن الطريق.

***

مهم جدا ان تأتي هذه العودة في ذروة محاولات التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولعلها بداية “صحوة” من وهم “الحماية” الإسرائيلية المزورة والمغشوشة والمدانة التي راجت في الأعوام الأخيرة لتبرير هذا الانحراف المؤسف عن الثوابت، ومد يد الصداقة الى من يرتكبون جرائم الحرب ضد المرابطين المقاومين الشجعان المدافعين عن الأرض والعرض والمقدسات في كل فلسطين المحتلة.

نتمنى ان تكون زيارة الرئيس البشير هي اول الغيث، وبداية التحول والتطهير من كل ادران المرحلة الماضية، مرحلة التيه في صحراء المؤامرة الامريكية وبحيرات دمائها.

سورية ستظل كبيرة مثلما كانت دوما على مر العصور، وها هي تترفع عن الأخطاء والخطايا، وترحب بالأشقاء لأنها تنظر دائما الى المستقبل.. والكبير من عذر.