وزير الخارجية التركي يفجر مفاجأة من الدوحة: مستعدون للتعاون مع الأسد اذا فاز في انتخابات ديمقراطية.. هل نحن امام تحرك تركي لإعادة الجسور مع دمشق ام انها “مناورة” املتها الازمة التركية الامريكية شرق الفرات؟ وما مدى جدية تهديدات اردوغان بسحق قوات سورية الديمقراطية؟

عبد الباري عطوان

فاجأ السيد مولود جاويش اوغلو، وزير الخارجية التركي، الحضور في “منتدى الدوحة” الذي كان أحد ابرز المشاركين فيه، ويختتم اعماله اليوم الاحد، وأثار العديد من علامات الاستفهام في المنطقة باسرها عندما قال “اذا فاز الرئيس السوري بشار الأسد في انتخابات ديمقراطية تحت اشراف اممي، وذات مصداقية، فإننا قد نتعامل معه”، وأضاف “لا بد ان تكون هناك عملية ديمقراطية شفافة، وفي النهاية الشعب السوري هو من سيقرر من يحكم بلاده بعد الانتخابات”.

انقسمت الآراء حول هذا التصريح المدروس الذي أطلقه وزير الخارجية التركي متعمدا من الدوحة حيث اعترف الرئيس السوري بشار الأسد في أحد لقاءاته التلفزيونية قبل شهرين بأن هناك اتصالات تجريها دولة قطر لاستعادة العلاقات مع بلاده، بعد ان استعادت علاقاتها مع “حزب الله” في لبنان، واقامت تحالفا استراتيجيا مع طهران.

ـ المدرسة الأولى: تقول ان الحكومة التركية التي باتت على وشك شن عملية هجومية ضد قوات الحماية الشعبية الكردية التي تشكل العمود الفقري لقوات سورية الديمقراطية وتتمركز في شمال شرق سورية، ربما تتطور الى صدام مع القوات الامريكية في المنطقة، تريد “تلطيف” العلاقات مع دمشق، وبطلب روسي تمهيدا لفتح قنوات حوار، وربما عودة العلاقات بين البلدين.

ـ المدرسة الثانية: ترى انها “مناورة” تركية الهدف منها تحييد السلطات السورية في الازمة الحالية مع الولايات المتحدة، فكلما واجه الاتراك “ازمة ما” في الملف السوري، وباتوا على وشك الصدام مع واشنطن، سربوا رسائل حول استعدادهم للتقارب مع دمشق، ولكن بعد زوال الازمة مع أمريكا تعود القيادة التركية الى موقفها المعادي للرئيس بشار الأسد وحكومته، ويضرب انصار هذه المدرسة مثلا بما ذكره السيد بن علي يلدريم، رئيس الوزراء التركي، في آب (أغسطس) الماضي من ان الرئيس بشار الأسد يمكن ان يبقى في الحكم رئيسا مؤقتا للبلاد لكن لا يمكن ان يظل طرفا في مستقبل سورية”، فقد جرى تفسير هذا التصريح بانه ايحاء بقرب حدوث انفراجة في العلاقات التركية السورية، ولكن الرئيس رجب طيب اردوغان عاد الى الهجوم بشراسة على الرئيس السوري واستخدم عبارات قوية، ناسفا بذلك أي امل بالتقارب بين البلدين.

***

من الصعب علينا ترجيح صوابية أي من المدرستين، ولكن ما يمكن ان تقوله ان هناك حالة من “الغزل” المتصاعد بين انقرة ودمشق هذه الأيام برعاية روسية، بعد حدوث بعض التراجع في الموقف التركي المتشدد في المسألة السورية أولا، وتزايد قوة الدولة السورية، واحكام سيطرتها على معظم الأراضي السورية، وضعف المعارضة المسلحة وحدوث تغيير في المزاج السوري العام تجاهها.

اللافت ان الطرفين الكردي والتركي، باتا يخطبان ود الدولة السورية هذه الأيام، فقيادة وحدات حماية الشعب الكردية التي تسيطر على ما يقرب من نصف المناطق السورية في شمال شرق الفرات، طلبت مساعدة القيادة السورية لحماية المناطق التي تسيطر عليها بعد اعلان الرئيس اردوغان عن عزم بلاده اطلاق حملة عسكرية في غضون أيام لتخليص شرق الفرات من سيطرة “الإرهابيين” في إشارة الى قوات الحماية الكردية.

تركيا باتت تدرك جيدا ان قوات سورية الديمقراطية التي تشكل قوات الحماية الكردية عمودها الفقري، باتت تشكل خطرا على امنها القومي بحكم تعاظم قوتها قرب حدودها الجنوبية بدعم امريكي تحت ذريعة مشاركتها في الحرب على “الدولة الإسلامية” (داعش)، وما يقلق تركيا التي انحازت الى قطر في الازمة الخليجية وارسلت 35 الف جندي للمرابطة في قاعدة لها قرب العيديد لحمايتها، أي قطر، من أي هجوم سعودي اماراتي، توارد الانباء عن ارسال البلدين (السعودية والامارات) قوات وخبراء عسكريين الى المنطقة، بطلب امريكي، وتسليح عشائر عربية سنية ودعمها ماليا، تمهيدا لإقامة “مشيخة” او “امارة” سنية تشكل تهديدا للأمن القومي التركي، وكان السيد تامر السبهان، وزير الدولة السعودي زار شرق الفرات قبل ثمانية اشهر، والتقى قيادات قوات سورية الديمقراطية الكردية، وقائد القوات الامريكية في المنطقة، مثلما التقى شيوخ العشائر العربية، وسط انباء عن خطة سعودية لدعم الاكراد و”دولتهم” المنتظرة، وإقامة الامارة “الشمرية”، شرق دير الزور.

ما يؤكد جدية التهديدات التركية بالهجوم العسكري ثلاثة تطورات رئيسية:

ـ الأول: الدعوة التي وجهتها أحزاب سياسية كردية الى الحكومة السورية للوقوف صفا واحدا للتصدي للاعتداءات والتهديدات التركية باعتبارها انتهاكا للقوانين والمواثيق الدولية، وتهدف الى عرقلة الحل السياسي في سورية ومساندة الفصائل الإرهابية.

ـ الثاني: توجيه الولايات المتحدة تهديدا شديد اللهجة الى فصائل المعارضة السورية المسلحة الخاضعة للائتلاف الوطني والجيش الحر وغيرها، بأنها ستواجه القوات الامريكية مباشرة في حال مشاركتها في أي عملية عسكرية تركية شرق الفرات، واختتام هذا التهديد بالقول “حين ترقص الفيلة عليك ان تبقى بعيدا عن الساحة”.

ـ الثالث: صمت القيادات السورية والروسية والإيرانية تجاه هذا الخلاف التركي الأمريكي الذي يزداد سخونة، فهل يمكن تفسير هذا الصمت على انه دعم للهجوم التركي ومباركة له بحكم العلاقات الجيدة بين روسيا وايران من ناحية وتركيا من ناحية أخرى، ام انه صمت يتسم بالدهاء، وينتظر حدوث التصادم بين الحليفين السابقين اللذين قادا التدخل العسكري في سورية طوال السنوات السبع الماضية، ودعما وسلحا المعارضة السورية، تطبيقا للنظرية التي تقول “فخار يكسر بعضه”؟

***

لا نعرف ما اذا كانت هذه التهديدات التركية جدية، ام انها تهدف الى فتح حوار مع واشنطن للوصول الى حلول وسط مثلما حدث في تهديدات مماثلة في منبج وعفرين؟ واذا كانت جدية فعلا فهل تأتي بالتنسيق مع الروس؟ وتقديم مبادرات لكسب دمشق او تحييدها اذا تعذر ذلك؟

شمال شرق الفرات هو جبهة الصراع التي ربما تكون الاسخن في المستقبل المنظور لوجود العديد من القوى الإقليمية والدولية والمحلية التي تتصارع للسيطرة على هذه المنطقة التي تحتوي على أكثر من 70 بالمئة من احتياطات الغاز والنفط السوري، واراض زراعية خصبة تنتج معظم الاحتياجات السورية من الحبوب الى جانب نوعية جيدة من القطن.

المهم انه أيا كانت نتيجة هذا الصراع، فانه يصب في نهاية المطاف في مصلحة الدولة السورية، التي تفضل حتى الآن المراقبة عن بعد، وترفض ان تنجر الى حلبة الصراع، وهذا منتهى الحكمة والتعقل في رأينا.. والله اعلم.