دعوة غريبة ومفاجئة من “البرلمان العربي” لإعادة سورية الى الجامعة والعمل العربي المشترك.. من يقف خلفها؟ وهل تأتي اعترافا بفشل المؤامرة وتعافي الدولة السورية؟ ولماذا ننصح بالتريث؟

عبد الباري عطوان

قليلون سمعوا بـ”البرلمان العربي”، او بدوره، او مقره، او وظيفته، لأنه تجميع “غير متجانس″، لأعضاء من “برلمانات” عربية اغلبيتها الساحقة غير منتخبة، وتمثل حكوماتها الاوتوقراطية، وحتما ليس شعوبها، فهذا البرلمان لا يخرج عن كونه مكانا مريحا للتقاعد، وبرواتب وامتيازات مجزية، لبعض المحظوظين المقربين من حكوماتهم، وحاله حال الجامعة العربية ومؤسساتها وموظفيها كبارا وصغارا.

ما ذكّرنا بهذا “البرلمان العربي”، ودفعنا للكتابة عنه في هذه الزاوية، رغم الاحداث الأكثر أهمية التي تحتاج وطننا العربي هذه الايام، هو البيان “المغمغم” الذي صدر عنه يوم امس (أي البرلمان) ويتضمن دعوة للجامعة العربية وامينها العام للتحرك فورا لإعادة سورية الى العمل العربي المشترك بعد سبع سنوات عجاف من قرار تعليق أنشطتها وتجميد عضويتها في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2011، وانحراف هذه الجامعة بالتالي عن الحد الأدنى من دورها الوطني المنوط بها، وتحولها الى أداة طيعة في خدمة مخططات التفتيت الاستعماري الغربية.

***

لا نعتقد ان هذه “الصحوة” المفاجئة، التي جاءت بعد سبات عميق امتد لسنوات، جاءت بمحض الصدفة، ونتيجة لتحرك ضمائر أعضاء البرلمان العربي ورئيسه، ولا بد ان الجهات التي تبارى أعضاؤها في اجتماعات الجامعة في المزايدة على بعضهم البعض، في المطالبة بتجميد عضوية سورية، وقبلها ليبيا، والعراق، ادركت ان مشروعها في تغيير النظام في دمشق، وتفتيت الدولة السورية، في اطار مخطط امريكي، قد فشل، وان سورية الجديدة القوية تخرج بشكل متسارع من بين انقاض المؤامرة اكثر صلابة لتستعيد دورها العربي الإقليمي في اطار “تحول” غير مسبوق في الرأي العام العربي لصالحها.

هناك عدة أسئلة تطرح نفسها بقوة في هذا الاطار:

ـ الأول: كيف ستتم هذه العودة، بجرة قلم، وبتبويس اللحى، ووفق نظرية “عفا الله عما سلف” مثلا؟

ـ الثاني: هل ستقبل القيادة، والشعب السوري، العودة الى جامعة عربية ارتكبت خطيئة كبرى عندما اتخذت قرار التجميد في وقت حرج كانت الدولة السورية تواجه حربا ضروس مسنودة بآلاف المسلحين، وعشرات، بل ربما مئات المليارات، وبإشراف امريكي؟

ـ الثالث: هل ستعترف الدول الرئيسية التي شاركت في هذه المؤامرة، ووظفت امبراطورياتها الإعلامية وملياراتها، بخطئها وتعتذر علنا؟ وتقدم التعويضات مجبرة، وليس تكرما، للشعب السوري بالقدر نفسه الذي انفقته في عمليات التخريب والقتل والدمار، ان لم يكن اكثر؟

ـ الرابع: هل تستحق الجامعة العربية في ظل حالة التهميش التي تعيشها حاليا، وانكماش دورها، والازدراء الذي تواجهه في أوساط الشعوب العربية، ان تعود اليها سورية، وماذا تستفيد من هذه العودة؟

***

لا نملك أي إجابات عن هذه الأسئلة، منفردة او مجتمعة، ولا نعتقد ان السيد احمد أبو الغيط، كبير موظفي هذه المنظمة الإقليمية التي تعيش حالة من الترهل و”الاحتضار” حاليا يملك الإجابة أيضا، ولا نعتقد ان القيادة والشعب السوري معا، لا ينامان الليل “ارقا” بسبب عدم تمثل بلادهم في هذه الجامعة.

الدعوة لإستعادة سورية مكانتها في الجامعة العربية جاءت ليس حرصا عليها، وانما لإنقاذ العمل العربي المشترك “المهلهل”، واضفاء طابع وطني عروبي عليه، بعد ان فشلت، بل وانهزمت كل المشاريع البديلة الأخرى المدعومة أمريكيا واسرائيليا، وللتغطية على اعمال التطبيع المتسارعة مع دولة الاحتلال.

التوقيت لافت أيضا، فهذه الدعوة تأتي في وقت تنهمك فيه الدول الغربية على إعادة ترميم سفاراتها في دمشق، تمهيدا لإعادة فتحها واستعادة العلاقات الدبلوماسية مع الدولة السورية، اعترافا بخروجها متعافية من ركام الحرب والمؤامرة.

عودة سورية الى الجامعة اذا تمت، يجب ان لا تكون مجانية، ومتسرعة، فجرح “إهانة” الخروج، او الإخراج، ما زال طريا نازفا ومؤلما، والمطلوب ما هو اكثر من اعتذار، واكثر من تعويض مالي، ولا نعتقد ان هذه الحقائق تغيب عن ذهن الدولة السورية وشعبها وقيادتها، فالمسألة أولويات، لا اكثر ولا اقل.