المقاومة توحد الضفة والقطاع وتنجح حيث فشلت كل الوساطات الأخرى.. بضاعة نتنياهو الأمنية التي أراد تصديرها لحكومات الخليج وافريقيا فضحتها وكشفت زيفها العمليات الأخيرة.. السيد نصر الله نصح الإسرائيليين بالهروب.. وسليماني بتعلم السباحة.. فما هي نصيحة قائد “القسام” لهم؟

عبد الباري عطوان

النتيجة الأهم التي يمكن استخلاصها من عمليات المقاومة المسلحة المتصاعدة في الضفة الغربية المحتلة هذه الأيام التي اسفرت عن مقتل ثلاثة مستوطنين إسرائيليين واصابة عشرة على الأقل، ان بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي يقدم نفسه لبعض الحكومات العربية في منطقة الخليج وافريقيا بانه القادر على حمايتهم وتقديم الخبرات الأمنية لهم، لحماية عروشهم، وقمع أي انتفاضات شعبية ضدهم، بات غير قادر على حماية مستوطنيه، وتحقيق الامن والاستقرار لهم.

بضاعة نتنياهو الأمنية التي يتباهى بها امام أصدقائه العرب الجدد، اثبت رجال المقاومة في الضفة الغربية ابتداء من الشهيد اشرف نعلوه، منفذ عملية “بركان”، او صالح عمر البرغوثي منفذ عملية “عوفرا”، وزميلهم الثالث الذي انسحب سالما من عملية “عوفرا” الثانية، بعد ان قتل مستوطنين ثأرا لاستشهادهما وأصاب آخرين،  اثنين اثبتوا عمليا انها بضاعة مغشوشة وبائرة وغير قابلة للتسويق.

66 يوما وكل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مصحوبة بوحدات خاصة في الجيش الإسرائيلي كلها مزودة بأحدث الأجهزة، وطابور خامس طويل من العملاء المخبرين، تبحث عن الشاب المقاوم البطل اشرف نعالوه دون ان تحقق أي تقدم، ولا نستبعد ان قوات الامن الفلسطينية التي تعمل تحت خدمة الاحتلال، في اطار اتفاقيات التنسيق الأمني هي التي اكتشفت مكانه في مخيم عسكر للاجئين الفلسطينيين شرق مدينة نابلس، وقدمت معلوماتها للإسرائيليين.

***

الشهيد نعالوه لم يستسلم، وقاوم حتى النفس الأخير في البيت الذي كان يحتمي فيه ووفره له المقاومون الشرفاء من زملائه وقبيل تنفيذه لهجوم ثان ضد المستوطنين في المنطقة، فهؤلاء رجال عاهدوا خالقهم، جل وعلا، على الشهادة، والانتقال الى دار الخلود عبر أقصر طرقها، وكان لهم ما أرادوا.

كل اللقاءات الثنائية، والوساطات المصرية، ولسنوات، فشلت في إعادة اللُحمة الى الضفة الغربية وقطاع غزة، وها هي المقاومة تعيد توحيدهما على ارضيتها، وبصورة اكثر قوة من أي وقت مضى، وعلى ايدي شبان في مقتبل العمر، ولا يؤمنون بالبيانات الانشائية والتصريحات الرنانة بل بالعمل المقاوم.

الضفة الغربية مثل الفيل الضخم، ربما يكون حركته بطيئة، ولكنه اذا انتفض فإنه يحطم كل شيء امامه، وتصعب السيطرة عليه، او مثل الجمل العربي الأصيل، صاحب النفس الطويل، يصبر ويتحمل ولكنه عندما ينتقم من الذين يهينونه فان انتقامه بلا حدود.

ما نشهده حاليا في الضفة الغربية هو ثورة انتقامية على مسلسل طويل من الاهانات على ايدي الاحتلال وقواته، ورد قوي معبّر على كل الذين أسقطوا الشعب الفلسطيني من حساباتهم وتجاوزوه وصادقوا الاحتلال واعتبروه حليفا وحاميا.

اهل الضفة الغربية الشجعان لا يثورون على الظلم الإسرائيلي فقط، وانما على سلطة تدعي انها تتحدث باسم الفلسطينيين جميعا، وترد على الاهانات الإسرائيلية، وآخرها اقتحام وكالة أنبائها (وفا)، ومحاصرة وزارة ماليتها، بالمزيد من التنسيق الأمني، والتعاون مع الاحتلال واجهزته.

القاسم المشترك في جميع عمليات المقاومة الأخيرة، سواء كانت دهسا او طعنا او اطلاق نار حي، انها تستهدف مستوطنين وجنودا إسرائيليين يوفرون لهم الحماية، وتوجه رسالة قوية لهؤلاء وقادتهم، بأنه غير كرحب بهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة ووجودهم غير شرعي وعليهم الرحيل، وفي اسرع وقت ممكن اذا كانوا يريدون الحفاظ على ارواحهم.

حركة المقاومة الإسلامية “حماس″ التي تبنت عمليات “بركان” و”عوفرا” الثلاث الأخيرة، وقالت انها جاءت احتفالا بالذكرى 31 لقيامها، وتوعدت كتائب “القسام” جناحها العسكري “بأن على العدو الا يحلم بالأمن والأمان والاستقرار في ضفتنا الباسلة، فجمر الضفة تحت الرماد سيحرق المحتل، ويذيقه بأس رجالها الاحرار من حيث لا يحتسب العدو ويتوقع″.

المقاومة الفلسطينية لم تذهب حتى تعود، وان عادت فان عودتها دائما قوية ومؤثرة، تزلزل أسس الاحتلال وتجعل وجوده واستمراره مكلفا وباهظ الثمن، ولن تخيفها تهديدات نتنياهو بالمزيد من المستوطنات، لانها تثق بأنها ستعود الى شعبها كاملة في المستقبل القريب.

حقائق كثيرة حجبتها الغطرسة الإسرائيلية، والدعم الأمريكي المفتوح، وأبرزها ان الشعب الفلسطيني لن يستسلم، وقادر على قلب الطاولة على محتليه، وتغيير المعادلات كلها، ليس في فلسطين المحتلة فقط، وانما في المنطقة العربية، مدعوما بالشعوب الإسلامية العربية الشريفة من المحيط الى الخليج.

***

نقطة التحول بدأت بهزيمة إسرائيل في اربع حروب، واخرها الأقصر مدة (48 ساعة) كانت درة صولجان المقاومة، لما اظهرته من أسلحة صاروخية نوعية متقدمة، ويعلم الله ما تخبئه المقاومة من أسلحة للمواجهة الخامسة ولم تستخدم بعد، ولا نستبعد ان استجداء نتنياهو للوسيط المصري لوقف اطلاق نار سريع كان رعبا منها.

السيد حسن نصر الله نصح المستوطنين الإسرائيليين بالرحيل فورا لان الحرب القادمة والأسلحة المستخدمة فيها لن تمهلهم طويلا، والسيد قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني نصحهم بدوره بتعلم السباحة لأنه لن يكون امامهم غير البحر كوجهة للهروب.. ونحن الآن في انتظار نصيحة محمد الضيف، قائد كتائب “القسام” لهم.

الإسرائيليون اضاعوا كل فرص السلام واختاروا الاستيطان والعنصرية واذلال من اعتقد انه يمكن التفاوض والتعايش معهم.. لقد اخطأوا في جميع حساباتهم، واقترب وقت دفع الثمن.. والله اعلم.