البيت الأبيض يعيش حالة من الهيستيريا بعد وصول قاذفتين روسيتين نوويتين الى كاراكاس.. لماذا؟ وما هي الاخطار؟ وهل سيلبي بوتين طلب الرئيس الفنزويلي مادورو ويتصدى لمؤامرة أمريكية لغزو بلاده واسقاطه تكرارا للسيناريو السوري والعراقي والليبي؟

عبد الباري عطوان

الفصل الاحدث في الحرب الباردة التي تشتعل اوراها هذه الأيام بين روسيا والولايات المتحدة في أكثر من بقعة في العالم انعكس في ارسال روسيا قاذفتين استراتيجيتين من طراز “تو 160″ قادرتين على حمل صواريخ برؤوس نووية قصيرة المدى الى كراكاس، عاصمة فنزويلا، في رسالة تحذير واضحة الى الولايات المتحدة من اقدامها على غزو هذا البلد.

ارسال هاتين الطائرتين أثار حالة من “الهيستيريا” في أوساط الإدارة الامريكية التي لم تتوقع هذه الخطوة، وتعتبر أمريكا الجنوبية فنائها الخارجي الأكثر حساسية، لا يجب ان تقترب منه روسيا او غيرها، لما قد يشكله هذا الاقتراب من تهديد استراتيجي.

نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، الذي فشلت إدارة ترامب في الإطاحة به او باغتياله، وفرضت حصارا خانقا على بلده، طار الى موسكو في الأسبوع الماضي والتقى الرئيس فلاديمير بوتين طالبا النجدة، فلبى الرئيس الروسي النداء، وكشر عن انيابه وارسل هاتين الطائرتين العملاقين فورا محذرا ومتوعدا ومتعهدا بحماية هذا الصديق اليساري، العنيد المستعصي على الرحيل انقلابا او اغتيالا.

***

اميركا أطاحت بالحكومات اليسارية في كولومبيا والبرازيل والأرجنتين، واوصلت الأحزاب اليمنية الى قمة الحكم على حساب أحزاب اشتراكية يسارية ترفض الهيمنة الامريكية الاقتصادية والسياسية، مستخدمة كل ما في جعبتها من وسائل القوة والنفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري، وكشف الكاتب الأمريكي الشهير بوب ودورد في كتابه الأخير “الخوف.. ترامب في البيت الأبيض” ان الرئيس دونالد ترامب طلب من قيادته العسكرية وضع خطط لغزو فنزويلا واطاحة الرئيس مادورو، خليفه هوغو تشافيز العظيم، ولكن مستشاره للأمن القومي في حينها اتش ار ماكمستر استهجن هذا الطلب وأبرز حجم المخاطر التي يمكن ان تلحق بالولايات المتحدة من جرائها.

مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، كتب تغريدة على “التويتر” كانت ردا غاضبا على وصول القاذفتين العملاقين الروسيين، قال فيها “ان المسألة عبارة عن قيام حكومتين فاسدتين بهدر أموال عامة وسحق الحريات في وقت يعاني شعبيهما” في إشارة الى روسيا وفنزويلا.

ديمتري بسكوف، المتحدث باسم بوتين، وصف هذه التغريدة بانها “غير دبلوماسية وغير مقبولة، والاسوأ انها تصدر عن وزير خارجية بلد بإمكان نصف ميزانيته الدفاعية ان تطعم قارة افريقيا بأكملها”، ودخلت السيدة ماريا زاخاروفا على خط الازمة وادلت بدلوها قائلة “أمريكا تنفق مليارات ميزانيتها الدفاعية في حروب بافغانستان والعراق وليبيا”.

سياسات الرئيس ترامب ومواقفه وحصاراته الاستفزازية لا تشكل خطرا على العالم ومنطقتي الشرق الأوسط وامريكا الجنوبية بالذات، وانما على الولايات المتحدة نفسها، فهذا التحرش العسكري والاقتصادي بفنزويلا ورئيسها المنتخب ديمقراطيا، هو الذي فتح أراضي هذا البلد للنفوذ الروسي، وهيأ المجال لوصول القاذفتين النوويتين، ولا نستبعد ان تحذو فنزويلا حذو سورية وتسمح للحليف الروسي بإقامة قواعد عسكرية على أراضيها.

***

الرئيس السوري بشار الأسد استنجد بالحليف الروسي في مواجهة الخطة الامريكية الإسرائيلية التي كانت تريد الإطاحة بحكمه وتغيير النظام بتطبيق السيناريو العراقي الليبي بالقوة العسكرية، فلم يتردد الرئيس بوتين لحظة في تلبية النداء، وارسال قوات بلاده وطائراته الحربية، وصواريخه من طراز “اس 400″ الى سورية، واجهاض هذه الخطة، وها هو مادورو يسير على الطريق نفسه، ويجد الاستجابة نفسها، وربما ما هو أكثر منها، ففنزويلا اقرب الى العمق الأمريكي من سورية بمراحل.

الهيمنة الامريكية على مقدرات الضعفاء في العالم تتآكل بشكل متسارع، والغطرسة الترامبية المجبولة بالجهل فاقت كل الحدود، وباتت تحتم وقفها، ووضعها عند حدها، ويبدو ان هذه هي مهمة الرئيس الروسي بوتين وحليفه الصيني شي جين بينغ.. والأيام بيننا.