لماذا قررت السعودية تحدي الرئيس ترامب وتخفيض انتاج منظمة “أوبك” وتكريس التحالف مع روسيا؟ وما هي الأسباب الثلاثة التي دفعت الأمير بن سلمان الاقدام على هذه “المقامرة”؟ وهل يوفر الرئيس بوتين مظلة الحماية له من تبعات جريمة اغتيال خاشقجي؟

عبد الباري عطوان

توصل الدول المنتجة للنفط داخل منظمة “أوبك” وخارجها الى اتفاق يوم الجمعة الماضي في اللحظة الأخيرة، لتخفيض الإنتاج بحوالي 1.2 مليون برميل يوميا لوقف انهيار الأسعار، وعودتها الى الارتفاع مجددا، خطوة على درجة كبيرة من الأهمية من الناحية الاقتصادية، لكن الأهم في نظرنا ان تحالفا سعوديا روسيا برز بقوة، يشكل تجديا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي طالب قبل يومين من هذا الاجتماع بعدم تخفيض الإنتاج.

انها صفعة قوية للرئيس ترامب تضاف الى صفعات أخرى انهالت عليه، سواء من الكونغرس الذي اتهمه علنا بالتهاون في مسألة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي ومحاولة توفير الحماية للأمير محمد بن سلمان، او الصفعة الأخرى الناجمة عن فشل مشروع قرار تقدمت به “خليفته المحتملة” نيكي هايلي الى الجمعية العامة للأمم المتحدة بإدانة هجمات “حماس″ الصاروخية على إسرائيل.

***

أسعار النفط ارتفعت 5 بالمئة فور الإعلان عن هذه الصفقة، والتزام دول “أوبك” بتخفيض انتاجها بحوالي 800 الف برميل، وروسيا التي تتزعم 10 دول خارجها بـ 400 الف برميل يوميا، ومن المتوقع ان يعود سعر البرميل الى 86 دولارا، مثلما كان عليه في تشرين اول (أكتوبر) الماضي، خاصة اذا أوفت السعودية بوعدها وخفضت انتاجها من 11.1 مليون يوميا حاليا الى 10.3 برميل في شهر كانون الثاني (يناير) المقبل.

لا نعرف كيف سيكون ردة فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هذه المواقف السعودية المتحدية له، وهذا التحالف السعودي الروسي الذي ربما لا يظل محصورا داخل منظمة “أوبك”، وربما يمتد الى قضايا أخرى، ونحن في انتظار تغريدة جديدة “غاضبة” للرئيس ترامب ترد على هذه الصفعة بطريقة او بأخرى.

هذه هي المرة الأولى، على حد علمنا، التي يخرج فيها السيد خالد الفالح، وزير النفط السعودي، عن المألوف ويقول في تصريحات صحافية علنية “أمريكا ليست في موقع ان تفرض على أوبك ما يجب عليها ان تفعل.. لا احتاج الى اذن من احد لكي اخفض الإنتاج”، فقد جرت العادة ان تذعن السعودية لمطالب أمريكا دون أي تردد، ووصلت الغطرسة الامريكية في الأعوام الماضية الى درجة ايفاد مبعوث الى مكان اجتماعات “أوبك” لمراقبة المداولات داخلها، واملاء مطالبه على الوزير السعودي الذي يبادر بالتنفيذ فورا دون أي تردد.

تفسيرنا لهذا التحدي السعودي القوي لترامب ربما يعود الى عدة أمور يمكن ان نلخصها في النقاط التالية:

ـ أولا: ان يكون الأمير محمد بن سلمان قد توصل الى قناعة راسخة بأن الرئيس ترامب قد يرضخ لضغوط الكونغرس وصقور مجلس الشيوخ مثل ليندسي غراهام وبوب ووكر وغيرهم، ويرفع الحماية عنه، ويفرض عقوبات على السعودية على أرضية جريمة اغتيال خاشقجي، فقرر القيام بهجوم مضاد؟

ـ ثانيا: ان يكون جرى التوصل الى “صفقة ما” اثناء اجتماع الأمير بن سلمان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ابرز عناوينها تقديم بوتين الحماية والدعم للأول في مواجهة أي ضغوط أمريكية مستقلة بسبب الجريمة نفسها.

ثالثا: بعد اعلان دولة قطر انسحابها من منظمة “أوبك” ادركت السعودية ان المنظمة التي تعتبر العنصر القيادي المهمين فيها (أوبك) ستنهار بالكامل اذا رضخت للضغوط الامريكية، وخفضت الإنتاج، وستجد نفسها وحيدة ومعزولة، ولذلك قررت إعطاء أولوية لتماسك “الأوبك” والحفاظ على مكانتها، لان البديل هو الفوضى في الأسواق، وانخفاض الأسعار الى اقل من ثلاثين دولارا الامر الذي سيخفض العائدات، وخلق حالة من الغضب الشعبي يهدد استقرار المملكة والاسرة الحاكمة.

***

ما يجعلنا لا نستبعد، او نستغرب، هذا الهجوم السعودي المضاد بالاعتماد على روسيا ورئيسها بوتين، ان الأمير بن سلمان اوعز الى احد الكتاب السعوديين المقربين منه الى نشر مقال يهدد بلجوء السعودية الى موسكو، وإقامة قاعدة لها في تبوك شمال غرب المملكة، واستبدال الأسلحة الروسية بنظيرتها الامريكية في حال فرض الرئيس ترامب عقوبات على السعودية بسبب قضية اغتيال خاشقجي.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة عما اذا كانت السعودية وحاكمها الفعلي الأمير بن سلمان تستطيع تحمل النتائج التي يمكن ان تترتب على هذه الخطوة، أي الاستقواء بروسيا في مواجهة أمريكا، ونقل البندقية السعودية من الكتف الأمريكي الى الكتف الروسي؟

انها مقامرة كبيرة اذا ما جرى الاقدام عليها من قبل الأمير بن سلمان، فإنهاء علاقة تحالفية  استراتيجية امتدت حوالي 80 عاما مع أمريكا هو بمثابة “اعلان حرب”، ولذلك تخامرنا الكثير من الشكوك في هذا المضمار.

في جميع الأحوال، تغريدة ترامب القادمة، التي ستتناول هذه المسألة ستجيب عن الكثير من الأسئلة والتكهنات، ولا نعتقد اننا سننتظرها طويلا، فهذا الرجل لا يطيق صبرا، ولا نستبعد ان نطلع عليها مع نهاية عطلة هذا الأسبوع، او حتى قبلها، وحينها لكل حادث حديث.