السؤال المطروح الآن: ما هي الخطوة التالية بعد عملية نتنياهو الاستعراضية سيئة الإخراج على الجبهة الشمالية؟ ولماذا يغيظه صمت “حزب الله” والسيد نصر الله؟ وهل 40 مترا تحت الأرض “الإسرائيلية” تحتاج كل هذه الضجة؟

عبد الباري عطوان

بعد عملية “درع الشمال” التي تنفذها جرافات جيش الاحتلال الإسرائيلي لتدمير أنفاق مزعومة حفرها مقاتلو “حزب الله” تحت الحدود، يظل السؤال الأكثر الحاحا هو: ما هي الخطوة الإسرائيلية القادمة؟

هناك رأيان مختلفان حول هذا التطور الجديد على جبهة جنوب لبنان التي عادت تتصدر العناوين الرئيسية مجددا:

ـ الأول: عبر عنه بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي اثناء جولته في الجبهة الشمالية بصحبة حشد من ضباطه الكبار، عندما قال انه يرجح احتمالات تحرك إسرائيلي داخل لبنان نفسه كرد على ما وصفه “بانتهاكات حزب الله للسيادة الاسرائيلية”.

ـ الثاني: تأكيد يؤاف غالانت، وزير الإسكان، وعضو مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر، والجنرال في الاحتياط، ان حكومته تعطي الأولوية لتوجيه ضربة قاسية ومؤلمة لقطاع غزة في الوقت المناسب ووفقا للأهداف التي سيتم تحديدها.

***

أكثر ما يثير غيظ الإسرائيليين هو التزام “حزب الله” وقيادته الصمت المطبق تجاه هذه الحركة “الاستعراضية” الإسرائيلية على الحدود اللبنانية الجنوبية، فحتى كتابة هذه السطور لم يصدر أي رد من السيد حسن نصر الله او المتحدثين بإسمه، والرد الوحيد جاء من قبل حليفه السيد نبيه بري، رئيس البرلمان، الذي تحدى الإسرائيليين تقديم أي دليل عن وجود هذه الانفاق.

لا نعتقد ان بنيامين نتنياهو الذي لا يوجد في تاريخه السياسي انه خاض حربا واحدة رئيسية وانتصر فيها، لأنه يتصف بالجبن والجعجعة الفارغة، حسب خصومه، ولا يملك أي خلفية عسكرية قيادية مثل معظم رؤساء الوزراء الآخرين، لا نعتقد انه يجرؤ على فتح جبهة الشمال واشعال فتيل الحرب مع “حزب الله” لسببين رئيسيين:

ـ الأول: ان قدرة الردع الهائلة التي يملكها “حزب الله” ما زالت قوية وفتاكة، والأكثر من ذلك انها تنمو وتتطور وعصبها الرئيسي 150 ألف صاروخ.

ـ الثاني: الكمية الضخمة لهذه الصواريخ وعجز القبب الحديدية الإسرائيلية في التصدي لها، والقدرة التدميرية الدقيقة لها، التي تؤهلها على ضرب اهداف نوعية في العمق الإسرائيلي.

“حزب الله” يراقب هذا المهرجان الاستعراضي الإسرائيلي بالصوت والصورة، من خلال قدرات رصد تصويرية عالية، يجري بثها عبر أذرعته الإعلامية الضاربة، مثل قناة “المنار”، وتثير التعليقات الساخرة لدى أنصاره ومحبيه تجاه هذه المسرحية الهزيلة الفاشلة والسيئة الإخراج والتنفيذ.

كل ما ادعى المتحدثون الإسرائيليون كشفه حتى الآن هو نفق بطول 200 متر فقط، من بينها 40 مترا من الجانب الآخر من الحدود، أي الفلسطيني المحتل، واذا نظرنا الى إمكانيات الحزب الهائلة في هندسة الانفاق، ورأيناها في متحف “مليتا” الذي يوثق الخسائر العسكرية الإسرائيلية عام 2006، فان هذا النفق يمكن ان يحفره “مهندسو” الحزب في يوم او يومين على الاكثر.

***

النقطة الأهم وسط ركام هذه الانفاق المزعومة التي جرى تدميرها، ان “حزب الله” لم يكن يخطط فقط لتحقيق الردع في مواجهة أي عدوان إسرائيلي من خلال ترسانته الصاروخية “المرعبة” وانما كان يضع خططا استراتيجية للهجوم وتحريرها أراض في الجليل، أي شن حرب برية أيضا.

من المفارقة ان نتنياهو الذي تخترق طائراته الأجواء اللبنانية بصفة يومية في مهمات استطلاعية استعراضية، يتباكى على انتهاك سيادة “أراضيه” بسبب حفر نفق طوله أربعين مترا فقط تحتها.. أنها كوميديا لا تضحك أحدا، بل تكشف درجة الارتباك الإسرائيلية العالية جدا.

إدارة الرئيس ترامب التي أعطت الضوء الأخضر لنتنياهو للإقدام على هذه العملية تعتقد انها تصب في مصلحة استراتيجيتها في تصعيد الضغوط على ايران، ولكن النتائج جاءت عكسية تماما، وتبين حتى الآن على الأقل ان الأكثر تضررا من هذه العملية “درع الشمال” هي إسرائيل، خاصة بعد ان تبين ان درعها هذا مليء بالثقوب.