هل سيرضي الأمير محمد بن سلمان ترامب حليفه القديم ويغضب بوتين صديقه الجديد في اجتماع “أوبك” غدا في فيينا؟ وماذا لو قلب المعادلة؟ وما هي النتائج المترتبة على ذلك على صعيد مستقبله كولي عهد في الحالين؟ وهل سنرى انسحابات جديدة من المنظمة؟

عبد الباري عطوان

سيشكل اجتماع وزراء منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” الذي سيبدأ اعماله في فيينا غدا الخميس تحديا ربما هو الاضخم بالنسبة الى المملكة العربية السعودية، والامير محمد بن سلمان، حاكمها الفعلي، لأنه سيجد نفسه مضطرا للاختيار بين حليف قديم هو الرئيس دونالد ترامب، الذي يعارض أي خفض للإنتاج وإبقاء الأسعار منخفضة، او صديق جديد وهو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي كان الوحيد الذي استقبله بحرارة اثناء قمة العشرين، ويطالب بخفض الإنتاج بأكثر من مليون برميل لإعادة الأسعار الى مستواها المرتفع الذي وصلته في تشرين اول (أكتوبر) الماضي، أي 86 دولارا للبرميل.

إرضاء بوتين قد يعني اغضاب ترامب، والعكس صحيح، ولكن اثارة غضب الرئيس الأمريكي ربما يكون مكلفا جدا لولي العهد السعودي خاصة في ظل التداعيات الخطيرة المترتبة على جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، ووقوف ترامب في خندق الأمير بن سلمان مدافعا عنه، ورافضا نتائج تقرير وكالة المخابرات المركزية الامريكية الذي حمله مسؤولية اتخاذ القرار بتنفيذ هذه الجريمة.

***

الرئيس ترامب جدد دعوته اليوم الأربعاء الى عدم خفض الإنتاج، ويراهن على دور المملكة العربية السعودية، الدولة الأكبر انتاجا (10.3 مليون يوميا) للقيام بدور كبير داخل المنظمة لتلبية هذه الدعوة، وإقناع الدول الأخرى بالقبول بها، وخاصة روسيا الدولة الأكبر انتاجا خارجها (تنتج 10.05 برميل يوميا)، ورئيسها بوتين.

أسعار النفط انخفضت حوالي 30 بالمئة خلال الشهرين الماضيين، من 86 دولارا الى 60 دولارا، والسبب الرئيسي هو ضخ المملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى مليون وثلاثمائة ألف برميل يوميا لتعويض أي نقص راجع الى تراجع الصادرات الإيرانية بسبب العقوبات تلبية لطلب الرئيس ترامب الذي اتصل بالعاهل السعودي الملك سلمان وطلب منه ذلك رسميا، ووجد تجاوبا فوريا، وتباهى بذلك علنا.

الرئيس ترامب الذي يريد اسعارا منخفضة للطاقة، لاستمرار حالة الازدهار الاقتصادي الذي جرى تحقيقها في العامين الماضيين من حكمه، على امل صد المعارضة القوية التي يواجهها وتريد عزله، ووقف انخفاض سفينة حزبه الجمهوري، او الحيلولة دون انتخابه، لفترة ثانية على الأقل، ترامب يعتقد ان خفض انتاج النفط من قبل الدول المنتجة داخل “أوبك” وخارجها سيؤدي الى ارتفاع الأسعار مما قد يتسبب بخنق الاقتصاد العالمي، والامريكي بالذات، الذي يحتاج الى أسعار “معقولة” لكي يتجنب الانكماش، وارتفاع معدلات التضخم.

وما يزيد الموقف السعودي صعوبة وتعقيدا ان معظم الدول المنتجة للنفط داخل أوبك وخارجها، لا تطالب فقط بخفض الإنتاج لزيادة عائداتها المالية، وانما لأنها تعتقد اعتقادا راسخا ان نسبة الانخفاض الأكبر يجب ان تأتي من السعودية التي اغرقت الأسواق بالكميات الإضافية.

اي إصرار للمملكة، المنتج الأكبر للنفط على عدم خفض الإنتاج، او خفضه بكميات اقل من المطلوب، سيؤدي الى زيادة حدة حالة التذمر داخل الدول الأعضاء في منظمة “أوبك” التي تتطلع الى عوائد اكبر، وربما يؤدي الى انسحابات أخرى على غرار الانسحاب القطري الذي جرى الإعلان عنه رسميا قبل يومين، مما يزيد من احتمالات تراجع أهمية المنظمة “أوبك” وفقدانها السيطرة على الاسواق، وربما بدء انفراط سبحتها كمقدمة لانهيارها.

***

التسريب الأهم الذي رجح عن الاجتماع العلني والمهم بين الرئيس بوتين والأمير بن سلمان على هامش قمة العشرين يوم الجمعة الماضي، أكد توصل الرجلين الى اتفاق بحتمية تخفيض انتاج النفط، والعودة الى معدلاته التي جرى التوصل الى تحديدها اثناء لقاء الجزائر في شهر أيلول (سبتمبر) الماضي، او الحصص المقررة عام 2016 على الأقل، بين المنتجين داخل “أوبك” وخارجها، والسعودية وروسيا على وجه التحديد.. والسؤال الأهم هو عما اذا كان هذا الاتفاق سيتكرس رسميا في اجتماع فيينا الموازي غدا، وكم سيكون حجم الانخفاض وكيفية توزيعه؟ ام سينهار نتيجة إعطاء السعودية الأولوية لموقف ترامب؟

ثلاثة اشخاص يملكون الإجابة على هذا السؤال الآن، هما الرئيسيان بوتين وترامب، وثالثهما الأمير محمد بن سلمان، وعلى ضوء هذه الإجابة التي قد نعرفها مساء غد، ستتغير الكثير من المعادلات الحالية، خاصة على صعيد جريمة اغتيال خاشقجي والموقف النهائي للرئيس ترامب تجاهها.

بإختصار، هل سيضحي الأمير بن سلمان بحليفه القديم ترامب، ام صديقه الجديد بوتين؟ ام يحاول إيجاد صيغة وسط تجنبه غضبهما؟

لا نعتقد ان الموقف الوسط سهب التوصل اليه ومرحب به، ولذلك من غير المستبعد حدوث مفاجآت من العيار الثقيل.. والله اعلم.