هل تستطيع إسرائيل تنفيذ تهديداتها باغتيال السيد نصر الله؟ وماذا لو فعلت.. هل سينهار “حزب الله”؟ وما الذي يمنعها وهي التي تحاول منذ ربع قرن؟ ولماذا الآن تتصاعد الدعوات للعودة الى سياسة الاغتيالات؟

عبد الباري عطوان

بعد عجزها عن شن أي هجوم جوي على سورية بفضل امتلاك الأخيرة صواريخ “اس 300″ الروسية، وفشل حربها الأخيرة في قطاع غزة، لم يبق للقيادة العسكرية الإسرائيلية غير تسريب مقالات ومعلومات تتحدث عن حتمية اغتيال السيد حسن نصر الله، امين عام “حزب الله” اللبناني، لان استشهاده، حسب اعتقاد قيادتها، سيؤدي الى زعزعة معنويات حزبه، ومحور المقاومة بشكل عام.

الجنرال روعي ليفي، قائد الكتيبة 100، التي تتمركز في الجبهة الشمالية المحاذية للحدود اللبنانية كتب مقالا في مجلة “معراخوت” التابعة للجيش الإسرائيلي، ركز فيه على ضرورة عودة سياسة الاغتيالات، واستهداف السيد نصر الله على وجه التحديد، الامر الذي يعكس “تمنيات”، مثلما يعكس حالة القلق التي تسود أوساط المؤسسة العسكرية وجنرالاتها وحالة التحفظ التي يعيشونها من جراء القوة العسكرية الأرضية والصاروخية المتنامية لحزب الله وحلفائه.

السيد نصر الله بات يشكل كابوسا للدولة العبرية يقض مضاجع قيادتها العسكرية ومستوطنيها على حد سواء، خاصة بعد نشر تقارير تفيد بأنه اتخذ قرارا استراتيجيا بفتح جبهة الجولان مجددا بعد اخراج فصائل المعارضة السورية المسلحة المدعومة أمريكيا واسرائيليا من الجنوب السوري في هجوم للجيش العربي السوري بغطاء جوي روسي.

ما يعزز هذه الخطوة، أي تسخين جبهة الجولان، معارضة الولايات المتحدة لقرار في الجمعية العام للأمم المتحدة يدين احتلالها للمرة الاولى، وبدء شركة إسرائيلية بالتنقيب عن النفط الصخري في الهضبة بدعم شركة نفط أمريكية عملاقة، أحد ابرز مسؤوليها ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي الاسبق، ومهندس حرب العراق.

***

الحديث عن خطط إسرائيلية لاغتيال السيد نصر الله ليس جديدا، وبدأ تحديدا منذ عام 1992، أي بعد اغتيال الشهيد عباس موسوي، الأمين العام السابق لحزب الله بسيارة مفخخة استهدفت موكبه في جنوب لبنان، ولم تتوقف المحاولات منذ ربع قرن في هذا الإطار، واستمرارها ليس امرا مفاجئا.

المحللون الإسرائيليون يعتبرون الجبهة الشمالية هي الخطر الأكبر على الوجود الإسرائيلي، بسبب القدرات العسكرية الهائلة لحزب الله المدعومة بمئة وخمسين ألفا من الصواريخ المتعددة الاحجام والابعاد، وباتت تتمتع بقدرة تدميرية عالية جدا، ودقة في إصابة أهدافها، علاوة على الخبرات القتالية العالية على الأرض، وتجسدت في اقوى صورها في حرب عام 2006.

العلاقة التحالفية القوية بين “حزب الله” وفصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وحركتي “حماس″ والجهاد” تحديدا، التي تجسدت في أبهى صورها، من خلال نقل تكنولوجيا الصواريخ، وتدريب الكوادر الفلسطينية المقاتلة على تصنيعها وتطويرها في معسكرات سرية في جنوب لبنان وربما في ايران ايضا، باتت مصدر القلق الأكبر للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، الامر الذي دفعها لتنظيم مناورات عسكرية للجيش الإسرائيلي بدأت يوم امس الأول الاحد تستمر أسبوعا وتحاكي حربا على الجبهتين الشمالية والجنوبية في آن واحد، كما قال احد كبار ضباط الجيش الإسرائيلي للإذاعة العبرية.

صاروخ “الكورنيت” الذي أصاب حافلة للجنود الإسرائيليين بالقرب من مدينة بئر السبع بدقة متناهية، هو من صنع سوري، واعترف السيد نصر الله في خطاب علني ان الحزب هو الذي نقله الى حركة “حماس″ في قطاع غزة قبل استخدامه ببضعة اشهر في رسالة واضحة للإسرائيليين، وثبت للمرة الالف ان هذا الرجل يقول ويفعل، ولا يعرف الكذب، وهذا ما يقوله الإسرائيليون انفسهم.

السيد “نصر الله” ومثلما علمنا من مقربين منه، لا يخشى الشهادة، بل يتطلع اليها، ويعتقد انها تأخرت، وعاش أكثر مما ينبغي، ويؤمن في الوقت نفسه في قرارة نفسه بأن كل الإجراءات الأمنية مهما كانت متقدمة لا يمكن ان تمنع قدرا، ولكنه يؤمن، والمحيطون به، والمشرفون على أمنه، ان الحذر واجب.

لقد دوخ السيد نصر الله الإسرائيليين وامنهم، فهو يتحرك بثقة بصورة مدروسة، ولا يمر أسبوع دون ان يستقبل أكثر من مسؤول لبناني او عربي، ويلتقي قيادات المقاومة الفلسطينية مثل السيد صالح العاروري (حماس)، او زياد النخالة (الجهاد الإسلامي)، بشكل متواصل، مثلما يلتقي صحافيين ويزور دمشق وطهران، ويلتقي قيادات البلدين، وظهر علنا في مناسبات وطنية علنية خطيبا أكثر من مرة.

الصديق الزميل غسان بن جدو الذي أجرى لقاءات تلفزيونية عديدة مع السيد نصر الله أكد انه التقاه على سطح أحد العمارات اثناء العدوان الاسرائيلي عام 2006، مثلما التقاه في شرفة احد الشقق في الضاحية الجنوبية، وليس تحت الأرض، مثلما يردد البعض، وحتى لو كان الحال كذلك؟ فما العيب؟ فهل يتنقل معظم الزعماء العرب بحرية وعلنا؟ السيد نصر الله يخشى العدو وهم يخشون شعوبهم، والفارق هائل اليس كذلك؟

الأجهزة الأمنية الإسرائيلية كانت متقدمة في تنفيذها لعمليات الاغتيال ضد رموز المقاومة عندما كان العرب متخلفين، وامنهم مخترق، وعلى درجة كبيرة من السذاجة الاستخبارية، ولكن الوضع اختلف كثيرا هذه الأيام، على صعيد حركات المقاومة على الاقل، وهناك العديد من الأدلة التي تؤكد استنتاجنا هذا، ابرزها فشل العملية الاستخبارية الإسرائيلية شرق خان يونس قبل أسبوع بشكل مخز، وعملية العلم التي نفذتها احدى وحدات المقاومة في العمق الاستيطاني الإسرائيلي وصورتها وضحاياها الإسرائيليين بدقة متناهية، وحملة تنظيف قطاع غزة من العملاء والجواسيس، وقبلها حملات مشابهة لحزب الله، وكشف اذرعته الأمنية للعديد من أجهزة ومعدات التجسس التي زرعها الإسرائيليون في جنوب لبنان.

نحن هنا نستثني أجهزة الامن العربية، وكذلك أجهزة امن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية من ما سبق، لان هذه الأجهزة باتت تتعاون مع الاحتلال، وتقدم له المعلومات، اذا امتلكتها، عن المقاومة واذرعها الأمنية للأسف، وتعمل تحت امرته وهو امر يدعو للأسف والخجل معا.

***

“حزب الله” بات “دولة “مؤسسات راسخة ومتجذرة، يملك جيشا ربما هو الأقوى في الشرق الأوسط، يحقق الردع مع الاسرائيليين وجيشهم ومعداته التي تقدر قيمتها بمئات المليارات، والفضل يعود للسيد نصر الله ومجموعة مستشاريه الذين يعيشون في الظل، بعيدا عن الأضواء، ويتمتعون بأعلى درجات التواضع والحياة البسيطة مثل قائدهم، الذي نتمنى له طول العمر، حتى يحقق طموحاته، وطموحاتنا، والامتين العربية والإسلامية، في وضع حد للغطرسة الإسرائيلية وكل عملائها العرب، القدامى منهم والجدد.

فلتطبع الأنظمة مع إسرائيل، ولتهادنها، وتتعاون معها امنيا، وتستقبل وزراءها وفرقها الرياضية، لعلها تنقل اليها فيروسات الفشل والفساد والهزائم، اما الشرفاء المقاومون فيحققون الانتصارات في ميادين القتال، ولم تخض إسرائيل حربا ضد المقاومة، ومنذ عام 1973، الا وخرجت منها خاسرة ومهزومة، والحرب المقبلة التي نراها قريبة لن تكون استثناء.. والأيام بيننا.