لماذا يطالب نتنياهو بتأجيل اعلان “صفقة القرن” بعد هزيمته في قطاع غزة؟ وهل ما زالت هذه الصفقة حية ترزق بعد الازمات التي يغرق فيها ابطالها من ترامب حتى بن سلمان؟ ولماذا رفض الرئيس عباس وساطة العاهل الأردني بلقاء الرئيس الأمريكي بالأمم المتحدة؟ هل يملك التفويض بالتوقيع؟

عبد الباري عطوان

لا يفاجئنا طلب بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، من حليفه الاوثق دونالد ترامب تأجيل الإعلان عن تفاصيل عن “صفقة القرن” بسبب الازمة السياسية التي تجتاح دولة الاحتلال الإسرائيلي على أرضية الفشل العسكري والاستخباري الأخير في قطاع غزة على ايدي رجال المقاومة، فجميع اللاعبين الرئيسيين في هذه “الصفقة” يواجهون ظروفا صعبة، ابتداء من الرئيس الأمريكي ترامب، ومرورا بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، وانتهاء بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي يعتبر المحور الرئيسي لها.

مسؤول اردني كبير اكد لهذه الصحيفة “راي اليوم” في لقاء خاص معه في مكتبه بالعاصمة الأردنية عمان قبل عشرة ايام، ان الرئيس ترامب اجرى اتصالات مع مختلف الأطراف المعنية بهذه الصفقة، وانه كان بصدد إعلانها قبل نهاية شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي، وقال هذا المسؤول الذي طالب بعدم ذكر اسمه، ان العاهل الأردني بذل جهودا كبيرة لترتيب اجتماع بين الرئيس ترامب والرئيس محمود عباس على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكن الأخير رفض رفضا قاطعا، لانه يعتقد ان مجرد الاجتماع مع الرئيس ترامب، ودون التراجع عن نقل سفارة بلاده الى القدس المحتلة، يعني اعترافا او قبولا “بـ”صفقة القرن” والاستعداد للتفاوض حول بنودها.

***

نتنياهو يعيش ازمة وزارية فجرتها استقالة وزير حربه افيغدور ليبرمان الذي أطاحت به هزيمة قواته في قطاع غزة، وافشال العملية الاستخبارية التي حاولت تنفيذها وحدة خاصة شرق مدينة خان يونس، وحاول ليبرمان التغطية على هذه الجريمة بالادعاء بأنه كان يريد الاستمرار في الحرب، واجتياح القطاع، والقضاء على فصائل المقاومة فيه، وهو خيار “انتحاري” رفضه نتنياهو لأنه يعلم جيدا ان تكاليف أي هجوم في هذا الاطار سيكون مكلفا جدا لإسرائيل عسكريا وسياسيا وبشريا، بسبب قدرات المقاومة المتطورة جدا، وفشل القبب الحديدية في التصدي لصواريخها التي باتت اكثر دقة وتطورا.

ترامب عراب الصفقة يعيش ازمة داخلية وخارجية خطيرة، فالكونغرس الأمريكي يعارض في معظمه، دفاعه المستميت عن المملكة العربية السعودية، والأمير محمد بن سلمان، ولي عهدها، وتبرئته من أي دور في جريمة اغتيال الكاتب السعودي جمال الخاشقجي، والأخطر من ذلك ان اصواتا داخل مجلس النواب، وبدعم من الصحافة والاعلام، باتت تطالب بإجراء تحقيقات بالعلاقات المالية والتجارية الخاصة للرئيس الأمريكي وصهره بالسعودية، وبات العديد من النواب يصفونه بـ”المهرج” و”الكاذب”.

تنفيذ “صفقة القرن” او ما تبقى من بنودها، يحتاج الى توقيع فلسطيني، ومن قبل الرئيس عباس نفسه، باعتباره رئيس السلطة ومنظمة التحرير، ولكن هناك امرين يحولان دون هذا التوقيع: الأول، رفض الرئيس عباس الذي يقول للمحيطين به انه لا يريد ان يموت خائنا، والثاني، انه لم يعد يمثل الا حركة “فتح”، او جزء منها، فقد قاطعت معظم الفصائل الفلسطينية، ان لم يكن كلها، الاجتماع الأخير للمجلس المركزي (نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي)، واقتصر الحضور على انصار الرئيس في حركة “فتح” وبعض الفصائل التي ليس لها أي تمثيل في الشارع الفلسطيني، ولعل التصريح المفاجيء، وغير المسبوق للدكتور صائب عريقات الذي قال فيه “ان الرئيس الحقيقي للفلسطينيين هو وزير الجيش الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، أما رئيس الوزراء الفلسطيني فهو المنسق بولي مردخاي”، واكده موشيه يعالون وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق اليوم عندما قال في ندوة سياسية “ان التنسيق الأمني هو الضامن لبقاء السلطة وحمايتها من اعدائها (حماس والجهاد)، واي تهديد بالغائه من الطرف الفلسطيني تهديد فارغ لا قيمة له”.

اذا انتقلنا الى الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي الذي يصفه ترامب بأنه الضامن العربي لصفقة القرن، فانه الأكثر تأزما بين اللاعبين الآخرين، ويواجه صراعا شرسا للبقاء في منصبه، فكل أصابع الاتهام تشير اليه تقريبا، وتحمله المسؤولية الرئيسية  في اغتيال الخاشقجي وتقطيعه، وربما تذويبه، بالاسيد ايضا، وكشف الرئيس ترامب بأنه لولا السعودية لاختفت إسرائيل من الوجود، كما اكدت تقارير إخبارية إسرائيلية ان الأمير بن سلمان هو الذي رتب زيارة نتنياهو للعاصمة العمانية مسقط، والأخرى القادمة للمنامة، أي انه عراب التطبيع بدأ يواجه معارضة شعبية قوية حتى داخل السعودية نفسها.

الهجمة التطبيعية بين إسرائيل ودول خليجية التي اخذت زخما غير مسبوق في الأسابيع القليلة الماضية، جاءت من اجل التهيئة لامرين أساسيين: الأول: صفقة القرن وتعزيز مكانة نتنياهو داخليا وتزويده بالذخيرة التي تمكنه من الحفاظ على ائتلافه الحاكم، والقول بأنه أعاد عرب الخليج الى إسرائيل ودون تقديم أي تنازلات للفلسطينيين، والثاني، زعامة إسرائيل للناتو العربي السني، الذي من المفترض ان يكون رأس الحربة في أي حرب ضد ايران.

في ظل هذه السلسلة من الإخفاقات والفشل، من المنطقي ان يتم تأجيل “صفقة القرن”، وخصوصا ان المحور الآخر، المناهض لها، يحسن مواقعه ويصلبها، ويحقق انتصارات على الأرض، ونحن نشير هنا الى فصائل المقاومة في غزة التي ارعبت إسرائيل، ودفعت مليونا من مستوطنيها الى الملاجيء في مستوطنات غلاف غزة، ولو الحرب استمرت يومين آخرين لتهاوت العمارات والمباني، ليس في قلب تل ابيب، وانما في مطار اللد أيضا.

***

السياسات الامريكية والخليجية التي تريد تفكيك القضية الفلسطينية وتقطيعها لتذويبها، على طريقة جثمان خاشقجي، وبمناشير “صفقة القرن”، بدأت تعطي نتائج عكسية، وتصب في مصلحة طهران ومحورها، وها هو السيد إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس يحط الرحال في العاصمة الإيرانية على رأس وفد كبير للمشاركة في مؤتمر الوحدة الاسلامية، وها هو نائبه صالح العاروري الذي وضعته إدارة ترامب على رأس قائمة الإرهاب، ورصدت مكافأة لمن يقدم معلومات عن أماكن وجوده، يصل الى القاهرة على رأس وفد آخر للحركة، اما السيد حسن نصر الله العضو الأصيل والقديم على اللائحة نفسها فيعيش افضل أيامه في بيروت، وبات يمللك مفتاح تشكيل الحكومة اللبنانية، ويجلس على ترسانة تضم 150 الف صاروخ تشكل تهديدا وجوديا لإسرائيل، ولم يعد يذهب الى بعض العواصم الخليجية الا الوزراء والفرق الرياضية الإسرائيلية وسماسرة السلاح.

المعادلات السياسية والعسكرية تتغير على الأرض، و”صفقة القرن” تعيش في غرفة العناية المركزة، هي وجميع اللاعبين الرئيسيين الذين اعتقدوا ان الجو خلا لهم فصالوا وجالوا كيفما يشاؤون فانقلب سحرهم عليهم.. والأيام بيننا.