لماذا يهدد وزيران اسرائيليان باغتيال السنوار ويؤكدان ان أيامه باتت معدودة؟ هل سينجحون في تنفيذ تهديداتهم هذه؟ وهل سيتجرأون على الهجوم على قطاع غزة لاستعادته؟ وما هي الرسالة التي وجهتها قيادة المقاومة للمطبعين العرب واقلقت نتنياهو وحكومته؟

عبد الباري عطوان

بات اسم يحيى السنوار، قائد حركة المقاومة الإسلامية “حماس″ يشكل كابوسا بالنسبة الى الإسرائيليين قيادة وشعبا، لعدة أسباب ابرزها قدراته التنظيمية العالية، وتكريسه قطاع غزة الى “جنوب لبنان” مقاوم آخر، وقيادته حملة شرسة ضد هجمة التطبيع العربية مع إسرائيل، ومخاطبته حكام منطقة الخليج المطبعين بلهجة لم يسمعوا مثلها منذ ثلاثين عاما عندما قال في مهرجان خطابي احتفالا بهزيمة العدوان الإسرائيلي الأخير “افتحوا لهم قصوركم.. اما نحن في غزة فلن يروا منا غير الموت.. مراهنتكم على الاحتلال لتثبيت عروشكم ستبوء بالفشل.. فمن أراد تثبيت عرشه فعليه ان يلتف حول شعبه في نصرة قضية الامة”.

السنوار اهان القيادة الإسرائيلية بشقيها العسكري والسياسي، واصابها في مقتل عندما لوح في المهرجان نفسه بمسدس مزود بكاتم صوت يعود للمقدم الإسرائيلي الذي كان يقود وحدة قوات خاصة تسللت الى شرق مدينة خان يونس، وقتل في اشتباك مع عناصر حركة “حماس″ الذين تصدوا برجولة وشجاعة لهذه الوحدة التي كانت تريد نصب أجهزة تنصت، ومحاولة اغتيال السيد السنوار نفسه، مثلما تقول بعض الروايات.

خطورة هذا الرجل تكن في كونه يختلف عن معظم القادة الفلسطينيين الآخرين، سواء داخل حركة “حماس″ او في الفصائل الأخرى، فالذين يعرفونه عن قرب يقولون انه يعيش حياة في قمة التقشف، وصفع أحد القطط السمان الحمساوية الذي كان يعيش حياة الامراء، ويغرق في الفساد، وقال له امام الجميع “من اين لك هذا”، كيف يكون مطبخ بيتك مساحته اكثر من 80 مترا مربعا بينما لا يجد معظم أبناء القطاع عشاء لأطفالهم، والاهم من ذلك انه وضع البذرة الأولى لجناح القسام العسكري قبل اعتقاله، وقضائه 23 عاما في السجن لم يتم الافراج عنه الا في عملية تبادل اسرى مع الاحتلال، قبل عدة سنوات.

***

وزيران إسرائيليان هددا السيد السنوار بالقتل اليوم، مثلما هددا قطاع غزة بعدوان وشيك، الأول يؤاف غالنت، وزير البناء والإسكان الذي اكد في مؤتمر صحافي “ان أيام السنوار باتت معدودة”، والثاني جلعاد اردان، وزير الشؤون الاستراتيجية الذي حذر من ان إسرائيل باتت قريبة من أي وقت مضى من إعادة السيطرة على قطاع غزة، كليا او جزئيا.

هناك اجماع في أوساط المحللين الإسرائيليين على ان الجيش الإسرائيلي خسر الجولة الأخيرة في قطاع غزة، وقوبل بإرادة غير مسبوقة في المواجهة من قبل فصائل المقاومة، وإطلاق أكثر من 450 صاروخا وقذيفة اسقطت اسطورة القبب الحديدية التي لم تستطع الا التصدي لمئة منها فقط، بينما اصابت الباقية أهدافها، وكان من الممكن ان تكون الخسارة الإسرائيلية اكبر بكثير، مثلما اكد لي قائد حمساوي كبير التقيته في احد العواصم العربية قبل أسبوع.

صاروخ الكورنت الذي أصاب الحافلة الإسرائيلية من صنع سوري، وهربه وعشرات غيره، مقاتلو “حزب الله” الى حركة “حماس″ عبر طرق سرية وبطريقة اذهلت الاسرائيليين، واكدت لنا مصادر موثوقة انها لم تصل القطاع عبر سيناء ولا عبر البحر، ولكنا تكتمت عن كشف هذه الكيفية باعتبارها سرا استراتيجيا.

هذا الصاروخ هو الذي حطم اسطورة دبابة “الميركافا”، وهو الذي حطم كل المعادلات العسكرية السابقة، وأعطى المقاومة القدرة على ضرب اهداف إسرائيلية أكثر دقة في مدن تتجاوز غلاف قطاع غزة، مثل اسدود وعسقلان واللد وحتى تل ابيب.

المحللون الإسرائيليون يقولون ان السنوار أسقط حكومة نتنياهو، مثلما أطاح بافيغدور ليبرمان، وزير الحرب فيها، الذي هدد بأنه يستطيع اغتيال المجاهد إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس″ في 48 ساعة، مثلما هدد بقصف صواريخ “اس 300″ الروسية في سورية وتدميرها بالكامل، وها هو يغادر الحكومة مهانا دون ان ينفذ أي من تهديداته.

نعود الى النقطة المحورية في هذا المقال وهي عما اذا كانت وحدات القتل الإسرائيلية الخاصة قادرة على اغتيال السيد السنوار فعلا، وتملك الشجاعة لاستعادة السيطرة على قطاع غزة؟

جميع قادة فصائل المقاومة في قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان وعناصرها هم طلاب شهادة ولا يخشون الاغتيال، ولكن الزمن الذي كانت فيه فرق الاغتيال تنفذ عملياتها بكل سهولة قد ولى الى غير رجعة، بسبب الأجهزة الأمنية المتقدمة جدا تدريبا وتسليحا، بدليل ان معظم محاولات الاغتيال الأخيرة، ان لم يكن كلها، باءت بالفشل، والدليل الأبرز ان كل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية عجزت، ولما يقرب من الخمس سنوات في العثور على مكان الجندي الأسير جلعاد شاليط، ويعود ذلك الى نجاح امن المقاومة في القضاء على العملاء، وتنظيف القطاع من النسبة الأكبر منهم، وبناء جزر كاملة تحت الارض، تتواصل لشبكة من الانفاق لا يعرفها الا قادة جناح القسام، حيث المصانع التي تنتج احدث الصواريخ والقذائف والذخائر.

اسحق رابين كان يجاهر بحلمه وتمنياته بأن يصحو يوما ويجد غزة قد غرقت في البحر، وقاسمه الحلم نفسه ارييل شارون، القائد الإسرائيلي المتغطرس الذي قضى عدة سنوات بموت سريري اثر هزيمته في قطاع غزة وانسحابه مهزوما منه، ولا نستبعد ان يواجه نتنياهو مصيرا مماثلا، اذا لم ينته خلف القضبان مثل سلفه ايهود أولمرت، فلعنة غزة ستظل تطارده في يقظته ومنامه لان فيها قوما جبارين.

***

المجاهد محمد ضيف، قائد كتائب القسام، قال في رسالة لحفل تأبين شهداء المواجهة الأخيرة مع الإسرائيليين “لو زاد الاحتلال لزدنا.. وصواريخنا اكثر عددا.. واكثر دقة.. واقوى تدميرا”، وأضاف اليها السيد السنوار عبارة قد تدخل التاريخ “نحن لا نبيع الدم بالسولار والدولار”.

نختم هذه المقالة بالقول ان وقف اطلاق النار الذي استجداه نتنياهو من القيادة المصرية، وبعد اقل من 48 ساعة من بدء المواجهة الأخيرة في القطاع، جاء الأسرع منذ بدء الصراع العربي الإسرائيلي قبل 70 عاما، وهذا يشي بالكثير، ويعد بمستقبل قاتم للاسرائيليين، ويوجه لهم رسالة تحذير واضحة، اياكم ان تكرروا العدوان، او ترسلوا وحدات خاصة للتسلل الى القطاع مثلما فعلتم قبل أسبوعين، لان الرد سيكون مختلفا، وربما اكثر ايلاما في المرة القادمة.