ترامب قال كلمته النهائية: سندعم الأمير بن سلمان حتى لو كان على علم مسبق باغتيال الخاشقجي.. هل كان هذا الموقف مفاجئا؟ ولماذا ربط في مؤتمره الصحافي بين المصالح الامريكية والإسرائيلية وبقاء ولي العهد السعودي؟ وكيف ستكون “طبيعة” المواجهة الوشيكة التي اشعل فتيلها مع الكونغرس ونتائجها؟

عبد الباري عطوان

لم يكن مفاجئا بالنسبة الينا ان يكون “الموقف النهائي” للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي وتقطيع جثمانه “مراوغا” و”صادما”، خاصة لكل الذين طالبوه بتحميل الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، المسؤولية المطلقة، وفرض عقوبات على المملكة.

فمنذ اللحظة الأولى كان الرئيس ترامب يحاول كسب الوقت، والتهرب من اتخاذ أي قرار حاسم في هذه المسألة، فقد رفض الاستماع الى التسجيلات المرعبة التي حملتها اليه جينا هاسبل، رئيسة المخابرات الامريكية، او القبول بالنتائج النهائية التي توصلت اليها وكالة الـ”سي أي ايه”، التي تؤكد مسؤولية الأمير بن سلمان عن الجريمة، واستمر في توفير مظلة الحماية لولي العهد السعودي والدفاع عنه، ومحاولة تبرئته، تحت عنوان الحفاظ على العلاقات المتميزة بين الرياض وواشنطن، وعدم السماح لجريمة اغتيال الخاشقجي بإخراجها عن مسارها.

الرئيس ترامب اعترف في مؤتمره الصحافي الذي عقده اليوم الثلاثاء “بأن الأمير بن سلمان كان على علم مسبق بقتل الخاشقجي لكنه اكد عزمه على مواصلة الشراكة مع المملكة لحماية مصالح بلاده وإسرائيل”.

***

ماذا تعني هذه العبارة، وهي “حماية مصالح واسرائيل” التي كانت اهم ما ورد في مؤتمره الصحافي المذكور في رأينا، غير ان الأمير بن سلمان ربما عقد صفقة مع الرئيس ترامب وصهره جاريد كوشنر لتقديم تنازلات كبرى في الملف الفلسطيني، قد يكون عنوانها الأبرز تأييد “صفقة القرن” التي وضع افكارها الجوهرية صديقه كوشنر بتوجيهات من بنيامين نتنياهو مقابل دعم الجانبين الأمريكي والإسرائيلي، واللوبيات السياسية والإعلامية التي تعمل تحت لوائهما، وصوله الى عرش المملكة العربية السعودية حلفا لوالده الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي بنى قصرا فخما له في منطقة “نيوم” شمال المملكة ليقضي فيه آخر أيامه، حيث تؤكد معظم التقارير الإخبارية استفحال حالته المرضية.

قلناها ونكررها ان الرئيس ترامب لا يفكر الا في الصفقات، سواء صفقات شركاته، وشركات صهره، او صفقات الأسلحة التي تبلغ قيمة آخرها 110 مليار دولار، ولم يخف هذه الحقيقة عندما قال في المؤتمر الصحافي نفسه “ان الغاء أمريكا للعقود الدفاعية مع السعودية سيفيد روسيا والصين”.

لا نعتقد ان أي ملك سعودي، سواء كان الأمير محمد بن سلمان، او عمه احمد بن عبد العزيز، الذي يتردد اسمه بقوة كمرشح للأسرة الحاكمة لخلافة أخيه الملك سلمان، سيجرؤ على تحدي الولايات المتحدة وإلغاء صفقات أسلحة معها، والذهاب الى الصين او روسيا، لان مثل هذه الخطوة ستعني زوالها، أي الاسرة الحاكمة، الم يقل الرئيس ترامب ويكرر أكثر من مرة ان حكام دول الخليج لن يبقوا أسبوعين في عروشهم بدون الحماية الامريكية؟ ويشدد على ان السعودية بالذات لن تصمد دقائق في مواجهة أي هجوم إيراني؟

الرئيس ترامب مصمم، وبتحريض من صهره كوشنر ونتنياهو على السير على النهج نفسه فيما يتعلق بالشراكة مع السعودية، وحماية الأمير بن سلمان، حتى لو أدى هذا الامر الى الصدام مع الكونغرس الأمريكي بشقيه الجمهوري والديمقراطي، وشدد على ذلك صراحة عندما قال “ان الكونغرس الأمريكي “حر” في الذهاب في اتجاه مختلف بشأن السعودية، ولكنه (أي ترامب) سيدرس فقط الأفكار التي تنسق مع الامن الأمريكي.

***

امريكا، وباختصار شديد، تقف على حافة مواجهة شرسة بين الكونغرس والرئيس ترامب، ربما يشتعل فتيلها في الأيام القليلة القادمة، خاصة في ظل التحالف القوي بين المشرعين والصحافة الامريكية بشقيها الورقي او المرئي، وخاصة صحيفتي “الواشنطن بوست” ومنافستها “النيويورك تايمز″.

من الصعب علينا اصدار احكام مسبقة حول طبيعة هذه المعركة والفائز فيها في نهاية المطاف، فما زالت الأمور في بداياتها، ولكن بالقياس الى معارك سابقة مماثلة لا نعتقد ان الرئيس الأمريكي قد يخرج رابحا، ولا نستغرب ان يكون مصيره مثل مصير سلفه ريتشارد نيكسون، فنحن امام “فضيحة” جديدة اسمها “خاشقجي غيت” باتت مثل كرة الثلج تكبر وتكبر مع مرور الوقت، وترفض الاختفاء من العناوين الإخبارية الرئيسية.

كثير من الزعماء فقدوا عروشهم بسبب أبنائهم او اصهارهم، خاصة في منطقتنا العربية، ولا نستبعد ان يكون الرئيس ترامب الذي تجمعه مع زعماء عرب الكثير من القواسم المشتركة، وأبرزها تقديم الصفقات على المباديء وقيم حقوق الانسان. فتش عن الصهر كوشنر.. والأيام بيننا.