ايران وتركيا خرجتا الرابح الأكبر من جريمة اغتيال الخاشقجي.. والاستراتيجية الامريكية في الشرق الأوسط منيت بنكسة يصعب تقليص خسائرها.. هل الهدنة في اليمن ودعوة امير قطر لحضور القمة الخليجية الشهر المقبل في الرياض بداية تغيير سعودي جذري؟ اليكم بعض الاجابات

عبد الباري عطوان

بمقاييس الربح والخسارة، يمكن القول وبعد مرور شهر ونصف الشهر على عملية اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي وتقطيع جسده واذابته بالأسيد في قنصلية بلاده في إسطنبول، ان الخصمين الإقليميين اللدودين للمملكة العربية السعودية، ايران وتركيا، خرجا الرابح الأكبر، وفي المقابل جاءت الاستراتيجية الامريكية في الشرق الأوسط التي تعتبر الأمير محمد بن سلمان الذي تتوجه اليه أصابع الاتهام بالوقوف خلف العملية الاجرامية هذه هي الخاسر الأكبر، ان لم تكن قد انهارت بالفعل.

كان لافتا ان ايران التي من المفترض ان تكون الهدف الأكبر لهذه الاستراتيجية الامريكية، التي يقوم جوهرها على فرض حصار تجويعي عليها مقدمة لثورة داخلية، او عدوان امريكي إسرائيلي عربي، تقودان لتغيير النظام فيها، التزمت الصمت المطبق منذ ان بدأت الازمة، ووقفت موقف المتفرج، وأبدت تعاطفا “ملغوما” مع السلطات السعودية، في انعكاس يصعب اخفاؤه للدهاء الإيراني في أوضح صوره، حتى ان هذا الصمت حظي بإعجاب بعض الكتاب السعوديين.

***

عملية اغتيال الخاشقجي، وتفاصيلها البشعة جاءت في وقت كانت تسعى فيه إدارة ترامب الى تشكيل تحالف عربي سني، تقوده السعودية، يضم دول الخليج الست الى جانب مصر والأردن، وقبل ثلاثة أيام فقط من بدء الحصار الخانق على ايران الامر الذي أدى الى اجهاض هذه الخطوة الاستراتيجية وهي في مهدها.

المملكة العربية السعودية باتت تعيش حالة من الضعف غير مسبوقة حاليا على المستويين الإقليمي والدولي، انعكس في موافقتها السريعة على القبول بهدنة لوقف الحرب في الحديدة ودعم الجهود الدولية لاعادة الحياة الى العملية السياسية للوصول الى تسوية للازمة اليمنية استجابة لضغوط أمريكية صريحة، ووفق شروط لا يمكن لها ان تقبل بها في الظروف العادية، وقبل عملية الاغتيال تحديدا.

والأخطر من انهاء الحرب في اليمن هو احتمال ان تضطر القيادة السعودية، وبضغوط أمريكية أيضا، الى انهاء المقاطعة لدولة قطر، خصمها الإقليمي الذي يتقدم على ايران في لائحة اعدائها، ولا نستبعد ان يكون تنازل سلطنة عمان المفاجيء عن حقها في استضافة قمة مجلس التعاون الخليجي المقررة الشهر المقبل لصالح الرياض، ربما جاء بترتيب مسبق لتهيئة الأجواء لمصالحة قطرية سعودية، لان الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، امير دول قطر، تلقى دعوة رسمية سعودية، واكد حضوره القمة، وتوارد انباء من مصادر خليجية عديدة عن احياء الكويت لوساطتها مجددا.

السعودية التي خرجت منهكة من ازماتها الرئيسية الحالية (اغتيال خاشقجي.. وحرب اليمن، ومقاطعة قطر، واحتواء نفوذ ايران) لن تكون في وضع يؤهلها لقيادة التحالف العربي السني، ومواجهة ايران وقصقصة نفوذها واذرعها السياسية والعسكرية في المنطقة، (سورية، العراق، فلسطين، ولبنان) في المستقبل المنظور على الأقل.

الإيرانيون في المقابل اداروا الهجمة الامريكية الإسرائيلية التي تستهدفهم سياسيا واقتصاديا حتى الآن بذكاء لافت، انعكس في إقامة تحالف استراتيجي مضاد للناتو العربي السني، يضم الصين وروسيا والهند وتركيا، علاوة على كوريا الشمالية، وبدرجة اقل أوروبا، وتوظيف العقوبات الامريكية لخلق جبهة داخلية موحدة تضم الجناحين المحافظ والليبرالي على أرضية الدفاع عن ايران الوطن، وليس ايران النظام فقط.

النفط الإيراني يتدفق بغزارة الى اسواقه الطبيعية في الصين والهند وتركيا واليابان وأوروبا، ومنظمة “أوبك” تخطط لتخفيض انتاجها بحوالي 500 الف برميل يوميا للحفاظ على الأسعار مرتفعة، الامر الذي يتعارض كليا مع كل مطالب ترامب في تخفيضها حفاظا على استمرار ازدهار اقتصاد بلاده والغرب عموما.

الازمة المسكوت عنها التي تواجهها المملكة العربية السعودية هي تلك المتعلقة بعلاقاتها “المتوترة” مع شريكها الأساسي في حرب اليمن، وجبهة المقاطعة لدولة قطر، والحرب ضد ايران، أي دولة الامارات العربية المتحدة، فقد اكدت لنا ثلاثة مصادر عربية تفاقم هذه الازمة في الأسابيع الاخيرة، حيث باتت الأخيرة تدرك انها تورطت في ازمتين باتا تهددان وحدتها الترابية الداخلية اولا، وسمعتها الدولية ثانيا، وتحملها أعباء مالية وعسكرية ضخمة ثالثا، وهي حرب اليمن واغتيال الخاشقجي، وعلى صعيد الأخيرة أعلنت الحكومة التركية “حرب تسريبات” مفاجئة ضد دولة الامارات عندما اتهمتها والنائب محمد دحلان، مستشار الشيخ محمد بن زايد، بالتورط في هذه الجريمة وارسال فريق من الخبراء تابع لها لإخفاء الأدلة ووصل فعلا الى إسطنبول قادما من بيروت مكلفا بهذه المهمة، ونشرت هذه التسريبات صحيفة “بني شفق” القريبة جدا من الرئيس رجب طيب اردوغان، وتخصصت في هذا الاطار، وثبت صحة معظم التسريبات التي نشرتها، او كلها في هذه الجريمة.

صحيفة “نيويورك تايمز″ التي توحدت وللمرة الأولى في تاريخها مع غريمتها “الواشنطن بوست” في العداء للسعودية، وتوجيه الاتهام للامير بن سلمان بإصدار الأوامر باغتيال الخاشقجي قالت في ختام تحليل لها قبل ثلاثة أيام انها، أي المملكة، باتت في نظر معظم الشعوب العربية انها اكثر خطورة من ايران بعد الاطلاع على التفاصيل البشعة لقتل خاشقجي، وباتت العديد من الصحف العربية خاصة في دول الاتحاد المغاربي تنشر دعوات ومقالات تطالب بمقاطعة موسم الحج، وزيارة الحرمين الشريفين.

***

لا نعتقد ان ازمة اغتيال الخاشقجي، وتبعاتها السياسية والإعلامية ستختفي من صدر نشرات الاخبار وعناوين الصحف الرئيسية، تقليدية كانت ام رقمية، كما اننا نجزم أيضا بأن شن حملات تطالب السياح السعوديين بمقاطعة تركيا، او تكثيف الهجمات على منتقدي المملكة وسياساتها، على وسائل التواصل الاجتماعي هو الرد الانجع، لان الحل هو في نظرنا يمثل في حتمية اجراء مراجعة على اعلى المستويات لكل السياسات التي أوصلت المملكة الى هذا الوضع غير المريح الذي تعيشه حاليا، ابتداء من “جريمة القرن”، أي مقتل خاشقجي، وطريقة التعامل المرتبكة مع تداعياتها، او خوض الحرب في اليمن، او تبني “صفقة القرن” لتصفية القضية الفلسطينية، واستدعاء سعد الحريري بطريقة مهينة، وزيادة وتيرة التطبيع السري مع إسرائيل، واستعداء الشارعين العربي والفلسطيني معا، ولا نشك مطلقا بأن هناك عقلاء وحكماء، وخبرات سعودية وطنية عالية المستوى، سواء داخل الاسرة الحاكمة او خارجها، يمكن ان تشارك في هذه المراجعات المطلوبة بطرق علمية فاعلة اذا ما تقرر الاستعانة بها.. فتهميش هذه العقول هو أحد الأسباب الرئيسية لتفاقم الازمات وتضخمها، ووصول البلاد الى الوضع الحالي.. والله اعلم.