المقاومة انتصرت في الجولة الاخيرة من الحرب في قطاع غزة.. ونتنياهو ما كان يقبل بوقف إطلاق النار لو كان يعلم ان الاستمرار في صالحه.. ما هي المعادلات الجديدة التي رسختها هذه الحرب؟ وماذا يعني إطلاق 400 صاروخ في يوم واحد فقط؟ ولماذا استهداف قناة الأقصى هذه المرة؟

عبد الباري عطوان

من حق الشعب الفلسطيني بشكل عام، وأبناء قطاع غزة بشكل خاص، ان يحتفلوا بالنصر، وان يكبرّوا في المساجد، فلولا صمودهم ومقاومتهم البطولية لما قبل رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو المتغطرس بوقف اطلاق النار، ولاستمر في القصف من البحر والبر والجو.

الإسرائيليون لا يفهمون الا لغة القوة، واكثر من يجيد هذه اللغة هم رجال المقاومة، سواء في قطاع غزة، او في الضفة الغربية، وكل المؤشرات تؤكد انها عادلة، وستطرد كل اللغات الإستسلامية الأخرى، مثل العملة الجيدة التي تطرد العملات الفاسدة الأخرى.

نتنياهو ادرك ان استهداف القطاع لم يعد يمر دون رد “مزلزل” ودون خسائر ضخمة في صفوف قواته ومستوطنيه، ارسل وحدة النخبة في قواته الخاصة للتسلل الى القطاع لقتل او خطف قيادات المقاومة، مثلما كان عليه الحال في الماضي، فوقعوا في مصيدة لم يعرفوا كيف يخرجون منها، ولولا القصف الجوي الكثيف، وتدخل الطائرات العمودية لإنقاذ هذه الوحدة الإرهابية لتم القضاء عليهم جميعا، وليس على قائدهم فقط، وهذا حق مشروع، وواجب وطني.

الحرب الاخيرة في قطاع غزة جاءت قصيرة هذه المرة لان نتنياهو، ومجلس وزرائه المصغر، ادرك انه سيتكبد خسار كبرى غير مسبوقة ماديا وبشريا، وسيخسر موقعه في الانتخابات البرلمانية المقبلة، وسيصيب اصداءه اصدقاؤه المطبعين من العرب بالحرج، فقرر تقليص الخسائر واللجوء الى مصر سعبا لطوق النجاة ، وهكذا كان، ولكن الى حين.

المعادلة الجديدة لرجال المقاومة كرست مفهوما جديدا في الحرب، وهي العمارة مقابل العمارة، والنار مقابل النار، وغلاف غزة الاستيطاني بات ومستوطنيه رهينة لصواريخ المقاومة التب باتت أكثر دقة واكثر مفعولا.

اربعمائة صاروخ جرى اطلاقها في يوم واحد فقط، أوقعت إصابات قياسية في أوساط الإسرائيليين، وأطلقت صفارات الإنذار وفتحت الملاجيء لمئات الآلاف من المذعورين والهلعين.. من كان يتصور حدوث هذا التطور في الطرف الآخر المتغطرس، وبهذه السرعة؟ انه محور المقاومة الذي سيكنس كل المحاور الاستسلامية الاخرى باذن الله.

الصواريخ التي تطلقها المقاومة من قطاع غزة لم تعد عبثية يا فخامة الرئيس عباس، وليست “مواسير” مضحكة، وانما أصبحت سلاحا يهدد تل ابيب ونهاريا واسدود والمجدل وصفد، وكل المدن التي استولى عليها الإسرائيليون وشردوا أهلها، والعقول الجبارة التي تصنّعها تحت الأرض لا تستحق الحصار وقطع الكهرباء ووقف الرواتب.

المقاومة انتصرت في هذه الجولة لأنها تؤمن بأن النصر قادم وحتمي، مثلما تؤمن بأن وراءها شعب مجاهد مستعد للصمود والتضحية، بل لا يعرف غيرهما في هذا الزمن العربي الرديء.

عندما تعود قناة الاقصى للبث بعد عشر دقائق من قصفها وتدميرها، فهذا يعني ان هناك من يستعد لكل الاحتمالات ويملك الخطط البديلة، والنظرة المستقبلية الواعية والدقيقة، وان هذه القناة المُقاوِمة (بكسر الواو) توجع الإسرائيليين، وتشكل فيلقا ضاربا يقض مضاجعهم.

مبروك لاهلنا في كل فلسطين، وليس في قطاع غزة فقط، هذا الانتصار الكبير المشرف، والنتائج السريعة التي حققها، والمعادلات العسكرية الجديدة التي رسخها رغم الحصار التجويعي، وظلم ذوي القربى.. والأيام بيننا.