لماذا تشيد روسيا بسيف الإسلام القذافي وتتحدث عن شعبيته فجأة؟ هل هناك “طبخة ما” للحكم في ليبيا تجمع بينه والجنرال حفتر؟ ولماذا جرى استبعاد قطر وتركيا وممثلي فصائل طرابلس من اللقاء الأهم وغير الرسمي الذي انعقد على هامش باليرمو؟ وما دور الرئيس السيسي فيه؟

عبد الباري عطوان

عادت “المسألة” الليبية لتتصدر العناوين الرئيسية مجددا، ويجسد مؤتمر باليرمو الذي دعت الى عقده الحكومة الإيطالية بالتنسيق مع الأمم المتحدة أحدث المحاولات لإيجاد صيغة سياسية تنقذ البلاد من حالة الفوضى الدموية التي تعيشها وتزعزع استقرارها.

ثلاثة تطورات رئيسية يمكن التوقف عندها من خلال قراءتنا الأولية لما يجري داخل كواليس مؤتمر باليرمو المذكور:

ـ الأول: تأكيد ليف دينغوف، رئيس مجموعة الاتصال الروسية لتسوية الازمة الليبية، الذي يرافق رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف في المؤتمر “ان حكومته تجري اتصالات مع سيف الإسلام القذافي الذي يتمتع بوزن سياسي كبير ودعم شعبي في البلاد لذلك سيكون ضمن الأطراف المشاركة في العملية السياسية.

ـ الثاني: عقد اجتماع “غير رسمي” صباح اليوم في باليرمو شارك فيه الجنرال خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي الذي قاطع مؤتمر باليرمو لرفضه الجلوس الى جانب وفود تمثل الإسلاميين الذين يسيطرون على العاصمة طرابلس، مثلما شارك فيه الباجي قايد السبسي، ورئيس الوزراء الجزائري احمد اويحيى، ونظيره الروسي ميدفيديف، ووزير الخارجية الفرنسي جان ايف لورديان، الى جانب فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق، والدكتور غسان سلامة، المبعوث الدولي، وترأس الاجتماع جوسيبي كونتي، رئيس وزراء إيطاليا، ورئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك.

ـ الثالث: تغييب كل من قطر وتركيا وممثلي الجماعات الإسلامية ذات الثقل العسكري الكبير في غرب ليبيا، مما يعني تهميشها وشطب أي دور لها في أي عملية سياسية مستقبلية في البلد، وهو تهميش خطير، قد يؤدي الى صدامات عسكرية لاحقا، وربما عرقلة الانتخابات التي جرى التوافق على اجرائها في الربيع المقبل بصورة او بأخرى.

***

التفاهمات التي جرى التوصل اليها في الاجتماع غير الرسمي الذي انعقد صباح اليوم في باليرمو وجرى استبعاد ممثلي اسلاميي طرابلس عنه وداعميهم في قطر وتركيا، ربما تشكل خريطة طريق للتسوية السياسية المرجحة، لان المشاركين يمثلون دول عظمى الى جانب دول الجوار الرئيسية لليبيا، أي مصر وتونس والجزائر، الى جانب الجنرال حفتر المدعوم عربيا من مصر والامارات، ودوليا من روسيا وفرنسا وإيطاليا.

السؤال هو عن الملامح الرئيسية لهذه التفاهمات واحتمال فرص نجاحها؟ وهل سيتم فرض خريطة الطريق هذه بالقوة على الغرب الليبي والميليشيات العسكرية التي تسيطر عليها، وهناك سؤال اهم وهو عن الدور الذي تطبخه روسيا، وربما بعض الدول الأوروبية الأخرى لسيف الإسلام القذافي في المرحلة المقبلة؟

عودة الروس الى ليبيا تطور على وجه كبير من الأهمية، ليس لان روسيا دولة عظمى، وانما أيضا لان رئيسها فلاديمير بوتين لا يمكن ان ينسى الخديعة الكبرى التي مني بها من الامريكان وحلفائهم الفرنسيين والبريطانيين، وتمثلت في استصدار قرار عن مجلس الامن الدولي بإعطاء الضوء الأخضر لتدخل حلف الناتو لإسقاط نظام معمر القذافي بذريعة حماية المدنيين.

الرئيس بوتين يتحرك بطريقة ذكية جدا في الملف الليبي، ويتطلع للثأر من الأمريكيين والأوروبيين الذين اهانوه وبلاده، واطاحوا بنظام كان حليفا قويا لروسيا، وكان قراره بمنحها امتيازات تجارية ونفطية بعشرات المليارات من الدولارات، أحد أبرز أسباب هذه الإطاحة.

***

هل سيكون العنوان الأبرز للطبخة الروسية، المدعومة أوروبيا، إيجاد صيغة حكم تجمع بين المشير حفتر وسيف الإسلام القذافي؟

لا نملك الإجابة على هذا السؤال المهم، ولكن ما نعرفه ان أوروبا التي انعكست عليها الازمة الليبية سلبا، وخاصة بتدفق مئات الآلاف من المهاجرين واطنان من المخدرات، تريد حكومة قوية يلعب المشير حفتر دورا رئيسيا فيها، باعتباره الرجل القوي الذي تصدى للجماعات الإسلامية المتشددة في شرق ليبيا، مثلما اكد لنا مصدر روسي قريب من الوفد المشارك في مؤتمر باليرمو.

في مدينة باليرمو مؤتمران، الأول رسمي علني ويشكل واجهة غير فاعلة، والمشاركون فيه “شهود زور” ومصيره الفشل حتما مثل نظيره الذي انعقد في فرنسا في أيار (مايو) الماضي، اما الثاني غير الرسمي الذي استبعد الإسلاميين المتشددين، وضم دول الجوار الليبي وممثلهم المشير حفتر، فهو المؤتمر الحقيقي وقراراته الأكثر فاعلية لأنها ستأتي بتوافق الأطراف الرئيسية عربيا ودوليا.

هل هذا يعني ان حل الازمة الليبية بات وشيكا؟ هناك صعوبات كبيرة في الطريق.. ومن الصعب الإغراق في التفاؤل.. والله اعلم.