لماذا عاد الأمير احمد بن عبد العزيز فجأة الى الرياض؟ وما هو المنصب “المرجح” ان يتولاه: العرش ام ولاية العهد؟ وهل التقى الملك سلمان بعد عودته؟ وكيف تنظر إدارة ترامب اليه.. وهل هو محل ثقتها؟

عبد الباري عطوان

أثارت زيارة الأمير احمد بن عبد العزيز، وزير الداخلية السعودية الأسبق، واصغر أبناء الملك عبد العزيز السديري السبعة، الى بريطانيا الكثير من علامات الاستفهام، خاصة عندما واجه مجموعة من المحتجين امام منزله بقوله “لا تلوموا العائلة الحاكمة بل المتسببن بالحرب في اليمن”، ولكن عودته الى الرياض ووجود الامير محمد بن سلمان، ولي العهد، على رأس مستقبليه، اثارت علامات استفهام اكبر، فتحت باب التكهنات حول “مفاجآت” العرش السعودي المستقبلية على مصرعيه.

مغادرة الأمير احمد للمملكة تمت قبل جريمة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، ومن غير المعتقد انه كان من الممكن ان يعود الى الرياض، ويحظى بهذا الاستقبال الحافل لولا حدوثها، واعتراف القيادة الحالية في السعودية بارتكابها، وتكليف “فريق الموت” المكون من 18 رجل امن، الى جانب طبيب تشريح شرعي بتنفيذها في القنصلية السعودية في إسطنبول.

الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للمملكة حاليا، بسبب مرض والده، لم يتسامح مطلقا مع معارضيه، او الذين لم يبايعوه، وليا للعهد، سواء كانوا من الاسرة الحاكمة او من عامة الشعب، وهناك 1500 منهم ما زالوا خلف القضبان باعترافه، بينهم امراء، ولهذا كان لافتا استقباله لأبرز هؤلاء المعارضين، أي عمه الأمير احمد الذي لم يبايعه مطلقا، ولم يعلق صورته الى جانب صورتي والده الملك، وجده المؤسس، في مجلسه الذي يستقبل فيه ضيوفه في الرياض.

***

مصدر سعودي موثوق يقيم في لندن اكد لنا ان الأمير احمد بن عبد العزيز، المتزوج من ابنة عمه وشقيقة الأمير محمد بن نواف بن عبد العزيز آل سعود، السفير السعودي في لندن، اكد لنا انه كان يريد الإقامة لفترة طويلة في العاصمة البريطانية، وعودته المفاجئة وبعد ثلاثة أسابيع من اغتيال الخاشقجي، لا يمكن ان تتم لولا حدوث “ترتيبات ما” بريطانية وامريكية بشأن إعادة هيكلية الحكم في الرياض من خلال “انقلاب ابيض”.

من الصعب علينا التكهن بالصيغة التي يمكن ان تتبلور من خلال الاتصالات التي اجراها الأمير احمد في لندن مع مسؤولين امريكان وبريطانيين، ثم بعد عودته الى الرياض، خاصة لقاءاته مع الأمير طلال بن عبد العزيز الذي كان يشغل منصب نائب رئيس هيئة البيعة، او مع الأمير مقرن بن عبد العزيز، ولي العهد الأسبق، الذي عزله الملك سلمان فور توليه العرش رغم وصية الملك الراحل عبد الله بأن يظل في منصبه ويتولى العرش اذا شغر هذا المنصب لاي سبب ما.

تغيير اولياء العهد في المملكة لم تعد عملية صعبة منذ ان تولى الملك سلمان العرش أوائل عام 2015، فقد غيّر اثنين في اقل من اشهر معدودة، هما شقيقاه الأمير مقرن ثم الأمير محمد بن نايف، ورفّع نجله الأمير محمد الى منصب ولي للعهد، ومن غير المستبعد ان نشهد حركة في هذا المضمار في الأسابيع المقبلة، حسب الكثير من التسريبات والتقارير الإخبارية.

هناك عدة أسئلة لا بد من التوقف عندها في هذا المضمار:

ـ الأول: في حال وجود توجه بإعطاء منصب قيادي للامير احمد بن عبد العزيز ما هو هذا المنصب، هل سيتولى العرش، ام ولاية العهد؟ واذا كان الأول، من سيكون ولي عهده؟

الثاني: هل التقى الأمير احمد بعد عودته بالملك سلمان، ام لم يلتقيه؟ هناك روايتان الأولى تقول انه التقاه فعلا، وأخرى تنفي ذلك.

ـ الثالث: ما هو موقف إدارة الرئيس ترامب من الأمير احمد بن عبد العزيز؟ هل تقبل به ملكا او وليا للعهد؟

ـ الرابع: ما هو المنصب الذي سيتولاه الأمير خالد بن سلمان، سفير السعودية الحالي في واشنطن، الذي كان مرشحا لتولي وزارة الخارجية بدلا من السيد عادل الجبير حتى فترة قريبة؟ هل سيكون وليا للعهد في حال اعفاء الملك سلمان وتولي شقيقه الأمير محمد الحكم رسميا في ضربة استباقية؟

***

هناك مسألة مهمة لا بد من التوقف عندها وربما لا يعرفها الكثيرون، وهي ان الأمير احمد بن عبد العزيز لم يزر واشنطن مطلقا طوال فترة توليه مناصب في الدولة، سواء كنائب لوزير الداخلية في زمن شقيقه الأمير نايف، او عندما خلفه في هذا المنصب، واكد لي صديق سعودي زاره في مكتبه بوزارة الداخلية عدة مرات، انه لم يستقبل مطلقا أي مسؤول امريكي، وكان يقوم بهذه المهمة الأمير محمد بن نايف، المسؤول عن الملفات الأمنية، والذي كان على خلاف كبير معه لانه تجاوزه في عدة ملفات، وكان ينسق فيها مع الملك الراحل عبد الله وديوانه.

الاسرة الحاكمة في السعودية تميل دائما الى التكتم في معالجة شؤونها الداخلية، ولذلك كل ما يمكن ذكره في هذه القضايا الحساسة يظل في أطار التكهنات والتسريبات، والتحليلات، ولهذا تأتي معظم القرارات بشكل مفاجيء، ودون أي تمهيد.

ختاما نقول ان كل ما يهم الولايات المتحدة الامريكية وإدارة ترامب على وجه الخصوص، التي تعتبر علاقاتها مع السعودية استراتيجية، هو استمرار صفقات الأسلحة، والا نعتقد ان هناك خلافا بين امراء الاسرة الحاكمة، سواء كانوا في قمة السلطة او خارجها، على هذه المسألة، قلناها ونكررها بأن أمريكا تقدم الصفقات على المبادئ، وتستخدم سلاح تثوير الأقليات وتقسيم الدول في وجه من يعارضها.

تداعيات اغتيال خاشقجي ستظل حافلة بالمفاجآت والتغييرات على مستوى القمة تحديدا.. وما زلنا في اول الطريق.. والقادم اعظم.. والله اعلم.