لماذا جرى استبعاد سورية وايران والعرب عموما من قمة إسطنبول الرباعية؟ وماذا يعني رفض دمشق للجنة الدستورية المقترحة وما هي مخاوفها؟ وهل قصف تركيا لقوات سورية الديمقراطية الكردية شرق الفرات يعني “تجميد” الوضع الراهن في ادلب؟

عبد الباري عطوان

لا نعرف كيف ستؤدي قمة إسطنبول الرباعية التي انعقدت يوم السبت الماضي بمشاركة زعماء روسيا وفرنسا وبريطانيا وتركيا بتحقيق حل سياسي للازمة السورية، وتخفيف الاحتقان المتزايد، وتهيئة المناخ الملائم لعودة اللاجئين، وتشكيل لجنة لوضع الدستور قبل نهاية العام، دون مشاركة طرفين أساسيين، وهما سورية الدولة المعنية أولا، وايران، الشريك الرئيسي في منظومة آستانة التي لعبت دورا كبيرا في تهيئة الأرضية لتحقيق الإنجازات العسكرية الحالية على الأرض، الى جانب استبعاد عرب منظومة المجموعة الدولية المصغرة التي تضم سبع دول من بينها ثلاث دول عربية، هل مصر والأردن والسعودية.

صحيح ان البيان الختامي اكد على وحدة الأراضي السورية، ودعم الحل السياسي، والتأكيد على حتمية القضاء على كافة التنظيمات والجماعات الإرهابية مثل “الدولة الإسلامية” (داعش) و”هيئة تحرير الشام” (النصرة)، ورفض الاجندات الانفصالية، ولكن كل هذا الطرح، يتضمن تناقضا رئيسيا يتمثل في النص على وقف اطلاق نار دائم في ادلب، دون تقديم أي توضيحات؟

***

فالتنظيمان المذكوران رفضا القاء السلاح، والالتزام بالاتفاق الروسي التركي بإقامة منطقة عازلة بعمق 20 كيلومترا، وتسليم المعدات الثقيلة، فهل هذا يعني إبقاء الوضع على حاله في المدينة التي تضم أربعة ملايين مواطن، واكثر من مئة الف مسلح؟ ام ان هذه الفقرة في البيان الختامي تعني ضوءا اخضر لتصفيتها؟ ومن سيقوم بهذه المهمة ومتى؟

النقطة الأخرى تتعلق بتشكيل اللجنة الدستورية قبل نهاية هذا العام التي سيكون من ابرز مهامها وضع دستور سوري جديد، يكون الأرضية للإصلاحات الدستورية، واجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية عام 2022 كحد اقصى.

ربما هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يتم فيها وضع دستور لدولة ذات سيادة ومنتصر جيشها على الأرض مثل سورية، ولهذا لم نفاجأ عندما اعلن المبعوث الدولي المستقيل ستيفان دي ميستورا ان السيد وليد المعلم، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية السوري، رفض تشكيل هذه اللجنة من الأساس، وقال بعد زيارة خاطفة لدمشق، أي المبعوث دي ميستورا، ان السيد المعلم اكد له ان مسألة تشكيل اللجنة الدستورية امر سيادي لبلاده، ورفض في القوت نفسه أي دور للأمم المتحدة في تشكيل، او تحديد، أسماء أعضاء القائمة الثالثة في اللجنة الدستورية المذكورة.

ديمتري بيسكوف الناطق باسم الكرملين، قال ان موسكو ستطلع دمشق على نتائج القمة الرباعية في إسطنبول، دون ان يوضح كيف سيتم ذلك، هل من خلال ارسال مبعوث روسي الى العاصمة السورية، ربما يكون وزير الخارجية سيرغي لافروف، ام من خلال دعوة السيد المعلم شيخ الدبلوماسية السورية الى العاصمة الروسية؟

رفض الحكومة السورية، وريبتها تجاه اللجنة الدستورية هذه امران مبرران، خاصة ان مسودة الدستور التي وزعها وفد روسي قبل اكثر من عام على الوفود المشاركة في احدى جلسات مؤتمر آستانة تحدثت عن تقسيم سورية الى ولايات فيدرالية على أسس طائفية وعرقية، وتهميش دور السلطة المركزية، وإعطاء صلاحيات مطلقة للبرلمانات الإقليمية، وتقليص القدرات العسكرية لهذه السلطة.

قصف الطائرات التركية لمواقع قوات سورية الديمقراطية ذات الغالبية الكردية شرق الفرات قبل يومين، في تزامن مع تحرك مفاجيء لقوات “الدولة الإسلامية” “داعش” نجح في استعادة الكثير من المناطق التي سيطرت عليها هذه القوات، يوحي بوجود “تفاهمات” سرية بين روسيا وتركيا، لا نعلم ما اذا كانت السلطات السورية في دمشق على اطلاع على تفاصيلها، لان إعطاء الأولوية لشرق الفرات مجددا، يعني بقاء اتفاق اطلاق النار في ادلب على حاله، وتحويله الى اتفاق شبه دائم، او هكذا يعتقد الكثير من المراقبين.

***

شرق الفرات، حيث توجد احتياطات النفط والغاز، ارض سورية، يجب ان تعود الى سيادة الدولة مثل باقي المدن والمناطق الأخرى، مضافا الى ذلك ان عوائد هذه الثروات تظل اساسية لتمويل عملية الاعمار، او جزء رئيسي منها على الأقل، وتخفيف الأعباء المالية عن الحكومة والشعب السوري معا، في ظل الاحجام الأمريكي والحلفاء العرب المؤتمرين بأمره، الا وفق شروط تعجيزية.

قمة رباعية لا تشارك فيها الحكومة السورية المعترف بها دوليا، لا يمكن ان تحقق أي نجاح على صعيد إعادة الامن والاستقرار الى سورية وشعبها، ولجنة دستورية لا تتشكل بموافقة هذه الحكومة من الصعب ان تحقق الإصلاحات المطلوبة، او هكذا نعتقد، ولا نملك الا انتظار موقف القيادة السورية تجاهها، وما يمكن ان يحمله المبعوث الروسي الى دمشق من توضيحات.. وليس امامنا في الوقت الراهن أي خيار آخر.