الأردنيون يتدفقون الى دمشق بالآلاف.. لماذا يتساءلون: من كان تحت الحصار دمشق ام عمان؟ وكيف كانت إسرائيل ابرز الخاسرين سياسيا واقتصاديا من فتح معبر “نصيب” الحدودي؟ ولماذا لم يعامل الأردن السوريين بالمثل؟

عبد الباري عطوان

كنا دائما نطالب في هذه الصحيفة بفك الحصار العربي عن سورية، وفتح الحدود على مصرعيها معها، لان الشعب السوري قدم للامة العربية الكثير الكثير، وخاض جيشه العربي كل حروبها، ورحب بكل اللاجئين العرب اليه دون تمنن، وعاملها معاملة المواطن السوري في التعليم والطبابة والوظائف، وما زال.

ندرك جيدا ان هناك أصوات في سورية تشعر بالمرارة تجاه العرب والعروبة الذين خذلوا بلادهم، وشارك بعضهم في المؤامرة ضدها، وهي مرارة مبررة ومفهومة، ولكن ما يطمئن ان الحكومة السورية ما زالت تتمسك بالمواقف العربية القومية نفسها وتتسامى مع كل الجراح، وتقدم النموذج في كظم الغيظ، والتمسك بالقيم والأخلاق العربية الاصيلة.

تظل سورية كبيرة، والحاضنة لكل الطموحات الوطنية الشريفة لامتنا، مثلما يظل الشعب السوري الذي افشل المؤامرة، وحافظ على وحدته الوطنية والترابية “المتفضل” على هذه الامة بكرمه واخلاقه العربية الاصيلة.

***

السلطات السورية لم تغير مطلقا من إجراءات دخول المواطنين الأردنيين الى أراضيها رغم تحفظاتها الكبيرة على مواقف الأردن اثناء الازمة، وبات المواطن الأردني يعبر الحدود دون أي قيود او تأشيرة دخول، رغم ان الجانب الآخر، أي الأردني، ما زال يضع قيودا على دخول السوريين تحت عنوان الاحتياطات الأمنية.

الأردن ولبنان المستفيد الأكبر من فتح الحدود الأردنية السورية، اما إسرائيل فهي ابرز الخاسرين في الجهة الأخرى، فهذه الخطوة ستدر على الخزينة الأردنية حوالي 400 مليون دولار سنويا، وستخلق آلاف الوظائف للسائقين الأردنيين وشاحناتهم، والاهم من ذلك ان الأردنيين سيوفرون عشرات الملايين من الدولارات سواء بسبب الخدمات السياحية السورية الجيدة والرخيصة، بالمقارنة مع الوجهات السياحية الأردنية الأخرى مثل تركيا ومصر ولبنان، ومن ثم انخفاض أسعار المواد الغذائية واللحوم السورية، وما بات يطلق عليه حاليا بسياحة “التبضع″.

خمس آلاف شاحنة اردنية باتت جاهزة للعمل، ومن المتوقع ان تعود حركة المعبر الى صورتها الطبيعية، أي ان تتجه هذه الشاحنات الى لبنان، لنقل بضائع وصادرات لبنانية الى دول الخليج، وتجارة الترانزيت هذه ستعود بالملايين حتما الى الخزينة السورية كعوائد للرسوم الجمركية.

لم نبالغ اذا قلنا ان إسرائيل التي كانت من ابرز المعارضين لعودة فتح المعبر المذكور، ودعمت بعض الفصائل التي كانت تسيطر عليه حتى اللحظة الأخيرة، تلقت لطمة قوية، سياسيا واقتصاديا، سياسيا لانها لا تريد التعافي لسورية، وتعارض أي رفع للحصار عنها، واقتصاديا لان اغلاق المعبر أدى الى مرور الكثير من البضائع التركية والغربية الى الأردن، وربما دول الخليج، عبر ميناء حيفا، وفتح الحدود السورية الأردنية وعودتها الى وضعها الطبيعي سيحرم هذا الميناء من دخل يومي كبير، لان مرور البضائع عبر سورية اقل كلفة، ولان مرور معظم التجار يعارضون أي صورة للتطبيع الاقتصادي مع دولة الاحتلال، مثلما قال لي احد التجار الأردنيين.

***

تعيش المحافظات الأردنية الشمالية، وخاصة الرمثة واربد حالة احتفالية غير مسبوقة بسبب إعادة فتح معبر نصيب الحدودي مع سورية، فقد تبادل المواطنون التهاني، واطلقوا النار في الهواء تعبيرا عن هذه الخطوة التي تعني الانسجام مع مشاعرهم القومية والسياسية القوية تجاه الجار السوري أولا، وانتعاش حتمي للأوضاع الاقتصادية بعد سبع سنوات عجاف من القطيعة.

الأردنيون بدأوا يتدفقون بالآلاف بسياراتهم الى سورية يوميا، ويعودون مبهورين بحالة الازدهار والاستقرار الأمني التي تتمتع به العاصمة السورية، والانخفاض الكبير في الأسعار، حتى ان احد المواطنين الأردنيين قال “والله بعد زيارتي لدمشق ومعايشتي لأهلها، وتفقدي لمحلاتها التجارية، وازدحام المطاعم وتقديمها لخدماتها حتى الثالثة صباحا، وانخفاض أسعار السلع لأقل من النصف بالمقارنة مع نظيراتها الأردنية، بت اسأل من هي العاصمة المحاصرة دمشق ام عمان؟”.

سورية تتعاقى بسرعة، وستكون في القاطرة الرئيسية في تعافي امتنا، والتصدي للكثير من المؤامرات الأخرى التي تستهدفها، فهذا قدرها، ولا نعتقد انها ستتهرب منه.. والأيام بيننا.