ثلاث جبهات رئيسية تتوحد لإبقاء جريمة اغتيال الخاشقجي حية تستعصي على الموت.. وماذا يعني تصاعد الأصوات الامريكية النافذة للإطاحة بالأمير محمد بن سلمان باعتباره المسؤول الاول.. وهل تتقدم قيم حقوق الانسان على الصفقات؟ وما هي أوجه الشبه بين اغتيال الخاشقجي وانور السادات من حيث النتائج؟

عبد الباري عطوان

هناك ثلاث جهات رئيسية تقف حاليا في وجه مخططات الرئيس الامريكي دونالد ترامب “لفلفة” جريمة مقتل الكاتب جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في اسطنبول، ومحاولة تبرئة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي في المملكة العربية السعودية، من اي لوم، ونميل الى الاعتقاد بان الكلمة النهائية قد تكون لها.

ـ  الاولى: تحرك عناصر بارزة في المؤسسة التشريعية الامريكية “الكونغرس″ بشكل مكثف للإطاحة بالأمير بن سلمان وتحميله مسؤولية الوقوف خلف هذه الجريمة، وابرز هؤلاء السيناتوران الجمهوريان ماركو روبيو المرشح الامريكي السابق للرئاسة، وليندسي غراهام، علاوة على 22 مشرعا ً طالبوا بتفعيل مادة فرض العقوبات في الدستور الامريكي على الدول الاجنبية التي تنتهك حقوق الانسان .

ـ  الثانية: السلطات التركية التي تريد الابقاء على الزخم الاعلامي الحالي حول قضبة خاشقجي من خلال استمرار التسريبات التي تؤكد مقتله وتقطيع جثمانه بالتقسيط المريح، وذكر ادق التفاصيل على طريقة المسلسلات الدرامية التركية .

ـ الثالثة: الاعلام الامريكي الذي شكل جبهة موحدة لمعارضة نهج ادارة ترامب، والاصرار على كشف المتورطين في الجريمة ومحاسبتهم، وعلى رأسهم الامير محمد بن سلمان.

***

كان لافتا الهجوم الشرس الذي ورد على لسان السناتور غراهام ضد الامير بن سلمان، وتضمن وصفه بالرجل المدمر، واتهامه بشكل صريح بأنه اعطى الاوامر باغتيال خاشقجي في مقابلة مع محطة “فوكس نيوز″  المؤيدة للرئيس ترامب والمفضلة من قبله، مؤكداً اي السيناتور غراهام، ان السلطة السعودية تتعامل مع “القيم” الامريكية بازدراء، ولا بد لهذا الرجل “بن سلمان” ان يرحل لأنه شخصية مؤذية لا يمكن ان يكون قائدا ًعالميا ً على الساحة الدولية.

اما زميله السناتور ماركو روبيو الذي كاد ان يهزم الرئيس ترامب في انتخابات الحزب الجمهوري للفوز بالترشيح، فكان اكثر شراسة في تعاطيه مع الاثنين، اي بن سلمان وصديقه ترامب معا ً، عندما رفض تقديم صفقات الاسلحة على مبادئ حقوق الانسان، وقال “لا يوجد مبلغ في العالم يمكن ان يشتري مصداقيتنا حول حقوق الانسان” وطريقة تعامل الدول معنا”.

هاذان النائبان يمثلان الدولة الامريكية العميقة، او الجناح المعارض لإدارة الرئيس ترامب للازمة من خلال ابتزاز السلطات السعودية واستغلال حالة الضعف التي تعيشها حاليا للحصول على اكبر قدر من الأموال، سواء على شكل استثمارات، او صفقات أسلحة، ويجدان دعماً متزايدا ًمن قبل زملائهما في مجلسي الشيوخ والنواب .

تأتي التقارير البشعة حول كيفية اعدام الضحية خاشقجي التي تسربها المؤسسة الأمنية التركية على مراحل، مثل القول بانه جرى تقطيع اصابعه اثناء التحقيق معه قبل قطع رأسه داخل القنصلية بهدف تعبئة وتحشيد الرأي العام العالمي ضد السلطات السعودية والامير محمد بن سلمان تحديدا ً، والتحريض على اطاحته من السلطة، وابقاء القضية حية في وسائط الاعلام بشقيها التقليدي او الرقمي، وللإيحاء بان الرئيس رجب طيب اردوغان لا يبحث عن صفقة مالية مقابل “لفلفة” القضية وابعادها عن الجهة الحقيقية التي تقف خلفها، واوعز بها عبر البحث عن “كبش فداء”.

وربما يفيد التذكير بان صحيفة “الواشنطن بوست” التي ضمت الخاشقجي الى صفوف كتاب الراي فيها، وباتت تتبنى قضيته، وتحتضن اسرته، هي التي كشفت فضيحة ووترغيت، واطاحت بالرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون، ولا نعتقد انها ستقف في منتصف الطريق، وخاصة انها تنسق مع السلطات التركية، وتنشر التسريبات حول الجريمة اولا ً بأول، ولا نستبعد انها تتطلع الى رأس الامير محمد بن سلمان في نهاية المطاف .

محاولات “تمييع″ القضية، سواء من خلال تشكيل لجنة سعودية للتحقيق في الجريمة، وتحديد الاشخاص المتورطين ومحاكمتهم تحت ذريعة انهم أقدموا على الجريمة دون علم القيادة، او شراء ذمة الرئيس ترامب واشباع جشعه للحصول على المال والصفقات، تبدو فرص نجاحها محدودة للغاية، في ظل تصاعد الجهات النافذة الرافضة لها، فكيف يمكن ان يقوم المتهم الرئيسي بتنفيذ جريمة الاغتيال بالتحقيق فيها؟ والاخطر من ذلك ان تؤخذ تحقيقاته على محمل الجد؟

***

هذه الجريمة لن تختفي من دائرة الاهتمام الدولي، والجمعية العامة للأمم المتحدة تملك الشرعية بمقتضى ميثاق من المنظمة الدولية، في تشكيل فريق تحقيق ومحكمة خاصة للنظر في جريمة الاغتيال هذه، وتقول الجمعية العامة، لتجاوز احتمالات استخدام “الفيتو” في مجلس الامن الدولي من قبل ادارة الرئيس ترامب او غيرها .

 عملية البحث عن ولي عهد جديد في بعض الاوساط السعودية بدأت بالفعل، وبدأت تجد تشجيعا ً من بعض الحكومات الغربية في بريطانيا وفرنسا والمانيا، لضرب اكثر من عصفور بحجر، وايجاد مخارج للأزمات المعقدة في المنطقة، وابرزها حرب اليمن، فربما تطوى عملية التغيير هذه اذا ما تمت الى انهاء هذه الحرب، مثلما كانت جريمة اغتيال الرئيس الراحل انور السادات البوابة التي استعادت عبرها مصر عضويتها في الجامعة العربية، وانهاء المقاطعة العربية لها .

صحيفة “التايمز″ البريطانية بدأت ترشيح الاسماء في “بورصة الخلافة” وتحدثت عن الامير خالد بن سلمان، سفير السعودية في أمريكا كبديل لشقيقه، وأوساط امريكية تقترح عودة الامير محمد بن نايف، وما زال هناك جهات ترشح الامير احمد بن عبد العزيز، ثاني اصغر ابناء الملك المؤسس والمقيم حاليا في لندن للمنصب .

 الايام المقبلة ستكون حبلى بالمفاجآت والتسريبات، وستظل قضية اغتيال الخاشقجي تستعصي على الموت، وكل “مناشير” التهميش و”اللفلفة” مهما بلغت حدتها وحداثتها” والايام بيننا .