هل نرى قوات عسكرية تركية في الكويت على غرار ما يحدث حاليا في قطر؟ ولماذا يؤكد رئيس البرلمان الكويتي بأن تركيا ليست “جمهورية موز″ وستتغلب على الازمة الاقتصادية؟ وما هو “سر” تزامن هذا التأكيد مع تأزم العلاقات السعودية التركية على أرضية “ازمة خاشقجي” وفشل زيارة بن سلمان للكويت؟

عبد الباري عطوان

اضافت دولة الكويت دليلا جديدا يؤكد تصاعد توتر علاقاتها مع المملكة العربية السعودية، واتساع الهوة بين مواقف البلدين العضوين في مجلس التعاون الخليجي، عندما اعلن بيان رسمي كويتي صدر في ختام الاجتماع الخامس للجنة التعاون العسكرية التركية الكويتية الذي انعقد في الكويت يوم الأربعاء، توقيع ممثلي الجيشين التركي والكويتي خطة عمل للتعاون الدفاعي المشترك لعام 2019 بهدف تعزيز التعاون العسكري بين البلدين.

وكالة الانباء الكويتية التي وزعت نبأ توقيع هذه “المعاهدة”، قالت ان اللواء الركن محمد الكندري، نائب رئيس هيئة اركان الجيش الكويتي ونظيره التركي العميد اموت يلدير، وقعا على الاتفاق، وأضافت بأنه جرى الاتفاق على تبادل الخبرات العسكرية وتوحيد الجهود، دون كشف المزيد من التفاصيل حول البنود الأخرى.

مصادر كويتية تحدثت الى “راي اليوم” لم تستبعد ان تكون هذه “المعاهدة” تتضمن تواجد قوات تركية في الكويت، وشراء صفقات أسلحة تركية خاصة في ميادين الدروع، على غرار معاهدة الدفاع المشترك القطرية التركية التي حمت الدوحة من اجتياح عسكري للدول الأربع التي تقاطعها وتفرض حصارا عليها في بداية الازمة الخليجية قبل عام ونصف العام تقريبا، وكان اول من كشف الاحتمالات الجدية لهذا الغزو الشيخ صباح الأحمد الجابر امير الكويت الذي قال ان وساطة بلاده منعت الحرب.

***

المعلومات المتوفرة لدينا ان عدد القوات التركية المتواجدة في قاعدة عسكرية تركية قرب العيديد يصل الى 35 الف جندي بكامل معداتهم الثقيلة، ولعبت تركيا دورا كبيرا في تخفيف أثار الحصار عن قطر عندما اقامت جسرا جويا لتعويض كل الواردات القطرية القادمة من السعودية التي توقفت في بداية الازمة، واغلاق الحدود بين البلدين.

السلطات القطرية ردت هذا الجميل بزيادة استثماراتها المالية في تركيا، وزار الأمير تميم بن حمد آل ثاني انقرة في ذروة ازمة تراجع قيمة الليرة التركية حاملا في حقيبته صكا بـ15 مليار دولار لدعم العملة التركية، سواء على شكل استثمارات، او ودائع في البنك المركزي التركي، ونجحت هذه الخطوة في وقف انهيار الليرة وعودتها تدريجيا الى حالة من الاستقرار النسبي.

كان لافتا ان جميع الصحف الكويتية بما في ذلك تلك القريبة من المملكة العربية السعودية، ابرزت تصريحات السيد مرزوق الغانم، رئيس مجلس الامة الكويتي التي ادلى بها على هامش مشاركته في المؤتمر الثالث لرؤساء البرلمانات الآسيوية الأوروبية، الذي انعقد في مدينة انطاكيا التركية الساحلية التي فاجأ فيها الكثيرين بتأكيده على ان تركيا “ليست جمهورية موز وستتجاوز الحرب الاقتصادية التي تشن ضدها، وهي حرب ستفشل حتما”.

اهمية هذه التصريحات، الى جانب الاتفاق او المعاهدة العسكرية التركية الكويتية تأتي ليس فقط من عكسها للانفتاح الكويتي على تركيا، وانما بسبب توقيتها أيضا، ونشير الى عدة نقاط في هذا الصدد:

ـ أولا: انها تأتي في ذروة التوتر في العلاقة السعودية التركية على أرضية “ازمة” اختفاء الصحافي السعودي جمال الخاشقجي، وتزايد التسريبات الرسمية عن قتله، وربما تقطيعه، داخل القنصلية السعودية في إسطنبول على ايدي فريق من رجال الامن السعوديين قدموا خصيصا من الرياض لهذه المهمة، وتأكيد السلطات التركية ان الخاشقجي دخل القنصلية حيا ولم يغادرها.

ـ الثاني: ان هذا التقارب التركي الكويتي يأتي بعد فشل الزيارة التي قال بها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي الى الكويت يوم السبت الماضي، في حل الخلاف بين البلدين حول آبار نفط مشتركة في حقلي الخفجي والوفرة، وهي الآبار التي أوقفت السلطات السعودية انتاجها عام 2014، وتطالب الكويت بتعويضات تصل الى 8 مليارات دولار مقابل حصتها التي تصل الى 250 الف برميل يوميا منها (500 مليون برميل يوميا حجم الإنتاج الكلي)، وقد اعترف الأمير بن سلمان الذي اختصر زيارته من يومين الى ساعتين معترفا بوجود خلافات مع الكويت حول هذه الآبار.

ـ الثالث: حالة الجدل، بل الغضب، التي اثارتها تغريدات الأمير خالد بن عبد الله بن فيصل بن تركي آل سعود على حسابه على “التويتر” في أوساط الكويتيين التي قال فيها “ان الكويت تحتاج لعاصفة حزم داخلية لتطهيرها من قذارة الاخونج واذناب تنظيم الحمدين (قطر) فالوضع زاد عن حده”.

ـ الرابع: اطلاق السلطات السعودية حملة تحذير لسواحها الذين يتدفقون الى تركيا هذه الأيام ويقدر عددهم اكثر من 600 الف سائح سنويا، بمقاطعة تركيا والبحث عن أماكن سياحية أخرى لانعدام الامن فيها أولا، ولموقفها المعادي لبلادهم، وتمتليء وسائط التواصل الاجتماعي بتغريدات تعكس توجهات رسمية في هذا الصدد.

***

ظهور الخلافات السعودية الكويتية بهذه الطريقة التي تعكس خروجا عن التقاليد الخليجية المعروفة بالتمسك بفضيلة الكتمان يوحي بأن حالة الانقسام في منظومة مجلس التعاون الخليجي تتوسع وتتعمق، وتطفوا على السطح، وان الكويت باتت اقرب الى المحور القطري العماني في الازمة الخليجية، وكان لافتا ان الدول الثلاث حرصت على ادانة الهجوم “الإرهابي” الذي استهدف عرضا عسكريا في الاحواز، جنوب غرب ايران، وادى الى مقتل واصابة 85 شخصا بينما لم تفعل الشيء نفسه الدول الثلاث الأخرى المقاطعة (بكسر الطاء) لدولة قطر، أي السعودية والامارات والبحرين.

من المؤكد ان هذه الخلافات ستنعكس بصورة او بأخرى، على خطط الرئيس ترامب بإنشاء حلف “الناتو” العربي، ويضم دول الخليج الست الى جانب الأردن ومصر، وسيتم تدشينه في اجتماع خاص يعقد في مطلع العام الميلادي القادم في واشنطن، ومعلوماتنا تفيد بأن الدول الثلاث (الكويت، قطر، وسلطنة عمان)، غير متحمسة لهذه المنظومة التي ستقف في الخندق الأمريكي ضد ايران.

الكويت بدأت التغريد خارج السرب السعودي في الوقت الراهن على الأقل، وربما تكون وساطتها لحل الازمة الخليجية وصلت الى طريق مسدود، ان لم تكن، انتهت فعلا.. والأيام المقبلة ستكشف الكثير من المفاجآت.. والله اعلم.