تصريحات اردوغان حول احتجاز خاشقجي واحتمالات مقتله زادت الازمة تعقيدا لكنها أعطت بصيص امل.. من الذي قتله؟ وما هي قصة مجموعة الـ15 من رجال الامن السعوديين الذين غادروا بعد ساعات؟ وماذا كشفت لنا زوجته الرابعة؟ وهل تركيا المتضرر الأكبر في نهاية المطاف؟

عبد الباري عطوان

لم تف السلطات الأمنية التركية بوعدها بعقد مؤتمر صحافي تكشف فيه عن كل المعلومات المدعمة بأشرطة فيديو حول عملية اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي منذ دخوله قنصلية بلاده في إسطنبول بعد ظهر الثلاثاء الماضي، وكنا نتوقع ان تقدم التصريحات التي ادلى بها الرئيس رجب طيب اردوغان امس تفسيرات مقنعة تجيب عن كل التساؤلات المطروحة، وابرزها هل ما زال حيا يرزق، ام انه قتل، واذا كان حيا هل ما زال داخل تركيا ام خارجها، واذا كان مقتولا فأين جثمانه.

الرئيس اردوغان زاد الوضع غموضا عندما أعلن انه ما زال “مثلنا” ينتظر نتيجة التحقيقات ويحذوه الامل “ان لا نواجه ما لا نرغب في حدوثه”، وزاد بذلك الوضع غموضا لان اثنين من مستشاريه، الأول هو ياسين اقطاي، والثاني توران قاشلقجي اكدا نقلا عن مصادر امنية رفيعة انه قتل داخل القنصلية، ولكنهما لم يكشفا كيف قتل، وكيف اخرج جثمانه، والى أي جهة، خاصة ان الكاميرات الداخلية كانت كلها “معطلة” حسب تصريحات القنصل السعودي ساعة دخول الضحية الى المبنى المكون من ست طوابق، فهل تعطلت عمدا، ان لأسباب تقنية؟

رواية جديدة صدرت عن السلطات التركية اضافت المزيد من الغموض على هذه الجريمة، تقول تفاصيلها ان 15 سعوديا، يعتقد انهم من قوات الامن الخاص، وصلوا الى إسطنبول على متن طائرتين، وتواجدوا في القنصلية اثناء دخول الخاشقجي الساعة الواحدة يوم الثلاثاء الماضي، مع خطيبته خديجة التي انتظرته في غروف انتظار الزوار داخل القنصلية، وأكدت هذه الرواية الرسمية الأمنية انهم غادروا المكان بعد ساعات معدودة في سيارات مظللة، فماذا حملوا معهم من حقائب، وماذا كان فيها؟ هل جثمان الضحية كان فيها بعد تقطيعه، ام انه جرى نقله الى مكان ما في إسطنبول حيث تمت تصفيته؟

***

هناك نظريتان: الأولى تقول ان الوفد السعودي من رجال الامن وصل الى إسطنبول في مهمة محددة وهي قتل الخاشقجي بعد التحقيق معه حول العديد من القضايا من ابرزها علاقته مع حركة “الاخوان المسلمين” ودولة قطر، والثانية تلمح ان الوفد جاء للتفاوض معه للوصول الى تسوية تعيده الى الرياض.

صحافية تركية “مهمة” كشفت عن هاتين النظريتين في اتصال مع “راي اليوم”، ولكنها لم ترجح أي منها، وان كانت تميل قليلا الى النظرية الأولى.

احدى السيدات وتدعة (ح.أ) فاجأتنا باتصال هاتفي اليوم “الاحد” تقيم في احدى الدول العربية، اكدت لنا انها زوجته الرابعة، وتم الزواج في مدينة نيويورك، وكان إمَام المركز الإسلامي في المدينة قالت ان اسمه الأول أنور، هو الذي عقد القران في رمضان الماضي، وبشهادة شخصين جنسيتهما الاصلية فلسطينية، وأكدت انها تملك صورا لحفل الزفاف البسيط وكاميرات فندق شيراتون دليلها على ما تقول، وان آخر مرة التقته كانت يوم 7 أيلول (سبتمبر) الماضي في المدينة نفسها والفندق نفسه، وان آخر مكالمة له معها كانت 25 أيلول (سبتمبر)، وآخر رسالة أرسلها لها كانت نصية يوم 30 من الشهر نفسه تتضمن تهنئة بعيد ميلادها.

السيدة المذكورة اكدت انه كان مكتئبا و”خائفا” ويشعر بحالة من الوحدة، ويريد زوجة تقيم معه، لدرجة انه كان يفكر في الزواج من لاجئة سورية في تركيا، بعد ان رفضت الانتقال والعيش معه بصفة دائمة، وأكدت انه كان على حافة الإفلاس، وغارق في الديون، وفكر أكثر من مرة في العودة الى بلاده وتسوية أوضاعه.

لا نعرف مدى صحة هذه الرواية، رغم اننا نعرف السيدة جيدا، ولا نستبعد صحتها، لأنها كانت من المعجبات به وكتاباته، وعلى اتصال شبه منتظم معه قبل الزواج.

السلطات السعودية لا تتسامح مع معارضيها حتى لو كانوا من اقلهم انتقادا، واكثرهم حيادية وموضوعية، مثل الزميل خاشقجي، الذي كانت مقالاته وتصريحاته حول الوضع الداخلي السعودي اقرب الى النصائح، وبهدف الإصلاح الداخلي في اطار النظام، فقد رحب في تغريدات له على “التويتر” حيث يتابعه اكثر من مليون متابع بالخطوات التي سمحت للمرأة لقيادة السيارة ودخولها الحياة الاقتصادية، وإلغاء العديد من القيود على تحركاتها، ولكنه لم يتردد في انتقاد اعتقال نشيطات سعوديات بتهمة التخابر مع سفارات اجنبية، والمطالبة بحقوق اكبر لبنات جنسهن، وكان من ابرز المؤيدين لعاصفة الحزم في اليمن في اشهرها الأولى، وكذلك التدخل السعودي في سورية.

الأمير محمد بن سلمان يتبع نظرية “من ليس معنا فهو ضدنا” ولا يسمح بأي مواقف حيادية او وسطية، فاعتقال الدكتور سلمان العودة الداعية المعروف، وتوجيه تهمة الإرهاب له، جاء يسبب مطالبته بالحوار مع دولة قطر، وتوجيه تهمة الإرهاب للاقتصادي عصام الزامل وهو الذي انتقد برفق بيع حصة في شركة أرامكو، وجاءت مطالبة المدعي العام بإعدامه والعديد من المعتقلين الآخرين، تؤكد سياسة القبضة الحديدة التي يتبعها.

قبل يومين اعترف الأمير بن سلمان ان عدد المعتقلين السياسيين في المملكة لا يزيد عن 1500 شخص، واوحى بأن هذا الرقم صغير جدا بالمقارنة مع عشرات الآلاف الذين اعتقلهم الرئيس اردوغان بعد الانقلاب العسكري الفاشل، ولكن قد يجادل البعض بالقول ان هؤلاء لم يتورطوا في انقلاب عسكري، وان كان بعضهم يطالب بإصلاحات جذرية، وحريات سياسية اكبر.

***

اذا تأكد فعلا ان الامن السعودي وراء اختطاف الصحافي الخاشقجي، فانه اختار “سمكة كبيرة” لها شهرة إعلامية عربيا وعالميا، والهدف هو “إرهاب” المعارضين السعوديين وارسال رسالة لكل منتقدي المملكة في الداخل والخارج تفيد بأن اذرع هذا الامن طويلة وقادرة للوصول اليهم أينما كانوا.

الشق الآخر من الرسالة هو هز صورة تركيا كدولة حاضنة لخصوم المملكة من سعوديين ويمنيين ومصريين، والايحاء بأنها ليست حاضنة آمنة، فاختطاف السيد خاشقجي كشف عن وجود ثغرات في الامن التركي، وخاصة دخول وحدات امن سعودية خاصة وخروجها دون أي عوائق، وتهريبه حيا او ميتا الى خارج القنصلية وربما سيصبح المأزق التركي صعبا اذا تأكد انه اقتيد الى مكان ما داخل تركيا حيث تمت تصفيته.

لا نريد استباق الأمور، وإصدار احكام متسرعة فنحن لا نعرف مصير الزميل خاشقجي، وكل ما جرى تسريبه حتى الآن هو مجرد تكهنات، ونميل الى موقف الرئيس اردوغان، أي انتظار نتائج التحقيقات، ثم اتخاذ الموقف الحازم.

نتضامن بالكامل مع الزميل الخاشقجي، وندين كل من وقف خلف عملية احتجازه، وربما مقتله، فقد عرفناه مدافعا شرسا عن الحريات، ورافضا لكل الاعتقالات في بلاده، ومبشرا بالديمقراطية، ومحترما للرأي الآخر، وقد اختلفنا معه في بعض المواقف.

نتمنى ان تكون بارقة الامل التي وردت في تصريحات الرئيس اردوغان عن احتمالات بقائه حيا، صحيحة، فهذا الرجل الذي خدم بلاده بإخلاص وتفان لأكثر من أربعين عاما لا يستحق الا التكريم وليس الاختطاف والتعذيب، والقتل.