نهاية عصر الدولار اوشكت..  وحرب العملات بين الصين وامريكا تقترب من ذروتها وقد تتطور الى مواجهات عسكرية.. العالم يتوحد لإنهاء هيمنة العملة الامريكية.. وصدام والقذافي اول من تصدى لها ودفعوا ثمنا باهظا.. واليكم قراءتنا المدعمة بالحقائق

عبد الباري عطوان

هيمنة الدولار الأمريكي كعملة احتياط رئيسية في العالم بأسره بدأت تتضعضع، وتقترب من الانهيار الكامل، وربما خلال أشهر معدودة، في ظل تزايد التوجه في معظم دول العالم للتخلي عن العملة الامريكية بعد ان طفح كيلهم من الغطرسة والحصارات والعقوبات الاقتصادية والانخراط في حروب هزت استقرار العالم وامنه واقتصاده.

فعندما تقدم دول مثل الصين وروسيا وايران وفنزويلا على خطوات استراتيجية جدية للتخلي عن الدولار لمصلحة عملات أخرى مثل اليوان الصيني و”اليورو”، فان هذا يعني ان “عرش” الدولار الأمريكي بات مهددا، وان هيمنته باتت ايامها معدودة.

الصين اتخذت قرارا قبل أيام باعتماد عملتها المحلية “اليوان” لتسعير النفط وتسديد وارداتها منه، في كل العقود النفطية المستقبلية، واطلاق “البترو يوان” كبديل لـ”البترو دولار” اعتبارا من أوائل العام المقبل.

الخطأ الأكبر الذي ارتكبته الولايات المتحدة عام 1971 بفك ارتباط عملتها بالذهب، والانسحاب من الاتفاق المالي Bretton Woods الذي جرى التوصل اليه بعد الحرب العالمية الثانية، مما سمح للبنك المركزي بطبع المليارات من الدولارات دون غطاء الذهب، بدأت نتائجه تنعكس هذه الأيام بجلاء، خاصة مع مجيء الرئيس الى البيت الأبيض، وابرزها انهيار عرش الدولار.

***

جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية سخر من اقدام الولايات المتحدة على اجبار الاوروبيين على شراء سلعهم الخاصة بالدولار، ووصف هذه الخطوة الامريكية بـ “السخيفة” بينما قال وزير المالية الفرنسي برونو لوماير قبل أيام بانه يريد ان تكون حكومته المالية غير مرتبطة بالدولار، وأكدت وكالة “بلومبرغ” الاقتصادية العالمية ان روسيا تقلص أصولها المالية من الدولار لارتفاع المخاطر المرتبطة بالعملة الامريكية في التعاملات الدولية بالإضافة للتحدي الصيني المتصاعد.

الحرب التجارية التي يعلنها الرئيس ترامب على أوروبا وكندا والصين وروسيا وفرضه ضرائب عالية على الواردات الامريكية القادمة منها (200 مليار دولار على الصين وحدها كدفعة أولى) باتت تلعب دورا كبيرا في توحيد العالم ضد الولايات المتحدة وانهاء هيمنتها الاقتصادية وبأسرع وقت ممكن.

قرار الدول الخمس المذكورة آنفا بالتخلي عن الدولار (الصين، روسيا، ايران، فنزويلا والاتحاد الأوروبي) سيؤدي الى اضعاف، ان لم يكن انهاء، سلاح العقوبات الاقتصادية الذي تستخدمه الإدارة الامريكية بشكل مبالغ فيه هذه الأيام، لان الاستغناء عن الدولار عالميا، كليا او جزئيا، سيقلص من القدرة الشرائية للمستهلك الأمريكي، حيث سيؤدي الى جعل قيمة الواردات مرتفعة جدا، وفوق مقدراته الشرائية، حسب اقوال الكثير من الخبراء الاقتصاديين الذين يتابعون هذه الحرب المالية.

الصين هي اكبر دولة مستوردة للنفط في العالم، او ما يعادل 8.48 مليون برميل يوميا، وروسيا هي اكبر دولة مصدرة له بعد السعودية، أي ما يعادل حوالي 7.3 برميل يوميا، ومن المنطقي ان تتخلى الدولتان عن الدولار في تسعير النفط، وتسديد ثمنه استيرادا وتصديرا.

هناك معلومات مؤكدة تفيد بأن الصين تمارس ضغوطا على المملكة العربية السعودية بقبول عملتها المحلية “اليوان” لتسديد قيمة وارداتها النفطية منها، واذا رفضت فإنها ستلجأ الى مصادر بديلة أخرى.

معظم صادرات دول الخليج وايران تذهب حاليا الى الصين ودول شرق أسيا، وحتى نكون اكثر دقة فان 18 مليون برميل تمر يوميا عبر مضيق هرمز تذهب 80 بالمئة منها الى تلك الأسواق الأسيوية، والصين والهند على رأسها.

التخلي عن الدولار كعملة احتياط رئيسية دولية مغامرة ليست خالية من المخاطر، فعندما أراد الرئيس العراقي صدام حسين بيع نفط العراق (حوالي 5 مليون برميل يوميا) باليورو والتخلي عن الدولار لم تغفر له أمريكا هذه الخطوة، ودمرت بلاده تحت حجج واعذار كاذبة (أسلحة الدمار الشامل) ونصبت له مصيدة الكويت، وواجه العقيد معمر القذافي المصير نفسه عندما قرر اصدار الدينار الذهبي الافريقي للاستغناء عن الدولار، وأكدت وثائق فرنسية وبريطانية ان غزة “الناتو” لليبيا وتغيير نظامها جاء بسبب هذه الخطوة وبتحريض أمريكي.

***

الحملة الشرسة ذات الطابع الابتزازي التي يشنها الرئيس ترامب حاليا على السعودية ودول خليجية أخرى يجب النظر اليها من هذه الزاوية، وبهدف إرهاب هذه الدول واجبارها على البقاء تحت مظلة الحماية الامريكية، وعدم التخلي عن الدولار.

أمريكا يمكن ان تفعل أي شيء للحفاظ على قوة وسيادة عملتها ولن تتردد في اشعال الحروب، وغزو بلدان أخرى من اجل هذا الهدف على أساس المقولة المعروفة “عندما يفشلوا في كل شيء فانهم يذهبون الى الحروب”.

السؤال هو: هل تذهب أمريكا الى الحرب ضد الصين التي تعتبرها الخطر الأكبر عليها، ام ضد روسيا؟ ام الاثنتين معا، وربما تكون الحرب مع ايران الطبق الفاتح للشهية.

الصين ليست العراق الذي كان محاصرا لمدة 12 عاما، وخارجا لتوه من حرب الثماني سنوات مع ايران، وفلاديمير بوتين ليس معمر القذافي، ويتربع على عرش دولة عظمى تملك آلاف الرؤوس النووية.

حرب العملات وعنوانها الأبرز اطاحة الدولار الأمريكي عن عرشه الذي تربع عليه منذ الحرب العالمية الثانية بدأت فعلا، وقد تتطور الى حرب عالمية ثالثة.. والأيام بيننا.