ما هي الأسباب “السرية” التي دفعت الأمير محمد بن سلمان لاختصار زيارته الأولى للكويت في ساعتين فقط؟ وهل يقف ترامب خلف “توتير” العلاقات السعودية الكويتية بقصد او بدونه وكيف؟ وما هو مصير الوساطة في ازمة قطر؟ اليكم بعض الاجابات

عبد الباري عطوان

السؤال الأكبر الذي يتردد حاليا في معظم الديوانيات والمجالس الكويتية والخليجية يدور حول الأسباب التي دفعت الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي الى تأجيل زيارته الى الكويت يوما واحدا، أي من السبت الى الاحد، تم اختصارها في ساعتين فقط، اقتصرت على لقاء قصير بينه وبين نائب الأمير كان صاخبا حول القضايا الخلافية، وحفل عشاء رسمي أقامه امير الكويت صباح الأحمد على شرفه لم يطل ووصف بأنه كان “باردا”، ولم يتم خلاله أي تطرق للقضايا التي كانت مدرجة على جدول البحث، وتهمها حل الازمة بين البلدين المتعلقة بوقف الإنتاج في حقلي النفط المشتركين، الخفجي والوفرة في المنطقة المحايدة منذ عام 2014، بقرار من الجانب السعودي، وكذلك الازمة الخليجية، او بالأحرى الازمة القطرية، وان كانت الأخيرة ثانوية وروتينية، وتراجعت أهميتها بشكل واضح لإصرار المعسكرين المتخاصمين فيها على مواقفهما، ورفض أي تنازل.

وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة الكويتية منها، ازدحمت بالتفسيرات التي تدور كلها حول فشل الزيارة، و”غضب” ولي العهد السعودي بسبب عدم تجاوب حكومة الكويت مع “املاءاته”، حسب وصف معظمها، الامر الذي دفع وزارة الخارجية الكويتية الى اصدار بيان اليوم عبرت فيه عن اسفها لما جرى تداوله في وسائل الاعلام من معلومات حول زيارة الأمير السعودي، وقالت انها لا أساس لها من الصحة، واكد البيان ان المباحثات بين الوفدين السعودي والكويتي اتسمت بالروح الأخوية الحميمة بين البلدين.

***

الامر المؤكد ان هذه اللغة الدبلوماسية الكويتية لم تقنع الكثيرين في الكويت او السعودية معا، خاصة ان زيارة الضيف السعودي التي هي الأولى من نوعها كان من المقرر ان تستمر ليومين وليس لساعتين، وكان الجانب السعودي يعول عليها كثيرا لإحداث اختراقات في الموضوع الأهم المدرج على جدول اعمالها، وهو التوصل الى تسوية مرضية بشأن استئناف الإنتاج من الحقلين المذكورين، فالامير بن سلمان كان من المقرر ان يلتقي على هامشها وفدا من رجال الاعمال، وحشد من السياسيين والبرلمانيين والإعلاميين.

مصدر في الديوان الاميري الكويتي قال في تسريبات لوكالة “رويترز″ العالمية، ان أجواء الزيارة كانت متوترة للغاية، ولم يتم التوقيع على أي اتفاقية اقتصادية او سياسية بين الجانبين، بينما ذكرت مصادر كويتية عالية المستوى لـ”رأي اليوم” ان علامات الغضب و”التهجم” كانت بادية على وجه الأمير الضيف والوفد المرافق له، ولم يتبادل مع امير الكويت الا كلمات محدودة ذات طابع عمومي، وانه توجه الى طائرته الخاصة مع الوفد المرافق له فور انتهاء مأدبة العشاء، مغادرا الى الرياض.

في مثل هذه الزيارات الرسمية عالية المستوى، يتم ارسال وفد من المسؤولين والخبراء في المواضيع المطروحة على جدول البحث، لإعداد مسودة الاتفاقات التي من المفترض ان يتم توقيعها من قبل الأمير الزائر، وامير الكويت، او من ينوب عنه، ولكن الجانب الكويتي رفض الصيغة السعودية المطروحة، حسب المصدر الكويتي نفسه، الامر الذي أدى الى تأجيل الزيارة يوما واحدا من السبت الى الاحد على امل ان يتم ازالة العقبات وجوانب الخلاف، ولكن هذا التأجيل لم يغير من  الامر شيئا، واصر كل طرف على موقفه، وتردد ان الأمير بن سلمان فكر في الغاء الزيارة كليا، بعد ان ابلغه السيد عادل الجبير، وزير الخارجية، الذي وصل الى الكويت يوم الاحد، وقبل وصول ولي العهد بساعات، ان الجانب الكويتي رفض المطالب السعودية، ولوح باللجوء الى التحكيم الدولي مجددا.

الازمة بدأت بين السعودية والكويت حول الحقلين المذكورين عام 2014 عندما رفضت الكويت إعطاء تأشيرات دخول لفنيين من شركة شيفرون، جاءوا من اجل الاشراف على صيانة الحقلين، وزيادة طاقتهما الإنتاجية، والتنقيب في المنطقة، ووضعت شركتهم معداتها داخل المنطقة التابعة لها (أي الكويت) ودون التشاور مع الحكومة الكويتية، فردت السلطات السعودية بوقف الإنتاج من الحقلين (الخفجي والوفرة) بحجة اجراء صيانة لهما ودون التشاور أيضا مع الشريك الكويتي، واستمرت هذه الصيانة اربع سنوات، وأدى اغلاق الحقلين الى خسارة الكويت أكثر من 18 مليار دولار سنويا وليس 10 مليارات، مثلما اشارت بعض التقارير المسربة، هو قيمة حصتها التقديرية.

زيارة الأمير بن سلمان الى الكويت جاءت في إطار الضغوط التي يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على السعودية لضخ مليوني برميل إضافيين (انتاج السعودية الحالي 11 مليون برميل يوميا)، لدفع أسعار النفط الى الهبوط، واتصل الرئيس الأمريكي مرتين بالعاهل السعودي حاملا هذا الطلب وبطريقة “وقحة”، الأولى قبل شهرين ولتعويض أي نقص في الأسواق العالمية في حال توقف صادرات النفط الإيرانية (حوالي 2.4 مليون برميل يوميا) نتيجة للحظر الأمريكي الذي سيبدأ أوائل شهر تشرين الثاني (نوفمبر) القادم، والثانية قبل يومين فقط، ولتحقيق الهدف نفسه، وكانت المكالمة الأخيرة ذات طابع تهديدي ابتزازي عنوانه الأبرز رفع الحماية الامريكية عن السعودية التي لولاها لما استمر النظام السعودي في الوجود، ووصلت الوقاحة بترامب الى درجة القول في المكالمة “أيها الملك ربما لن تكون قادرا على الاحتفاظ بطائراتك لان السعودية ستتعرض لهجوم، لكن معنا انتم في امان تام”.

الحكومة السعودية التي يقول الخبراء انها الا تستطيع انتاج اكثر من مليون برميل إضافي يوميا لأسباب لوجستية، وجدت في الحقلين المشتركين مع الكويت في المنطقة المحايدة احد الحلول، أي إضافة 500 الف برميل يوميا الى الاسواق، مما يساعد في تخفيض الاسعار، وبحيث تأتي هذه الزيادة بشكل طبيعي، ويمكّنها من تجنب غضب الدول المنتجة الأخرى التي اتفقت في لقاء الجزائر التشاوري قبل أسبوع على مستوى وزراء النفط في منظمة “أوبك” والدول المستقلة على تجميد الإنتاج وعدم زيادة أي برميل إضافي.

العلاقات بين السعودية والكويت لم تكن جيدة طوال الأشهر الـ 15 الأخيرة، ويغلب عيلها طابع “المجاملة” بسبب اتخاذ الحكومة الكويتية موقفا محايدا في الازمة الخليجية، وعدم ارسالها قوات بعدد كبير للقتال في حرب اليمن في صفوف “عاصفة الحزم”، وكان دور طائراتها المقاتلة رمزيا، وزاد التوتر في العلاقات عندما أبقت الكويت علاقاتها مع ايران، وادانت هجوم الاحواز الذي أدى الى مقتل واصابة 85 عسكريا ومدنيا، ووصفته بالعمل الإرهابي، بينما تدنه الامارات والسعودية وايدتاه بشكل غير مباشر، وعبر توظيف أجهزتها الاعلامية في تبريره، واستضافة معلقين يؤيدونه ويعتبرونه مقاومة مشروعة وليس إرهابا.

الكويت التي يعرف عن اميرها الشيخ صباح الأحمد “كظم الغيظ”، تبنى دبلوماسية التهدئة وعدم المواجهة، خاصة مع الجار السعودي، وتجنب أي تصعيد في الخلاف، ولكن مساحة الحرية الكبيرة التي يتمتع فيها الاعلام الكويتي، ربما تكسر هذه القاعدة، خاصة ان هناك جهات كويتية غير رسمية لا تكن الكثير من الود للسلطات السعودية، ولن يكون مفاجئا بالنسبة الى الكثيرين اذا ما جرى تسريب الكثير من الوقائع السرية حول زيارة الأمير بن سلمان للكويت، والخلافات التي أدت الى اختصارها وعدم التوصل الى أي اتفاق.

توتر العلاقات بين السعودية والكويت اذا ما استمر ربما ينعكس سلبا على الوساطة الكويتية في الازمة الخليجية، ان لم يؤد الى تجميدها، ان لم يكن انهائها، ويعتقد مراقبون ان هذا التوتر يلحق الضرر بالجانب السعودي اكثر من نظيره الكويتي، لان السعودية والأمير محمد بن سلمان، بحاجة الى إرضاء الحكومة الامريكية لتجنب أي مطبات في طريق مسيرته المتسارعة لتولي العرش خلفا لوالده، وعدم استئناف ضخ النفط من الحقول المشتركة قد يعطي نتائج عكسية، وفي الوقت نفسه يريد ولي العهد السعودي الحصول على المزيد من الأموال لتغطية الانفاق الحربي الباهظ التكاليف الناجم عن حرب اليمن، وربما تمويل عملية إعادة الاعمار في سورية، خاصة في منطقة شرق الفرات الخارجة عن نطاق السيادة الرسمية بطلب امريكي، فالامير بن سلمان كان يعول على بيع حصة في شركة أرامكو لتعويض أي عجز في الميزانية، ولكن بعد “تجميد” هذه الخطوة لأسباب ليس هنا مجال ذكرها، بات البحث عن مصادر أخرى للدخل امرا حتميا، ولعل إعادة الإنتاج في حقول الخفجي والوفرة في المنطقة المحايدة مناصفة هو احد الحلول، ان لم يكن الحل الوحيد في الوقت الراهن.

الظروف المحيطة بزيارة الأمير بن سلمان للكويت، والضغوط الامريكية الابتزازية الخارجة عن كل الأعراف الأخلاقية، واتساع الشرخ الذي بات يقسم مجلس التعاون الخليجي الى معسكرين واضحي المعالم، كلها مؤشرات على ان منطقة الخليج تقف امام متغيرات خطيرة جدا في ظل المحاولات الامريكية المتسارعة لتحويلها الى ميدان حرب إقليمية غير مستبعدة مع ايران.

وقف هذا الابتزاز الأمريكي الوقح، ومراجعة كل السياسات والمواقف التي أدت الى تفاقمه، وإصلاح العلاقات مع الحاضنة العربية، والخليجية منها خصوصا، وعلى أرضية مختلفة، يجب ان يكون أولوية سعودية ملحة تتقدم على كل الأولويات الأخرى، وتضع حدا لحروب الاستنزاف العسكرية والسياسية والاقتصادية المعلنة او المستترة، والا فإن الاضرار ستكون كبيرة جدا على الصعد كافة.