سبع نقاط جوهرية وردت في خطاب ترامب في الجمعية العامة حول الشرق الأوسط تقرع طبول الحرب.. لماذا جرى استبعاد المغرب “الملكي” من “الناتو” الذي اعلن تأسيسه؟ ولماذا برأ قطر من تهمة الإرهاب جنبا الى جنب مع السعودية والامارات؟ وكيف ربط الحل في سورية بخروج ايران منها

عبد الباري عطوان

الضحكات العالية الصاخبة التي عمت قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة صباح اليوم عندما بدأ خطاب الرئيس دونالد ترامب بالقاء خطابه، والفقرة الافتتاحية فيه التي تحدثت فيها عن إنجازاته الاقتصادية وحرصه على الإنسانية ورخاء العالم واستقراره، تلخص وجهة نظر معظم دول العالم تجاه سياسات ادارته التي تقود العالم الى حافة الفوضى والحروب المدمرة.

الخطاب يمكن تقسيمه الى قسمين رئيسيين: الأول موجه الى الشعب الأمريكي من على منبر الأمم المتحدة الدولي لكسب اصواته لصالح الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية الامريكية أوائل شهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، حيث حرص على الحديث عن انخفاض معدلات البطالة الى النصف، وتحقيق ازدهار اقتصادي، وزيادة القدرات الدفاعية والهجومية للجيش الأمريكي، اما القسم الثاني فكان بمثابة اعلان حرب على معظم دول العالم، حرب اقتصادية على الصين وأوروبا وروسيا، وحرب على منظمات الأمم المتحدة مثل محكمة الجنايات الدولية ومجلس حقوق الانسان، وحرب على ايران، وأخيرا الحرب على منظمة “أوبك” التي هددها بعظائم الأمور اذا لم تخفض أسعار النفط.

الرئيس ترامب هاجم الجميع تقريبا، ولم يمتدح غير أصدقائه، او بالأحرى اتباعه في العالم، وخاصة إسرائيل وبعض الدول العربية، وتعهد بعدم تقديم أي مساعدات مالية الا للدول التي تؤيد بلاده وسياساتها، مدشنا مرحلة استقطاب سياسي وعسكري غير مسبوقة منذ انتهاء الحرب الباردة.

***

لنترك القضايا الدولية والمحلية ومواقف ترامب تجاهها، ونركز على ما ورد في خطابه من نقاط عن منطقة الشرق الأوسط، ونوجز أهمها كالتالي:

ـ أولا: إقامة تحالف استراتيجي يضم دول الخليج الست الى جانب مصر والأردن للتصدي لإيران، او أي خطر يهدد المصالح الامريكية في منطقة “الشرق الأوسط”، اي حلف “بغداد جديد” بطابعين سياسي وعسكري، ولوحظ ان المغرب غير مدعوة للانضمام الى هذا التحالف، حيث لم يرد ذكرها في فقرة الخطاب المتعلقة بهذا التحالف، ولأسباب ما زالت مجهولة رغم قطعها للعلاقات مع ايران وانهاء أي تعاطي معها.

ـ ثانيا: أشاد بثلاث دول خليجية هي السعودية والامارات العربية المتحدة وقطر، لدورها الكبير في مكافحة الارهاب، وهذه الإشادة سيكون لها وقع “الصدمة” على السعودية والامارات، لأنها برأت قطر من تهمة دعم الارهاب، ووضعتها في قائمة الدول المكافحة له.

ـ ثالثا: ركز جزء كبير من خطابه على ايران التي اتهمها بنشر الفوضى والعنف وانفاق المليارات لخلق الحروب في منطقة الشرق الأوسط، لتوسيع دائرة نفوذها، وقال ان قوتها العسكرية زادت بنسبة 40 بالمئة في العامين اللذين رفع فيها الحصار بسبب الاتفاق النووي، واكد انه سيفرض عقوبات جديدة قاسية ضدها.

ـ رابعا: هدد بإعلان الحرب على سورية في حال استخدام جيشها لأسلحة كيماوية وربط بين الحل النهائي والامن والاستقرار فيها وبالقضاء كليا على الوجود العسكري الإيراني على ارضها.

ـ خامسا: جدد تهديداته لمنظمة “أوبك” وحملها مسؤولية زيادة الأسعار، وشدد على ضرورة القيام بدور كبير لخفضها لما يمكن ان تلحقه من اضرار بالغة بالاقتصاد الأمريكي، واكد انه لن يتسامح بأي زيادة للأسعار، غامزا من قناة الدول العربية المنتجة الرئيسية مثل الكويت والسعودية والامارات والجزائر تحديدا.

ـ سادسا: إعلانه الحرب على المنظمات الدولية مثل محكمة الجنايات الدولية، والمجلس العالمي لحقوق الانسان ومنظمة اليونسكو، يأتي بسبب مواقف هذه الدول الرافضة للانتهاكات الإسرائيلية، واتهامها لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان.

ـ سابعا: يعتبر ترامب ان نقله للسفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس المحتلة دعما للسلام بين العرب ودول الاحتلال الإسرائيلي، ولم يتطرق مطلقا بأي كلمة لصالح حل الدولتين، او وحقوق الشعب الفلسطيني، في تبن كامل لوجهة النظر الإسرائيلية.

***

نعترف بأننا لم نفاجأ بهذا الخطاب العدائي للرئيس ترامب تجاه العرب الشرفاء وقضاياهم العادلة، ومخططاته لابتزاز دول الخليج واستغلال الأوضاع الاقتصادية المصرية والاردنية الحرجة لتشكيل تحالف عربي طائفي لخوض حروب أمريكا وإسرائيل في المنطقة، وضد ايران خاصة، فقبل يومين من هذا الخطاب نشر تغريدة على “التويتر” “تعاير” هذه الدول بأنها مدينة لبلاده في حمايتها، وانها لا تستطيع البقاء اسبوعا واحدا دون الحماية الامريكية.

الابتزاز الأمريكي، وعلى ضوء ما ورد في هذا الخطاب، سيستمر ويتصاعد في اشكال متعددة، سواء على شكل فرض شراء المزيد من صفقات الأسلحة الامريكية، او تأييد التطبيقات العملية الأولية لصفقة القرن، والأخرى القادمة، والالتزام المطلق في تطبيق الحصار الأمريكي على ايران وتحمل النتائج الكارثية الاقتصادية والأمنية التي يمكن ان تترتب على ذلك.

أخيرا نجد لزاما علينا التذكير ان مطالبة ترامب للدول الخليجية تحديدا بلعب دور من اجل تخفيض أسعار النفط، يعني تقليص حجم عوائدها التي تبدو شعوبها في امس الحاجة اليها في ظل سياسات التقشف والغلاء، والضرائب، ورفع الدعم، وزيادة الرسوم لسد العجز في ميزانيات حكوماتها.

ترامب جعل بلاده أكثر دولة مكروهة في العالم، وهذا ينطبق أيضا على حلفائها بصورة او بأخرى، وقد يجرها الى حروب اقتصادية وعسكرية تقودها الى مواجهة العالم بأسره الذي بدأت دوله تتكتل ضدها، وهذه الوصفة السحرية المجربة للدمار والافلاس.. انه خطاب شخص متهور غبي، وعنصري يقرع طبول الحرب، ويوحد معظم دول العالم ضده وبلاده، وهذا لا يفيد الكثيرين، بل ربما يسعدهم، خاصة الذين اكتدوا بنار العنصرية والظلم الأمريكيين.