ترامب يجدد طلباته الابتزازية من دول الخليج بتمويل “سلخ” شرق الفرات عن سورية الام وتخفيض أسعار النفط لدعم الاقتصاد الأمريكي.. لماذا الآن؟ وهل تستطيع السعودية تحدي روسيا ودول الأوبك في اجتماع الجزائر القادم وتلبية هذا الطلب الوقح؟

عبد الباري عطوان

هناك مَثَلٌ عربي دارج يقول “عندما تفلس الحكومة تعود الى دفاترها القديمة لإنقاذ نفسها”، ويبدو ان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يطبق هذا المثل حرفيا بأن يلجأ الى الدول العربية النفطية، والسعودية منها بالذات، كلما احتاج الى المال، وواجه أزمات داخلية تهدد وجوده في البيت الأبيض.

قراران اتخذهما الرئيس الأمريكي وادارته في اليومين الماضيين يؤكدان هذه الحقيقة:

ـ الأول: ربطه الحماية العسكرية والأمنية لدول الخليج بتخفيض أسعار النفط لتعزيز انتعاش الاقتصاد الأمريكي، فقد قال في تغريدة له اليوم “نحمي دول الشرق الأوسط، ومن غيرنا لن يكونوا آمنين، ومع ذلك يواصلون رفع أسعار النفط.. على منظمة أوبك المحتكرة للسوق دفع الأسعار للانخفاض”.

ـ الثاني: إعلانه مؤخرا توقف بلاده عن مساعدة سوريا على إعادة الاعمار التي تقدر بحوالي 230 مليون دولار سنويا، لأنه يجب على الدول الغنية في الشرق الأوسط، مثل المملكة العربية السعودية، تحمل تلك النفقات بدلا من واشنطن، وصرحت المتحدثة باسمه ان أمريكا تمكنت من جمع 300 مليون دولار تبرعت السعودية بمئة مليون منها، والامارات بخمسين مليونا، ولكنها لم تكشف من هي الدول الأخرى التي تعهدت بالباقي، وهناك اعتقاد سائد بأنها قطر والكويت.

***

اذا بدأنا بالنقطة الأولى، نقول ان هذا الطلب الأمريكي بتخفيض أسعار النفط جاء قبل حدثين مهمين، الأول اجتماع لجنة المراقبة الوزارية لمنظمة “أوبك” والمنتجين خارجها في الجزائر المقرر يوم الاحد، حيث يستبعد مراقبون الاتفاق على رفع جديد للإنتاج، لان الأسواق مستقرة على سعر متوسط في حدود 75 دولارا للبرميل، ووسط مخاوف بارتفاع حاد للأسعار نتيجة العقوبات على ايران وتراجع انتاج فنزويلا، اما الثاني، فهو قرب تطبيق الحظر على الصادرات النفطية الإيرانية المقرر في مطلع شهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.

السيد عبد الصمد العوضي، الخبير النفطي العربي المعروف دوليا، والذي مَثّل بلاده في منظمة “أوبك” لما يقرب من 15 عاما، اكد في اتصال هاتفي معه ان ترامب يقصد المملكة العربية السعودية في هذه التغريدة “لأنها الوحيدة القادرة على زيادة انتاجها (10 مليون برميل حاليا)، بمقدار نصف مليون الى مليون برميل يوميا، وبما يؤدي الى تخفيض الأسعار، واكد ان جميع الدول الأخرى، وخاصة الامارات والكويت تنتج حاليا الطاقة القصوى، ولذلك فان الرئيس الأمريكي يتوقع ان تقوم السعودية بمهمة زيادة الإنتاج في اجتماع لجنة المراقبة في اجتماعها المقبل في الجزائر الاحد، ولكنه، أي السيد العوضي، حذر في الوقت نفسه بأن هذا الموقف السعودي في حال الاقدام عليه، سيشكل تحديا للدول الأخرى، خاصة روسيا التي تعارض أي زيادة للإنتاج للحفاظ على استقرار السوق.

تأكيدا على ما تفضل به السيد العوضي، يمكن التذكير بأن الرئيس ترامب اتصل هاتفيا بالملك سلمان بن عبد العزيز قبل شهر، وطلب منه العمل على تخفيض أسعار النفط بزيادة الإنتاج السعودي وحصل على تعهد بذلك.

اما اذا انتقلنا الى النقطة الثانية التي تتعلق بوقف المساعدة الامريكية الهزيلة لإعادة اعمار سورية (250 مليون دولار)، والطلب من السعودية ودول خليجية أخرى التبرع بهذا المبلغ، يمكن التوضيح بأن هذا المبلغ يقتصر على المناطق التي تقع خارج سيطرة الدولة السورية، وفي مناطق تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية ذات الغالبية الكردية في الرقة وشرق الفرات، وتتواجد فيها قوات أمريكية يقدر تعدادها بحوالي 2000 جندي، وستشمل المخصصات المالية الخليجية الجديدة تسديد رواتب اكثر من 40 الف جندي دربتها ومولتها الولايات المتحدة في المناطق المذكورة، الى جانب تغطية نفقات القوات الامريكية.

***

الرئيس ترامب يمارس ابشع انواع الابتزاز للمملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى تحت ذريعة توفير الحماية لها، ومن المؤسف انه مارس هذا الابتزاز الوقح طوال العامين الماضيين وبطريقة مهينة طابعها العنجهية والغطرسة ودون ان يحاول احد وقفه، حتى بطرق ناعمة، ويدفع هذه الدول لانفاق عشرات المليارات على التسليح والانخراط في “ناتو” عربي لمواجهة ايران في أي حرب قادمة.

لا يمكن ان ننسى كيف “عاير” الرئيس ترامب هذه الدول بقوله انه لولا أمريكا لما بقوا في الحكم أسبوعا واحدا، ولسافروا على متن الطيران الاقتصادي (درجة سياحية) وليس على متن طائراتهم الخاصة الفارهة.

في ظل هذا الابتزاز، الذي ما زال في بدايته في رأينا، ستحمد الكثير من الدول العربية الفقيرة الله انها خارج هذه الدائرة، ويقف بعضها “شامخا” في الخندق الآخر في مواجهة المشروع الأمريكي الإسرائيلي، وليس لديها ما تخسره، بل ربما ما تكسبه، أي تحقيق الربح الأكبر وهو هزيمة هذا المشروع ان آجلا او عاجلا بإذن الله.