لماذا لم يهاتف الأسد بوتين بعد اسقاط صواريخه للطائرة الروسية؟ وماذا يقصد المتحدث باسم اردوغان باتهام إسرائيل بانها تريد زعزعة استقرار سورية واضعافها أيا كان رئيسها؟ وكيف نقيم فرص نجاح اتفاق ادلب بعد ان هدأ الغبار؟

عبد الباري عطوان

بعد اسقاط الصواريخ السورية طائرة استطلاع روسية ومقتل 15 عسكريا كانوا على متنها في أجواء اللاذقية بالخطأ، وتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في ادلب بين الرئيسين الروسي والتركي، وإقامة منطقة عازلة وسحب الأسلحة الثقيلة من فصائل المعارضة، تتجه الأنظار نحو ثلاثة أمور رئيسية:

ـ الأول: وضع العلاقات “الخاصة” الروسية الإسرائيلية بعد حادث اسقاط الطائرة التي حمّل وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو تل ابيب المسؤولية الكاملة عن هذا العمل وتوعد بالانتقام.

ـ الثاني: مستقبل اتفاق سوتشي بين الرئيسين الروسي والتركي بشأن وقف إطلاق النار في ادلب، من حيث فرص النجاح او الفشل، وما يمكن ان يتبعه من إجراءات وتبعات في الحالين.

ـ الثالث: مدى تأثير هذه الحادثة، أي اسقاط الطائرة، على العلاقات الروسية السورية بشقيها السياسي والعسكري، سلبا او إيجابا.

***

بالنسبة الى النقطة الأولى، أي العلاقات الروسية الإسرائيلية، يمكن القول بأنها دخلت مرحلة من التوتر، بالنظر الى البيان الصادر عن وزارة الدفاع الروسية، وعدم صدور أي اعتذار صريح من القيادة الإسرائيلية عن الدور التضليلي الذي لعبته طائراتها للإيقاع بالطائرة الروسية المستهدفة عمدا في مجرى الصواريخ السورية، وعدم ابلاغ القيادة العسكرية الروسية عبر الخط الساخن بموعد الهجوم مسبقا، واعطائها الوقت الكافي لإخلاء الطائرة من الأجواء.

الرئيس بوتين ليس قائدا انفعاليا، وعلمتنا التجارب السابقة المماثلة، وخاصة اسقاط طائرة السوخوي الروسية بصاروخ أطلقته طائرة تركية (اف 16) في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2015، انه يتأنى في الرد، ويحصل في نهاية المطاف على الثمن الذي يريده، وهو اكبر بكثير من الاعتذار، وباقي التفاصيل معروفة، وابرزها سلخ تركيا عن حلف (الناتو)، وتوتير علاقاتها مع أمريكا.

الرئيس بوتين تعرض لانتقادات شرسة في أوساط قطاع عريض من الرأي العام العربي حيث يحظى بشعبية طاغية، لأنه لم يرد فورا بإسقاط الطائرات الإسرائيلية الأربع التي خرقت الأجواء السورية، واغارت على مواقع عسكرية في “غلاف” قاعدة حميميم الجوية الروسية، او احداها على الأقل، ويتوقع الكثيرون، سواء داخل سورية وخارجها ردا يضع حدا للغارات الإسرائيلية على سورية، سواء بالتصدي لها بشكل مباشر او بتزويد الجيش السوري بصواريخ “أي 300″ و”اس 400″.

إسرائيل لعبت لعبة قذرة مع “حليفها” الروسي، واستهانت بردود فعله، واحرجت القيادة امام شعبها وشعوب حلفائها، ولا نعتقد ان هذه الاستفزازات ستمر دون عواقب، واقلها الحد من نشاطها العسكري في سورية، بطريقة او بأخرى.

اما اذا انتقلنا الى النقطة الثانية، وهي اتفاق سوتشي بين الرئيسين بوتين واردوغان حول ادلب، فان فرص “صموده” تبدو محدودة، وقد يكون أجل الحل العسكري الروسي السوري على ادلب لبضعة اسابيع، وأعطى الرئيس التركي فسحة الوقت التي يريدها للبحث عن حل سلمي، ولكنه لن يمنعه في نهاية المطاف، والهجوم لاستعادة المدينة للسيادة السورية قد يكون حتميا.

بالعودة الى تجارب سابقة مماثلة في سورية، يمكن القول ان روسيا تتبع سياسة المراحل، فقد خرجت علينا في مؤتمر استانا باتفاقات خفض التوتر، وطبقتها لفترة وجيزة في أربع مناطق، مثل الغوطة، ودرعا، وادلب، وحلب، ولكنها وضعتها جانبا، ولجأت الى الحل العسكري في نهاية المطاف، وكان لها ما ارادت، ولا نعتقد ان منطقة ادلب ستكون استثناء.

الرئيس اردوغان تعهد بالإقدام على خطوات محفوفة بالمخاطر في الاتفاق الأخير، مثل الفرز بين الفصائل المصنفة إرهابيا والأخرى المصنفة معتدلة، ونزع السلاح الثقيل، وهي التزامات صعبة التحقيق على الأرض، فهيئة تحرير الشام أعلنت رفضها تسليم سلاحها الثقيل، وكذلك الفصائل الأخرى القريبة منها، وتمترست في قلب المدينة، ومناطقها الأخرى الاستراتيجية استعدادا للمقاومة، ولا نعتقد ان الموعد الزمني، أي العاشر من الشهر المقبل سيكون كافيا لإقامة المنطقة العازلة، فهل سيستخدم الرئيس اردوغان القوة في مواجهة هذا التحدي؟

الروس يراهنون “باطنيا” على فشل الاتراك في ادلب، ويقولون لنظرائهم السوريين، لا يضيرنا الموافقة على خطة الاتراك في كسب الوقت، ووقف اطلاق النار، فحتى لو انهار الاتفاق، فأننا نكون كسبنا منطقة بعمق 20 كيلومترا دون اطلاق رصاصة واحدة، وحصلنا على شرعية تركية لشن الهجوم العسكري، نحن وضعنا القنبلة في يدهم وجلسنا ننتظر، والحل العسكري قادم لا محالة.

بالنظر الى النقطة الثالثة والأخيرة، كان لافتا انه لم يتم اجراء أي اتصال بين الرئيس السوري بشار الأسد ونظيره الروسي بوتين بعد حادث اسقاط الطائرة، واكد ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين هذ الحقيقة، وتفيد معلوماتنا التي استقيناها من مصادر مطلعة، ان القيادة السورية وحلفاءها الإيرانيين أصيبوا بحالة من الصدمة بعد انكشاف مستوى التنسيق الروسي الإسرائيلي العملياتي في سورية، وكذلك عدم قيام الدفاعات الجوية الروسية بالتصدي للطائرات الإسرائيلية المغيرة التي مرت بجانب قاعدتها الجوية.

لا نستبعد ان يكون عدم الاتصال الهاتفي بين الرئيسين السوري والروسي جاء انتظارا للقاء مباشر في موسكو وجها لوجه لبحث معمق لمسألة الغارات الإسرائيلية المتكررة على سورية وبلغت 2010 غارات حتى الآن في الأشهر الـ18 الماضية، او وجود ترتيبات لزيارة وفد عسكري روسي كبير لدمشق، فالسوريون يرون ان استلامهم صواريخ جوية متقدمة قادرة على اسقاط الطائرات الإسرائيلية التي تخترق أجواء بلادهم وتعتدي عليهم قد حان وقته وبات حتميا.

***

نجزم بأن إيجابيات الغارة الإسرائيلية الأخيرة على اهداف عسكرية سورية في منطقة اللاذقية أكبر بكثير من سلبياتها، لانها أحدثت شرخا في العلاقات الروسية الإسرائيلية أولا، وقد تؤدي الى حدوث تقارب تركي سوري، وتعزيز المحور الثلاثي الروسي الإيراني التركي أيضا.

التصريحات المفاجئة التي ادلى بها السيد ياسين اقطاي مستشار الرئيس التركي لوكالة أبناء “سبوتنيك” الروسية اليوم (الأربعاء) واتهم فيها إسرائيل بمحاولة “تخريب الجو الإيجابي الذي ظهر بعد اتفاق ادلب، وان اسقاط الطائرة الروسية يؤكد ان إسرائيل تريد اضعاف سورية وزعزعة استقرارها واستمرار الحرب والقتل فيها، سواء كان يحكمها الرئيس الأسد او غيره، حتى لا تكون هناك دولة قوية في جوارها”، هذه التصريحات تشي بالكثير، خاصة انها تأتي على لسان مستشار قليل الكلام في الملف السوري تحديدا، ويوصف بأنه ليس من مجموعة الصقور في مكتب الرئاسة التركي تجاه الملف السوري.

نتوقع الكثير من التطورات المفاجئة في الملف الخماسي السوري الإسرائيلي الروسي التركي الإيراني في الأسابيع القليلة المقبلة، ولا نتوقع ان تكون في مصلحة تل ابيب التي ارتكبت واحدة من أكبر خطاياها بتهيئة الظروف لأسقاط الطائرة الروسية، والتعاطي بغطرسة وفوقية مع الرئيس بوتين.. والأيام بيننا.