تغريدة ترامب حول ادلب.. والحشودات البحرية الامريكية والروسية غير المسبوقة ترجح احتمالات الحرب.. من الذي يقف خلف هذا التصعيد الأمريكي المفاجئ؟ إسرائيل والسعودية لمنع أي انتصار سوري إيراني؟ ولماذا نعتقد ان الأيام الاربعة المقبلة ستكون حاسمة سلما او حربا؟

عبد الباري عطوان

الوضع التراجيدي السوري يقترب من محطته النهائية في ادلب، سلما او حربا، حيث تستعد قوات الجيش العربي السوري، مدعومة على الأرض بقوات إيرانية وأخرى تابعة لـ”حزب الله”، وفي الجو بطائرات روسية، واكثر من 25 سفينة حربية روسية الى جانب غواصتين في البحر المتوسط، تحسبا لاي تدخل امريكي عسكري لمنع استعادة المدينة التي تعتبر آخر معاقل “هيئة تحرير الشام” (النصرة) والجماعات السلفية الأخرى، الى سيادة الدولة السورية مجددا بعد غياب دام اكثر من سبع سنوات.

الحشودات البحرية الامريكية والروسية، سواء قبالة السواحل السورية شرق المتوسط، او في مياه الخليج العربي (حيث حلفاء أمريكا) توحي بأن القوتين العظميين تستعدان لمواجهة عسكرية إقليمية او عالمية، اذا لم يتم التوصل الى تسوية، او حاولت إدارة ترامب الوقوف في طريق “تحرير” المدينة (ادلب).

المناورات البحرية العسكرية التي أجرتها القيادة الروسية شرق المتوسط، وبمشاركة صينية هي الاضخم من نوعها منذ 40 عاما، مما يعني ان احتمالات الصدام مع الولايات المتحدة وارد، وان القيادة الروسية اجرت حساباتها جيدا، ولن تضحي بانجازها الأكبر في سورية.

***

تغريدة الرئيس دونالد ترامب التي نشرها على حسابه على “التويتر” وقال فيها “على الرئيس الأسد ان لا يهاجم ادلب، وسيرتكب الروس والايرانيون خطأ إنسانيا جسيما اذا ما شاركوا في هذه المأساة الإنسانية التي يمكن ان تؤدي الى مقتل مئات الألوف”، هذه التغريدة رجحت احتمالات الحرب، خاصة ان الرد الروسي عليها جاء على لسان ديمتري بيسكوف، الناطق باسم الرئيس بوتين، جاء رافضا بقوة لهذه التحذيرات، مؤكدا “ان وجود مسلحين في ادلب يقوض عملية السلام في سورية، ويجعل من المدينة قاعدة لشن هجمات على القوات الروسية في قاعدتي حميميم (الجوية) وطرطوس (البحرية)، وهذه إشارة الى تزايد الهجمات سواء بالطائرات المسيرة، او بالصواريخ على هذه القواعد في الأسابيع الأخيرة.

الرئيس ترامب لم يوجه مثل هذه التحذيرات اثناء هجوم الجيش السوري لاستعادة ادلب او درعا، والتزمت ادرته بسياسة “صمت الموافق”، فلماذا كسر الرئيس الأمريكي هذه القاعدة فجأة، وحرك اساطيله بإتجاه المياه السورية؟ وهدد برد كاسح اذا جرى استخدام أسلحة كيماوية يؤكد الروس انه غير وارد على الاطلاق؟

الإجابة جاءت على لسان خبيرين استراتيجيين أحدهما امريكي، والثاني بريطاني، شاركت معهما في برنامج Cross Talk، على قناة “روسيا اليوم” اليوم (الثلاثاء)، التي تبث باللغة الإنكليزية، وقالا بالحرف الواحد، ان إسرائيل والسعودية هما اللتان حرضتا ترامب على اتخاذ هذا الموقف الصقوري التصعيدي، لانهما لا يريدان للحلف الروسي الإيراني السوري ان ينتصر، وان تحقق روسيا أهدافها في سورية، وابرزها عودة اللاجئين، ووضع هيكل ديمقراطي توافقي جديد للدولة السورية على أرضية مصالحة تكرس امنها واستقرارها.

إسرائيل فشلت في انهاء الوجود الإيراني في سورية من خلال الضغوط على موسكو للقيام بهذا الدور، او من خلال غاراتها الجوية والصاروخية على اهداف عسكرية وايرانية داخلها، ونعتقد ان الهجوم الأمريكي على أرضية الازمة في ادلب هو الفرصة الأخيرة، ولا نستبعد ان يكون اتفاقا جرى التوصل اليه بهذا الخصوص، اثناء زيارة جون بولتون، مستشار الامن القومي الأمريكي، وأشرس حلفاء إسرائيل للقدس المحتلة ولقائه مع نظيره الإسرائيلي الى جانب نتنياهو ومجموعة من الجنرالات في الأسبوع الماضي.

ما يعزز هذه الفرضية، تهديدات افيغدور ليبرمان، وزير الحرب الإسرائيلي، الذي اطلقها امس، بعد تسرب انباء زيارة امير حاتمي، وزير الدفاع الإيراني، الى دمشق قبل بضعة أيام، ولقائه مع الرئيس بشار الأسد، وقيامه بجولة استعراضية في حلب، وتوقيعه اتفاق مع الحكومة السورية يشرعن الوجود العسكري الإيراني، فقد استشاط ليبرمان غضبا، واكد ان غاراته على اهداف إيرانية لن تقتصر على سورية، وانما قد تمتد الى مناطق أخرى مثل العراق، ولعل الغارات الصاروخية الإسرائيلية التي استهدفت أهدافا إيرانية في مدينة حماة وطرطوس، وقبلها مطار المزة، احد مظاهر هذا القلق الإسرائيلي.

الرئيس ترامب مطمئن الى امر واحد، وهو انه في حال نشوب مواجهة مع روسيا في ادلب فان المملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى من بينها دولة الامارات، ستتولى تغطية معظم النفقات، ان لم يكن كلها، ولا نستبعد ان تتصدر هذه المسألة مباحثات الشيخ صباح الأحمد، امير الكويت، مع الرئيس الأمريكي اثناء لقائهما في البيت الأبيض غدا الأربعاء الى جانب الازمة الخليجية طبعا.

الأيام الأربعة المقبلة قد تكون هي الأخطر في هذا الملف، أي ادلب وحواشيها، وإذا لم تنجح الجهود المحمومة المبذولة حاليا في التوصل الى حل سياسي مقبول من جميع الأطراف، فإن الحل العسكري يصبح حتميا، وقد يتطور الى حرب إقليمية او عالمية.

نقول ذلك لان القمة الثلاثية الروسية التركية الإيرانية التي ستعقد في طهران يوم الجمعة المقبل قد تتحول الى قمة حرب اذا تعذر السلام، وهناك مؤشرات كثيرة ترجح بدء الهجوم السوري الكاسح يوم السبت الموافق العاشر من أيلول (سبتمبر).

***

تركيا تخشى من تدفق مليوني لاجيء من ادلب، ومن بينهم مسلحون وأعضاء في النصرة، الى حدودها طلبا للنجاة، مثلما تخشى القضاء على الفصائل السورية (التركستانية) وغير السورية التابعة لها، في أي قصف روسي سوري للمدينة، ولكن تصنيفها المتأخر (قبل أسبوع) لهيئة تحرير الشام (النصرة) كمنظمة إرهابية يوحي بأنها مع تصفيتها أولا، واحتمالات توصلها الى تفاهمات سياسية وعسكرية، مع الروس والإيرانيين في المدينة (ادلب) ثانيا، يوحي بأن تأييدها للهجوم على ادلب شبه مضمون.

السلطات السورية حازمة في موقفها استعادة ادلب آخر المناطق الهامة الخارجة عن سيطرتها مهما كان الثمن، ويجادل المتحدثون بإسمها بالسخرية من حديث ترامب عن مأساة إنسانية، بالقول ان ترامب دمر الموصل والرقة بالكامل فوق رؤوس اهاليهما للقضاء على “الدولة الإسلامية” (داعش)، ولم يسمحوا بخروج مقاتل واحد حيا، وسلفه جورج بوش قتل مليونين من أبناء العراق، سواء تحت الحصار او بالقصف الجوي، أي انه آخر انسان يحق له التحذير من كارثة إنسانية، مثلما قال مسؤول سوري كبير لمراسلنا في بيروت.

نتمنى حلا سياسي يحل دون سفك دماء الأبرياء، ويعيد ادلب في الوقت نفسه الى حضن الدولة السورية، ولكن التمنيات شيء والواقع شيء آخر مختلف كليا، ونضع أيدينا على قلوبنا، ونتوقع الأسوأ إنسانيا.

الأيام القادمة ستكون حاسمة جدا في الملف السوري، وربما مثلما قلنا سابقا ستحدد مصير الشرق الأوسط برمته.. والأيام بيننا.