الذكرى الخامسة لصدور “راي اليوم”: اين أصبنا وأين اخطأنا؟ وما الجديد الذي قدمناه في عالم الصحافة؟ ولماذا كانت مغامرة محفوفة بالمخاطر؟ وكيف ننظر الى المستقبل  في ظل امبراطوريات إعلامية وحالة استقطاب مرعبة؟

عبد الباري عطوان

في مثل هذا اليوم، الثاني من أيلول (سبتمبر)، وقبل خمس سنوات، اصدرنا صحيفة “راي اليوم” من غرفة صغيرة قرب محطة المترو الأرضي في حي همرسميث اللندني المتواضع، وكنا شخصين فقط الى جانب المهندس الالكتروني الذي قام بترتيب كمبيوترين وبرمجتهما، الزميلة مها بربار مديرة التحرير، والعبد الداعي لكم بطول العمر وراحة البال.

كانت مغامرة، ولكن محسوبة، فلا أنتمي شخصيا الى الجيل الجديد، او جيل “الديجتال”، حسب توصيف الزميل الصديق العزيز بسام البدارين، وما زلت اكتب مقالاتي على الورق، واستمتع بالضغط على القلم، تماما مثل الكتاب الأوائل الرواد، وكأننا لسنا في عالم الهاتف الرقمي الذكي، وعصر “اليوتيوب”، والواي فاي، والايميل، والسيارات الحديثة التي تسير بالكهرباء، وبدون سائق، وتصّف لوحدها في المرآب.

ادركنا ان زمن الصحافة الورقية دخل مرحلة “الاحتضار”، وكان لا بد من مجاراة العصر واحكامه، وقررنا ان نخوض معترك الثورة الالكترونية، او الرقمية على وجه الدقة، واعترف انها كانت نقلة صعبة في حياتي المهنية محفوفة بالمخاطر، والخوف من الفشل، ولكن من يركب البحر لا يخشى من الغرق.

***

كان رهاننا الأبرز على الشباب، وافساح المساحة الأكبر لهم، ولم يكن الرهان سهلا، فالشباب يعني التجديد والابداع، والمغامرة، وكسر الكثير من المحرمات السياسية والمهنية، الامر الذي يتطلب صبر أيوب، ولكن لا خيار آخر، ولا وصفة للنجاح غير هذه الوصفة، في هذا الزمن سريع التغيير، وكثير المفاجآت.

عديدون شككوا في هذه التجربة وفرص نجاحها، وكانوا محقين في ذلك، خاصة من أبناء جيلي، والذين عرفوني من خلال تجربتي الصحافية الورقية، والبعض منهم أشفق علي شخصيا، وعبر عن هذه الشفقة بكل ادب، ولكن الرسالة وصلت، وجرحت في الوقت نفسه، في ظل حالة الاندفاع التي كانت تجتاحني، والرغبة في بداية تعيدنا الى الخريطة لمواصلة المسيرة.

العبارة التي كنت ارددها طوال الوقت للزملاء، وهم قلة يعدون على أصابع اليد الواحدة حتى الآن، “اننا نزرع زيتونا وليس طماطم”، وعلينا اتباع “سياسة الحصالة”، أي خلق تراكمية، والتحلي بالإرادة والنفس الطويل.

ابتدعنا “العناوين الطويلة” في كسر لقواعد الصحافة التقليدية، فتعرضنا للكثير من الانتقاد، وأدركنا ان العالم العربي، وفي ظل ثورة الاتصال و”السوشيال ميديا” لم يعد الخبر يحظى بالاولوية، فقد كان وصوله أسرع من البرق، ولا مجال للسبق او التميز، العالم العربي بحاجة الى “الرأي” القوي، والتحليل المنبي على المعلومة، والمدعم بالأدلة والبراهين المقنعة، واحترام جميع الآراء ووجهات النظر، والزملاء أصحابها في طبيعة الحال، وعدم الانجرار الى “مهاترات” ومعارك “دونكشوتية”.

حاولنا، وما زلنا نحاول، ان نوجد منبرا مستقلا، او خيمة مهنية صغيرة، وسط ناطحات سحاب إعلامية ضخمة وباذخة، في زمن استقطاب اعلامي غير مسبوق، تقف خلفه امبراطوريات مالية مليارية، وآمنا، وما زلنا نؤمن، ان “استقلاليتنا” هي مصدر قوتنا الحقيقية التي تميزنا عن غيرنا، وطريقنا الأقصر للوصول الى القارئ وكسب ثقته.

تعلمنا من تجارب سابقة ان نتجنب الديون، و”ان نمد ارجلنا على قدر لحافنا”، والا نتهور ماليا، ويكون اعتمادنا بالدرجة الأولى على الدخل الإعلاني، وهكذا كان، وتجاوب معنا القارئ بكل اريحية، وزاد الاقبال علينا شهرا بعد شهر، وتجاوزنا حاجز النصف مليون قارئ يوميا قبل عام تقريبا، ووثقنا ذلك في تقرير سابق بالصورة، ونطمح للوصول الى المليون، ونعتقد اننا نقترب من تحقيق هذا الهدف بسرعة، ونفتخر ان شركة “غوغل” قد هنأتنا بإعطائنا خمس نجوم في تقييمها لصحيفتنا.

نتقدم بهذه المناسبة بالشكر الى كل الزملاء المراسلين الذين آمنوا بهذه التجربة، وصمدوا معنا خمس سنوات، وتحملوا الحاحنا ومطالبنا المهنية الصعبة بمبالغ أقرب الى الرمزية، كما اننا ندين في الوقت نفسه بالفضل والعرفان الى العديد من الكتاب والكاتبات الاحرار والشرفاء الذين “تطوعوا” بالكتابة في هذا المنبر، ولو هذه المساحة تسمح لذكرناهم واحدا واحدا، وكلهم اعزاء علينا، نفتخر ونعتز بهم وبابداعاتهم.

الشكر أيضا الى قراء هذه الصحيفة، والنشطاء في منبر تعليقاتها، ومستواهم الراقي جدا في التعبير، والنقد، والنقاش، ونسبة كبيرة منهم اصبحوا نجوما لهم قراء متابعون، وحولوا خانة التعليقات الى منبر ديمقراطي حر يتسع لجميع الآراء، باستثناء من يخرج عن شروط التعليق، والقوانين المرعية في البلد الذي نصدر منه، والبلاد التي نصل اليها.

***

اجتهدنا، وأصبنا واخطأنا، ولا يضيرنا الاعتراف بالخطأ، والعمل على تصحيحه وتجنبه، وكان انحيازنا دائما للقارئ الذي هو سيدنا ومرجعيتنا وطموحنا، سواء الذي يتفق معنا او يختلف، ومنبر “راي اليوم” شاهد على ذلك.

نحاول دائما إقامة جسور الحوار مع الجميع، باستثناء العدو الإسرائيلي الذي يحتل ارضنا العربية، ونتمسك بانتمائنا العروبي، وعقيدتنا الإسلامية، ونحمد الله اننا لم نحجب الا في دولة واحدة فقط.

سنظل صحيفة لكل العرب، وسنواصل بذل الجهود لتقديم تغطية مهنية متوازنة، وتهمنا دائما آراءكم، مهما كانت مختلفة وناقدة، وسنواصل مسيرتنا بدعمكم، ونأمل ان نحتفل بالذكرى العاشرة ونحن اصلب عودا، وكل عام وانتم بألف خير.